6 صفر 1436 هـ
بحث متقدم
طالع أيضًا
Facebook Twitter Youtube RSS
(بالفيديو) مفتي الجمهورية في كلمة مصورة للشعب المصري:      
عقائد عبادات مجتمع وأسرة معاملات مالية آداب وأخلاق جنايات وأقضية شؤون عادات مستجدات ونوازل
الرئيسة    >>  الفتاوى  >>  شؤون عادات    >>  اللباس والزينة  

الرد على من أنكر فرضية الحجاب

اطلعنا على الطلب المقيد برقم 374 لسنة 2012م المتضمن:
اطلعت مؤخرًا على خبر إعداد رسالة للدكتوراه في كلية الشريعة وأصول الدين بجامعة الأزهر بالمنصورة عنوانها: (الحجاب ليس فريضة في الإسلام)، وأنها قد أجيزت ومُنحت درجة الدكتوراه بامتياز، ومنذ أسبوع قرأت في إحدى الصحف اليومية خبرًا ينفي صدور هذه الرسالة من جامعة الأزهر، ويؤكد أن معظم علمائها مجمعون على فرضية الحجاب للمرأة المسلمة.
ولم يظهر حتى اليوم ما يؤيد حكم الرسالة أو إنكار ما ورد بها من قبل أيٍّ من علماء الأزهر الشريف أو من هيئة كبار علمائه. وأعلم أن فضيلتكم خير من يهدينا سواء السبيل ويبين موقف شريعتنا السمحاء في هذا الخلاف، وبخاصة ونحن نجتهد لنشق طريقنا في بناء مجتمع تقوم دعائمه على الحرية والعدالة وكرامة الإنسان ذكرًا وأنثى؛ مصداقًا لحديث خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ».
ولعله من الضروري هنا أن أشير باختصارٍ شديد إلى ما استند إليه صاحب الرسالة (الدكتور مصطفى محمد راشد) من الأدلة والبراهين في حكم أصحاب الرأي القائل بفرضية الحجاب إلى أنهم يفسرون الآيات القرآنية وأحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بمعزلٍ عن ظروفها التاريخية وأسباب نزولها، أو المناسبات المحددة لمقولة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لها.
ومما استرعى اهتمامي من حجية صاحب رسالة الدكتوراه أن كلمة الحجاب -بمعنى غطاء الرأس- ليس لها ذكر على الإطلاق في القرآن الكريم، وأن كلمة "الحجاب" وردت فيه لتشمل معانيَ متعددة غير غطاء الرأس. ويفند وجوب تغطية الرأس بالحجاب استنادًا إلى ما هو شائعٌ من حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما عندما أمرها بأن لا تكشف وجهها وكفيها، وهو -في رأيه- استدلالٌ لا يعتد به؛ لأنه من أحاديث الآحاد التي وردت روايتها من سندٍ واحد مرةً واحدة.
تلك أهم الاجتهادات التي أوردها الباحث، وأعلمُ أن لدى فضيلتكم الكثير مما يمكن أن يقال بصدد حكم الفرضية أو عدمها في هذا الصدد.
والخلاصة يا صاحب الفضيلة: أرجو منكم هدايتي فيما يلي:
أولًا: هل واقعة رسالة الدكتوراه قد حدثت فعلًا في كلية أصول الدين بفرع جامعة الأزهر بالمنصورة؟
ثانيًا: وإذا كان ذلك كذلك فما موقفكم فيما انتهى إليه الأمر في مسألة فرضية الحجاب من عدمها؟
ثالثًا: هل من رأيٍ قاطع لبعض علمائنا المجتهدين حول فرض الحجاب على المرأة المسلمة دون استثناء، أم أن لدى بعضهم ما لا يُلزمها به؟
رابعًا: في حالة فرضية الحجاب هل من المصلحة التزامُ المسلمات أثناء وجودهن في ثقافة وأعراف دولٍ أو مناسباتٍ عالمية كشروط الألعاب الأوليمبية مما لا تسمح به، وذلك أثناء إقامتهن وعملهن في تلك الأقطار الأجنبية؟
وأخيرًا يا فضيلة المفتي هادينا: أرجو أن تجد هذه المشكلة فسحة من وقتكم المزدحم بقضايا الإفتاء المتعددة ومسؤولياتكم الوطنية والإنسانية.. وتقبل مني خالص التقدير والاحترام والإعزاز.
الـجـــواب : أمانة الفتوى
 من المقرر في علم الأصول أن مسائل الشرع الشريف وأحكامه على قسمين: 
- قسم انعقد الإجماع عليه وأصبح معلومًا من الدين بالضرورة -سواء أكان مستنده قطعيَّ الدلالة في الأصل أم صار كذلك بإجماع الأمة على حكمه- وهذا القسم لا تجوز مخالفته؛ لأنه يشكل هوية الإسلام، والقدح فيه قدح في الثوابت الدينية المستقرة. 
 
- والقسم الثاني: هو تلك المسائل التي اختلف المجتهدون من أهل العلم في حكمها ولم ينعقد عليها الإجماع؛ فالأمر فيها واسع، واختلافهم فيها رحمة، ويجوز للمسلم أن يأخذ بالفتوى على أي الأقوال فيها من غير حرج يلحقه في ذلك.
 
