14 ربيع الأول 1440 هـ   -  22 نوفمبر 2018 م
الرئيسة    >>  معارف إفتائية  >>  فتاوى لها تاريخ  

فتوى يحيى بن يحيى في كفارة الجماع في نهار رمضان

نص الفتوى:
أفتى يحيى بن يحيى بن كثير الليثي (ت: 234) صاحب مالك، إمام أهل الأندلس، بعض ملوك المغاربة، وهو الأمير عبد الرحمن بن الحكم الأموي المعروف بالربضي، صاحب الأندلس، وكان قد نظر في رمضان إلى جارية له كان يحبها حبًّا شديدًا، فعبث بها، فلم يملك نفسه أن وقع عليها، ثم ندم ندمًا شديدًا، فسأل الفقهاء عن توبته وكفارته، فقال يحيى بن يحيى: تصوم شهرين متتابعين، فلما بدر يحيى بذلك سكت بقية الفقهاء حتى خرجوا. فقالوا ليحيى: مَا لَكَ لم تفته بمذهب مَالِك، وهو التخييرُ بين العتق والإطعام والصيام؟ فقال: لو فتحنا له هذا الباب سهل عليه أن يطأ كلَّ يوم، ويعتق رقبةً، ولكن حَمَلْتُه على أصعب الأمور؛ لئلا يعود([1]).

الأصل في المسألة:
الأصل في جواب هذا السؤال هو ما وَرَدَ عن أبي هريرة، قال: ((جاء رجلٌ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: هلكتُ، قال: وما شأنك؟ قال: وقعتُ على امرأتي في رمضان، قال: هل تجد ما تعتق رقبةً؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟ قال: لا أجد. فأُتي النبي -صلى الله عليه وسلم- بعرق فيه تمر، فقال: خذ هذا فتصدَّق به. فقال: أَعَلَى أَفْقَرَ منَّا؟ ما بين لابتيها أفقرُ منا، ثم قال: خذه فأطعمه أهلك([2]).
وبناءً على هذا الحديث، تحدَّث العلماء عن كفَّارة مَن جَامَعَ في نهار رمضان، وتحدَّثوا عن هذه الأوامر الثلاثة، وهل هي مرتبةٌ بهذا الترتيب، فلا يجوز أن يصوم إلا إذا عجز عن العتق، ولا يجوز أن يطعم ستين مسكينًا إلا إذا عجز عن صيام شهرين متتابعين، أم هي على التخيير، فيجوز له أن يختار ما يقدر عليه منها؟

آراء الفقهاء في خصال الكفارة:
تحدَّث العلماء عن خصال الكفارة في الجملة طبقًا لهذا الحديث السابق، وهي: العتق والصيام والإطعام.
فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن كفَّارة الصوم مرتبةٌ ابتداءً وانتهاءً؛ فعلى المكفِّر أن يعتق رقبةً إذا استطاع إلى ذلك سبيلا، فإن لم يجد بأن لم يتيسر له ذلك حسًّا أو شرعًا، فعليه صيام شهرين متتابعين، فإن عجز عن الصوم لهرم أو مرض أو خاف من الصوم زيادةَ مرضٍ، فعليه إطعام ستين مسكينًا.
وذهب المالكية إلى أن كفَّارة إفساد الصوم على التخيير، فيجوز له أن يأخذ بأيِّ هذه الاختيارات شاء، وإن كان الأفضل الإطعام؛ لكثرة تعدي نفعه([3]). ومقتضى هذه الأقوال أنه كان ينبغي على المفتي أن يفتيه، إما بأن يعتق رقبةً، فإن لم يجد فعليه الصيام، وإلا كان عليه الإطعام، هذا بناءً على المذاهب الثلاثة: الشافعي والحنفي والحنبلي، أما على المذهب المالكي فكان مقتضاه أن يخيره بين الثلاثة، ليفعل ما يحب منها، أو ما يسهل عليه.

إنكار الفقهاء على الفتوى:
علق الإمام الغزالي على هذه الفتوى في كتابه المستصفى بقوله: "فهذا قولٌ باطلٌ ومخالفٌ لنصِّ الكتاب بالمصلحة، وَفَتْحُ هذا الباب يؤدِّي إلى تغيير جميع حدود الشرائع ونصوصها بسبب تغير الأحوال، ثم إذا عرف ذلك من صنيع العلماء لم تحصل الثقةُ للملوك بفتواهم، وظنوا أن كلَّ ما يفتون به فهو تحريفٌ من جهتهم بالرأي"([4]). وقد شدَّ النكيرَ على الفتوى أيضًا الإمام الجويني في كتابه الغياثي: "ولو ذهبنا نَكْذِبُ للملوك ونطبق أجوبة مسائلهم على حسب استصلاحهم؛ طلبًا لما نظنه من فلاحهم، لَغَيَّرْنا دِينَ الله بالرأي، ثم لم نثق بتحصيل صلاح وتحقيق نجاح، فإنه قد يشيع في ذوي الأمر أن علماء العصر يحرِّفون الشَّرع بسببهم، فلا يعتمدونهم وإن صدقوهم، فلا يستفيدون من أمرهم إلا الكذب على الله وعلى رسوله، والسقوط عن مراتب الصادقين، والالتحاق بمناصب الممخرقين المنافقين"([5]).

