تصوير النازلة عند الفتيا

يقول العلماء إن هناك أربع مراحل تمر بها الفتوى في ذهن الفقيه قبل أن تصدر منه، ومن هذه المراحل "تصوير المسألة محل الفتوى"، فما المقصود من هذا المصطلح، وما ضوابط التصوير الصحيح لمسألة الفتوى؟

تمرُّ الفَتوى في ذهنِ الفقيهِ قبلَ أن تصدر منه بأربعِ مراحِلَ؛ وهي: التصوير، والتَّكييف، وبيان الحكم، ثم الإفتاء.
وتعدُّ هذه المراحل بمثابة مقدِّماتِ الفَتوىَ، فإذا صحَّتْ هذه المقدِّمات صَحَّتِ النتائِجَ المترتِّبة عليها وهي الفتوى، ولا تصحُّ المقدِّمات إلا بالعنايَة بالضوابط، ومن هنا تبرز أهميَّةُ الاعتناء بضوابط هذه المقدِّمات.
وأول هذه المقدمات التَّصويرُ، وهو من الفعل صوَّر يصوِّر؛ قال ابن الأثير في كتابه "النهاية في غريب الحديث" (3 /59، ط. المكتبة العلمية): [الصورة تَردُ في كلامِ العربِ على ظاهِرِها، وعلى معنى حقيقة الشَّيءِ وهيئَتِه، وعلى معنى صفَتِهِ، يقال: صورة الفعل كذا وكذا، أي: هيئته، وصورة الأمر كذا وكذا، أي: صفته] اهـ.
وفي "المعجم الوسيط" (مادة: ص و ر، ص: 528، ط. دار الدعوة): [(صَوَّرَهُ) جعل لَهُ صُورَةً مجسَّمَةً. وَفِي التَّنْزِيل الْعَزِيز: ﴿هُوَ الَّذِي يصوركم فِي الْأَرْحَام كَيفَ يَشَاء﴾ [آل عمران: 6]] اهـ.
وصوَّر الشيء أو الشخص: رسمه على الورق أو الحائط، ونحوهما بالقلم ونحوه، وصور الأمر: وصفه وصفًا، أي: كشف عن جزئياته. ويقال: تصورت الأمر، أي: علمت حقيقته وهيئته.
يقول الإمام الكفوي في "الكلِّيَّات" (ص: 559، ط. مؤسسة الرسالة): [والصورة: قد تطلق على تركيب المعاني التي ليست محسوسة، فإن للمعاني ترتيبًا أيضًا وتركيبًا وتناسبًا، ويسمى ذلك صورة، فيقال: صورة المسألة، وصورة الواقعة، وصورة العلوم الحسابية والعقلية كذا وكذا] اهـ بتصرف يسير.
أما التَّصَوُّر: فهو من الفعل الرباعي تصوَّر يتصوَّر، وهو حصول صورة الشيء في الذهن، أو إدراك المفردات -على اصطلاح المناطقة-، والتصوُّر والتصوير لغةً بمعنًى واحد.
أما التصوير في اصطلاح الأصوليين والفقهاء: فلم يرد له تعريف محدد عندهم؛ ولعل ذلك اكتفاءً بظهور معناه اللغوي -إذ إنهم يقصدون بالتصوير: بيانُ حقيقة الشيء ليتضح في ذهن الفقيه، ولا يكفي في ذلك مجرَّد التعريف الذي هو وسيلة التصور المنطقي، بل إن التصور الفقهي للمسألة يقترب أو يكاد يكون إدراكًا للواقع الذي هو الركن الأساسي في أركان الإفتاء.
يقول إمام الحرمين في "البرهان" (2 /233، ط. دار الكتب العلمية): [وأول ما يجب به الافتتاح: تصوير المسألة] اهـ.
ويقول فيه أيضًا (2/ 53): [ومن أهم ما يجب الاعتناء به: تصوير قياس الشبه، وتمييزه عن قياس المعنى] اهـ.
ويقول فيه أيضًا (2/ 256): [المسألة إذا حُقِّق تصويرها لم يبق فيها خلاف] اهـ.