فالإجماع ضابط لهوية دين الإسلام، وحافظ لِمَا استقر من أحكامه؛ حيث يحول الدليل الظني -في ثبوته أو دلالته- إلى قطعي، فيخرج بذلك من مجال الاجتهاد، ويحافظ على ما اتفق عليه المسلمون من الثوابت التي لا تختلف باختلاف الزمان أو المكان أو الأشخاص أو الأحوال، وتخطي الإجماع يؤدي إلى هدم أحكام الدين والقدح في ثوابته ومُسَلَّماته.
 
وقد يكون الدليل ظنيًّا محتملًا لأكثر من وجه، فيأتي إجماع المسلمين على أحد أوجهه قاطعًا لهذه الظنية وذلك الاحتمال، فيصبح الدليل قطعيًّا مانعًا من أي نظر أو اجتهاد آخر يخالف ذلك الإجماع حتى ولو كان اللفظ محتملًا له:
فقد أجمع المسلمون على أن الوضوء سابق على الصلاة؛ مع أن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] يحتمل أن يكون الوضوء لاحقًا للصلاة أيضًا لتعقيبه بعدها بالفاء، لكنهم لمَّا أجمعوا على أسبقية الوضوء وجب حمل القيام في الآية على المعنى المجازي وهو إرادة القيام.
 
وأجمعوا أيضًا على أن الخمر حرام لا يجوز شربها، مع أن النص القرآني لم يرد بلفظ التحريم، بل ورد بالاجتناب، فقال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90]، ومع أن الأمر الشرعي يحتمل أن يكون للندب كما يحتمل الإيجاب، لكن لمّا حصل الإجماع تعين الحمل على الإيجاب وتحريم التناول.
 
ومن المقرر شرعًا بإجماع الأولين والآخرين من علماء الأمة الإسلامية ومجتهديها، وأئمتها وفقهائها ومُحَدِّثيها: أنّ حجاب المرأة المسلمة فرضٌ على كلِّ مَن بلغت سن التكليف، وهو السن الذي ترى فيه الأنثى الحيض وتبلغ فيه مبلغ النساء؛ فعليها أن تستر جسمَها ما عدا الوجهَ والكفين، وزاد جماعة من العلماء القدمَين في جواز إظهارهما، وزاد بعضهم أيضًا ما تدعو الحاجة لإظهاره كموضع السوار وما قد يظهر مِن الذراعين عند التعامل، وأمّا وجوب ستر ما عدا ذلك فلم يخالف فيه أحد من المسلمين عبر القرون سلفًا ولا خلفًا؛ إذْ هو حكمٌ منصوصٌ عليه في صريح الوحْيَيْن: الكتاب والسنة، وقد انعقد عليه إجماع الأمة، وبذلك تواتَرَ عملُ المسلمين كافة على مر العصور وكر الدهور مِن لَدُنْ عهد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأجمعوا على أن المرأة إذا كشفَتْ ما وجب عليها سترُه فقد ارتكبَتْ مُحرَّمًا يجب عليها التوبةُ إلى الله تعالى منه، فصار حكم فرضية الحجاب بهذا المعنى من المعلوم من الدين بالضرورة، ومن الأحكام القطعية التي تشكل هوية الإسلام وثوابته التي لا تتغير عبر العصور.
 وتفصيل أدلة فرضية الحجاب على الوجه الذي ذكرناه ما يلي:
فأما دليل الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: 59]. 
 
والمناسبة التي نزلت فيها هذه الآية هي أن النساء كن يُظهِرن شعورهن وأعناقهن وشيئًا من صدورهن فَنَهاهُنَّ الله عز وجل عن ذلك، وأمرهن بإدْناء الجلابيب على تلك المواضع التي يكشِفْنَها؛ حتى ينكف عنهن الفُساق إذا رأوا حشمتهن وتستُّرَهن، وأكد على شمول الحكم فيها لكل أفراد النساء بقوله تعالى: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
 
قال مقاتل بن سليمان في "تفسيره" (3/508، ط. دار إحياء التراث): [يعنى: أجدر أَنْ يُعْرَفْنَ فى زيهن أنهن لسن بمُرِبيَاتٍ وأنهن عفايف فلا يطمع فيهن أحد] اهـ.
 
وقال العلّامة المراغي في "تفسيره" (22/38، ط. مصطفى الحلبي): [أي ذلك التستر أقرب لمعرفتهن بالعفة فلا يتعرّض لهن، ولا يلقين مكروها من أهل الريبة؛ احتراما لهن منهم؛ فإن المتبرجة مطموع فيها، منظور إليها نظرة سخرية واستهزاء، كما هو مشاهد في كل عصر ومصر، ولا سيما في هذا العصر الذي انتشرت فيه الخلاعة، وكثر الفسق والفجور] اهـ.
 
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَ المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31]. 
 
فنهت الآية الكريمة المؤمنات عن إبداء زينتهن، واستثنت الزينة الظاهرة، وقد فسر السلف الصالح -مِن الصحابة والتابعين ومَن بعدهم من الأئمة المجتهدين والفقهاء المتبوعين- الزينة الظاهرة التي يجوز للمرأة إبداؤها بالوجه والكفين، وزاد بعض السلف -كالسيدة عائشة رضي الله عنها- القدمين، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة والثوري والمزني من الشافعية واختيار ابن تيمية من الحنابلة، وبعضهم زاد موضع السوار. وفسرها بعض السلف بالثياب، أما غير ذلك فلم يختلف أحد من السلف ولا الخلف في عده من الزينة الواجب سترها، أي إن ما عدا هذه الزينة الظاهرة لا يجوز للمرأة إظهاره باتفاق العلماء، وليس هو محلًّا للخلاف أصلًا على اختلاف أقوالهم في تفاصيل الزينة الظاهرة.
 
