22 ذي القعدة 1435 هـ
بحث متقدم
طالع أيضًا
Facebook Twitter Youtube RSS
صندوق العاملين بدار الإفتاء المصرية يشتري شهادات استثمار قناة السويس      
عقائد عبادات مجتمع وأسرة معاملات مالية آداب وأخلاق جنايات وأقضية شؤون عادات مستجدات ونوازل
الرئيسة    >>  الفتاوى  >>  عبادات    >>  الصلاة  

حكم اتخاذ المحراب في المسجد

اطلعنا على الطلب المقيد برقم 734 لسنة 2009م المتضمن: أرجو من فضيلتكم التكرم بإفتائي عن موضوع المحراب في المسجد؛ حيث إن قريبًا لي يبني مسجدًا ولما وصل إلى عمل المحراب اعترض عليه بعض الناس وأخبروه بأن المحراب لا يجوز في المسجد، وقال له بعض آخر: إن المحراب يجوز، فتضاربت الأقوال بين الجواز وعدمه، مما جعلني أتقدم إلى فضيلتكم لإنهاء هذه الخلاف.

الـجـــواب : أمانة الفتوى

    يقول الله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ : 113]، وذلك خبر عن تسخير الجن لسيدنا سليمان عليه السلام وقيامهم بهذه الأعمال التي منها المحاريب.
    والمحاريب جمع مِحراب، ومعناه في اللغة كما في القاموس المحيط : "الغُرفة، وصَدرُ البيتِ، وأكرمُ مواضعِه، ومقامُ الإمام من المسجد، والموضعُ ينفرد به الملك فيتباعد عن الناس" اهـ. وجاء في نهاية ابن الأثير: المحراب هو الموضع العالي المُشرِف، وهو صدر المجلس أيضًا، ومنه سُمِّيَ محراب المسجد، وهو صدره وأشرف موضع فيه" اهـ. وجاء في تفسير القرطبي -إلى جانب المعاني المذكورة- أنه "ما يُرقى إليه بالدَّرَج كالغرفة الحسنة، كما قال ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾، وقولِه ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ أي: أشرف عليهم" اهـ.
    وفي نهاية ابن الأثير أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم "بعث عُروةَ بن مسعود إلى قومه بالطائف، فأتاهم ودخل محرابًا له، فأشرف عليهم عند الفجر، ثم أذن للصلاة" اهـ. وجاء فيها أيضًا من حديث أنس «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكْرَهُ الْمَحَارِيبَ» أَيْ: لَمْ يَكُنْ يُحِبُّ أَنْ يَجْلِسَ فِي صَدْرِ الْمَجْلِسِ، وَيَتَرَفَّعَ عَنِ النَّاسِ" اهـ. كما جاء فيها أنه "أُتِيَ برجل ارتد عن الإسلام فقال كعب: "أدخلوه المَذبَح وضَعُوا التوراةَ وحَلِّفُوه بالله"، المَذبَح واحد المذابح، وهي المقاصير، وقيل: المحاريب" اهـ.
    والمذبح عند أهل الكتاب مقصورة مرتفعة نحو متر ونصف المتر ذات أعمدة ليس بينها حواجز وفوقها سقف تحته خلاء توضع فيه القرابين. وهذه المقصورة داخل حجرة فسيحة أمام المعبد، يُصعَد إليها بسُلَّم ذي دَرَجات قليلة تسمى الهيكل، لا يدخله إلا الكهنة وأرباب الخطايا الذين يريدون المغفرة.
    وهذه المحاريب للكنائس وغيرها من بيوت العبادة التي يتعبد فيها أهل الكتاب، وكانت تتعبد فيها السيدة مريم عليها السلام كما جاء في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران:37]. وقد نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنها؛ فقد جاء فى حديث رواه البيهقى : «اتَّقُوا هَذِهِ الْمَذَابِحَ» وفي رواية ابن أبي شيبة: «لَا تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ -أَوْ قَالَ: أُمَّتِي- بِخَيْرٍ مَا لَمْ يَتَّخِذُوا فِي مَسَاجِدِهِمْ مَذَابِحَ كَمَذَابِحِ النَّصَارَى».
