25 ربيع الأول 1439 هـ   -  14 ديسمبر 2017 م
الرئيسة  >> الفتاوى >> مستجدات ونوازل 

حقوق الإنسان

هل هناك مفهوم لحقوق الإنسان في الإسلام؟ وما سنده الفلسفي إن وجد؟ وما العلاقة بينه وبين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وما تبعه من إعلانات ومواثيق؟ وهل حال المسلمين اليوم حجة على الإسلام في هذا المجال؟ 

الجواب : أمانة الفتوى

مسألة حقوق الإنسان أصبحت اليوم من الموضوعات التي تتصدر اهتمامات المجتمع الدولي وتتعدد فيها وجهات النظر، وتتباين المواقف مما يشوش الأذهان، ويفسح المجال للمزايدات والمغالطات، كما أن مسألة حقوق الإنسان قد صارت اليوم عند بعض الأطراف ولدى بعض الجهات مدخلًا إلى تشويه صورة العالم الإسلامي، وإلى الإضرار بسمعة المسلمين، بل وإلى النيل من الإسلام والطعن في شريعته، ويكفي أن نراجع الأدبيات المعاصرة التي تتحدث عن حقوق الإنسان وتاريخها ومتى بدأت نجد ما يشبه الإجماع أنها بدأت بالمجنا كارتا عام 1215م الصادرة على إثر ثورة الشعب ضد طغيان الملك في إنجلترا، وعريضة الحق لعام 1628م، وإعلان الحقوق الصادر عام 1689م في إنجلترا كذلك، ثم إعلان الاستقلال في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1776م، ثم إعلان حقوق الإنسان والمواطن على إثر الثورة الفرنسية عام 1789م، وهكذا وصولًا إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948م. انظر: "مفهوم حقوق المرأة وعلاقته بحقوق الإنسان" لهادي محمود، مقال بمجلة "الحوار المتمدن" (العدد: 419، ص: 3).
وكأن الحفاظ على الإنسان والاعتراف به وبكرامته لم تولد ولم تَرَ النور إلا في الغرب والغرب وحده دون الاعتراف لأية أمة أو حضارة بفضل في هذا الجانب خاصة الأمة الإسلامية، وهذا غير صحيح. انظر: "الإسلام وحقوق الإنسان" د/ محمد عمارة (ص: 4، ضمن سلسلة "عالم المعرفة" رقم: 89)؛ حيث إن الإسلام هو الحضارة الوحيدة التي قدمت مفهومًا متكاملًا لحقوق الإنسان، ويكفي أن نتفحص نظرة الإسلام للإنسان والتي تمثل مكونًا أساسيًّا لعقل المسلم وهي نظرة منبثقة أساسًا من نظرة المسلم للكون فهو يرى الكون يسبح لله ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: 44]، ويرى الكون كله ساجدًا لله ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: 6]؛ لذا يرى المؤمن الإنسان سيدًا في هذا الكون وليس سيدًا لهذا الكون، فسيد الكون هو الله كما في الحديث: «فَإِنَّمَا السَّيِّدُ هُوَ اللهُ» رواه النسائي في "السنن الكبرى"، والبيهقي في "دلائل النبوة"؛ لأن الله خلق الكون وأنشأه ورزقه وأحياه وأماته فهو سيده، وكون الإنسان سيدًا في هذا الكون يجعله فريدًا، ومتعه بالعقل والعلم وحمل الأمانة، وتتلخص المسألة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70]، وخلقه في أحسن تقويم: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4]، ونفخ فيه من روحه: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: 72]، وأمر الملائكة بالسجود له: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة: 34]. يقول الإمام ابن كثير في "تفسيره" (1/ 80): [وهذه كرامة عظيمة من الله تعالى لآدم، وامتن بها على ذريته] اهـ.
وجعله خليفة له: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]، ووهبه العلم: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31]، ووهبه الأمانة: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: 72].
