حكم ترك القيام في صلاة الجنازة ومدى صحة أدائها جلوسًا بغير عذر

ما حكم القيام في صلاة الجنازة؟ وهل يصح أداؤها جلوسًا من دون عذرٍ؟

الواجب في صلاةِ الجنازة أن تُصَلَّى قيامًا لمَن قدر عليه، ولا يجوز ترك القيام فيها إلا لعذرٍ شرعي يمنع منه، وهذا هو المتفق مع مقصود الشرع الشريف مما ينبغي أن يكون عليه حال المسلم حالَ شهود الجنازة من المهابة والاعتبار والتعظيم.

التفاصيل ....

الصلاة على الجنازة من فروض الكفايات عند جماهير الفقهاء؛ إن قام به بعض المسلمين سقط الإثم عن الباقين، وإن تركوه أثموا جميعًا، وقد رغَّبَ الشرع الشريف فيها، ونَدَبَ إلى اتباعها حتى تُدفَن، ورتَّب على ذلك الأجر والثواب؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ شَهِدَ الجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى تُدْفَنَ ڪَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ»، قيل: وما القيراطان؟ قال: «مِثْلُ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ» متفق عليه.

وعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «صَلُّوا عَلَى ڪُلِّ مَيِّتٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ» أخرجه ابن ماجه والدارقطني في "السنن".

وقد "أجمعوا على أنَّ شهود الجنائز خيرٌ وفضلٌ وعملُ برٍّ"؛ كما قال الإمام ابن عبد البر في "الاستذكار" (3/ 27، ط. دار الكتب العلمية)،

ثم قال في (3/ 29): [وأجمع المسلمون على أنَّه لا يجوز ترك الصلاة على جنائز المسلمين؛ من أهل الكبائر كانوا أو صالحين، وراثةً عن نَبِيِّهِمْ صلى الله عليه وآله وسلم قولًا وعملًا، واتفق الفقهاء على ذلك] اهـ بتصرف.

وقد اشترط جماهير الفقهاء لصحة صلاة الجنازة ما اشترطوه لغيرها من الصلوات المفروضة، ونصّوا على أنَّ القيام ركن من أركان صلاة الجنازة في حق القادر عليه؛ لا تتمّ صلاته إلا به، وأنَّه لا يُبَاح له تركه إلا لعذرٍ يمنعه منه؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا» أخرجه البخاري في "صحيحه"؛ ولأنَّ الشرع الشريف لم يأتِ بأدائها للقادر على القيام إلا قيامًا؛ تعظيمًا لحال الميت وإظهارًا لهيبة الموت؛ فكان تركه مع القدرة عليه موهمًا لمعنى الاستخفاف بحال الميت والاستهانة بأمر الموت.

قال العلامة الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (1/ 315، ط. دار الكتب العلمية): [ولو صَلَّى راكبًا أو قاعدًا من غير عذرٍ: لم تجزهم استحسانًا.. وجه الاستحسان: أنَّ الشرع ما ورد بها إلا في حالة القيام؛ فيُرَاعى فيها ما ورد به النصّ، ولهذا: لا يجوز إثبات الخلل في شرائطها؛ فكذا في الركن، بل أولى؛ لأن الركن أَهَمُّ من الشرط، ولأن الأداء قعودًا أو ركبانًا يؤدي إلى الاستخفاف بالميت، وهذه الصلاة شرعت لتعظيم الميت.. فلا يجوز أداء ما شرع للتعظيم على وجه يؤدي إلى الاستخفاف؛ لأنه يؤدي إلى أن يعود على موضوعه بالنقص، وذلك باطل] اهـ.

وقال العلامة الحطاب الرعيني المالكي في "مواهب الجليل" (2/ 215، ط. دار الفكر): [قال أشهب في "المجموعة": إذا صلَّوا عليها -أي الجنازة- وهم جلوسٌ أو ركوبٌ؛ فلا تجزيهم، وليعيدوا الصلاة، وهذا مبنيٌّ على القول: إنَّ من أركانها القيام مع القدرة] اهـ.

وقال الشيخ عليش المالكي في "منح الجليل" (1/ 273، ط. دار الفكر): [(فصل) في القيام وبدله ومراتبهما في الفرض (يجب بفرض) أي: في صلاة مفروضة عينًا، أو كفايةً كجنازة على أنها فرض كفاية] اهـ.

وقال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (5/ 222، ط. دار الفكر): [أمَّا القيامُ: (فالصحيحُ) المشهور الذي نص عليه الشافعي وقطع به الجمهور: أنه ركنٌ لا تصحّ إلا به] اهـ.

وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في "أسنى المطالب" (1/ 318، ط. دار الكتاب الإسلامي): [(فصل: وأركانها سبعة.. (الثاني: القيام) فيها، (ولا يسقط إلا بالعجز) عنه كما في غيرها] اهـ.

وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (2/ 367، ط. مكتبة القاهرة): [والواجب في صلاة الجنازة: النية، والتكبيرات، والقيام.. ولا يجوز أن يُصلي على الجنائز وهو راكبٌ؛ لأنه يُفَوِّت القيامَ الواجب، وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي، وأبي ثور، ولا أعلم فيه خلافًا] اهـ.

بينما ذهب جماعة من الفقهاء إلى جواز القعود في صلاة الجنازة؛ على اعتبار أنها من الرغائب لا من الفرائض، ومنهم مَن نصَّ صراحةً على أنها من جملة النوافل، وأنَّ الأركان فيها إنَّما هي التكبيرات فقط، وهي تحصل بالقعود كما تحصل بالقيام.

قال الشيخ عليش المالكي في "منح الجليل" (1/ 273): [وأما على أنها سُنَّةٌ فالقيام فيها مندوبٌ ولو بنذر] اهـ.

وقال إمام الحرمين الجويني الشافعي في "نهاية المطلب" (1/ 183، ط. دار المنهاج): [ومِن أصحابنا من أجاز إقامة هذه الصلاة قاعدًا؛ من حيث إنها تضاهي النوافل] اهـ.

وقال الإمام الرافعي الشافعي في "فتح العزيز" (2/ 343، ط. دار الفكر): [واختلفوا فيه على ثلاثة طرق: أحدها: أن المسألتين على قولين نقلًا وتخريجًا.. والثاني -أي: من القولين-: أنها ملحقة بالنوافل؛ فيجوز فِعْلُها على الراحلة والْجَمْعُ والقُعُودُ؛ لأن فروض الكفايات كالنوافل في جواز الترك وعدم الانحصار] اهـ.

وقال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (5/ 222، ط. دار الفكر): [وفيه وجهان آخران للخراسانيين: (أحدهما): أنه يجوز القعود فيها مع القدرة على القيام كالنوافل؛ لأنها ليست من فرائض الأعيان؛ خرجوه من إباحة جنائز بتيمم واحد] اهـ.

غير أنَّ إلحاق صلاة الجنازة بالرغائب وجملة النوافل، مع الاتفاق -كما ذكرناه- على أنها فرض كفاية؛ يلزمُ منه عدم جريان أحكام النافلة عليها في المطلق على كلِّ مَنْ يقوم بها؛ بل معناه: أنَّ الصلاة على الجنازة لا تزال قبل أدائها فرضًا في حق الجميع وتسري عليها أحكام الفريضة حتى يُقيمها مَن تسقط بأدائهم فريضتُها، فإذا ما حصلت الكفاية بأدائها؛ صارت في حق غير المؤدين لها نافلةً، وجاز لهم تبعًا لذلك أن يُصَلُّوها قعودًا.

فالذي عليه التحقيق: أن فرض الكفاية إنما هو كذلك نسبةً إلى الفعل محل التكليف، لا إلى المخاطبين به؛ بل هو متعيِّنٌ عليهم جميعًا، حتى إذا ما أدَّاه بعضُهم؛ حَصَلَت حينئذٍ كفايةُ الفعل بهذا الأداء، لا قبل ذلك، ومنه يُفْهَمُ تَحَمُّلُ الْكُلِّ تَبِعَةَ الإثم بترك الفعل.

قال الإمام الجويني في "التلخيص في أصول الفقه" (1/ 461-463، ط. دار البشائر): [نرى الْفُقَهَاء يُفَصِّلون القَوْلَ فِي الْفُرُوض، ويزعمون أَن مِنْهَا مَا هُوَ من فروض الْأَعْيَان، وَمِنْهَا مَا هُوَ من فروض الكفايات، فالتوجه على الْأَعْيَان كدفن الْمَوْتَى وتجهيزهم وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَغَيرهمَا؛ فَمَا قَوْلكُم فِيهِ؟

قَالَ القَاضِي رَضِي الله عَنهُ: كل ما نُعِتَ بِالْفَرْضِ من هَذَا الْقَبِيل فَيجب على عين كل وَاحِد، وَمن صَار إِلَى أَن هَذَا الْقَبِيل من الْفَرَائِض لَا يتَعَلَّق بالأعيان فقد تَأَول وَتوسع فِي اللَّفْظ؛ فَإِنَّهُ لَا معنى لكَون الشَّيْء مفترضًا على عين إِلَّا أَن يُخَاطب بِهِ على سَبِيل الْإِيجَاب، وَهَذَا الْمَعْنى مُتَحَقق فِيمَا سمَّوهُ فروض الكفايات، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ: أَنه لَو تعطل فرضٌ مِنْهُ حرج المخاطبون.