ويقول حجَّة الإسلام الغزالي في "المنخول" متكلِّمًا عن علم الصحابة وعلم من بعدهم (ص: 608، ط. دار الفكر): [فإنهم -أي الصحابة- اشتغلوا بتقعيد القواعد وضبط أركان الشريعة وتأسيس كلياتها ولم يصوِّروا المسائل تقديرًا ولم يبوِّبوا ذلك الأبواب تطويلًا وتكثيرًا، ولكنهم كانوا يجيبون عن الوقائع مكتفين بها ثم انقلبت الأمور إذ تكررت العصور وتقاصرت الهمم وتبدلت السير والشيم، فافتقر الأئمة إلى تقدير المسائل وتصوير الوقائع قبل وقوعها ليسهل على الطالبين أخذها عن قرب من غير معاناة تعب] اهـ.
ويقول العلامة ابن دقيق العيد في "إحكام الإحكام" (ص: 289) عند ذكر مسألة تعارض نصَّين كل واحد منهما بالنسبة للآخر عام من وجه خاص من وجه؛ قال: [وتحقيق ذلك أولًا يتوقف على تصوير المسألة] اهـ.
وغير ذلك من النصوص التي يفهم منها قصدهم بتصوير المسألة، فهمها كما هي لينتقل الفقيه من بعد ذلك إلى المراحل التالية: التكييف.. إلخ.
ولخطر مرحلة التصوير فقد جعل الإمام ابن الصلاح أن التصوير الصحيح للمسائل لا يقدر عليه إلا فقيه النفس، ذا حظ من الفقه. انظر: "أدب الفتوى" (ص: 48).
وقد نص أهل العلم على أنه: لا يجوز للمفتي التساهل في تصور المسألة، والتسرع في الفتوى قبل استيفاء النظر والفكر في المسؤول عنه، ولذا نص من صنَّف في آداب الإفتاء أن المفتي عليه تأمل رقعة الاستفتاء كلمة كلمة ولتكن عنايته بتأمل آخرها أكثر، فإذا مر بمشتبهٍ سأل عنه المستفتي ونَقَطَه وشَكَلَه؛ مصلحةً لنفسه، ونيابة عمن يفتي بعده، ويلزمه التوقف عن الجواب عند عدم تصور الواقعة؛ لعدم القدرة على تحقيق المناط المناسب لها، وأن يستفسر مِن السائل عن مقصوده، ويطلب منه بيان مراده؛ ليتمكن من الجواب الصحيح له. انظر: "أدب الفتوى" للإمام ابن الصلاح (ص: 124).
يقول الإمام النووي في "آداب الفتوى" (ص: 75، ط. دار الفكر): [إذا لم يفهم المفتي السؤال أصلًا ولم يحضر الواقعة، فقال الصيمري: يكتب يزاد في الشرح ليجيب عنه، أو لم أفهم ما فيها فأجيب.. وقال الخطيب: ينبغي له إذا لم يفهم الجواب أن يرشد المستفتي إلى مفتٍ آخر إن كان، وإلا فليمسك حتى يعلم الجواب] اهـ.
وقد جعل ابن الصلاح في قوله السابق تصور المسألة شرطًا لتحقيق المناط المناسب لها؛ فالمفتي حين بحثه عن حكم مسألة جديدة فإنه يسلك عدَّة طرقٍ في سبيل الكشف عن حكمها، ومن هذه الطرق التحقق من ثبوت علَّة حكم مسألة منصوص عليها في هذه المسألة الجديدة، ومن ثَمَّ يثبت بإلحاق غير المنصوص بالمنصوص وهو القياس الشرعي، ولا يمكن تحقيق المناط إلا بالتصور الصحيح للمسألة المراد إلحاقها.
وكلُّ هذه الآداب التي ذكرها مَن ألَّفَ في آداب الفتوى تتضافر لتكون في مجموعها عدة أمور يصح جعلها ضوابط التصور الصحيح للمسألة محل الفتوى، ولهذا التصور مدرَكٌ شرعي، فهو ليس أمرًا الفقيه فيه بالخيار بين الإقدام عليه أو الإحجام عنه، فالتصور الخاطئ لمحل الفتوى -مهما كان سببه- فنتيجته خطأ الفتوى، بل وإثم المفتي إن قصَّر في التصور الكامل أو الصحيح، فهو من قبيل التقوُّلِ على الله بغير علم، وهو غير جائز؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36].