ليس هذا فحسب، بل سخر له ما في السماوات والأرض: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [لقمان: 20]، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [إبراهيم: 33].
فنظرية التسخير هذه كونت عقل المسلم بأنه سيد في هذا الكون وأنه عبد لله فيه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، كما أن المسلم لا ينظر للإنسان على أنه جزء من الكون فكونه مكرمًا جعله فريدًا وحيدًا سيدًا على قمة الهرم الخلقي من كائنات حية ونبات وجماد، وهذا جعل الإنسان لا تصلح معه المناهج الإحصائية والتطبيقية التي تتعامل معه كمادة فقط، والإنسان لا يصلح معه مثل هذا المنهج، فهو ليس قطعة خشب ولا مجرد قطعة لحم؛ لأنه مكون من عقل ووجدان وروح ونفس...، إلخ هذه التقدمة تمثل فلسفة الإسلام تجاه الإنسان ونظرة المسلم إلى الإنسان كإنسان وهي تؤثر قطعًا على ما تدعو إليه كثير من الأمم إلى ما يسمى بحقوق الإنسان.
وعند الحديث عن حقوق الإنسان لا بد أن نعرف كلمة (حق) التي هي مفرد (حقوق).
فالحق في اللغة: كما قال الإمام الجوهري في "الصحاح" (مادة: ح ق ق): [الحق خلاف الباطل والحق واحد الحقوق] اهـ.
ويقول العلامة الجرجاني: الحق ضد الباطل، وكل حق يقابله واجب وهو الحكم المطابق للواقع، وهو اسم من أسماء الله تعالى، وحق الأمر يحق حقًّا وحقوقًا صار حقًّا وثبت اهـ. راجع: "التعريفات" (ص: 120، ط. دار الكتاب العربي)، و"لسان العرب" لابن منظور (مادة: ح ق ق).
وقال العلامة الفيروز آبادي: الحق: من أسماء الله تعالى أو من صفاته، والقرآن، وضد الباطل، والأمر المقضي، والعدل، والإسلام، والمال، والملك، والموجود، والثابت، والصدق، والموت، والحزم اهـ. انظر: "القاموس المحيط" (مادة: ح ق ق).
وفي الاصطلاح: يشير مفهوم الحق إلى جملة من المعايير التي تهدف إلى تنظيم العلاقات البشرية، وتأمين المصالح الإنسانية، وقد عرف بأنه: مصلحة قررها الشرع لينتفع بها صاحبه، ويتمتع بمزاياها، وقد يكون الحق مقررًا أو ثابتًا بنظام أو قانون معين أو تشريع خاص أو إعلان دولي أو اتفاقية نهائية. انظر "قراءة في رسالة الحقوق" لعلي زين العابدين لحيدر عادل، مقال بمجلة "النبأ" (عدد: 63، ص: 3). أو هو بمعنى السلطة والمكنة المشروعة أو بمعنى المطلب الذي يجب لأحد على غيره.
وهكذا يمكن القول بأن الحق يرتبط بالمجموعات البشرية ومفاهيمها ويتطور بتطورها، ويظل دائمًا أمرًا اجتماعيًّا محددًا بجملة من المعايير والقوانين وهو بذلك ليس مقولة إنسانية مجردة، وإنما هو تعبير تاريخي وضرورة ملحة لتنظيم علاقات المجتمع.
وبتتبع المصادر الإسلامية نجد الإسلام قد أعطى الإنسان عمومًا -كإنسان دون تفرقة بين لون وجنس ودين- مجموعة من الحقوق تحفظ عليه نظرة الإسلام التي ذكرناها آنفًا للإنسان، وهذه الحقوق كثيرة جدًّا سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وحقوق الأسرة وحقوق المرأة وحقوق الطفل وغيرها.