رؤية صاحب الفتوى:
ولكن المفتي تخير أن يأمره بالصوم؛ لأن ذلك أكثر صرفًا له عن تكرار هذا الفعل مرةً أخرى، وهذا ما يسمى عند الفقهاء الترجيح بالمصلحة، وهو مشهورٌ في مذهب الإمام مالك رضي الله عنه، وعليه جماعةٌ من الفقهاء منهم الإمام يحيى الطوفي الحنبلي، ولذلك فإنه قد اعتمد هذه الفتوى بقوله: "أما تعيُّن الصوم في كفَّارة رمضان على الموسر، فليس يبعد إذا أدَّى إليه اجتهاد مجتهد، وليس ذلك من باب وضع الشرع بالرأي، بل من باب الاجتهاد بحسب المصلحة، أو من باب تخصيص العام المستفاد من ترك الاستفصال في حديث الأعرابي، وهو عام ضعيف، فيخص بهذا الاجتهاد المصلحي المناسب، وتخصيص العموم طريق مَهْيَع، وقد فرَّق الشرع بين الغني والفقير في غير موضع، فليكن هذا من تلك المواضع".
ومن ثم علق الإمام القرافي على هذه الفتوى بما أورده صاحب الفواكه الدواني، قال القرافي ما معناه: "إن الكفارات شُرعت للزجر، والملوك لا تنزجر بالإعتاق؛ لسهولته عليهم، فتعيَّن ما هو زاجرٌ لهم، وهذا من النظر في المصلحة، ولا تأباه القواعدُ، ولعله غيرُ منافٍ للتخيير؛ لإمكان حمل التخيير على فَقْدِ المعَيِّن لنوع منها، هذا ملخص كلام القرافي"([6]).
وقال في موضع آخر فيما حكاه عنه الشيخ محمد بن علي بن حسين مفتي المالكية بمكة المكرمة في كتاب تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية:"إفتاء يحيى له بالصوم هو الأوفقُ بكون مشروعية الكفارات للزجر، ولم يُفْتِهِ يحيى على أنه أمرٌ لا يجوز غيرُه"([7]). اهـ

موقف العالم من الحاكم:
على العكس مما يتوهمه بعض العامة وقليلو العلم أن العلاقة بين العالم والحاكم مبنيةٌ على طواعية العالم للحاكم، وما يقال من أن فقهاءنا كانوا علماءَ للسلطان، تُبَيِّنُ هذه الفتوى كيف تخيَّر العالِمُ ما يشدِّد به على الحاكم ردعًا ونصحًا في الدِّين، وأن العالم دائمًا ما يتخيَّر من الشرع ما يحقِّق المقصدَ الشرعيَّ والمصلحةَ الدينيةَ، ولو كان في ذلك شدَّةٌ على الحاكم.

موقف الفقهاء الحاضرين للموقف من الفتوى:
يلاحظ في سياق هذه الفتوى كيف لم يعترض الفقهاء الحاضرون للموقف على فتوى الإمام يحيى بن يحيى، مع علمهم بأن هناك وجهًا في مذهب الإمام مالِك يخفِّف على الحاكم الكفَّارة، ومع ذلك لم يعترضوا بين يدَي الحاكم، ثم إنهم استعلموا المفتي بعد خروجه، فيستفاد من ذلك أدبٌ عظيمٌ في العلاقة بين المفتين وأهل العلم، وتأخير الاعتراض والنقاش العلمي إلى مقامه الأنسب له.

كيف نستفيد من هذه الفتوى:
    يستفاد منها الكثير، نذكر منه:

  • أن المفتي أحيانًا يختار مِن أقوال العلماء ما يراه أكثرَ تحقيقًا للمقصد الشرعي، وإن كانت مساحة الأحكام أَوْسَعَ مِن اختياره في فتواه، إلا إنه يتعمَّد أحيانًا تضييقَ هذه المساحة في الفتوى؛ لتحقيق المقصد الشرعي.
  • أن الخلاف بين العلماء في الفتاوى واردٌ وطبيعيٌّ، ولا يقلِّل مِن شأن أيٍّ منهم، حتى لو كان خلافًا قويًّا وشديدًا.
  • أن أدب الاختلاف في الفتوى لا يمنع المناقشة والنقد العلمي، كما أن واجب المراجعة والمناصحة لا يخرج بالنقد الإفتائي عن حدود العلم والأدب.


----------------------------------------
([1]) التحبير شرح التحرير 7/ 3407.
([2]) صحيح البخاري 8/ 145.
([3]) الموسوعة الفقهية الكويتية 35/ 105 بتصرف يسير.
([4]) المستصفى ص: 174.
([5]) غياث الأمم في التياث الظلم ص: 224.
([6]) الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني 1/ 315.
([7]) الفروق للقرافي (أنوار البروق في أنواء الفروق) 4/ 74.

Feedback