4 ربيع الأول 1439 هـ   -  23 نوفمبر 2017 م
ملخص أبحاث المؤتمر

 

 أهمية الفتوى.. وضوابطها
الشيخ محمد أحمد حسين
مفتي القدس وإمام المسجد الأقصى المبارك

الفتوى علم قائم بذاته، ومثلها مثل العلوم كلها، فلكل علم قواعده وأصوله، إذ لا يعقل أن يقحم شخص نفسه في علم الطب، أو الصيدلة، أو الهندسة، أو الرياضيات، دون أن يكون لديه إلمام بقواعد تلك العلوم ومباحثها، ومصطلحاتها، ومفاهيمها، وأصولها، وفروعها، ولا نجد مخالفًا في إقرار هذا الحق لكل علم من العلوم المذكورة، ولكن الغرابة تبدو جلية حين نجد السماح باقتحام حصون الفتوى من غير أهلها، وقبول ذلك من فاعليه، وكأن من حق أي شخص أو فئة الإفتاء دون التقيد بمرجعية أو معيار، وفي هذا تعسف واضح، وللأسف فإن بعض الناس يبدو أنهم يتجاهلون هذا التجني رغم وضوحه، بدليل أنهم يحاجون بسفاسف الفتاوى وشواذها، ولو ردُّوا الفتاوى إلى أولي الأمر من العلماء لعرفوا الحقيقة دون مواربة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

ضوابط الفتوى
أ. د/ علي جمعة
عضو هيئة كبار العلماء ومفتي الديار المصرية السابق

 

النصوص مطلقة أو ثابتة، بينما الواقع نسبي متغير، وهو شديد التعقيد والتركيب، وملكة الوصل هي إقامة الجسور بين النصوص والواقع، وكيفية إيقاع المطلق في النسبي، مما يجعل المفتي ولا بد محتاجًا إلى الفهم العميق للغة العربية ومعرفة مواطن إجماع الأمة حتى لا يخالفه، ومعرفة المقاصد الشرعية حتى لا يكر عليها بالبطلان، ومعرفة المصالح المرعية حتى لا يتم إهمالها أو تجاوزها، ومعرفة المآلات المعتبرة حتى لا يتسبب في تضارب الأمور وضياع المعاش والارتياش.
تمر الفتوى في ذهن المفتي بأربع مراحل أساسية، تخرج بعدها في صورتها التي يسمعها أو يراها المستفتي، وهذه المراحل الأربعة هي:
مرحلة التصوير ـ مرحلة التكييف ـ مرحلة بيان الحكم ـ مرحلة الإفتاء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أهمية الإفتاء وضوابطه
د/ عبد الحليم منصور
وكيل كلية الشريعة والقانون بالدقهلية

 

تكمن أهمية الإفتاء في أن المفتي موقع عن الله سبحانه وتعالى، وقائم في الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم، فقد تولى الفتوى الحق سبحانه وتعالى وتولاها النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، ومن ثم فالمفتي قائم في الأمة مقامهما في إظهار وبيان الأحكام الشرعية للمكلفين؛ لذا يحرم التجرؤ على هذا المقام الرفيع بغير علم.
ويشترط فيمن يتولى منصب الإفتاء أن يكون مسلمًا بالغًا عاقلا عدلا، بحيث يكون مبتعدًا عن ارتكاب الكبائر، وغير مصر على ارتكاب الصغائر، معروفًا بالورع وعالمًا بالأحكام الشرعية، وأن يكون أهلا للفتوى، ذا ملكة فقهية يقدر بها على استخراج الأحكام الشرعية، وينبغي على المفتي أن يراعي حال المستفتين، من يحتاج الرفق منهم ومن يحتاج إلى الشدة، مع مراعاة ظروف المجتمع، وأن يراعي آثار الفتوى، بحيث لا تكون سببًا لنشر الفتنة بين الناس أو إيقاع الضرر في المجتمع.
وعلى المستفتي ألا يتقدم لسؤال أحد إلا بعد التأكد من علمه، بحيث يغلب على ظنه أنه أهل للفتوى، بحيث يستفيض خبره ويشتهر بالعلم بين الناس.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
مجالات الإفتاء
أ‌. د/ عباس شومان
وكيل الأزهر الشريف

 