ولبلوغ المفتي كمال التصور الصحيح فإن عليه مراعاة عدة أمور وهي:
- أولها: جمع أكبر قدرٍ من المعلومات عن المسألة محل الفتوى؛ فيعرف نشأتها، وعناصرها، وأنواعها، وكيفية وقوعها، وخصائصها، وأطرافها، وتطورها، وهذا الجمع سهل في ظلِّ الثورة المعلوماتية المعاصرة، لكن قد يحتاج الفقيه إلى ممارسة ومعايشة لواقع المسألة ليكمل تصوره لها. ويقضي هذا الجمع الرجوع إلى المختصين لا سيما في العلوم البعيدة عن التخصص الشرعي كالطب والاقتصاد مثلًا.
- ثانيها: الاستفسار والاستفصال، وهذا يَرِدُ إن كان للمسألة صاحبٌ معين؛ بحيث يستفسر منه المفتي ما يُشكِل عليه، ويشقِّق له السؤال من أجل الوصول للتصور السليم؛ كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما في "الصحيحين": أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سأل ماعز بن مالكٍ فَقَالَ لَهُ: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوَ نَظَرْتَ»؟ قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، فلم يأمر برجمه حتى أقرّ بصريح الزنا.
وعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلى الله عَلَيه وَآله وسَلم، فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلاَمًا كَانَ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيه وَآله وسَلم: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَ هَذَا»؟ فَقَالَ: لا. فقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيه وَآله وسَلم: «فَأَرْجِعْهُ» متفق عليه.
والشاهد فيه: استفصال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، واستفساره من أجل أن يحكم في الواقعة بعد التصور الكامل لها.
وقد يلجأ المفتي للتشقيق عند تصور المسألة تصورًا كاملًا مع عدم معرفته بحال السائل، أو عندما تكون المسألةُ عامةً، فمثلًا يقول: إن كانت الصورةُ كذا فالحكم كذا، وإن كانت كذا فالحكم كذا.. إلخ، ولهذا شاهدٌ من قضاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فعَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ فَدَعَوْتُ لَهُ بِشَرَابٍ، فَشَرِبَ -أَوْ قَالَتْ: دَعَا بِشَرَابٍ-، فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَنِي فَشَرِبْتُ، وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمَا إِنِّي كُنْتُ صَائِمَةً، وَلَكِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَرُدَّ سُؤْرَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ: «إِنْ كَانَ قَضَاءً مِنْ رَمَضَانَ فَصُومِي يَوْمًا مَكَانَهُ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَإِنْ شِئْتِ فَاقْضِي، وَإِنْ شِئْتِ فَلَا تَقْضِي» رواه أبو داود.
- ثالثها: أن يَخبر المفتي أحوال الناس ويعايشهم ويخالطهم، ويعرف أساليبهم في التعامل، بحيث يقوى عنده جانب الفراسة التي تجعله يميِّز ولا يشتبه عليه الحق بالباطل، فمن استفتي في مسألة ولم يكن خبيرًا بواقع الناس وبعيدًا عن المخالطة فربما أوقعه ذلك في تصور خاطئ؛ يقول ابن الصلاح في "أدب الفتوى" (ص: 71): [لا يجوز له أن يفتي في الأيمان والأقارير ونحو ذلك مما يتعلق بالألفاظ إلا إذا كان من أهل بلد اللافظ بها، أو متنزلًا منزلتهم في الخبرة بمرادهم من ألفاظهم وتعارفهم فيها؛ لأنه إذا لم يكن كذلك كثر خطؤه عليهم في ذلك كما شهدت به التجربة] اهـ.
وهذا يرتبط بوجهٍ وثيقٍ بمعرفة مآلات الأفعال، ولا نبعد إن قلنا إنَّ بين معرفة المفتي للواقع وقراءته له قراءةَ حاذقٍ وبين معرفته بمآلات الأفعال علاقةً سببية؛ فالمعرفة الأُولى سببٌ في الثانية.
فمراعاة هذه الضوابط في تصور المسألة مُؤذِنٌ بصحة التصور؛ فصحة البدايات مرتَّب عليها صحة النهايات، والمقصود بالبدايات هنا: التصور، وبالنهاية: بيان الحكم.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

التفاصيل ....