فَإِن قيل: فَإِذا قَامَ بِهِ جمَاعَة فلماذا سقط الْفَرْض؟

قُلْنَا: لَا معترض على الرب سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيمَا يلْزم وَيسْقط، فَإِذا قَامَ طَائِفَة بِالْفَرْضِ سقط الْفَرْض عَن البَاقِينَ، وَكَانَ قبل قيام مَن قَامَ بِهِ مُتَعَيّنًا على أعيانهم، وَكم مِن فرضٍ سلَّم الْفُقَهَاءُ كَونه مُتَعَلقًا بِالْعينِ فَيحدث سَبَبٌ يتَضَمَّن سُقُوطه، ونظائر ذَلِك لَا تَنْحَصِر فِي الشَّرِيعَة] اهـ.

وقال العلامة المرداوي في "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" (6/ 160-161، ط. هجر): [قوله: (والواجب مِن ذلك: القِيَامُ) تَبِعَ في ذلك أكثرَ الأصحابِ، ومُرادُه: إذا كانتِ الصلاةُ فرضًا؛ قالَهُ في "الفُروعِ"، و"الرِّعايَة"، و"ابنِ تَميمٍ"، و"الحاوِي" وغيرِهم. قال في "الفُروعِ": وظاهِرُه: ولو تكَرَّرَتْ؛ أنَّ فِعْلَ الصلاة الثانية فرضٌ. وقال في "مَجْمَعِ البَحْرَيْن": قلتُ: وقِياسُ جَوازِ صلاةِ النافلة مِنَ القاعِدِ، وجَوازِ صلاةِ الجنازةِ قاعِدًا: إذا كان قد صَلَّى عليه مَرَّةً. انتهى. قلتُ: قد ذكَروا في "الهِدايَةِ"، و"المُذْهَبِ"، و"مَسْبُوكِ الذَّهَبِ"، و"التَّلْخيصِ"، و"البُلْغَةِ"، الأرْكانَ ولم يذْكُروا القِيامَ؛ فظاهِرُهَ أنَّه غيرُ رُكْنٍ، ولم أرَ مَن صرَّح بذلك -أي: بأنه ليس بركنٍ حال كونها فرضًا- مُطْلَقًا] اهـ.

هذا، مع استحسان أن يُصَلِّيَها كُلُّ مصلٍّ وهو يعتقد فرضيتها في حقه؛ لما تختص به فروض الكفايات من مزيدِ فضلٍ على غيرها من التكليفات، فيحصل لمؤديها عظيمُ الثواب واستحقاقُ عالي الدرجات.

قال الإمام الجويني في "غياث الأمم" (ص: 358-359، ط. مكتبة إمام الحرمين): [ثم الذي أراه: أن القيام بما هو من فروض الكفايات أحرى بإحراز الدرجات، وأعلى في فنون القربات من فرائض الأعيان؛ فإنَّ ما تعيَّن على المتعبد المكلف: لو تركه ولم يقابل أمر الشارع فيه بالارتسام؛ اختص المأثم به، ولو أقامه؛ فهو المثاب.

ولو فُرِضَ تعطيلُ فرضٍ مِن فروض الكفايات؛ لَعَمَّ المأثمُ على الكافة على اختلاف الرتب والدرجات، فالقائم به كافٍ نفسه وكافةَ المخاطبين الحرجَ والعقابَ، وآمِلٌ أفضلَ الثواب، ولا يهون قدْر مَن يَحِلُّ مَحَلَّ المسلمين أجمعين في القيام لِمُهِمٍّ من مهمات الدين] اهـ.

يضاف إلى ما سبق: أنَّ ما ورد في شأن التنفل بالصلاة؛ من جواز القعود لغير عذرٍ فيها، مع اقترانه بنُقصان ثوابها، من غير حرجٍ على مؤديها، في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلَاةِ» رواه مسلم في "صحيحه" من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: لا ينطبق على صلاة الجنازة؛ لعدم اشتمال صلاة النافلة على تلك المعاني الحاصلة في خصوص الصلاة على الجنازة.