التحديات التي تمر بها الأمة الإسلامية اليوم تؤكد على مكانة الفتوى وعِظَمِ مسؤوليتها، فقد شهد عصرنا الراهن تطورات كثيرة في كافة المجالات العلمية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهو الأمر الذي نشأ عنه الكثير من المستجدات والقضايا التي لم تكن موجودة من قبل، وليس لها مثيل فيما تضمنته كتب الفقه المعهودة، وهذا يتطلب منا ضرورة الاجتهاد لمعالجتها، وحتى نكون على خطى الفقهاء والأئمة؛ فإننا نحتاج إلى اجتهاد جماعي يحقق الدقة في البحث، والتمحيص في الرأي، من خلال اشتراك العلماء والمجامع الفقهية من كافة الدول الإسلامية لتبادل الآراء، حتى يأتي الحكم الفقهي أكثر دقة في الاستنباط وأكثر قربًا للصواب من الاجتهاد الفردي.
وهناك تحدٍّ آخر وهو انتشار الفتاوى المتشددة التي أدت إلى سفك دماء المسلمين، أكثر مما سُفِكَ من قِبَلِ أعداء الأمة، وأيضًا تلك الفوضى العارمة في مجال الإفتاء من غير المتخصصين عبر وسائل الإعلام المختلفة، وهو أمر يمثِّل تحدِّيًا كبيرًا لدى العلماء حتى يزيلوا ما علق في أذهان العامة من فتاوى صدرت من غير أهلها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

مجالات عمل الإفتاء
د. محمد رأفت عثمان
أستاذ الفقه المقارن وعضو هيئة كبار العلماء

 

مجال الفتوى واسع جدًّا، ومن أبرز مجالات عمل الإفتاء بعد جانب العبادات، المجالات الاقتصادية والاجتماعية والطبية والبيولوجية.
ففي المجال الاقتصادي نجد معاملات البنوك والبورصات والصور الجديدة للشركات المستحدثة في استثمار الأموال، والمعاملات المالية والاقتصادية عبر الإنترنت.
وفي المجال الطبي والبيولوجي نجد الحاجة لدور الإفتاء في الإجابة عن التطور الحاصل في هذا المجال من اختيار نوع المولود، والاستنساخ، ونقل المبيض أو الرحم من امرأة إلى أخرى، أو نقل الخصية من رجل إلى رجل، والاستفادة من الهندسة الوراثية، وإنشاء بنوك الحيوانات المنوية وغير ذلك من القضايا المستحدثة.
فلا بد أن تواكب الفتوى كل جديد، خاصة أن اعتقاد المسلم أن في شريعة الإسلام حكم لكل فعل من أفعاله وما جد وما سيجد من قضايا.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
الفتوى وأثرها في استقرار المجتمعات
الشيخ عبد الكريم الخصاونة
مفتي عام المملكة الأردنية الهاشمية

 

لا شك أن الفتوى كانت حاضرة في جميع ما يجري في المجتمعات الإسلامية اليوم من عدم استقرار واضطراب للأمن، فكل ما يجري اليوم يجد من يبرره بفتوى تؤيد فكره واتجاهه، حتى ما يجري من إراقة الدماء؛ جاءت فتاوى لتأييده وتبريره، وهي كذلك يمكن أن تكون عاملا من عوامل الاستقرار إذا وضعت في إطارها الصحيح، ووجدت من يُقَدِّمها للعامة بعيدًا عن الأهواء والشهوات ومحاباة الاتجاهات الفكرية والسياسية.
وأخطر ما يواجه استقرار المجتمعات اليوم أن تصبح الأفكار والاتجاهات هي التي تقود الفتوى، بل إن الفتوى أصبحت تُكَيَّف لتحقيق غايات هدفها تأييد اتجاهات أكثرها تصب في مصالح سياسية، ولو أدَّى ذلك إلى ليِّ أعناق النصوص وتأويلها تأويلا بعيدًا لا تحتمله لغة، ولا يقبله عقل.
يقول ابن القيم: "لا يجوز العمل والإفتاء في دين الله بالتشهي والتحيز وموافقة الغرض، فيُطيل القول الذي يوافق غرضه وغرض من يُحابيه؛ فيعمل به، ويفتي به، ويحكم به، ويحكم على عدوه ويفتيه بضده، وهذا من أفسق الفسوق وأكبر الكبائر".

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
أثر الإفتاء في استقرار المجتمعات
د. محمد الشحات الجندي
أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق ـ جامعة حلوان

 

الناظر إلى واقع الإفتاء اليوم يهوله فوضى الفتاوى وتوظيفها لتحقيق أغراض لا يقصد بها وجه الله، وهذا مما يؤدي إلى زعزعة استقرار المجتمعات وإثارة البلبلة والحيرة بين الشباب وبعض المتعلمين، ناهيك عن البسطاء.
ومن مساوئ فتاوى الجهَّال أنها تسببت في إحياء الفتن والصراعات الداخلية الممزقة للأوطان، المسببة للشقاق المجتمعي، ومشعل الفتنة ملعون؛ لأنه يقوض أمن المجتمعات دينيًّا واجتماعيًّا.
إن رمي المسلم بالكفر أو الردة من أكبر الحرمات، فعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قال الرجل لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما قال، وإلا رجعت عليه) رواه البخاري.
ومن سبل تصويب هذه الحالة، أن يُعْهد بأمر الإفتاء إلى من هو متخصص في أصول الفقه والفقه والفقه المقارن والعلم بآيات الأحكام وأحاديث الأحكام والمدرك لواقع الأمة والمجتمع، وأن يسعى بفتواه إلى تحقيق مقاصد الشرع الشريف، في حفظ النفس والدين والعقل والمال والعرض، وأن يفتح المفتي للناس أبواب الخير، ويغلق عليهم أبواب الشرور والفتن، وألا يرهقهم من أمرهم عسرًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