اقرأ أيضا

تصوير النازلة عند الفتيا

يقول العلماء إن هناك أربع مراحل تمر بها الفتوى في ذهن الفقيه قبل أن تصدر منه، ومن هذه المراحل "تصوير المسألة محل الفتوى"، فما المقصود من هذا المصطلح، وما ضوابط التصوير الصحيح لمسألة الفتوى؟

تمرُّ الفَتوى في ذهنِ الفقيهِ قبلَ أن تصدر منه بأربعِ مراحِلَ؛ وهي: التصوير، والتَّكييف، وبيان الحكم، ثم الإفتاء.
وتعدُّ هذه المراحل بمثابة مقدِّماتِ الفَتوىَ، فإذا صحَّتْ هذه المقدِّمات صَحَّتِ النتائِجَ المترتِّبة عليها وهي الفتوى، ولا تصحُّ المقدِّمات إلا بالعنايَة بالضوابط، ومن هنا تبرز أهميَّةُ الاعتناء بضوابط هذه المقدِّمات.
وأول هذه المقدمات التَّصويرُ، وهو من الفعل صوَّر يصوِّر؛ قال ابن الأثير في كتابه "النهاية في غريب الحديث" (3 /59، ط. المكتبة العلمية): [الصورة تَردُ في كلامِ العربِ على ظاهِرِها، وعلى معنى حقيقة الشَّيءِ وهيئَتِه، وعلى معنى صفَتِهِ، يقال: صورة الفعل كذا وكذا، أي: هيئته، وصورة الأمر كذا وكذا، أي: صفته] اهـ.
وفي "المعجم الوسيط" (مادة: ص و ر، ص: 528، ط. دار الدعوة): [(صَوَّرَهُ) جعل لَهُ صُورَةً مجسَّمَةً. وَفِي التَّنْزِيل الْعَزِيز: ﴿هُوَ الَّذِي يصوركم فِي الْأَرْحَام كَيفَ يَشَاء﴾ [آل عمران: 6]] اهـ.
وصوَّر الشيء أو الشخص: رسمه على الورق أو الحائط، ونحوهما بالقلم ونحوه، وصور الأمر: وصفه وصفًا، أي: كشف عن جزئياته. ويقال: تصورت الأمر، أي: علمت حقيقته وهيئته.
يقول الإمام الكفوي في "الكلِّيَّات" (ص: 559، ط. مؤسسة الرسالة): [والصورة: قد تطلق على تركيب المعاني التي ليست محسوسة، فإن للمعاني ترتيبًا أيضًا وتركيبًا وتناسبًا، ويسمى ذلك صورة، فيقال: صورة المسألة، وصورة الواقعة، وصورة العلوم الحسابية والعقلية كذا وكذا] اهـ بتصرف يسير.
أما التَّصَوُّر: فهو من الفعل الرباعي تصوَّر يتصوَّر، وهو حصول صورة الشيء في الذهن، أو إدراك المفردات -على اصطلاح المناطقة-، والتصوُّر والتصوير لغةً بمعنًى واحد.
أما التصوير في اصطلاح الأصوليين والفقهاء: فلم يرد له تعريف محدد عندهم؛ ولعل ذلك اكتفاءً بظهور معناه اللغوي -إذ إنهم يقصدون بالتصوير: بيانُ حقيقة الشيء ليتضح في ذهن الفقيه، ولا يكفي في ذلك مجرَّد التعريف الذي هو وسيلة التصور المنطقي، بل إن التصور الفقهي للمسألة يقترب أو يكاد يكون إدراكًا للواقع الذي هو الركن الأساسي في أركان الإفتاء.
يقول إمام الحرمين في "البرهان" (2 /233، ط. دار الكتب العلمية): [وأول ما يجب به الافتتاح: تصوير المسألة] اهـ.
ويقول فيه أيضًا (2/ 53): [ومن أهم ما يجب الاعتناء به: تصوير قياس الشبه، وتمييزه عن قياس المعنى] اهـ.
ويقول فيه أيضًا (2/ 256): [المسألة إذا حُقِّق تصويرها لم يبق فيها خلاف] اهـ.