واشتراط القيام في صلاة الجنازة مع القدرة عليه -على المختار في الفتوى وهو معتمد المذاهب المتبوعة-؛ هو المتفق مع مقصود الشرع مما ينبغي أن تكون عليه حال المسلم عند شهوده الجنازة أو مرورها به؛ من تعظيم أمر الموت، واستحضار عظمة الله فيه وقدرته، مع إظهار الفزع لمصيبة الموت وإجلال هيبته، وإذا كان ذلك في مجرد شهود الجنازة أو عند مرورها؛ فهو في الصلاة عليها أولى وآكد؛ لزيادة معنى الوقوف بين يدي الله عَزَّ وَجَلَّ.

فأمَّا استحضار عظمة الله تعالى وقدرته؛ فإنَّ الموت آيةٌ من آياته في مخلوقاته، وسببُ الوصول إلى لقائه وحسابه، ولا شيء أعظم على النفس ولا أشدّ مهابة من شهودِ الميت وهو مُقْبِلٌ على ما هنالِك، يُذَكِّرُ حالُهُ حاضِرِيه بأن الدنيا متاعٌ هالِك؛ ليكون القيام في هذا المقام معبِّرًا عن تعظيم مالك الملك ذي الجلال والإكرام.

قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ۝ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: 1-2].

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أنَّ رجلًا سأل رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله، تمرُّ بنا جَنَازَةُ الكافرِ؛ أفنقومُ لها؟ فقال: «نَعَمْ، قُومُوا لَهَا؛ فَإِنَّڪُمْ لَسْتُمْ تَقُومُونَ لَهَا، إِنَّمَا تَقُومُونَ إِعْظَامًا لِلَّذِي يَقْبِضُ النُّفُوسَ» أخرجه الإمام أحمد في "المسند"، وابن حبان في "الصحيح"، والبيهقي في "السنن الصغرى"، والحاكم في "المستدرك" وصححه.

وأما تعظيمُ الموت والفزعُ منه والتنبهُ من الغفلة بالقيام للجنازة عند حضورها: فقد ورد في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: مَرَّتْ جَنَازَةٌ، فقامَ لها رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا يَهُودِيَّةٌ! فَقَالَ: «إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ؛ فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا» أخرجه البخاري ومسلم -واللفظ له- في "صحيحهما".

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري شرح صحيح البخاري" (3/ 178، ط. دار المعرفة): [قوله: (فإنْ قَعَدَ أُمِرَ بالقيامِ) فيه إشارةٌ إلى أنَّ القيام في هذا لا يَفوت بالقعودِ؛ لأنَّ المراد به تعظيم أمر الموت] اهـ.

وقال العلامة ابن رسلان الرَّمْلِي في "شرح سنن أبي داود" (13/ 438، ط. دار الفلاح): [«إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ» أي: يُفزَع إليه ومِنه، وهو تنبيه على استذكاره واستعظامه، وأنه مِن أَهَمِّ ما يجعله الإنسان بين عينيه، وأنه صائرٌ قريبًا إليه، والمقصود من هذا الحديث: ألَّا يستمرَّ الإنسان على غفلته عند رؤية الميت؛ فإنه إذا رأى الميت ثم تمادى على ما كان عليه من الشغل؛ كان هذا دليلًا على غفلته وتساهله بأمر الموت، وأمر الشارع أن يترك ما كان عليه من الشغل ويقوم؛ تعظيمًا لأمر الموت واستشعارًا به] اهـ.

وقد استنكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فِعْلَ قومٍ شهدوا جنازةً فكانوا فيها قاعدين، وكان صلى الله عليه وآله وسلم والحاضرون معه ممن سِوَى أولئك قائمين؛ فقال لهم: «أَلَا تَسْتَحْيُونَ! إِنَّ مَلَائِڪَةَ اللهِ عَلَى أَقْدَامِهِمْ، وَأَنْتُمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ!» أخرجه الترمذي -واللفظ له- وابن ماجه والبيهقي في "السنن"، والحاكم في "المستدرك" -وصححه- من حديث ثوبان رضي الله عنه.