كما أن الإسلام في نظرته لهذه الحقوق لم يعتبرها مجرد حقوق يجوز للفرد أو الجماعة أن يتنازل عنها أو عن بعضها, وإنما هي ضرورات إنسانية فردية كانت أو جماعية، ولا سبيل إلى حياة الإنسان بدونها حياة تستحق معنى الحياة، ومن ثم فإن الحفاظ عليها ليس مجرد حق للإنسان، بل هو واجب عليه أيضًا يأثم هو في ذاته -فردًا أو جماعة- إذا هو فرط فيه، فضلًا عن الإثم الذي يلحق كل من يحول بين الإنسان وبين تحقيق هذه الضرورات. انظر: "الإسلام وحقوق الإنسان" (ص: 15).
ويأتي على رأس قائمة حقوق الإنسان حق الحياة؛ لأنه أساس جميع الحقوق وسابق عليها وبدونه تصبح باقي الحقوق لا قيمة لها. انظر: "عقيدة حقوق الإنسان" للدكتور أحمد عمر بوزقية بحث بمجلة "دراسات قانونية الليبية" (العدد: 17، ص: 47).
ونلاحظ البون الشاسع بين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948م في هذا الشأن حيث نصت مادته الثالثة على أن: [لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه] اهـ.
وبين كفالة الإسلام لهذا الحق وجعله الحفاظ على الحياة واجبًا على الفرد والمجتمع والدولة بل وتأمين الوسائل اللازمة لحفظه من غذاء ودواء وأمن، فأمر مشددًا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 151]، كذلك ليس للإنسان أن ينتحر ويقتل نفسه أو يوردها موارد التهلكة وإلا استحق اللعنة والغضب من الله ومن المجتمع يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]، وليس لأحد مهما كانت مكانته وسلطانه أن يغصب الإنسان حق الحياة، ومن فعل ذلك بغير حق فقد أذن الناس جميعًا بالحرب وآذن معهم الله سبحانه الذي جعل لنفسه فقط صفة الإحياء والإماتة.
والإنسانية كلها متضامنة في رفع اليد التي تبسط لقتل أخيها الإنسان فإن كل بني آدم إخوة، فإذا قصدت الإنسانية في ذلك دخلت كلها في إثم إقرار الجريمة وعدم استنكارها، وتأمل صيغ العموم في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]، ثم إن الإسلام لم يشرع حد القصاص في القتل إلا حفاظًا على هذا الحق المقدس: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 179].
كما أنكر على الذين يقتلون أولادهم من الفقر أو خشية الفقر: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 13]، وليست أي حياة بل الحياة الحرة الكريمة؛ لذا لا يجوز لأحد كائنًا من كان استرقاقه، ففي الحديث: «قَالَ اللهُ: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ... وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ»، كما نص فقهاء المسلمين على أن الحر لا يدخل تحت اليد أصلًا. انظر: "فتح العزيز" للرافعي (11/ 263، ط. دار الفكر).
وما يحفظ كرامة الإنسان النهي عن التنابز بالألقاب: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: 11]، أي لا يدعو المرء صاحبه بما يكرهه من اسم أو صفة، كما حرم الغيبة: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: 12]، كما حرم السخرية من الإنسان عمومًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا﴾ [الحجرات: 11]، بل دعا إلى حفظ كرامة الإنسان حتى بعد موته؛ قال صلى الله عليه وآله وسلم: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا» رواه أبو داود وابن ماجه.
وبمراجعة سريعة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة عام 1948م والذي يعتبره الكثيرون ثورة ونقلة نوعية في مجال حقوق الإنسان نجده يركز على ثلاثة حقوق أساسية وهي: الأخوة والمساواة والحرية. انظر: "حقوق الإنسان بين الإسلام والأمم المتحدة" للشيخ محمد الغزالي (ص: 7).
فالأخوّة أكد عليها الإسلام خاصة حين قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة مهاجرًا فآخى بين الأوس والخزرج والمهاجرين والأنصار غنيهم وفقيرهم قويهم وضعيفهم منطلقًا من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10].