أثر الإفتاء في استقرار المجتمعات
د. الشريف إبراهيم صالح الحسيني
رئيس هيئة الإفتاء والمجلس الإسلامي النيجيري

 

متى تخلى المسلمون عن تعظيم علماء الإسلام، وإعطائهم حقهم المشروع، وقعوا في الضياع؛ لأن ذلك يؤدي لا محالة إلى تضييع الدين بسبب الجهل به وبأحكامه.
إن سائر المجتمعات التي كان يعيش فيها المسلمون وحدهم أو يعيشون فيها مع من تجمعهم بهم رابطة الوطن، كانت مجتمعات تنعم بالأمن والسلام والاستقرار، وظل الأمر هكذا في كثير من البلدان، خاصة إفريقيا، إلى أن جاءت فترة الاستعمار الذي لم يخرج من بلداننا إلا وقد زرع فيها بذور الفتن التي لا تبقي ولا تذر، وبينما كان التخلف يتمدد في مجتمعاتنا خلال العقود الماضية بسبب سياسة المستعمر الذي غزا الفضاء، إذ بنا نجد أنفسنا أمام كارثة أخرى أبطالها جزء من هذه المجتمعات صيغت عقولهم بما يحقق أهداف المستعمر؛ فبدأت تعيث في الأرض فسادًا، قتلا وتشريدًا، وتدميرًا، وتكفيرًا للمجتمع باسم الإصلاح والتجديد في الدين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

فقه الأقليات المسلمة.. بين الاجتهاد النظري والواقع العملي
د/ محمد بشاري
أمين عام المؤتمر الإسلامي الأوروبي

لا شك بأن الأنظمة والقوانين وطرق تعاطي السلطات أو المجتمع مع الإسلام كدين ومع المسلمين كمجموعة لها الحق في إبراز هويتها الدينية والثقافية والمحافظة عليها تختلف من بلد إلى آخر، وبالتالي فإن المعوقات التي تواجه المسلمين ليست نفسها في كافة أنحاء الدول، فهناك إشكاليات تتعلق بأمور الأحوال الشخصية مثل الزواج والطلاق، وما يتعلق بأحكام المهر والمتعة والنفقة والحضانة، حيث تتم هذه الأمور وفقًا للمحاكم الأوروبية التي تقضي بغير النظام الإسلامي، وكذلك الميراث، حيث لا تقر النظم الأوروبية بحق المسلمين في التوارث وفق أحكام الشريعة الإسلامية، وهناك أمور تتعلق بالخدمة العسكرية، فكيف يمارس المسلم حقه في ممارسة شعائر دينه خلال خدمته العسكرية، وحقه أن لا يرغم على مخالفة مبادئه الدينية، وهناك العديد من الأمور الأخرى المتعلقة بالعبادات كالصلاة والصوم والدفن وأحكام المعاملات والعادات وأمور الحياة اليومية وغيرها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

معايير التطرف في الفتوى
د/ مجدي محمد عاشور
المستشار الأكاديمي لفضيلة مفتي الديار المصرية
وأمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية

 

ظهرت أصوات كثيرة في الآونة الأخيرة في مجال الدعوة عبر الوسائل والأنماط المختلفة، قصدًا إلى تبليغ الإسلام وهداية الناس، غير أن جملة كبيرة منها لم تتوفر فيهم شروط خطاب الوسطية، بل لم تُلْقِ لذلك بالا من الأساس، ومن ثمَّ قلَّ ظهور أصحاب ميزان الوسطية العادل، فانتشر خطاب شابه شيءٌ من التفريط والإفراط على حدٍّ سواء، ونتج عنه اختلال في الرؤية والعرض والنتيجة.
من هنا تبرز أهم مشكلة تواجه منهج الوسطية وخطابه، ومنه الفتوى وعملية الإفتاء، وتكمن هذه المشكلة الكبرى في تحرير المفاهيم وتحديدها بعد أن شابها كثير من الأخطاء والخطايا، التي تعمَّدَت الأفكار المتطرفة في تشويهها وليِّها، بما يخدم تطلعاتها الآثمة وأهواءها المنحرفة؛ مما أدى إلى إشاعة تلك المفاهيم التي تحمل منظومة القيم بصورة مغايرة عما هي عليه في صحيح الدين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الجهود الإفتائية في مواجهة التطرف
د. أحمد بن عبد العزيز الحداد
مدير إدارة الإفتاء بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي

 