وجاء الأمر الإلهي في الآية للنساء المؤمنات بضرب الخُمُر على الجيوب، والخُمُر: جمع خِمَار، وخمار المرأة في لغة العرب هو مَا يُغطِّي رَأْسها، قال العلامة الفيومي في "المصباح المنير" (مادة: خ م ر): [الخِمار: ثوب تغطي به المرأة رأسها، والجمع خُمُر] اهـ، والجُيُوب: جمع جَيْب، وهو الصدر. فجاء على غاية ما يكون وضوحًا في بيان المقصود؛ فإن التعبير بضرب الخمار على الجيب: يقتضي ستر الشعر والعنق والنحر، والعدول عن التعبير بضربه على الوجه إلى الضرب على الجيب يقتضي في الوقت نفسه كشفَ الوجه، وهذا مِن أبلغِ الكلام وأفصحِه، وأبينِه وأوضحِه.
 
قال الإمام الطبري في "جامع البيان" (19/159): [يقول تعالى ذكره: وليلقين خُمُرهنّ، وهي جمع خمار، على جيوبهنّ، ليسترن بذلك شعورهنّ وأعناقهن وقُرْطَهُنَّ] اهـ.
 
وقال الإمام أبو محمد بن حزم في "المحلَّى" (2/247، ط. دار الفكر): [فأمرهن الله تعالى بالضرب بالخمار على الجيوب، وهذا نص على ستر العورة، والعنق، والصدر. وفيه نص على إباحة كشف الوجه؛ لا يمكن غير ذلك أصلًا] اهـ.
 
وقال الإمام القرطبي في "الهداية إلى بلوغ النهاية" (8/5071، ط. مجموعة بحوث الكتاب والسنة): [أيْ: وليلقين خمرهن، وهو جمع خمار على جيوبهن، ليسترن شعورهن وأعناقهن] اهـ.
 
وقال الإمام السمرقندي في "بحر العلوم" (2/508): [قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ﴾ يعني: ليرخين بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ، يعني: على الصدر والنحر. قال ابن عباس: «وكنّ النساء قبل هذه الآية يبدين خمرهن من ورائهن، كما يصنع النبط، فلما نزلت هذه الآية، سدلن الخمر على الصدر والنحر». ثم قال: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ، يعني: لا يظهرن مواضع زينتهن، وهو الصدر والساق والساعد والرأس، لأن الصدر موضع الوشاح، والساق موضع الخلخال، والسّاعد موضع السوار، والرأس موضع الإكليل، فقد ذكر الزينة وأراد بها موضع الزينة] اهـ.
 
وقال الإمام أبو الوليد الباجي في "المنتقى شرح الموطأ" (1/251، ط. مطبعة السعادة): [ويستر الخمار عنقها وقصتها ودلاليها، ولا يظهر منها غير دور وجهها] اهـ.
 
وقال الإمام ابن كثير في "تفسيره" (6/42، ط. دار الكتب العلمية): [ضاربات على صدورهن لتواري ما تحتها من صدرها وترائبها؛ ليخالفن شعار نساء أهل الجاهلية؛ فإنهن لم يكن يفعلن ذلك، بل كانت المرأة منهن تمر بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شيء، وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها، فأمر الله المؤمنات أن يستترن في هيئاتهن وأحوالهن] اهـ.
 
وأما الحديث: فأخرج أبو داود في "سننه" -واللفظ له-، والطبراني في "مسند الشاميين"، وابن عدي في "الكامل"، والبيهقي في "السنن الكبرى" و"الآداب" و"شُعَب الإيمان": عن عائشةَ رضي اللهُ عنها، أنّ أسماءَ بنتَ أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنهما دخلَتْ على رسول اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم وعليها ثِيَابٌ رِقَاقٌ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: «يَا أَسْمَاءُ، إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلاَّ هَذَا وَهَذَا»، وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ. 
 
وتضعيف هذا الحديث بسعيد بن بشير، وخالد بن دريك: غير سديد؛ فقد وثق سعيدًا جماعةٌ من الأئمة، وصحح حديثَه الحاكمُ في "المستدرك" وقال: [وسعيد بن بشير: إمام أهل الشام في عصره إلا أن الشيخين لم يخرجاه بما وصفه أبو مسهر من سوء حفظه، ومثله لا ينزل بهذا القدر]، ووافقه الحافظ الذهبي، وأما خالد بن دُرَيك فقد وثقه النسائي وغير واحد. 