ويقول حجَّة الإسلام الغزالي في "المنخول" متكلِّمًا عن علم الصحابة وعلم من بعدهم (ص: 608، ط. دار الفكر): [فإنهم -أي الصحابة- اشتغلوا بتقعيد القواعد وضبط أركان الشريعة وتأسيس كلياتها ولم يصوِّروا المسائل تقديرًا ولم يبوِّبوا ذلك الأبواب تطويلًا وتكثيرًا، ولكنهم كانوا يجيبون عن الوقائع مكتفين بها ثم انقلبت الأمور إذ تكررت العصور وتقاصرت الهمم وتبدلت السير والشيم، فافتقر الأئمة إلى تقدير المسائل وتصوير الوقائع قبل وقوعها ليسهل على الطالبين أخذها عن قرب من غير معاناة تعب] اهـ.
ويقول العلامة ابن دقيق العيد في "إحكام الإحكام" (ص: 289) عند ذكر مسألة تعارض نصَّين كل واحد منهما بالنسبة للآخر عام من وجه خاص من وجه؛ قال: [وتحقيق ذلك أولًا يتوقف على تصوير المسألة] اهـ.
وغير ذلك من النصوص التي يفهم منها قصدهم بتصوير المسألة، فهمها كما هي لينتقل الفقيه من بعد ذلك إلى المراحل التالية: التكييف.. إلخ.
ولخطر مرحلة التصوير فقد جعل الإمام ابن الصلاح أن التصوير الصحيح للمسائل لا يقدر عليه إلا فقيه النفس، ذا حظ من الفقه. انظر: "أدب الفتوى" (ص: 48).
وقد نص أهل العلم على أنه: لا يجوز للمفتي التساهل في تصور المسألة، والتسرع في الفتوى قبل استيفاء النظر والفكر في المسؤول عنه، ولذا نص من صنَّف في آداب الإفتاء أن المفتي عليه تأمل رقعة الاستفتاء كلمة كلمة ولتكن عنايته بتأمل آخرها أكثر، فإذا مر بمشتبهٍ سأل عنه المستفتي ونَقَطَه وشَكَلَه؛ مصلحةً لنفسه، ونيابة عمن يفتي بعده، ويلزمه التوقف عن الجواب عند عدم تصور الواقعة؛ لعدم القدرة على تحقيق المناط المناسب لها، وأن يستفسر مِن السائل عن مقصوده، ويطلب منه بيان مراده؛ ليتمكن من الجواب الصحيح له. انظر: "أدب الفتوى" للإمام ابن الصلاح (ص: 124).
يقول الإمام النووي في "آداب الفتوى" (ص: 75، ط. دار الفكر): [إذا لم يفهم المفتي السؤال أصلًا ولم يحضر الواقعة، فقال الصيمري: يكتب يزاد في الشرح ليجيب عنه، أو لم أفهم ما فيها فأجيب.. وقال الخطيب: ينبغي له إذا لم يفهم الجواب أن يرشد المستفتي إلى مفتٍ آخر إن كان، وإلا فليمسك حتى يعلم الجواب] اهـ.
وقد جعل ابن الصلاح في قوله السابق تصور المسألة شرطًا لتحقيق المناط المناسب لها؛ فالمفتي حين بحثه عن حكم مسألة جديدة فإنه يسلك عدَّة طرقٍ في سبيل الكشف عن حكمها، ومن هذه الطرق التحقق من ثبوت علَّة حكم مسألة منصوص عليها في هذه المسألة الجديدة، ومن ثَمَّ يثبت بإلحاق غير المنصوص بالمنصوص وهو القياس الشرعي، ولا يمكن تحقيق المناط إلا بالتصور الصحيح للمسألة المراد إلحاقها.
وكلُّ هذه الآداب التي ذكرها مَن ألَّفَ في آداب الفتوى تتضافر لتكون في مجموعها عدة أمور يصح جعلها ضوابط التصور الصحيح للمسألة محل الفتوى، ولهذا التصور مدرَكٌ شرعي، فهو ليس أمرًا الفقيه فيه بالخيار بين الإقدام عليه أو الإحجام عنه، فالتصور الخاطئ لمحل الفتوى -مهما كان سببه- فنتيجته خطأ الفتوى، بل وإثم المفتي إن قصَّر في التصور الكامل أو الصحيح، فهو من قبيل التقوُّلِ على الله بغير علم، وهو غير جائز؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36].