وبناءً على ذلك: فالواجب في صلاةِ الجنازة أن تُصَلَّى قيامًا لمن قدر عليه، ولا يجوز ترك القيام فيها إلا لعذرٍ يمنع منه؛ تماشيًا مع مقصود الشرع الشريف ممَّا ينبغي أن يكون عليه حال المسلم حال شهود الجنازة من الاحترام والتوقير والتعظيم، ولا يصليها أحدٌ جالسًا بغير عذرٍ إلا بعد أن يحصل فَرْضُهَا بأدائها أول مرة كما سبق بيانه.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

حكم ترك القيام في صلاة الجنازة ومدى صحة أدائها جلوسًا بغير عذر

ما حكم القيام في صلاة الجنازة؟ وهل يصح أداؤها جلوسًا من دون عذرٍ؟

الواجب في صلاةِ الجنازة أن تُصَلَّى قيامًا لمَن قدر عليه، ولا يجوز ترك القيام فيها إلا لعذرٍ شرعي يمنع منه، وهذا هو المتفق مع مقصود الشرع الشريف مما ينبغي أن يكون عليه حال المسلم حالَ شهود الجنازة من المهابة والاعتبار والتعظيم.

التفاصيل ....

الصلاة على الجنازة من فروض الكفايات عند جماهير الفقهاء؛ إن قام به بعض المسلمين سقط الإثم عن الباقين، وإن تركوه أثموا جميعًا، وقد رغَّبَ الشرع الشريف فيها، ونَدَبَ إلى اتباعها حتى تُدفَن، ورتَّب على ذلك الأجر والثواب؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ شَهِدَ الجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى تُدْفَنَ ڪَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ»، قيل: وما القيراطان؟ قال: «مِثْلُ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ» متفق عليه.

وعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «صَلُّوا عَلَى ڪُلِّ مَيِّتٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ» أخرجه ابن ماجه والدارقطني في "السنن".

وقد "أجمعوا على أنَّ شهود الجنائز خيرٌ وفضلٌ وعملُ برٍّ"؛ كما قال الإمام ابن عبد البر في "الاستذكار" (3/ 27، ط. دار الكتب العلمية)،

ثم قال في (3/ 29): [وأجمع المسلمون على أنَّه لا يجوز ترك الصلاة على جنائز المسلمين؛ من أهل الكبائر كانوا أو صالحين، وراثةً عن نَبِيِّهِمْ صلى الله عليه وآله وسلم قولًا وعملًا، واتفق الفقهاء على ذلك] اهـ بتصرف.

وقد اشترط جماهير الفقهاء لصحة صلاة الجنازة ما اشترطوه لغيرها من الصلوات المفروضة، ونصّوا على أنَّ القيام ركن من أركان صلاة الجنازة في حق القادر عليه؛ لا تتمّ صلاته إلا به، وأنَّه لا يُبَاح له تركه إلا لعذرٍ يمنعه منه؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا» أخرجه البخاري في "صحيحه"؛ ولأنَّ الشرع الشريف لم يأتِ بأدائها للقادر على القيام إلا قيامًا؛ تعظيمًا لحال الميت وإظهارًا لهيبة الموت؛ فكان تركه مع القدرة عليه موهمًا لمعنى الاستخفاف بحال الميت والاستهانة بأمر الموت.

قال العلامة الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (1/ 315، ط. دار الكتب العلمية): [ولو صَلَّى راكبًا أو قاعدًا من غير عذرٍ: لم تجزهم استحسانًا.. وجه الاستحسان: أنَّ الشرع ما ورد بها إلا في حالة القيام؛ فيُرَاعى فيها ما ورد به النصّ، ولهذا: لا يجوز إثبات الخلل في شرائطها؛ فكذا في الركن، بل أولى؛ لأن الركن أَهَمُّ من الشرط، ولأن الأداء قعودًا أو ركبانًا يؤدي إلى الاستخفاف بالميت، وهذه الصلاة شرعت لتعظيم الميت.. فلا يجوز أداء ما شرع للتعظيم على وجه يؤدي إلى الاستخفاف؛ لأنه يؤدي إلى أن يعود على موضوعه بالنقص، وذلك باطل] اهـ.

وقال العلامة الحطاب الرعيني المالكي في "مواهب الجليل" (2/ 215، ط. دار الفكر): [قال أشهب في "المجموعة": إذا صلَّوا عليها -أي الجنازة- وهم جلوسٌ أو ركوبٌ؛ فلا تجزيهم، وليعيدوا الصلاة، وهذا مبنيٌّ على القول: إنَّ من أركانها القيام مع القدرة] اهـ.

وقال الشيخ عليش المالكي في "منح الجليل" (1/ 273، ط. دار الفكر): [(فصل) في القيام وبدله ومراتبهما في الفرض (يجب بفرض) أي: في صلاة مفروضة عينًا، أو كفايةً كجنازة على أنها فرض كفاية] اهـ.

وقال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (5/ 222، ط. دار الفكر): [أمَّا القيامُ: (فالصحيحُ) المشهور الذي نص عليه الشافعي وقطع به الجمهور: أنه ركنٌ لا تصحّ إلا به] اهـ.

وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في "أسنى المطالب" (1/ 318، ط. دار الكتاب الإسلامي): [(فصل: وأركانها سبعة.. (الثاني: القيام) فيها، (ولا يسقط إلا بالعجز) عنه كما في غيرها] اهـ.

وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (2/ 367، ط. مكتبة القاهرة): [والواجب في صلاة الجنازة: النية، والتكبيرات، والقيام.. ولا يجوز أن يُصلي على الجنائز وهو راكبٌ؛ لأنه يُفَوِّت القيامَ الواجب، وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي، وأبي ثور، ولا أعلم فيه خلافًا] اهـ.

بينما ذهب جماعة من الفقهاء إلى جواز القعود في صلاة الجنازة؛ على اعتبار أنها من الرغائب لا من الفرائض، ومنهم مَن نصَّ صراحةً على أنها من جملة النوافل، وأنَّ الأركان فيها إنَّما هي التكبيرات فقط، وهي تحصل بالقعود كما تحصل بالقيام.

قال الشيخ عليش المالكي في "منح الجليل" (1/ 273): [وأما على أنها سُنَّةٌ فالقيام فيها مندوبٌ ولو بنذر] اهـ.

وقال إمام الحرمين الجويني الشافعي في "نهاية المطلب" (1/ 183، ط. دار المنهاج): [ومِن أصحابنا من أجاز إقامة هذه الصلاة قاعدًا؛ من حيث إنها تضاهي النوافل] اهـ.

وقال الإمام الرافعي الشافعي في "فتح العزيز" (2/ 343، ط. دار الفكر): [واختلفوا فيه على ثلاثة طرق: أحدها: أن المسألتين على قولين نقلًا وتخريجًا.. والثاني -أي: من القولين-: أنها ملحقة بالنوافل؛ فيجوز فِعْلُها على الراحلة والْجَمْعُ والقُعُودُ؛ لأن فروض الكفايات كالنوافل في جواز الترك وعدم الانحصار] اهـ.

وقال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (5/ 222، ط. دار الفكر): [وفيه وجهان آخران للخراسانيين: (أحدهما): أنه يجوز القعود فيها مع القدرة على القيام كالنوافل؛ لأنها ليست من فرائض الأعيان؛ خرجوه من إباحة جنائز بتيمم واحد] اهـ.

غير أنَّ إلحاق صلاة الجنازة بالرغائب وجملة النوافل، مع الاتفاق -كما ذكرناه- على أنها فرض كفاية؛ يلزمُ منه عدم جريان أحكام النافلة عليها في المطلق على كلِّ مَنْ يقوم بها؛ بل معناه: أنَّ الصلاة على الجنازة لا تزال قبل أدائها فرضًا في حق الجميع وتسري عليها أحكام الفريضة حتى يُقيمها مَن تسقط بأدائهم فريضتُها، فإذا ما حصلت الكفاية بأدائها؛ صارت في حق غير المؤدين لها نافلةً، وجاز لهم تبعًا لذلك أن يُصَلُّوها قعودًا.

فالذي عليه التحقيق: أن فرض الكفاية إنما هو كذلك نسبةً إلى الفعل محل التكليف، لا إلى المخاطبين به؛ بل هو متعيِّنٌ عليهم جميعًا، حتى إذا ما أدَّاه بعضُهم؛ حَصَلَت حينئذٍ كفايةُ الفعل بهذا الأداء، لا قبل ذلك، ومنه يُفْهَمُ تَحَمُّلُ الْكُلِّ تَبِعَةَ الإثم بترك الفعل.

قال الإمام الجويني في "التلخيص في أصول الفقه" (1/ 461-463، ط. دار البشائر): [نرى الْفُقَهَاء يُفَصِّلون القَوْلَ فِي الْفُرُوض، ويزعمون أَن مِنْهَا مَا هُوَ من فروض الْأَعْيَان، وَمِنْهَا مَا هُوَ من فروض الكفايات، فالتوجه على الْأَعْيَان كدفن الْمَوْتَى وتجهيزهم وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَغَيرهمَا؛ فَمَا قَوْلكُم فِيهِ؟

قَالَ القَاضِي رَضِي الله عَنهُ: كل ما نُعِتَ بِالْفَرْضِ من هَذَا الْقَبِيل فَيجب على عين كل وَاحِد، وَمن صَار إِلَى أَن هَذَا الْقَبِيل من الْفَرَائِض لَا يتَعَلَّق بالأعيان فقد تَأَول وَتوسع فِي اللَّفْظ؛ فَإِنَّهُ لَا معنى لكَون الشَّيْء مفترضًا على عين إِلَّا أَن يُخَاطب بِهِ على سَبِيل الْإِيجَاب، وَهَذَا الْمَعْنى مُتَحَقق فِيمَا سمَّوهُ فروض الكفايات، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ: أَنه لَو تعطل فرضٌ مِنْهُ حرج المخاطبون.