وأشار القرآن للأخوّة البشرية عموًما حين قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13]، فكل البشر يرجعون إلى أب واحد وهو آدم، وأم واحدة وهي حواء، وأكد الإمام علي رضي الله عنه هذه المقولة في وصيته لمالك الأشتر حينما بعثه واليًا على مصر: [الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق] راجع: "الثورة البائسة" للدكتور موسى الموسوي (1/ 143).
أما المساواة: وهي التماثل الكامل أمام القانون، وتكافؤ كامل إزاء الفرص، وتوازن بين الذين تفاوتت حظوظهم من الفرص المتاحة. انظر: "الإسلام والأمن الاجتماعي" للدكتور محمد عمارة (ص: 95، ط. دار الشروق)، و"الإسلام وحقوق الإنسان" للدكتور محمد خضر (ص: 11).
وانطلاقًا من مبدأ الإخاء الإنساني الذي ذكرناه آنفًا بنى الإسلام علاقة الإنسان بأخيه على مبدأ المساواة المطلقة أمام القانون حتى يستقر العدل ويسود الحق، وتنمحي كل أثارة من ظلم وإجحاف فلا تمييز بين فرد وآخر لأي اعتبار سوى التقوى والعمل الصالح، وحتى هذا الاعتبار لا يعطي لصاحبه حقًّا زائدًا على غيره، ولكنه فقط يفرض التقدير والاحترام له من المجتمع دون محاباة أو نيل ما ليس له بحق؛ يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَيْسَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ فَضْلٌ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَبْيَضَ وَلَا لِأَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ فَضْلٌ، إِلَّا بِالتَّقْوَى» رواه الطبراني في "المعجم الكبير".
وفي العصر الحديث رفعت الثورة الفرنسية شعار المساواة، غير أن التجارب العملية تعلم الإنسان أن المبادئ والشعارات وحدها لا تكفي دون أن يكون هناك ما يحدد المضامين، ويفتح طريق التطبيق، ويفرض الجزاء عند المخالفة، وهذا ما نجده في الإسلام فهي تسوية أصلية بحكم الشرع، ومضمونها محدد وأساليب تطبيقها واضحة والجزاء عند مخالفتها قائم، وهو جزاء دنيوي وأخروي فقد ورد أن أبا ذر عيَّر بلالًا بأمه قائلًا له: يا ابن السوداء، فلما سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه الكلمة النابية أنكرها أشد الإنكار، وقال: «إِنَّكَ امْرِؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ»، وقد ندم أبو ذر على فعلته وأثرت كلمات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في نفسه فألصق خده بالأرض وقال للأسود: قم فطأ على خدي، وقد أورد البيهقي القصة في "شعب الإيمان" راجع: "حقوق الإنسان بين الإسلام والأمم المتحدة" (ص: 16).
هذه هي المساواة في الإسلام وحينما تختلف أوضاع الناس وأحوالهم، وتختلف أزمنتهم وأمكنتهم، ويوجد التنوع في الأجناس والألوان واللغات والغني والفقير والعالم والجاهل، ويختلف الموقع الاجتماعي والاقتصادي بين الناس، حينذاك تفرض المجتمعات معايير للتفاضل بين الناس إزاء هذا التنوع والاختلاف، ولا بد من وضع معيار للتفاضل؛ لأن المساواة المطلقة لا تكون إلا في الكيان الإنساني. والمشكلة تبدأ عند وضع هذا المعيار بحيث لا يخل بمبدأ المساواة في ذاته، وهذا ما تميز به الإسلام عن كل العهود والمواثيق المتعلقة بحقوق الإنسان حيث جعل معيار التفاضل التقوى، فمعيار التفاضل هنا يستطيع الارتقاء إليه كل البشر، ولا يقسم الناس إلى طبقات يعلو بعضها فوق بعض، وهو معيار يدفع إلى الرقي والسمو بالإنسان كإنسان، ويجعله أفضل لنفسه وللمجتمع الذي يعيش فيه هكذا يكون الإسلام قد هدم كل المعايير الزائفة التي كانت منتشرة في المجتمعات البشرية. انظر: "حقوق الإنسان في الإسلام" لعبد الله بن عبد المحسن التركي (ص: 34-44).
