24 جُمادى الآخرة 1435 هـ
بحث متقدم
طالع أيضًا
Facebook Twitter Youtube RSS
وكيل الأزهر الشريف: يشيد بتقدم ورقي دار الإفتاء المصرية ويؤكد أنها الجهة الرسمية للفتوى في مصر ... وكيل الأزهر: تقدم دار الإفتاء وتطورها يُعَد تقدمًا ...      وكيل الأزهر يحاضر غدًا الأربعاء في دار الإفتاء المصرية عن الضوابط العلمية في مجال الإفتاء      
عقائد عبادات مجتمع وأسرة معاملات مالية آداب وأخلاق جنايات وأقضية شؤون عادات مستجدات ونوازل
الرئيسة    >>  معارف إفتائية  >>  مفاهيم إفتائية  

دلالات الأمــــــر على الحكم الشرعي

تأتي صيغة الأمر في اللغة والشرع على عِدَّة معان، منها ما تفيد طلب الفعل طلبًا جازمًا، ومنها ما تفيده على سبيل الندب، ومنها ما تفيده على سبيل الإباحة، وغير ذلك، فكيف يتمُّ التعامل مع صيغ الأمر الواردة في النصوص الشرعية؟
تعريف الأمر:
لغة:
يأتي بمعنيين:
1- بمعنى الحال، وجمعه: أمور، وعليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود:97].
2- بمعنى الطلب، وجمعه: أوامر(1) .
واصطلاحًا: هو القول الطالب للفعل مطلقًا، سواء صدر هذا القول من الأعلى للأدنى أو بالعكس، أو صدر من المساوي(2) ، فهو ما دلَّ على طلب الفعل وتحصيله في المستقبل(3) .
والطلب الذي تدل عليه صيغة الأمر هو طلب الفعل، إما على وجه اللزوم أو على وجه الندب، ولكن بالاستقراء تبيَّن أن العرف الإسلامي في فهم الكتاب والسنة، باعتبارهما أصلين مُبَيِّنَيْنِ للشرع الإسلامي، يجعل الأمر فيهما للوجوب أي للطلب الحتمي اللازم؛ لأن ذلك هو الكثير الغالب، وعلى ذلك فكل أمر يدل على الطلب اللازم إلا إذا قام الدليل على خلاف ذلك، وذلك هو رأي جمهور الفقهاء(4) .
صيغ الأمر:
الأمر يأتي بأكثر من صيغة، مثل فعل الأمر ﴿أوفوا﴾، في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة:1]، والمضارع المقترن بلام الأمر مثل (لينفق)، في قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق:7]، وقد يأتي بصيغة الجملة الخبرية التي يستفاد منها الطلب، كما في قوله عز وجل: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة:233] فليس المقصود منه مجرد الإخبار عن إرضاع الوالدات أولادهن، وإنما المقصود الأمر بالإرضاع وطلبه من الوالدات(5) .
مسائل متعلقة بالأمر:
1- الأمر بعد الحظر أو التحريم: كثيرًا ما يرد الأمر بعد حظر أو تحريم سابق، كما في قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:2]، بعد قوله سبحانه: ﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:96]، وقوله ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ [المائدة:1]، فقال بعض العلماء ومنهم الشافعي والحنابلة وبعض المالكية: إن الأمر بعد الحظر للإباحة، بدليل معظم أو غالب الأوامر التي وردت بعد الحظر، فإنها للإباحة في عُرْفِ الشرع وباتفاق العلماء، ولكن الجمهور - وهم عامة الحنفية والأصح عند الشافعية والمالكية - قالوا: إن الإباحة في الأمر بعد الحظر فُهِمَتْ من القرائن لا من أصل سُنَّةِ الأمر، بدليل أنه قد يكون بعد الحظر، ومع ذلك يكون للطلب، مثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:5]، ولو كان الأمر بعد الحظر للإباحة ما كان القتل واجبًا بمقتضى هذا النص.
وقال بعض العلماء: إن الأمر يكون للطلب وجوبًا أو ندبًا، والقرائن هي التي تُعَيِّنُه لأحدِهما(6) .
2- دلالة الأمر على التكرار أو الوحدة: صيغة الأمر تدُلُّ على طلب الوقوع وتحقق ماهية المأمور به في الوجود، ولا تقتضي تكرارًا (وجوب وقوعه أكثر من مرة)، كما لا تقتضي وحدة (وجوب وقوعه مرة واحدة)، فقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) لا تقتضي بذاتها - بالنظر إلى هذه الآية فقط بدون النظر إلى الأدلة الأخرى - إقامة الصلاة أكثر من مرة، ولا إقامتها مرة واحدة، ولكن الذي دلَّ على وجوب تكرار إقامة الصلاة هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري(7).