 وقد عُلِّل هذا الحديث أيضًا بالإرسال بين خالد بن دُرَيْك وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وهذا التعليل متعقَّبٌ مِن وجهين:
الأول: أن المرسل مقبول إذا عضَّده قول صحابي أو فعله، كما هو مذهب الإمام الشافعي والمحققين من الأصوليين، قال البيهقي في "السنن الكبرى" (2/319، ط. دار الكتب العلمية): [مع هذا المُرسَل قولُ مَن مضى مِن الصحابة رضي الله تعالى عنهم في بيان ما أباح الله من الزينة الظاهرة، فصار القولُ بذلك قويًّا] اهـ. 
الثاني: أنه منجبر بالطرق الأخرى للحديث؛ حيث ورد مِن أكثر مِن طريق:
فأخرجه أبو داود في "المراسيل" عَنْ قَتَادَةَ مرسلًا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الْجَارِيَةَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلَّا وَجْهُهَا وَيَدَاهَا إِلَى الْمَفْصِلِ»، وهو مرسل صحيح. 
 
وأخرج الطبراني في معجميه: "الكبير" و"الأوسط"، والبيهقي في "السنن الكبرى" عن أسماء بنت عُمَيْس رضي الله عنها، أنها قالت: دخل رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم على عائشةَ بنتِ أبي بكر، وعندها أختُها أسماءُ بنتُ أبي بكر، وعليها ثيابٌ شاميةٌ واسعةُ الأكمام، فلما نظر إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قام فخرج، فقالت لها عائشة رضي الله عنها تَنَحَّيْ؛ فقد رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرًا كرهه، فتنَحَّتْ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسألَتْه عائشةُ رضي الله عنها: لم قام؟ قال: «أَوَلَمْ تَرَيْ إِلَى هَيْئَتِهَا، إِنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ أَنْ يَبْدُوَ مِنْهَا إِلَّا هَكَذَا» وأخذ بكُمَّيْه، فغطى بهما ظهر كفَّيْه حتى لم يبد مِن كفَّيْه إلا أصابعُه، ثم نصب كفيه على صدغيه حتى لم يَبْدُ إلا وجهُه.
قال الحافظ الهيثميُّ في "مجمع الزوائد" (5/137، ط. مكتبة القدسي): [فيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح] اهـ.
 
وقد تقرر عند أهل الحديث أن المرسل إذا تعددت مخارجُه فهو في محل القبول؛ قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: [يُقْبَلُ إِنِ اعْتَضَد بمجيئِهِ مِن وجهٍ آخرَ يُبايِنُ الطريقَ الأُولَى، مسنَدًا أو مرسَلًا، لِيَرْجحَ احتمالُ كونِ المحذوفِ ثقةً في نفسِ الأمرِ] اهـ نقلًا عن "نزهة النظر" للحافظ ابن حجر (ص: 101-102، ط. مطبعة سفير).
 
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (8/439، ط. دار المعرفة): [الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجُها دل ذلك على أن لها أصلًا] اهـ، وقال في "القول المُسَدَّد في الذب عن مسند أحمد" (ص: 38، ط. مكتبة ابن تيمية): [كثرة الطرق إذا اختلفت المخارج تزيد المتن قوة] اهـ.
 
وأخرج أبو داود والترمذي في "السنن" عن نَبْهَانَ، مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ رضي الله عنها، حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وَمَيْمُونَةَ. قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ أَقْبَلَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أُمِرْنَا بِالحِجَابِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «احْتَجِبَا مِنْهُ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَيْسَ هُوَ أَعْمَى لَا يُبْصِرُنَا وَلَا يَعْرِفُنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ». قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
 
وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه في "السنن" عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «إِذَا كَانَ عِنْدَ مُكَاتَبِ إِحْدَاكُنَّ مَا يُؤَدِّي فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ». قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. 
 
وفي هذا الحديث دليلٌ على وجوب احتجاب المرأة عن الرجل ما لم يكن مملوكًا لها، وأنها إنما أُمِرت بالاحتجاب منه هنا إذا ملك ما يؤدي به وإن لم يؤده حقيقةً؛ تورعًا، قال الترمذي: ومعنى هذا الحديث عند أهل العلم على التورع، وقالوا: لا يعتق المكاتب -وإن كان عنده ما يؤدي- حتى يؤدي.
 
وأخرج أبو داود في "السنن" عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَتَى فَاطِمَةَ بِعَبْدٍ كَانَ قَدْ وَهَبَهُ لَهَا، قَالَ: وَعَلَى فَاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ثَوْبٌ، إِذَا قَنَّعَتْ بِهِ رَأْسَهَا لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْهَا، وَإِذَا غَطَّتْ بِهِ رِجْلَيْهَا لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَهَا، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ مَا تَلْقَى قَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكِ بَأْسٌ، إِنَّمَا هُوَ أَبُوكِ وَغُلَامُكِ». 
 
قال الحافظ ابن الملقن في "البدر المنير" (7/510، ط. دار الهجرة): [هذا إسناد جيد، وسالم وثَّقه يحيى بن معين، وليَّنه أبو زرعة، وقد تابعه سلام بن أبي الصهباء، عن ثابت لا جرم، قال الحافظ ضياء الدين في "أحكامه": لا أعلم بإسناده بأسا. وقال ابن القطان في كتابه "أحكام النظر": لا يبالى بقول أبي زرعة -يعني: السالف- فإن العدول متفاوتون في الحفظ بعد تحصيل رتبة العدالة، والحديث صحيح] اهـ. 
 