ولبلوغ المفتي كمال التصور الصحيح فإن عليه مراعاة عدة أمور وهي:
- أولها: جمع أكبر قدرٍ من المعلومات عن المسألة محل الفتوى؛ فيعرف نشأتها، وعناصرها، وأنواعها، وكيفية وقوعها، وخصائصها، وأطرافها، وتطورها، وهذا الجمع سهل في ظلِّ الثورة المعلوماتية المعاصرة، لكن قد يحتاج الفقيه إلى ممارسة ومعايشة لواقع المسألة ليكمل تصوره لها. ويقضي هذا الجمع الرجوع إلى المختصين لا سيما في العلوم البعيدة عن التخصص الشرعي كالطب والاقتصاد مثلًا.
- ثانيها: الاستفسار والاستفصال، وهذا يَرِدُ إن كان للمسألة صاحبٌ معين؛ بحيث يستفسر منه المفتي ما يُشكِل عليه، ويشقِّق له السؤال من أجل الوصول للتصور السليم؛ كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما في "الصحيحين": أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سأل ماعز بن مالكٍ فَقَالَ لَهُ: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوَ نَظَرْتَ»؟ قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، فلم يأمر برجمه حتى أقرّ بصريح الزنا.
وعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلى الله عَلَيه وَآله وسَلم، فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلاَمًا كَانَ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيه وَآله وسَلم: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَ هَذَا»؟ فَقَالَ: لا. فقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيه وَآله وسَلم: «فَأَرْجِعْهُ» متفق عليه.
والشاهد فيه: استفصال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، واستفساره من أجل أن يحكم في الواقعة بعد التصور الكامل لها.
وقد يلجأ المفتي للتشقيق عند تصور المسألة تصورًا كاملًا مع عدم معرفته بحال السائل، أو عندما تكون المسألةُ عامةً، فمثلًا يقول: إن كانت الصورةُ كذا فالحكم كذا، وإن كانت كذا فالحكم كذا.. إلخ، ولهذا شاهدٌ من قضاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فعَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ فَدَعَوْتُ لَهُ بِشَرَابٍ، فَشَرِبَ -أَوْ قَالَتْ: دَعَا بِشَرَابٍ-، فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَنِي فَشَرِبْتُ، وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمَا إِنِّي كُنْتُ صَائِمَةً، وَلَكِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَرُدَّ سُؤْرَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ: «إِنْ كَانَ قَضَاءً مِنْ رَمَضَانَ فَصُومِي يَوْمًا مَكَانَهُ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَإِنْ شِئْتِ فَاقْضِي، وَإِنْ شِئْتِ فَلَا تَقْضِي» رواه أبو داود.
- ثالثها: أن يَخبر المفتي أحوال الناس ويعايشهم ويخالطهم، ويعرف أساليبهم في التعامل، بحيث يقوى عنده جانب الفراسة التي تجعله يميِّز ولا يشتبه عليه الحق بالباطل، فمن استفتي في مسألة ولم يكن خبيرًا بواقع الناس وبعيدًا عن المخالطة فربما أوقعه ذلك في تصور خاطئ؛ يقول ابن الصلاح في "أدب الفتوى" (ص: 71): [لا يجوز له أن يفتي في الأيمان والأقارير ونحو ذلك مما يتعلق بالألفاظ إلا إذا كان من أهل بلد اللافظ بها، أو متنزلًا منزلتهم في الخبرة بمرادهم من ألفاظهم وتعارفهم فيها؛ لأنه إذا لم يكن كذلك كثر خطؤه عليهم في ذلك كما شهدت به التجربة] اهـ.
وهذا يرتبط بوجهٍ وثيقٍ بمعرفة مآلات الأفعال، ولا نبعد إن قلنا إنَّ بين معرفة المفتي للواقع وقراءته له قراءةَ حاذقٍ وبين معرفته بمآلات الأفعال علاقةً سببية؛ فالمعرفة الأُولى سببٌ في الثانية.
فمراعاة هذه الضوابط في تصور المسألة مُؤذِنٌ بصحة التصور؛ فصحة البدايات مرتَّب عليها صحة النهايات، والمقصود بالبدايات هنا: التصور، وبالنهاية: بيان الحكم.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

التفاصيل ....
اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;