أما حق الحرية سواء كانت دينية أو فكرية أو مدنية أو سياسية فإن للإسلام قصب السبق فيها، ويكفي أن نقرأ المادة الأولى في الإعلان العالمي التي تقول: "يولد الناس أحرارًا متساوين في الكرامة وفي الحقوق"، والمادة الثانية: "إن لكل إنسان أن يتمسك بجميع الحقوق والحريات لا فرق بين شخص وآخر".
أما في الإسلام فقد جعل باب الحرية مفتوحًا على مصراعيه، ففي الحرية الدينية جعل للإنسان كامل الحرية في اختيار عقيدته: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]، ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]، وحدد مهمة الأنبياء في كلمة بليغة واضحة: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [المائدة: 99] اهـ. راجع: "الإسلام وحقوق الإنسان" للشيخ زكريا البري (ص: 15).
وجاء في "وثيقة أمن عمر بن الخطاب لأهل إيلياء": "أعطاهم أمانًا لأنفسهم، وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم.. أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضارّ أحد منهم"، وجاء مثله في "معاهدة عمر بن العاص لأهل مصر". انظر: "الإسلام وحقوق الإنسان" لزكريا البري (ص: 26)، و"حقوق الإنسان في الإسلام" لراشد الغنوشي (ص: 4).
أما الحرية الفكرية: حيث بنى الإسلام الاعتقاد الصحيح على النظرة في الكون: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: 20]، ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا للهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ: 46]، وكثيرًا ما نرى في القرآن ما يدعو إلى التفكير والتعقل والتدبر، مما يجعل من التفكير فريضة إسلامية وليس مجرد نشاط ذهني.
كما ينهى عن اتباع ما ليس للإنسان به علم، ولا يقوم عليه دليل، ويعيب على من يتابعون غيرهم ولو كانوا آباءهم من غير علم ولا هدى ولا كتاب منير؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]، وهذا ليس خاصًّا بباب العقيدة بل في باب الرأي والاجتهاد نجد الإمام أبا حنيفة يقول: هذا رأي أبي حنيفة وهو أحسن ما قدرنا عليه فمن جاءنا بخير منه فهو أولى بالصواب. ويقول الإمام مالك: أنا أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وما لم يوافق فاتركوه. انظر: "الإسلام وحقوق الإنسان" لزكريا البري (ص: 24).
كما اهتم الإسلام بالحرية المدنية بأن يكون للإنسان حرية التصرف في أموره الشخصية والمالية، ولا يقابلها الرق والعبودية التي يفقد فيها الإنسان هذه الحرية ولا يكون له أهلية التصرف، فقد جعل لكل فرد سيادة ذاتية يملك، ويرث، ويبيع، ويشتري، ويرهن، ويكفل، ويهب، ويوقف، ويوصي، ويتصرف، ويتزوج وهكذا في كل ما يحقق له مصلحة فردية أو جماعية. انظر: "الإسلام وحقوق الإنسان" لزكريا البري (ص: 46)، و"حقوق الإنسان بين الإسلام والأمم المتحدة" للشيخ محمد الغزالي (ص: 84).
وموقف الإسلام من الرق وسعيه للقضاء عليه وتجفيف منابعه واضح ظاهر لكل ذي عقل منصف. انظر: "الإسلام وحقوق الإنسان" للدكتور محمد عمارة (ص: 17).