وهذا الحديث صريحٌ في وجوب تغطية الرأس؛ لتحرُّج السيدة فاطمة رضي الله عنها من كشف رأسها حتى تغطي رجلها، ولو كان أحد الموضعين أوجب من الآخر في التغطية، أو كانت تغطية أحدهما واجبة وتغطية الآخر سنة لقدَّمَت الواجبَ بلا حرج.
 
وأخرج الترمذي والنسائي في "السنن" عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ»، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ يَصْنَعْنَ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: «يُرْخِينَ شِبْرًا»، فَقَالَتْ: إِذًا تَنْكَشِف أَقْدَامُهُنَّ، قَالَ: «فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا، لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ»، قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. 
 
قال المباركفوري في "تحفة الأحوذي" (5/332، ط. دار الكتب العلمية): [قوله (يرخين) -بضم أوله- من الإرخاء وهو الإرسال، أي: يرسلن من ثيابهن (شبرا) أي من نصف الساقين] اهـ.
 
وأخرج الإمام أحمد في "مسنده" عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَسَانِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قُبْطِيَّةً كَثِيفَةً مِمَّا أَهْدَاهَا لَهُ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ، فَكَسَوْتُهَا امْرَأَتِي فَقَالَ: «مَا لَكَ لَمْ تَلْبَسِ الْقُبْطِيَّةَ؟» قُلْتُ: كَسَوْتُهَا امْرَأَتِي. فَقَالَ: «مُرْهَا فَلْتَجْعَلْ تَحْتَهَا غِلَالَةً، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تَصِفَ عِظَامَهَا». قال الحافظ ضياء الدين المقدسي في "الأحاديث المختارة" (4/149، ط. دار خضر): [إسناده حسن]، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (5/136، ط. مكتبة القدسي): [رواه أحمد، والطبراني، وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وحديثه حسن وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات] اهـ.
 
وأخرج أبو داود في "سننه" عَنْ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيِّ رضي الله عنه، أَنَّهُ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ بِقَبَاطِيَّ، فَأَعْطَانِي مِنْهَا قُبْطِيَّةً، فَقَالَ: «اصْدَعْهَا صَدْعَيْنِ، فَاقْطَعْ أَحَدَهُمَا قَمِيصًا، وَأَعْطِ الْآخَرَ امْرَأَتَكَ تَخْتَمِرُ بِهِ»، فَلَمَّا أَدْبَرَ، قَالَ: «وَأْمُرِ امْرَأَتَكَ أَنْ تَجْعَلَ تَحْتَهُ ثَوْبًا لَا يَصِفُهَا».
 
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن أم المؤمنين عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وَعِنْدِي فَتَاةٌ، فَأَلْقَى إِلَيَّ حِقْوَهُ، فَقَالَ: «شُقِّيهِ بَيْنَ هَذِهِ الْفَتَاةِ وَبَيْنَ الَّتِي عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ، فَإِنِّي لَا أَرَاهُمَا إِلَّا قَدْ حَاضَتَا».
 
وأخرج ابن ماجه في "سننه"، وابن أبي شيبة في "مصنفه" عَنْ أم المؤمنين عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا، فَاخْتَبَأَتْ مَوْلَاةٌ لَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «حَاضَتْ؟» فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَشَقَّ لَهَا مِنْ عِمَامَتِهِ، فَقَالَ «اخْتَمِرِي بِهَذَا».
 
وأخرج الإمام أحمد والروياني في "مسنديهما" عَنْ عُقْبَةَ بن عامر رضي الله عنه أَنَّ أُخْتَهُ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ حَافِيَةً غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شَيْئًا، مُرْهَا فَلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَرْكَبْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ».
 
وفي رواية الروياني: أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً وتَنْشُرَ شَعْرَهَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ لغَنِيٌّ عَنْ نَذْرِ أُخْتِكَ، مُرْهَا فَلْتَرْكَبْ، وَلْتُهْدِ هَدْيًا -وَأَحْسَبَهُ قَالَ: وَتُغَطِّي شَعْرَهَا-». قال الحافظ البوصيري في "مصباح الزجاجة" (1/83، ط. دار العربية): [هذا إسناد فيه عبد الكريم، وهو ابن أبي المخارق، ضعَّفه أحمد وغيره، بل قال ابن عبد البر: مجمع على ضعفه. انتهى. رواه محمد بن عمر في مسنده عن سفيان بالإسناد والمتن، إلا أنه قال: (من ثوبه) بدل (عمامته)] اهـ. 
 
قال الإمام الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (5/398، 399، ط. مؤسسة الرسالة): [فكان فيما روينا أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عقبة أن يأمر أخته بالكفارة فيما كان منها من المعصية, وتَرْكِ تلك المعصية؛ إذْ كانت الشريعة تمنعها منها.. وكانت في نذرها بمعنى الحالفة لكشفها شعرَها في مشيها, فلم يكن منها ما حلفت عليه؛ لمنع الشريعة إياها عنه, فأُمِرَتْ بالكفارة عنه كما يؤمر الحالف بالكفارة عن يمينه إذا حنث فيها] اهـ.
 
وقد بلغ من أهمية حجاب المسلمة أن ارتبط في الشريعة ارتباطًا وثيقًا بالصلاة؛ بحيث إنها لا تقبل بدونه، أي إنه فرض ديني إسلامي، وليس رمزًا طائفيًّا.
 