من أهم ما يمنع خطر فوضى الفتاوى الباطلة هو تسليح الناس ولا سيما طلبة العلم بالعلم النافع المؤصَّل القائم على التأصيل العلمي المنهجي المذهبي، المأخوذ عن أهل العلم وأرباب التقى، ممن عرفوا بالوسطية والنظرة المقاصدية، العارفين بفقه الواقع وما يتعين أن يكون الناس عليه من تعاون على الخير والبر، وتعايش على السماحة التي هي منهج الإسلام.
إن وجود مرجعية عليا للفتوى من أهم المهمات التي يتحقق بها ضبط الفتوى؛ لأن الفتوى حينئذ ستصدر بعد تمحيص واستبانة تامة؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وحيث إن هذا غير ممكن حاليًا لعدم وحدة الأمة الإسلامية سياسيًّا، فإنه يكفي أن يكون للأمة مجامع فقهية عالمية يشترك فيها جُلٌّ أو كثير من العلماء المعتبرين، فيتدارسون القضايا المعاصرة وما تحتاجه الأمة من القضايا الفقهية الأخرى التي تحتاج إلى اجتهاد جماعي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الجهود الإفتائية لمواجهة التطرف والتكفير
د. عبد الله مبروك النجار
عضو مجمع البحوث الإسلامية

 

إن التلاعب بالدين وتحريف الكلم فيه عن مواضعه، يبدأ بالتطرف الذي يحوِّل الفروع إلى أصول، والأعمال إلى عقائد، وفيه تهمل الأصول على حساب الفروع، وربما داسها بقدميه، وتناساها في حياته لحساب الانتصار لفروع جانبية، أو عادات متبعة أو أعراف جارية، وقد يصل الأمر فيه إلى حد استغلال أدلة التشريع وتطبيقها فيما يُنافي مقاصد التشريع ويأتي على مبادئه بالنقض والهدم.
إن التطرف والتكفير يؤديان إلى تهديد الأمن وتبديد الدخل، وهو ما يعرض الناس للفقر والعوز، ويعجزهم عن الوفاء بالتزاماتهم الشرعية التي لا يستطيعون القيام بها في ظل الخوف والتهديد والقتل والتفجير.
إن جهودًا عديدة بذلها كثير من العلماء في مواجهة التطرف والتكفير في العصر الحديث، مثل جهود الإمام محمد عبده والشيخ المراغي والشيخ شلتوت وغيرهم، وقد أصدروا العديد من الفتاوى وأعلنوا من الآراء ما يكبح جماح هذه الرغبات المتطرفة في التشديد والتضييق على المسلمين، ولا زالت هذه الجهود مستمرة حتى اليوم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

مواجهة التعصب المذهبي في الإفتاء.. مراعاة الخلاف أنموذجًا
د/ محمد عيسى
وزير الأوقاف والشؤون الدينية بالجزائر

 

إن النسب العلمي والانتماء إلى المدرسة أو المذهب هو الذي ينشئ الفقيه، ويضمن انتماءه الصحيح للمذهب، لأننا نستحضر ونحن نتكلم عن هذا الموضوع مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان، ومذهب الإمام مالك والشافعي والإمام أحمد، ولكننا نشرد عن أن المذاهب أصبحت اليوم غير هذه المذاهب، فالمذاهب اليوم التي يتعصب إليها كثير من المفتين الذين يصدرون بالتكفير واستحلال الأموال وإباحة الرقاب والدماء إنما ينبعون عن مذاهب فكرية حديثة، وهم أناس أبدلوا مذاهب العلماء بمذاهب مؤدلجة، أدلجوا آيات القرآن الكريم وأعطوها معنى غير الذي أراده المولى عز وجل.
حين ندعو إلى معالجة موضوع التعصب فإننا ندعو إلى مواجهته ومجابهته، ومراعاة الخلاف أصل من أصول الدين، وهو أصل يعتمد على أن صاحب الرأي يعتقد جازمًا واجب مراعاة القول الآخر، إذا استند على مسوِّغ، وهو إما أن يكون الاحتياط للدين وهو قليل، أو التيسير وهو الأصل، فإذا كونَّا المفتين في معاهدنا ومدارسنا وجامعاتنا على أن يكونوا نابعين في توجيههم عن وحي السماء، مراعين لخدمة المجتمع في ممارساتهم، معترفين بجدية وقوة دليل خصمهم، بحيث يستطيعون أن يرجعوا إليه فإننا نقضي حينئذ ولو جزئيًّا على التعصب المذهبي في مجال الإفتاء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

مواجهة التعصب المذهبي.. مراعاة الخلاف نموذجًا
د/ محمد محمد أنور شلبي
مدير عام الإدارة العامة للأبحاث الاجتماعية بدار الإفتاء المصرية