كما اهتم الإسلام بالحرية السياسية وجعل لكل إنسان الحق في تولي الوظائف الإدارية صغراها وكبراها حتى رئاسة الدولة كما أن له الحق في إبداء رأيه دون إرهاب أو خوف: فقد أمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالمشورة، بل هناك سورة في القرآن تسمى بسورة الشورى وورد فيها الثناء على المؤمنين بأنهم أمرهم شورى بينهم.
كذلك اهتم الإسلام اهتمامًا بالغًا بحق العدالة وأعطى لكل إنسان مهما كانت مكانته ومهما كان منصبه حق التمتع بهذه العدالة فأمر بذلك صراحة: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]، ليس هذا فحسب، بل نهى أن تكون العداوة أو الخلاف في العقيدة أو الرأي مدعاة لمخالفة العدل: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
وعليه: فإن مفاهيم حقوق الإنسان في الإسلام كانت واضحة وضوح النهار كما أنها تميزت عن الإعلانات والعهود والمواثيق الدولية بعدة مزايا:
أولًا: من حيث الأسبقية والإلزامية حيث مر عليها أكثر من أربعة عشر قرنًا، والوثائق الدولية وليدة العصر الحديث، كما أن حقوق الإنسان في المواثيق الدولية عبارة عن توصيات أو أحكام أدبية، أما في الإسلام فهي فريضة تتمتع بضمانات جزائية حيث إن للسلطة العامة حق الإجبار على تنفيذ هذه الفريضة.
ثانيًا: ومن حيث العمق والشمول؛ لأن مصدرها هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أما مصدر الحقوق في القوانين والمواثيق فهو الفكر البشري، والبشر يخطئون أكثر مما يصيبون، ويتأثرون بطبيعتهم البشرية بما فيها من ضعف وقصور وعجز عن إدراك الأمور، بل وتتحيز في كثير من الأحيان، كما أنها في الإسلام تشمل جميع الحقوق.
ثالثًا: من حيث حماية الضمانات حيث إنها في الإسلام جزء من الدين جاءت في أحكام إلهية تكليفية لها قدسية تحد من العبث بها، ويجعلها أمانة في عنق كل المؤمنين فكون حقوق الإنسان تمثل عقيدة وسلوكًا طبيعيًّا للإنسان هو الضمان الوحيد لاحترامها.
بل إن للإسلام مزية فوق هذا أنه لا يرفض أي شيء فيه مصلحة للبشر ويحقق لهم السعادة دنيا وأخرى، بل على العكس يسارع إلى الاشتراك فيها؛ لذا لما سعى المجتمع الدولي إلى تحرير العبيد وإلغاء الرق؛ كان المسلمون أول الموقعين على اتفاقات تحريم الرق؛ لأنهم فهموا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يتحدث عن حلف الفضول في دار ابن جدعان حيث اجتمعت قريش وتعاهدت على نصرة المظلوم حيث قال: «لَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْتُ» رواه البيهقي في "السنن".
لذا قبل المسلمون جميع العهود والمواثيق الدولية التي تحض على احترام حقوق الإنسان إلا بعض التحفظات على بعض الجزئيات والمواد الفرعية والتي لا تتفق مع شريعة الإسلام.
كما يجب أن ننبه إلى أن المسلمين ليسوا حجة على الإسلام حيث لا تعرف أحكام الإسلام من السلوك العملي لبعض المسلمين وبخاصة في عصور الجهل والضعف والتفرق والتأثر والانفعال بمعاملة أعدائهم ومحاربتهم حربًا تخرجهم عن صوابهم وآداب دينهم، وما أصدق كلمة الإمام محمد عبده حين قال: ولست أبالي إذا انحرف بعض المسلمين عن هذه الأحكام عندما بدأ الضعف في صفوفهم، وضيق الصدر من طبع الضعيف، فذلك مما لا يلصق بطبيعته، ولا يخلط بطينته. اهـ. انظر: "الإسلام والنصرانية" (ص: 20)، و"الإسلام وحقوق الإنسان" لزكريا البري (ص: 10).
والله سبحانه وتعالى أعلم. 

Feedback