هذا هو رأي الجمهور، وهناك آراء أخرى لبعض العلماء تفيد دلالة الأمر على التكرار والراجح رأي الجمهور، ويظهر أثر الخلاف فيما إذا قيل للمرأة: (طلقي نفسك) فإن القائلين بأن الأمر يقتضي التكرار أجازوا لها أن تطلق نفسها مرة واثنتين وثلاثًا، ومن قال بأن الأمر لا يقتضي التكرار، لم يُجِزْ لها سوى طلقة واحدة.
وإذا عُلِّقَ الأمر بشرط أو صفة، مثال الأول: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:6]، ومثال الثاني: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:38]، هل يقتضي التكرار أو لا؟ اختلف العلماء على ثلاثة مذاهب: فذهب كثير من أصحاب مالك والشافعي إلى أنه يقتضي التكرار من جهة اللفظ، أي إن لفظ الأمر المعلَّق بالشرط أو الصفة قد وُضِعَ للتكرار؛ لأن الشروط اللغوية أسباب، والحكم يتكرَّرُ بتكرُّر سببه، وذهب الحنفية والحنابلة وبعض الشافعية إلى أنه لا يقتضيه لفظًا ويقتضيه من جهة السياق، أي إن الأمر يتكرَّر إذا كان الشرط أو الصفة عِلَّة؛ لأن المعلولَ يتكرَّرُ بتكرُّرِ علَّته، والحكم يدور مع عِلَّتِه وجودًا وعدمًا، أما المذهب الثالث فهو القائل بأنه لا يقتضي التكرار لا من جهة اللفظ ولا من جهة القياس، والراجح المذهب الثاني، فإن من قال لزوجته: (إن دخلت الدار فأنت طالق) لم تطلَّقْ بهذا اللفظ إلا مرَّة، وإن تكرَّرَ منها الدخول، ولم تطلَّقْ إلا واحدة، وإن نوى أكثر من ذلك (8).
3- دلالة الأمر على الفور أو التراخي: كما أن صيغة الأمر بذاتها لا تدل على التكرار ولا على الوحدة، فإنها لا تدل أيضًا على التراخي أو الفور؛ لأنها وردت لطلب إيقاع الفعل، والتراخي والفورية قيدان لا يتحَقَّقُ أحدهما فيه إلا بدليل آخر، فالأمر في ذاته لفظ مطلق، والمطلق لا يُقَيَّدُ إلا إذا دَلَّ دليل على التقييد، والفورية أو التراخي تثبت بدليل آخر، فإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل قد فرض عليكم الحج فحجوا) أخرجه أحمد، لا يدُلُّ على أن يحجوا فور القدرة على الحج، بحيث إن تأخَّرُوا أثموا، ولا يدُلُّ على التراخي، بحيث إذا تأخَّرُوا لا يأْثمون، ولعدم دلالة الأمر على ذلك اختلف الفقهاء في أن الحج واجب على الفور أو واجب على التراخي(9) .
بعد هذا العرض الموجز يتبيَّن لنا أنه لا يجوز التعامل مع الأوامر الواردة في نصوص الكتاب والسنة إلا وفق معايير محدَّدَة منضبطة، وبنظرة شاملة، تجمع بين الأدلة والنصوص وتقارن بينها، فلا تتعامل مع الأوامر الواردة على سبيل الندب باعتبارها فروضًا وواجبات يأثم المرء بتركها، ولا مع الأوامر الواردة على سبيل الطلب الجازم على أنها مندوبات يحسُن الإتيان بها، ولا مع الأوامر التي تفيد التكرار على أنها تفيد المَرَّة أو العكس، ولا مع ما تفيد الفور على أنها للتراخي والعكس، وكل هذا لا يمكن ضبطه إلا بسعة العلم والتخصص الذي يجيده الفقهاء والأصوليون، ولا ينبغي لأي أحد قرأ نصًّا أن يستشهد به أو يؤوله على غير هَدْيٍ علميٍّ أصيل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)المصباح المنير 1/21.
(2) محمد أبو النور زهير: ج2 ص101، ط المكتبة الأزهرية للتراث.
(3) وهبة الزحيلي: أصول الفقه الإسلامي، ج1 ص218، ط دار الفكر.
(4) محمد أبو زهرة: أصول الفقه، ص 176، ط دار الفكر العربي.
(5)الزحيلي: مرجع سابق، ج1 ص219.
(6)الزحيلي: مرجع سابق، ج1 ص223-224، وأبو زهرة: مرجع سابق، ص177.
(7)أبو زهرة: مرجع سابق، ص177-178.
(8)الزحيلي: مرجع سابق، ج1 ص227-229 بتصرف.
(9) أبو زهرة: مرجع سابق، ص178.


 

الرئيسة عن الدار طلب فتوى خريطة الموقع آراء ومـقـتـرحــات اتصل بنا