إن مواجهة التعصب المذهبي يقتضي إخلاص النية الصادقة لله تعالى في طلب الحق وترك الباطل، والابتعاد الكلي عن التعصب الأعمى للمذاهب والأشخاص، كما يقتضي التعامل الإيجابي مع التراث الإسلامي على اختلافه وتنوعه، وجمع المسائل الفقهية المختلف فيها بين العلماء والمذاهب وتحريرها تحريرًا علميًّا موضوعيًّا نزيهًا، بلا تعصب للمذاهب والأشخاص، ويجب التحذير من خطورة ترك فراغ تربوي وفقهي يقوم الجهلة والمتعصبون بمحاولة ملئه، وينبغي أن تقوم المجامع الفقهية بدورها الهام في التقريب بين المذاهب الإسلامية وأن تسهم في التقليل من التعصب والتطرف، وأن تُشَجَّعَ البحوث والدراسات الهادفة التي تبتغي الحقيقة والصواب، تحت شعار: نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه، ومن الحكمة ألا يلتزم أي قطر بمذهب أحد المجتهدين بكامله، بل يمكن أن يأخذ من قواعد كل مذهب وأحكامه ما يرى أنه الأكثر انسجامًا مع المصالح المكانية والزمانية للأمة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الوسطية في الإفتاء.. بين الحقيقة والادعاء
الشيخ عبد اللطيف دريان
مفتي الجمهورية اللبنانية

 

إن الفقه الإسلامي وتطبيقاته فقه وسطي يجمع بين الشريعة الثابتة والواقع المتغير، ويجمع بين فقه الأحكام وفقه الواقع، ومن هنا فإن الله جعل وسطيتنا فضلا إلهيًّا نتميز به عن سائر الأمم، فما من شعيرة من شعائر الدين إلا وهي محفوفة بالوسطية، فلا غلوَّ فيها، بل تهيئة وترويض للنفوس على تقبل أوامر الله، واستجابة لأحكام الدين.
فالوسطية أصل من أصول الفتوى، يلتزمها المفتي عند التصدي للإفتاء، فلا يذهب مذهب التشديد، ولا يجنح إلى الانحلال، فالمفتي يخرج المستفتي من داعية هواه إلى طلب مرضاة مولاه، وإن الشريعة حمل على مطلق التوسط لا مطلق التخفيف ولا مطلق التشديد.
فالمفتي البالغ ذروة الوسط هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور.
والوسطية في الفتوى تقتضي العمل بما جاء الشرع فيه بالتيسير ورفع الحرج؛ لأنه سبحانه أعلم بخلقه، وأدرى بما يصلحهم، (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) [الملك: 14].
وبهذا تتضح وظيفة المفتي في سلوك منهج الوسطية والاعتدال في الفتوى؛ فيرد شارد الأمة نحو الغلو إلى طريق الجادة والصواب بالتزام هدي الكتاب والسنة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الوسطية في الإفتاء.. بين الحقيقة والادعاء
د/ عبد الحي عزب
رئيس جامعة الأزهر

 

من سمات الفتوى الصحيحة مجاراتها لحال الزمان والمكان، وما عليه أعراف الناس وعاداتهم، ما دامت الأعراف والعادات لا تخالف مفهوم الشرع الحكيم، وهنا وضع العلماء لهذا الأمر قاعدة فقهية يرتكز عليها هذا الأمر، فقالوا: "العادة محكمة ما لم تخالف نصًّا".
حيث احترمت الشريعة الإسلامية ما يجري بين الناس من عادات وأعراف، إلا أنها نظمت تلك العادات والأعراف، فأخذت منها ما يناسب مصالح الناس وما يحقق لهم النفع العام، وألغت من حياتهم ما يجلب لهم الضرر والفساد، ومن هنا فإن الشريعة الإسلامية اعتبرت العرف قانونًا، واعتبره العلماء من أهل الأصول دليلا يمكن الرجوع إليه، وعدم إغفاله في التشريع، وضبطه أهل الأصول ضبطًا كاملا، وجعل منه الفقهاء قاعدة شرعية وهي قاعدة "العادة محكمة"، فالعرف الصحيح يؤخذ به، وعلى الفقيه الجيد عدم إغفاله؛ مراعاة لحياة الناس، وهذا أمر يدخل في نطاق الوسطية ومناهجها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

آداب الفتوى وضوابطُها الشرعية ومراعاة تغيرها بتغيُّر الجهات الأربع في النوازل
د. نصر فريد واصل
عضو هيئة كبار العلماء والمفتي الأسبق للديار المصرية

 

وجب على العباد معرفة شرع الله الذي يحكمهم ويتحاكمون إليه في أمور دينهم ودنياهم، كما وجب على من يتصدى لأمر الإفتاء أن يعلم أنه إن أفتى عن جهل وعن عمد، و تعمَّد الكذب فيها عن علم، فقد كذب على الله ورسوله، وخان الأمانة.
وينبغي لسلامة الفتيا وصدقها وصحة الانتفاع بها، أن يراعي المفتي أمورًا، منها: تحرير ألفاظه ووضوحها حتى لا تُفهم على نحو خاطئ، وأن يستوعبها المستفتي، وأن يذكر دليله فذلك أدعى للقبول والاقتناع، وإذا لم يستطع المفتي إدراك القضية المعروضة أمامه فعليه أن يتوقف عن نظرها أو إصدار حكم فيها، والمفتي يجب أن يكون على بيِّنة من نفسه ومعرفة حاله ومكانته العلمية ودرجته بين العلماء المشتغلين بالفتوى، وأن يراعي النوازل والمستجدات التي تحل بالمجتمع، فالفتوى تتغير بالزمان والمكان والأحوال والأشخاص، كما يجب منع المفتي الماجن والجاهل من التعرض للفتوى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الشريعة وتغير الفتوى
د. محمد إبراهيم الحفناوي
أستاذ أصول الفقه بكلية الشريعة والقانون بطنطا

