27 ذي القعدة 1435 هـ
بحث متقدم
طالع أيضًا
Facebook Twitter Youtube RSS
دار الإفتاء المصرية: تنعى شهداء الواجب في حادث الطائرة العسكرية      مفتي الجمهورية يدين الحادث الإرهابي بالقرب من "الخارجية"       
عقائد عبادات مجتمع وأسرة معاملات مالية آداب وأخلاق جنايات وأقضية شؤون عادات مستجدات ونوازل
الرئيسة    >>  معارف إفتائية  >>  مفاهيم إفتائية  

حكمة التشريع

تعريف الحكمة:
الحكمة في اللغة: إتقان الشيء وإحكامه. وتأتي أيضًا بمعنى المنع، ومنه قول الشاعر:

أبني حنيفة أحكِموا سفهاءكم إني أخاف عليكمُ أن أغضبا(1)

أي: امنعوا عني سفهاءكم.(2)
الحكمة في اصطلاح الأصوليين:
تعددت تعريفات الأصوليين للحكمة الشرعية:
أولًا: من الأصوليين من عرفها بأنها: ما يترتب على التشريع من جلب مصلحة أو تكميلها، أو دفع مفسدة أو تقليلها(3)، وهذا هو الاستعمال الغالب في عبارات الأصوليين.
ثانيًا: أطلقها البعض على عين المصلحة أو المفسدة(4).
فلو قيل: إنَّ الله تعالى حرم الخمر؛ لجلب مصلحة حفظ العقول، فجلب مصلحة حفظ العقول هنا هو الحكمة وفقا للتعريف الأول، وأما على التعريف الثاني فحفظ العقول هو الحكمة؛ لأنه المصلحة التي توخى الشارع جلبها بتشريع الحكم.(5)
ثالثًا: يطلق بعض الأصوليين الحكمة الشرعية ويريدون بها: الأمر المناسب لشرع الحكم، وهو الوصف الذي إذا نظر إليه في ذاته يُخال أنه علة، لكن لا يلزم أن يكون هو العلة، بل قد يُعدَل عن التعليل به لكونه خفيا مثلًا، فلا يصلح- مع خفائه- لتعريف الحكم؛ لأنه لا يعلم، فكيف يعلم به الحكم؟
ومثاله: المشقة، فهي الحكمة من تشريع الرخص في السفر على هذا المعنى، وعليه تفترق الحكمة هنا عن المصلحة، وعن العلة، ففي المثال المذكور تكون الحكمة هي المشقة، والعلة هي السفر، وأما المصلحة، فهي التخفيف.(6)
الفرق بين العلة والحكمة:
أولًا: مما سبق ذكره في تعريفات الحكمة يبدو أن الفرق بين العلة والحكمة حاصل من جهة أن العلة هي الوصف الظاهر المنضبط الذي جعله الشارع مناطًا للحكم، بحيث يترتب على تعليق الحكم به ما قصده الشارع من جلب المصلحة أو تكميلها، أو دفع المفسدة أو تقليلها.
وعلى هذا، فالحكمة هي ما يترتب على تعليق الحكم بالعلة: من دفع مفسدة أو تقليلها، أو جلب مصلحة أو تكميلها.
ثانيًا: ومما فرق به الأصوليون بينهما أن الحكمة- في الغالب- لا تكون وصفًا ظاهرًا منضبطًا يصلح لإناطة الحكم به، بخلاف العلة؛ فإن اشتراط هذا الشرط(7) معتبر في صحة التعليل بها عند جمهور الأصوليين؛ وهذا ما أدى إلى بناء الشارع الأحكام الشرعية على العلل التي تكون مظنة لمقاصد الشارع، لا على الحِكَم؛ لفوات هذا الشرط فيها في كثير من الأحيان.
ومثال ذلك: المشقة، فدفعها عن المكلفين هو الحكمة التي قصدها الشارع من تشريع رخص السفر وغيرها من الرخص، لكنها لما كانت وصفا غير منضبط- حيث تتفاوت بتفاوت الأشخاص والأزمنة والأمكنة، بل تتفاوت في حق الشخص الواحد بتفاوت أحواله من صحة ومرض ونحوهما، فلما كانت كذلك- لم يعلق الشارع الحكم عليها، بل علق الشارع الحكم على السفر، الذي هو مظنة المشقة؛ لانضباطه، وجعله هو العلة.
ثالثًا: بعض الأصوليين فرقوا بين العلة والحكمة والسبب بأنّ كلًا من السبب والعلة يتقدم على الحكم، وأما الحكمة، فهي متأخرة عن الحكم، والحكم مفيد لها، وذلك كالجوع، فهو سبب الأكل، وهو متقدم عليه في الوجود، ومصلحة رفع الجوع وتحصيل الشبع حكمة له، وتحققها متأخر في وجوده عن الأكل.
التعليل بالحكمة:
اختلف الأصوليون في جواز تعليل الحكم الشرعي بالحكمة –كتعليل مشروعية رخص السفر بالمشقة- على ثلاثة مذاهب، هي:
      • الجواز مطلقا، وهو الظاهر من كلام الرازي.
      • المنع مطلقا، أي: سواء كانت الحكمة ظاهرة أو خفية، منضبطة أو غير منضبطة، وهو مذهب بعض الأصوليين.
      • الجواز بشرط أن تكون الحكمة وصفا ظاهرا منضبطا، وهو الذي صححه العضد تبعًا للآمدي.(8)
الفتوى وبيان حكمة التشريع:
من المفيد أن يبين المفتي -في بعض الأحيان- الحكم الشرعي في المسألة المعروضة عليه ويقرن ذلك ببيان الحكمة التشريعية التي قصد الشرع تحقيقها من خلال تشريع هذا الحكم؛ فهذا أدعي للاستجابة؛ لأن المسلم وإن كان مأمورا بالامتثال للأحكام الشرعية على كل حال سواء أدرك الحكمة المقصودة من تشريع الحكم أو لم يدركها، إلا أن الإنسان يكون أنشط للتطبيق حين يمتثل لمراد الشرع عن فهم لمقصود الشارع من تشريع الحكم.
كما أن بيان الحكمة التشريعية يفيد المفتي في رد الشبهات التي تثار ضد أحكام الشريعة الإسلامية، خاصة ونحن في زمان سادت فيه ثقافة لا تقبل إلا بما يقتنع به العقل.
ومن جهة أخرى فإن بيان الحكمة التشريعية يفيد المفتي في إسكات بعض الأصوات الصادرة من أصحاب الأغراض الذين تتعالى أصواتهم بالاعتراض على الفتوى إذا تعارضت مع مصالحهم الشخصية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هذا البيت لجرير، وهو من بحر الكامل. ينظر «ديوان جرير».
(2) ينظر لسان العرب 12/140، ومعجم لغة الفقهاء 1/184
(3) حاشية البناني على المحلي 2/236، ومباحث العلة في القياس للدكتور/ عبد الحكيم أسعد السعدي ص 105
(4) المرجع السابق.
(5) المرجع السابق
(6) تقريرات الشربيني على جمع الجوامع 2/236
(7) أي: الظهور والانضباط.
(8) يراجع: المحصول 5/287-293، الإحكام للآمدي 3/254 وما بعدها، شرح العضد علي ابن الحاجب وحواشيه 3/320

 

الرئيسة عن الدار طلب فتوى خريطة الموقع آراء ومـقـتـرحــات اتصل بنا