فأخرج الخمسة إلا النسائي من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لاَ يَقْبَلُ اللهُ صَلاَةَ حَائِضٍ -من بلغت سن المحيض- إِلاَّ بِخِمَارٍ». 
 
قال الصنعاني في "سبل السلام" (1/198، ط. دار الحديث): [وفي قوله «إِلاَّ بِخِمَارٍ» ما يدل على أنه يجب على المرأة ستر رأسها وعنقها ونحوه، مما يقع عليه الخمار] اهـ.
 
وقال الشيخ أبو الحسن المباركفوري في "مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (2/478، ط. الجامعة السلفية): [والحديث يدل على أن رأس المرأة عورة، وأنه يجب عليها ستر رأسِها وعنقِها حال الصلاة] اهـ.وأخرج أبو داود في "سننه" والحاكم في "المستدرك" عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها، أَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: أَتُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ لَيْسَ عَلَيْهَا إِزَارٌ؟، قَالَ: «إِذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا». قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. 
 
قال الملا علي القاري في "مرقاة المفاتيح" (2/634، ط. دار الفكر): [قال الشافعي: لو انكشف شيء مما سوى الوجه واليدين، فعليها الإعادة. نَقَلَهُ الطِّيبي] اهـ.
 
وأخرج الطبراني في مُعجَمَيْه "الأوسط" و"الصغير" عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنَ امْرَأَةٍ صَلَاةً حَتَّى تُوَارِي زِينَتَهَا, وَلَا مِنْ جَارِيَةٍ بَلَغَتِ الْمَحِيضَ حَتَّى تَخْتَمِرَ». 
 
وأخرج أبو داود في "المراسيل" عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ رُؤُوسَهُمْ»، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ: «وَامْرَأَةٌ قَامَتْ إِلَى الصَّلَاةِ وَأُذُنُهَا بَادِيَةٌ». 
 
وهذه الأحاديث توضح بجلاء ارتباط الحجاب بالدين؛ حتى إن الصلاة -التي هي من أركان الدين- لا تقبل بدونه، أي إنه فرض ديني إسلامي وليس رمزًا طائفيًّا.
 
وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة الإسلامية -سلفًا وخلفًا- على وجوب الحجاب، وهذا من المعلوم من الدين بالضرورة. ومما نُقِل من إجماع الأمة في ذلك:
قال الإمام أبو محمد بن حزم في كتابه "مراتب الإجماع" (ص: 29، ط. دار الكتب العلمية): [وَاتَّفَقُوا على أَن شعر الحُرَّة وجسمها -حاشا وَجههَا ويدها- عَورَةٌ، وَاخْتلفُوا فِي الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ حَتَّى أظفارهما أعورة هِيَ أم لَا؟] اهـ، وأقره على ذلك الشيخ ابن تيمية الحنبلي؛ فلم يتعقبه في كتابه "نقد مراتب الإجماع".
 
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر المالكي في "التمهيد" (15/108، ط. وزارة الأوقاف المغربية): [أجمعوا أن إحرامها في وجهها دون رأسها، وأنها تخمر رأسها وتستر شعرها وهي محرمة] اهـ، وقال أيضًا (6/364): [كلها عورة إلا الوجه والكفين، على هذا أكثر أهل العلم. وقد أجمعوا على أن المرأة تكشف وجهها في الصلاة والإحرام. وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم وهو قول الأوزاعي وأبي ثور: على المرأة أن تغطي منها ما سوى وجهها وكفيها، وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث: كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها] اهـ.
 
وهذا صريح في أن المختلفين في الوجه والكفين ونحوهما؛ كالقدمين، وموضع السوار من الذراعين، قد انعقد بينهم الإجماع على وجوب تغطية ما سوى ذلك، ولا يوجد عند المسلمين أي قول بجواز كشف ما عدا ذلك من جسد المرأة.
 
وقال الحافظ ابن عبد البر أيضًا في كتابه الحافل "الاستذكار، الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار، فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار، وشرح ذلك كله بالإيجاز والاختصار" (2/196، ط. دار الكتب العلمية): [أجمع العلماء على أن ستر العورة فرض واجب بالجملة على الآدميين] اهـ، ثم قال (2/201): [الذي عليه فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق أن على المرأة الحرة أن تغطي جسمها كله بدرع صفيق سابغ وتخمر رأسها؛ فإنها كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وأن عليها ستر ما عدا وجهها وكفيها] اهـ.
 
وقال الإمام أبو المظفر السمعاني الحنفي ثم الشافعي في "قواطع الأدلة في الأصول" (2/82، ط. دار الكتب العلمية): [الأصل أن بدن المرأة كله عورة، وأن عليها الستر وترك التبرج، إلا أن موضع الوجه منها موضع الحاجة والضرورة؛ لأن إثبات عينها والمعرفة بها عند المعاملات لا يقع إلا برؤية الوجه، وأيضا فإن مصلحتها في أسباب معاملتها لا يكمل إلا بذلك، وأما الشعر فلا ضرورة في إبرازه بحال، فصار كسائر بدنها] اهـ.
 
وقال الإمام القرطبي المالكي في "تفسيره" (12/237، ط. دار الكتب المصرية): [أجمع المسلمون على أن السوأتين عورة من الرجل والمرأة، وأن المرأة كلها عورة، إلا وجهها ويديها؛ فإنهم اختلفوا فيهما] اهـ.
 