 

التغيُّر: هو التحول من شيء إلى آخر، والمراد به عند الفقهاء: اختلاف الفتوى في بيان حكم المسألة الواحدة، من حال لآخر، أو من شخص لآخر، أو زمان عن زمان، ويشترط لتغيُّر الفتوى في الزمن الواحد أن يكون المفتي واحدًا، ولا يلزم من تغيُّر الفتوى طرح ما كتبه أئمتنا وأفتوا به، بل إننا نتبعهم في منهجهم، ونجتهد لبيئتنا وعصرنا كما اجتهدوا، ومجال تغيُّر الفتوى هو دائرة الظنيات والأحكام الاجتهادية التي تقبل الاختلاف والتغير بتغيُّر الزمان والمكان والأحوال والأشخاص.
إن إمكانية تغيُّر الفتوى تبعًا لتغير المكان أو الزمان أو الأحوال أو الأشخاص لتعد دليلا واضحًا على مرونة الشريعة الإسلامية وشمولها لما يسعد الإنسان، وصلاحيتها لكل عصر من جهة المتطلبات والمستجدات؛ لأنها جاءت لتيسير الحياة لا لتعسيرها، وعلى من يُفتي أن يُحْسِن فقه النصوص، ويرد الفروع إلى الأصول، وينظر بعين البصيرة إلى أهمية المقاصد ويطبقها، ويحسن فهم الواقع، بحيث تصدر فتواه غير مخالفة لنقل ولا مناقضة لعقل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

التجديد في علوم الفتوى
د. بديعة علي أحمد الطملاوي
أستاذ ورئيس قسم الفقه المقارن بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالإسكندرية

 

لا بد أن يتم التجديد في الفتوى وفقًا لضوابط ومعايير، وهذا الاجتهاد مشروع وضروري بشرط عدم الإخلال بالنصوص الثابتة، وأن تكون مجالاته في الفروع لا الأصول، وحين يراعي المصلحة، فإنه لا يجوز أن ينزلق إلى مراعاة مصالح غير معتبرة شرعًا.
والضوابط التي يجب أن ينضبط بها الاجتهاد، هي كالتالي:
1- أن يكون التجديد فيما يجوز فيه الاجتهاد.
2- أن يكون وثيق الصلة بواقع المسلمين، ومن ثم يكيف الواقع على ضوء النص.
3- عدم الخروج عن الكتاب والسنة.
4- الإجماع المتيقن.
5- إعمال القياس الصحيح.
6- اعتبار مقاصد الشريعة ومصالح العباد.
7- مراعاة فقه الواقع والمستجدات.
8- ألا يؤدي الفكر التجديدي إلى التصادم مع النصوص الشرعية أو الإخلال بها.
9- ألا يكون الفكر التجديدي فكرًا صرَّح العلماء بردِّه وعدم اعتباره.
10- أن يراعي الفكر التجديدي القواعد العامة في الإفتاء.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التجديد في الإفتاء
د/ عمرو الورداني
أمين الفتوى ومدير التدريب بدار الإفتاء

 

إن جعل التنمية معيارًا للتجديد في الإفتاء ليس أمرًا مبتدعًا، بل هو عمل بالأصول الثابتة المتعلقة بوظيفة الإفتاء الحياتية التي أدَّى الأداء الإفتائي القاصر إلى تغييبها، إن الاتجاه الإفتائي الصحيح هو الاتجاه نحو الإفتاء بالأصلح وليس كما يتصور بعض المشتغلين بالدراسات الفقهية بأنه الإفتاء بالأيسر، نعم إن أغلب اختيارات المفتي يأخذ فيها بالأيسر، ولكن هذا ليس لأن الأخذ بالأيسر مقصودٌ في ذاته، بل لأنه سبيل وطريق للصلاح.
ومن ثم فلا عبرة بتجديد في مجال الإفتاء لا يكون له أثر مباشر أو غير مباشر على حياة الناس بحيث يسهم في تنمية المجتمع والسعي نحو التقدم الحضاري والرفعة الإنسانية.
وهذا يقتضي بكل وضوح أن تنصبَّ جهود التجديد في الإفتاء على معالجة مشكلات الأداء الإفتائي التي جعلته لا يكون دائمًا داعمًا لقضايا مجتمعه ولا يشارك في القيام بمهامه الحضارية بكفاءة وفاعلية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

فقه العمران ومنهجية الفتوى
د/ محمد كمال إمام
أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق ـ جامعة الإسكندرية