فَإِن قيل: فَإِذا قَامَ بِهِ جمَاعَة فلماذا سقط الْفَرْض؟

قُلْنَا: لَا معترض على الرب سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيمَا يلْزم وَيسْقط، فَإِذا قَامَ طَائِفَة بِالْفَرْضِ سقط الْفَرْض عَن البَاقِينَ، وَكَانَ قبل قيام مَن قَامَ بِهِ مُتَعَيّنًا على أعيانهم، وَكم مِن فرضٍ سلَّم الْفُقَهَاءُ كَونه مُتَعَلقًا بِالْعينِ فَيحدث سَبَبٌ يتَضَمَّن سُقُوطه، ونظائر ذَلِك لَا تَنْحَصِر فِي الشَّرِيعَة] اهـ.

وقال العلامة المرداوي في "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" (6/ 160-161، ط. هجر): [قوله: (والواجب مِن ذلك: القِيَامُ) تَبِعَ في ذلك أكثرَ الأصحابِ، ومُرادُه: إذا كانتِ الصلاةُ فرضًا؛ قالَهُ في "الفُروعِ"، و"الرِّعايَة"، و"ابنِ تَميمٍ"، و"الحاوِي" وغيرِهم. قال في "الفُروعِ": وظاهِرُه: ولو تكَرَّرَتْ؛ أنَّ فِعْلَ الصلاة الثانية فرضٌ. وقال في "مَجْمَعِ البَحْرَيْن": قلتُ: وقِياسُ جَوازِ صلاةِ النافلة مِنَ القاعِدِ، وجَوازِ صلاةِ الجنازةِ قاعِدًا: إذا كان قد صَلَّى عليه مَرَّةً. انتهى. قلتُ: قد ذكَروا في "الهِدايَةِ"، و"المُذْهَبِ"، و"مَسْبُوكِ الذَّهَبِ"، و"التَّلْخيصِ"، و"البُلْغَةِ"، الأرْكانَ ولم يذْكُروا القِيامَ؛ فظاهِرُهَ أنَّه غيرُ رُكْنٍ، ولم أرَ مَن صرَّح بذلك -أي: بأنه ليس بركنٍ حال كونها فرضًا- مُطْلَقًا] اهـ.

هذا، مع استحسان أن يُصَلِّيَها كُلُّ مصلٍّ وهو يعتقد فرضيتها في حقه؛ لما تختص به فروض الكفايات من مزيدِ فضلٍ على غيرها من التكليفات، فيحصل لمؤديها عظيمُ الثواب واستحقاقُ عالي الدرجات.

قال الإمام الجويني في "غياث الأمم" (ص: 358-359، ط. مكتبة إمام الحرمين): [ثم الذي أراه: أن القيام بما هو من فروض الكفايات أحرى بإحراز الدرجات، وأعلى في فنون القربات من فرائض الأعيان؛ فإنَّ ما تعيَّن على المتعبد المكلف: لو تركه ولم يقابل أمر الشارع فيه بالارتسام؛ اختص المأثم به، ولو أقامه؛ فهو المثاب.

ولو فُرِضَ تعطيلُ فرضٍ مِن فروض الكفايات؛ لَعَمَّ المأثمُ على الكافة على اختلاف الرتب والدرجات، فالقائم به كافٍ نفسه وكافةَ المخاطبين الحرجَ والعقابَ، وآمِلٌ أفضلَ الثواب، ولا يهون قدْر مَن يَحِلُّ مَحَلَّ المسلمين أجمعين في القيام لِمُهِمٍّ من مهمات الدين] اهـ.

يضاف إلى ما سبق: أنَّ ما ورد في شأن التنفل بالصلاة؛ من جواز القعود لغير عذرٍ فيها، مع اقترانه بنُقصان ثوابها، من غير حرجٍ على مؤديها، في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلَاةِ» رواه مسلم في "صحيحه" من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: لا ينطبق على صلاة الجنازة؛ لعدم اشتمال صلاة النافلة على تلك المعاني الحاصلة في خصوص الصلاة على الجنازة.