وعلى ذلك فوجوب ستر المرأة جسدها ما عدا وجهها وكفيها وقدميها وبعض ذراعيها- هو من الأحكام الشرعية القطعية التي أجمع عليها المسلمون عبر العصور على اختلاف مذاهبهم الفقهية ومشاربهم الفكرية، ولم يشذ عن ذلك أحد من علماء المسلمين سلفًا ولا خلفًا، والقول بجواز إظهار شيء غير ذلك من جسدها -لغير ضرورة أو حاجة تُنَزَّل منزلتَها- هو كلام مخالف لِمَا عُلِم بالضرورة من دين المسلمين، وهو قولٌ مبتدَعٌ منحرف لم يُسبَقْ صاحبُه إليه، ولا يجوز نسبة هذا القول الباطل للإسلام بحال من الأحوال.
 
وبناء على ما سبق: فإن موقف الشريعة الإسلامية بمصادر تشريعها كافةً من فرضيَّة الحجاب -منذ فرضه الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأجمع عليه المسلمون سلفًا وخلفًا منذ عصر النبوة وحتى عصرنا الحاضر- هو موقفٌ واضحٌ قاطع حاسم لم يَجْرِ فيه الخلافُ قطُّ بين علماء المسلمين، ولم يقل بنفيه أحدٌ من المسلمين على مر العصور وتتابع الأجيال، ولا هو في أصله مما هو قابلٌ لأن يجري فيه الخلاف، ولا هو مما يتغير بتغير الأعراف والعوائد والبلدان؛ فلم يكن أبدًا من قبيل العادات، بل هو من صميم الدين وتكاليف الشريعة التي حمَّلها الله الإنسان دون سائر الكائنات، وهو سائله عنها يوم القيامة.
 
أمّا عن واقعة رسالة الدكتوراه المزعومة التي نُشِرَ في بعض وسائل الإعلام أنه قد تقدَّم بها باحث يدعى مصطفى محمد راشد إلى كلية الشريعة فرع دمنهور بجامعة الأزهر، وأن هذه الرسالة قد نفت فرضية الحجاب، وأن الكلية قد منحته تقدير امتياز عليها: فهذا كله من الكذب الصُّرَاح الذي تناقله مَن تناقله من المواقع الإلكترونية من غير تثبت أو تمحيص أو توثيق، وهو افتراء غير مقبول على الأزهر الشريف شكلًا ومضمونًا؛ لكونه مخالفًا لما عليه الواقع الفعليّ، فالأزهر الشريف هو منارة العلم والدين عبر التاريخ الإسلامي، وقد كوَّن هذا الصرحُ الشامخُ أعظم حوزة علمية عرفتها الأمة بعد القرون الأولى المُفَضَّلة، وحفظ الله تعالى به دينه ضد كل مُعاند ومارقٍ ومُشكِّك، وصدق فيه خبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن مصر وأهلها أنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة، فأصبح أزهرها صرحًا راسخًا قويًّا متماسكًا للدين الصحيح بمصادره الأصلية المُسنَدة الموثقة، المبنِيَّة أحكامه على الفهم الصحيح لسياقات الأدلة ومقاصدها ومآلات الأحكام، ولم يحدث عبر العصور أن أصدر الأزهر الشريف حُكمًا مخالِفًا لإجماعٍ شرعي؛ فالخائض فيه على خطر عظيم، ويُخْشَى أن يكون من الخوارج والمرجفين الـذين قال الله تعالى فيهم: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾.
 
وقد خاطبَتْ دارُ الإفتاء المصرية كليةَ الشريعة والقانون بجامعة الأزهر فرع دمنهور، التي يُدَّعَى أن الرسالة المزعومة ممنوحة منها؛ وذلك لطلب تجلية الحقيقة حول هذه القضية، وجاء الرد الرسمي من فضيلة عميد الكلية الأستاذ الدكتور/ إسماعيل عبد الرحمن، قاطعًا باختلاق هذه الرسالة الموهومة، وتزوير شهادتها المزعومة المنشورة على الشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، وفيما يلي نص الخطاب الوارد من فضيلته إلى فضيلة مفتي الديار المصرية:
[فضيلة الأستاذ الدكتور/ علي جمعة، مفتي جمهورية مصر العربية حفظه الله. 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد.. فيشرفني إحاطة سيادتكم علمًا بأن المدعو/ مصطفى محمد راشد، ليس حاصلًا على درجة العالمية (الدكتوراه) من كلية الشريعة والقانون بدمنهور، وأن ما نُشر على الإنترنت من أنه حصل على درجة العالمية (الدكتوراه) في الشريعة والقانون في موضوع "الحجاب ليس فريضة إسلامية" إنما هو تزوير محض قام به المذكور، وذلك من خلال صورة شهادة الإجازة العالية (الليسانس) التي حصل عليها من كلية الشريعة والقانون بدمنهور؛ حيث قام بتزويرها كما يلي:
1. استبدال جملة "الإجازة العالية (الليسانس)" وجعلها "الإجازة العالمية (الدكتوراه)"؛ بوضع "ميم" للعالية، وكتابة الدكتوراه بطريقة إملائية خاطئة.
2. استبدال "دور سبتمبر" وجعله "دور مايو".
3. استبدال سنة التخرج لتكون 1997م بدلًا من 1987م.
4. استبدال التقدير العام وجعله "امتياز" بدلًا من "جيد".
وخلاصة الأمر: أن المذكور/ مصطفى محمد راشد، إنما هو خِرِّيج الكلية، شعبة الشريعة والقانون، عام 1987م، دور سبتمبر، بتقدير "جيد"، ولم يلتحق بالدراسات العليا بالكلية، ولم يحصل على الدكتوراه منها، وعنوان الرسالة المذكور إنما هو وهم وخيال، ولم تمنحه الكلية لأي أحد. وتفضلوا بقبول وافر التحية وعظيم التقدير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته] انتهى ما جاء في خطاب فضيلته.
 