 

إن فقه العمران هو علم اجتماع الفتوى، فإذا كانت مقاصد الشريعة تجد مجالاتها فيما وراء النص، فإن فقه العمران ميدانه الأصل هو الأبعاد الاجتماعية للنص، ووظيفته الأصلية هي تفعيل مقاصد الشريعة، وبما أن العمران مقاصد ومصالح فإنه يستهدف التنزيل العملي للأحكام في ضوء ما تنطوي عليه من مصالح، فما مصدره النص القطعي فتفعيله يعني الامتثال والطاعة، وما مصدره الاستقراء فهو قطعي عقلي، وتفعيله يعني القبول والاستجابة، وبعيدًا عن فوضى المصطلحات فإن الإفتاء يقوم على أمرين:
الأول- هو المستفتي الذي يسأل، وسؤاله يعني أن المستفتي يريد أن يفهم أو أن يتعلم أو أن يعرف حكمًا.
الثاني- هو المفتي الذي يجيب، والفتوى في نظري هي الإجابة لا السؤال، من هنا عرفنا شروطًا في المفتي، ولم نهتم بوضع شروط للمستفتي.
والفتوى هي إخبار بالحكم وليست حكمًا بالمعنى القضائي، والإخبار - مجردًا – يحتمل الرفض والقبول، فكان منطقيًّا أن تكون الفتوى إخبارا بالأحكام في غير إلزام، أي أن عمل المفتي، معرفي لا تشريعي، وهذا يعني أن نظرية المعرفة تحيط بعمل المفتي من كل جوانبه، وهو الطريق المفتوح لدراسة العلاقة بين فقه العمران باعتباره الأفق المتعالي في فهم النص، وبين الأسئلة الجزئية التي يزدحم بها الواقع العملي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

مقصد العمران وعلاقته بفتاوى دار الإفتاء المصرية
الشيخ/ عصام أنس الزفتاوي
أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية

 

إن نظرية المقاصد الشرعية إحدى النظريات ذات الأثر الواسع في المجال الفقهي، وقد اعتنى العلماء والباحثون المعاصرون بهذه النظرية أيما عناية، ونالت حظًّا واسعًا من البحث والدرس والنقد، بين تأصيل وتطوير وتشغيل وتطبيق.
ومن الأطر الجديدة التي يمكن تشغيل نظرية المقاصد فيها: خطة تصنيف العلوم.
ولا يخفى أن مسالة تصنيف العلوم من القضايا الفلسفية المهمة، والتي يترتب عليها عمليًّا آثار جد خطيرة على المستوى الحضاري العام، وإذا قمنا بتشغيل هذه النظرية في مجال تصنيف العلوم فإن ذلك سيؤدي بنا إلى تقسيمات أخرى غير التي ذهب إليها الإمام الغزالي في تصنيفه المشهور، وعند تسكين العلوم من خلال المقاصد الخمسة سنجد أن العلوم الطبيعية تعصى على التسكين تحت أيها، بل تطرح سؤالا لما لا يعد حفظ الكون من مقاصد الشرع؟
ومن خلال تتبع فتاوى دار الإفتاء عبر تاريخها الطويل، فإننا نجد تجليًا واضحًا لمقصد "حفظ الكون وعمرانه" في هذه الفتاوى عبر العهود المتوالية، ويذكر البحث نماذج لهذه الفتاوى التي يتجلى فيها هذا المقصد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الفتاوى الاقتصادية وضوابط التنمية
د. عبد الحكيم مصطفى الشرقاوي
عميد كلية الشريعة والقانون بطنطا ـ جامعة الأزهر

 

للتنمية الاقتصادية ضوابطها التي تحكمها، وهذه الضوابط تجب مراعاتها عند الإفتاء في القضايا الاقتصادية، ومنها ضابط العقيدة، حيث يتعامل المسلم مع المال باعتباره مستخلفًا عن الله تعالى في التعامل معه باعتبار أن الله تعالى هو المالك الحقيقي، وأن تنمية المال من عبادة الله وشكره على نعمه، وأن الإنسان سوف يسأل عن المال من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وهناك ضابط الحل والحرمة، الذي يفرض على المسلم اقتناء المال من مصادر مشروعة، والامتناع عن المال الحرام، وهناك ضابط الأخلاق الذي ينزع بالمسلم نحو التزام الصدق والأمانة واجتناب الغش والتدليس وهكذا.
ويسلط البحث على نماذج من فتاوى دار الإفتاء، تظهر فيها مراعاة هذه الضوابط التي وضعها الإسلام للتنمية الاقتصادية، ومن ذلك فتوى صرف الزكاة للجهات العلاجية، وكذلك فتوى تحريم الاستيلاء على أنابيب الغاز وبيعها بسعر مرتفع، وأيضًا فتوى تحريم التسويق الشبكي، فمثل هذه الفتاوى سواء كانت مجيزة للوقائع أو محرمة لها، قد راعت المآلات المتعلقة بالتنمية الشاملة عامة، والاقتصادية خاصة للبلاد والعباد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الفتاوى الاقتصادية وضوابط التنمية
أ. د/ فياض عبد المنعم حسانين
أستاذ الاقصاد ـ جامعة الأزهر ووزير المالية الأسبق