واشتراط القيام في صلاة الجنازة مع القدرة عليه -على المختار في الفتوى وهو معتمد المذاهب المتبوعة-؛ هو المتفق مع مقصود الشرع مما ينبغي أن تكون عليه حال المسلم عند شهوده الجنازة أو مرورها به؛ من تعظيم أمر الموت، واستحضار عظمة الله فيه وقدرته، مع إظهار الفزع لمصيبة الموت وإجلال هيبته، وإذا كان ذلك في مجرد شهود الجنازة أو عند مرورها؛ فهو في الصلاة عليها أولى وآكد؛ لزيادة معنى الوقوف بين يدي الله عَزَّ وَجَلَّ.

فأمَّا استحضار عظمة الله تعالى وقدرته؛ فإنَّ الموت آيةٌ من آياته في مخلوقاته، وسببُ الوصول إلى لقائه وحسابه، ولا شيء أعظم على النفس ولا أشدّ مهابة من شهودِ الميت وهو مُقْبِلٌ على ما هنالِك، يُذَكِّرُ حالُهُ حاضِرِيه بأن الدنيا متاعٌ هالِك؛ ليكون القيام في هذا المقام معبِّرًا عن تعظيم مالك الملك ذي الجلال والإكرام.

قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ۝ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: 1-2].

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أنَّ رجلًا سأل رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله، تمرُّ بنا جَنَازَةُ الكافرِ؛ أفنقومُ لها؟ فقال: «نَعَمْ، قُومُوا لَهَا؛ فَإِنَّڪُمْ لَسْتُمْ تَقُومُونَ لَهَا، إِنَّمَا تَقُومُونَ إِعْظَامًا لِلَّذِي يَقْبِضُ النُّفُوسَ» أخرجه الإمام أحمد في "المسند"، وابن حبان في "الصحيح"، والبيهقي في "السنن الصغرى"، والحاكم في "المستدرك" وصححه.

وأما تعظيمُ الموت والفزعُ منه والتنبهُ من الغفلة بالقيام للجنازة عند حضورها: فقد ورد في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: مَرَّتْ جَنَازَةٌ، فقامَ لها رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا يَهُودِيَّةٌ! فَقَالَ: «إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ؛ فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا» أخرجه البخاري ومسلم -واللفظ له- في "صحيحهما".

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري شرح صحيح البخاري" (3/ 178، ط. دار المعرفة): [قوله: (فإنْ قَعَدَ أُمِرَ بالقيامِ) فيه إشارةٌ إلى أنَّ القيام في هذا لا يَفوت بالقعودِ؛ لأنَّ المراد به تعظيم أمر الموت] اهـ.

وقال العلامة ابن رسلان الرَّمْلِي في "شرح سنن أبي داود" (13/ 438، ط. دار الفلاح): [«إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ» أي: يُفزَع إليه ومِنه، وهو تنبيه على استذكاره واستعظامه، وأنه مِن أَهَمِّ ما يجعله الإنسان بين عينيه، وأنه صائرٌ قريبًا إليه، والمقصود من هذا الحديث: ألَّا يستمرَّ الإنسان على غفلته عند رؤية الميت؛ فإنه إذا رأى الميت ثم تمادى على ما كان عليه من الشغل؛ كان هذا دليلًا على غفلته وتساهله بأمر الموت، وأمر الشارع أن يترك ما كان عليه من الشغل ويقوم؛ تعظيمًا لأمر الموت واستشعارًا به] اهـ.

وقد استنكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فِعْلَ قومٍ شهدوا جنازةً فكانوا فيها قاعدين، وكان صلى الله عليه وآله وسلم والحاضرون معه ممن سِوَى أولئك قائمين؛ فقال لهم: «أَلَا تَسْتَحْيُونَ! إِنَّ مَلَائِڪَةَ اللهِ عَلَى أَقْدَامِهِمْ، وَأَنْتُمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ!» أخرجه الترمذي -واللفظ له- وابن ماجه والبيهقي في "السنن"، والحاكم في "المستدرك" -وصححه- من حديث ثوبان رضي الله عنه.

وبناءً على ذلك: فالواجب في صلاةِ الجنازة أن تُصَلَّى قيامًا لمن قدر عليه، ولا يجوز ترك القيام فيها إلا لعذرٍ يمنع منه؛ تماشيًا مع مقصود الشرع الشريف ممَّا ينبغي أن يكون عليه حال المسلم حال شهود الجنازة من الاحترام والتوقير والتعظيم، ولا يصليها أحدٌ جالسًا بغير عذرٍ إلا بعد أن يحصل فَرْضُهَا بأدائها أول مرة كما سبق بيانه.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;