    فهل محاريب المساجد الإسلامية الآن مثل محاريب النصارى. لا؛ لأنها ليست غرفًا، وليست مرتفعة عن أرض المسجد، ولم يتميز بالجلوس فيها جماعة من المسلمين، وإنما هي علامات على اتجاه القبلة، وقد تكون مجوفة وغير مجوفة، تبين مقامَ الإمام من المأمومين؛ لأن السنة أن يقف الإمام إزاء وسط الصف.
    فالحكم بكراهة اتخاذ المحاريب -مقاصير ومذابح النصارى- أساسه إما اختفاء الإمام عن المأمومين، وإما ارتفاعه عليهم بدون مبرر، وقد كان الصحابة يكرهون أن يكون الإمام مرتفعًا عليهم؛ لأنه يوحي بالكبر.
    ومحاريب المسلمين الآن لا صلة لها بهذه العلل، فهي -كما سبق- علامة على القبلة، وتعليمُ جهتها أمر مشروع، وقد غرز النبي صلى الله عليه وآله وسلم خَشَبةً في مسجد قومِ أسامةَ بعد أن خَطَّه لهم؛ ليكون دليلًا على القبلة؛ فدل هذا على مشروعية إرشاد المصلي إلى القبلة.
    ولم يكن لمسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في زمانه الشريف محراب، فالمحراب المجوف فى مسجده الشريف قيل أول من اتخذه عثمان بن عفان سنة ست وعشرين عند بنائه، وقيل مروان بن الحكم سنة خمس وستين أثناء تجديده، وقيل عمر بن عبد العزيز أيام إمارته على المدينة وتجديده للمسجد سنة تسعين، فهو ليس بدعة مذمومة.
    وجاء في "إعلام الساجد بأحكام المساجد" للزركشي: "كَرِهَ بعضُ السلف اتخاذَ المحاريب في المسجد، وفي مصنف عبد الرزاق عن الحسن أنه صلى واعتزل الطاق أن يصلي فيه. والطاق هو المحراب الذي يقف فيه الإمام" اهـ.
    وفي "شرح الجامع الصغير" للحنفية: "لا بأس أن يكون مقام الإمام في المسجد وسجوده في الطاق، ويكره أن يكون في الطاق؛ لأنه يشبه اختلاف المكانين؛ ألا ترى أنه يكره الانفراد. والمشهور الجواز بلا كراهة، ولم يزل عمل الناس عليه من غير نكير" اهـ.
    وعليه فإن محاريب المساجد اليوم ليست هي المحاريب والمقاصير التي في معابد أهل الكتاب، فلا كراهة في عملها ولا في الصلاة فيها.
    والمقصود من عمل المحاريب المجوفة في المساجد هو غاية هندسية راقية للمعماريين والمهندسين المسلمين، وهو الحفاظ على مساحة المسجد للصلاة؛ وذلك بألا يَستَهِلِكَ موقفُ الإمام صَفًّا كاملًا من المسجد لشخصه فقط، فبوقوفه في المحراب أو جعله يسجد فيه يكون قد تم اقتصاد مساحة كبيرة في المسجد لصالح لمصلين كان يمكن أن تذهب على المصلين في صلاة الجماعة لو كان الإمام يقف في صف وحده بغير السجود في المحراب.
    وليس هذا من البدع المنهي عنها، بل هو من البدع المستحسنة التي يحق أن يقال فيها قولة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: "نعمت البدعة"؛ إذ إن البدعة المستهجنة والمستقبحة هي ما كانت إحداثًا في أمر من أمور العقيدة، وذلك كما عليه طائفة من العلماء، أو هي ما كان في الفروع مخالفًا لأمر من أمور الدين سلبًا وانتقاصًا؛ وذلك أخذًا من قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»، وذلك كما عليه طائفة أخرى منهم.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
 

طالع الملف
حكم اتباع التقويم الذي تصدره هيئة المساحة المصرية في أوقات الصلوات
الصلاة في النعال والأحذية
صلاة الجمعة اقتداء بالبث عبر الراديو والتليفزيون(1)
حكم تارك الصلاة
درجة الانحراف المسموح بها في القبلة
طالع أيضًا
الرئيسة عن الدار طلب فتوى خريطة الموقع آراء ومـقـتـرحــات اتصل بنا