كما أصدر الأزهر الشريف بيانًا يوم الثلاثاء 31/7/2012م، وقد نشرته الصحف والمواقع الإخبارية، وجاء نصه في "مجلة الأزهر" في عددها الصادر في شهر شوال 1433هـ الموافق لشهر سبتمبر 2012م، كما يلي: [ينفي الأزهر الشريف ما تردد في بعض وسائل الإعلام عن اعتماد كلية الشريعة فرع دمنهور بجامعة الأزهر لرسالة دكتوراه تؤكد عدم فرضية الحجاب في الإسلام. وكانت بعض المواقع قد نشرت مؤخرًا خبرًا يدَّعي أن رسالة دكتوراه قد تقدم بها باحث يُدعَى مصطفى محمد راشد، وأن هذه الرسالة قد نفت فرضية الحجاب، وأن الكلية قد منحته تقدير "امتياز"؛ مما أثار جدلًا بين الأوساط الإسلامية. وجامعة الأزهر تنفي نفيًا قاطعًا أن يكون المذكور قد تقدم برسالة علمية عما يدعيه من موضوعات، وسيقاضيه الأزهر عما أحدثه من بلبلة في أذهان بعض الناس، والأزهر يؤكد دومًا أنه المرجعية الأولى للإسلام والمسلمين، التي تحافظ على ثوابت الأمة الإسلامية، وأنه لم ولن يسمح بنشر الأفكار المنحرفة التي تتنكب عن طريق الحق والشرع. ويهيب الأزهر الشريف بوسائل الإعلام تحري الحق والصواب والتثبت في نقل الأخبار قبل نشرها وإذاعتها؛ وَأْدًا للفتنة والبلبلة بين الناس]. انتهى ما جاء في بيان الأزهر الشريف.
 
أما عن التزام المسلمات بالحجاب أثناء وجودهن في دُوَلٍ أخرى لها ثقافات وأعراف تختلف عن الثقافات الإسلامية: فالحجاب كما قلنا فريضة إسلامية، والتزام المرأة المسلمة به في ظل الأعراف الدولية هو كالتزامها بصلاتها وصيامها وتعظيمها لشعائر دينها واعتزازها بها بلا غضاضة في ظل تلك الأعراف التي لا تدين بالإسلام، فالحجاب لا يُعَدُّ من قبيل العلامات أو أشكال التمييز التي تميز المسلمين عن غيرهم، بل هو من قبيل الفرض اللازم الذي هو جزءٌ من الدين.
 
وإنما تتأتى الرخصة التي تبيح للمرأة المسلمة خلع حجابها أو شيء منه عند وجود الضرورة -أو الحاجة التي تُنَزَّل منزِلَتَها؛ عامة كانت أو خاصة- التي تُلجِئُها إلى ذلك، والضرورة هي: ما يؤدي لبس المرأةِ الحجابَ فيها إلى الهلاك أو ما يقاربه، والحاجة هي: ما يؤدي لبسها إياه إلى الحرج والمشقة اللَّذَينِ يلحقانها في دينها أو دنياها؛ كمن خافت على نفسها أو مَن هو منها بِسَبَبٍ، أو عملها الذي لا مورد لها سواه، أو مصالحها التي لا قوام لها بغيرها، أو مسيرتها التعليمية التي يختل نظام حياتها بتركها؛ ارتكابًا لأخف الضررين، ودرءًا لأشد المفسدتين؛ أخذًا في الاعتبار أن الضرورة والحاجة تقدَّران بقدرهما، وأن ما جاز كشفه للضرورة أو الحاجة مكانًا أو زمانًا أو حالًا: لا يُتَعَدَّى به محلُّه ولا يُتجاوَز به مقدارُه، فلا تكشف من حجابها في كل ذلك إلا بقدر ما يندفع به الضرر، ويزول به المَخُوف، وتَسْتَدُّ به الحاجة، فإن زال الضرر والتهديد وحصل الأمن واندفعت الحاجة: عادت لحجابها، والتزمت فريضتها، وأطاعت ربها. والله سبحانه وتعالى أعلم
طالع الملف
زينة المرأة وعورتها
عورة المرأة امام زوج أختها
حكم استخدام الكحول في العطور وغيرها
حكم كشف المرأة لشعرها وساقيها وذراعيها أمام إخوة الزوج
حكم خلط الزيوت العطرية بالكحول
طالع أيضًا
الرئيسة عن الدار طلب فتوى خريطة الموقع آراء ومـقـتـرحــات اتصل بنا