يسعى النظام الاقتصادي الإسلامي إلى تحقيق الحياة الطيبة لكل إنسان، وهي التي تتحقق بالمقاصد الشرعية الخمسة، ويتوقف إنجاز هدف الحياة الطيبة لكل إنسان على تحقيق تمام الكفاية لأفراد المجتمع، وذلك وفقًا لإستراتيجيات محددة للأولويات، ومفهوم تمام الكفاية هو مفهوم ديناميكي يتوقف على المتوسط السائد للمعيشة في المجتمع، أي يرتبط بتحقيق مستويات مرتفعة من التنمية الاقتصادية، يقول الماوردي: "أما تقدير العطاء فمعتبر بالكفاية حتى يستغني بها"، وقال عنه النووي: إنه "المطعم والملبس والمسكن وما لا بد منه على ما يليق بحاله بغير إسراف ولا إقتار لنفس الشخص ولمن هو في نفقته"، ويقول الشاطبي: "الكفاية تختلف باختلاف الساعات والأحوال"، ويقول الغزالي: "وللمحتاج في تقدير الحاجات مقامات في التضييق والتوسيع، ولا تحصر مراتبه".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الفتاوى الاجتماعية وأثرها في تنمية المجتمع
أحمد بن سعود السيابي
سلطنة عمان

 

يسلط البحث الضوء على فتاوى البكري للشيخ بكلي عبد الرحمن بن عمر، حيث أورد عددًا من فتاواه جعلها تحت عنوان (اجتماعيات)، وقد اختار الباحث هذه الفتاوى كنموذج يخضعه للدراسة وإلقاء الضوء عليه؛ لأن هذه الفتاوى لم تأخذ حظها من الشهرة، كما أن صاحبها الشيخ بكلي عبد الرحمن بن عمر، من علماء المذهب الإباضي، وهو المذهب الذي ينتمي إليه الباحث، ولأهمية وجود الرأي الإباضي بجانب آراء المذاهب الإسلامية الأخرى في هذا المؤتمر.
وبالتعرض لهذه الفتاوى الاجتماعية نرى أن الشيخ بكلي على سبيل المثال قد وسع فيها مفهوم الجهاد ليجعله شاملا لأعمال الخير والبر التي تحقق المصلحة للناس، والأثر التنموي لهذه الفتوى هو توجه المسلم لأفعال الخير في المجتمع، وفي مسألة اللباس يرى الشيخ أن الإسلام لا يلزم المسلمين بنوع خاص من اللباس طالما أنه لباس ساتر ومن غير الحرير والذهب وتتحقق به الحشمة، ولكن فتواه لا تميل إلى ترك المسلم زيَّ أهله ولباسهم حفاظًا على الهوية الإسلامية، وأثر هذه الفتوى يتجلى في الاعتزاز بالهوية الوطنية الإسلامية ودعم المنتج الوطني، وهكذا.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
الفتاوى الاجتماعية وأثرها في تنمية المجتمع
أحمد ممدوح سعد
مدير إدارة الأبحاث بدار الإفتاء المصرية

 

الفتوى الاجتماعية يتم الاعتماد فيها على نفس المصادر، ويتم التناول والتعاطي فيها بذات الطرق والأدوات التي تتم في غيرها في الفتاوى، فهي نوع من جنس الفتوى، يجري عليها أحكام جنسها، لكنها قد تمتاز عن غيرها بمزيد من الخصوصية، من حيث إنها تتعلق بالمجموع أو بالعموم.
والأحكام المتعلقة بالعموم تختلف عن تلك المتعلقة بالأفراد، وقد يزيد هذا الاختلاف إذا زادت درجة العموم الذي ترتبط به الفتوى، في تدرج يبدأ من الفتوى المتعلقة بالفرد، ويمر بالفتوى المتعلقة بالجماعة، وينتهي بالفتوى المتعلقة بالأمة.
ولذلك نجد أن علماء المسلمين كانت لهم آراء مختلفة في بعض المسائل عن تلك التي قد يتبادر أنها هي الجواب الذي تقتضيه الصناعة الفقهية بالنظرة الأولية الساذجة، وليس ذلك إلا لأن هذه المسائل لها آثار تتعلق بالجماعة أو بالأمة.
وقد كان لدار الإفتاء على مر تاريخها دورٌ إرشاديٌّ توعويٌّ مطلوبٌ وأثرٌ مهمٌّ في التصدي للعديد من الملفات الاجتماعية ومعالجتها، ويلقي البحث الضوء على عدد من فتاوى الدار التي تعد نموذجًا في التعامل مع القضايا الاجتماعية.
Feedback