29 صفر 1439 هـ   -  18 نوفمبر 2017 م
كلمة فضيلة الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية

نص كلمة فضيلة الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية أ.د/ محي الدين عفيفي بمؤتمر الإفتاء.

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

فضيلة مفتي الجمهورية أ.د/شوقي علام

أصحاب الفضيلة والسماحة العلماء ، السيدات والسادة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

فأهلا بكم في بلدكم الثاني : مصر الكنانة، وأرجو لكم جميعا التوفيق من الله في هذا المؤتمر الذي تتحدثون فيه عن أهم القضايا التي تؤرقنا في تلك المرحلة الراهنة ، تلكم هي قضية التكوين العلمي والتأهيل الإفتائي لأئمة المساجد للأقليات المسلمة لمواجهة فوضى الفتوى بتكفير المسلمين وبحل قتلهم وقتالهم.

إن من جلّ الأزمات التي تهدد الأمن والسلم الدوليين في المرحلة الراهنة هي تلك التي تقع في البلاد الإسلامية وإن أكبر حصة من صادرات السلاح من الدول المصنعة هي التي توجه إلى مناطق العالم الإسلامي وإن معظم العناصر التي تقود عمليات الإرهاب تنتسب إلى الإسلام .

إن هذه الأوضاع السيئة التي تؤرق الضمير الإسلامي بل والضمير الإنساني تفرض على المؤسسات الدينية وعلى رأسها الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية ودور وهيئات الإفتاء في العالم مسؤولية مواجهة خطر الإرهاب والتطرف بالمنهج العلمي والأساليب العملية لأن الفكر لا يواجه إلا بالفكر .

إن تصحيح المفاهيم عملية مهمة تتطلب فهم المنطلقات الفكرية لجماعات العنف والإرهاب وهذا ما يجعل المؤسسات الدينية تضطلع بدورها في مواجهة تلك الظاهرة الخطيرة ومن هذا المنطق جاءت المبادرة العظيمة للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم في تنظيم هذا المؤتمر العلمي الموسوم بـ" التكوين العلمي والتأهيل الإفتائي لأئمة المساجد للأقليات المسلمة حيث يُعد هذا المؤتمر خطوة جادة للتنسيق والربط بين الهيئات الإفتائية والأقليات المسلمة في الخارج لأجل مواجهة فوضى الفتوى " التي نجمت عن اقتحام غير المتخصصين وغير المؤهلين لساحات الإفتاء, وقفز جماعات الإسلام السياسي على دور المؤسسات الدينية لتسويق الفهم المنحرف للنصوص الشرعية لتحقيق أهداف تلك الجماعات والتيارات .

ولاشك أن التعصب المذهبي والطائفي والحزبي والغلو والتطرف أدى إلى حالة من الاختناق الثقافي, والعجز عن الإبداع , والتخاذل عن التعامل مع واقع الحياة والتبصر بسننها, والتحول إلى حالة الجمود والتقليد والمحاكاة,مما يؤدي إلى انغلاق النفوس والعقول بسبب التعصب.

فتنتشر فتاوى التكفير والتفسيق والتبديع والارتداد والانحراف وتصبح جاهزة, وتستباح الدماء والأعراض في أحيان كثيرة باسم مصلحة الدعوة ويستسهل الإقدام على الكذب ليصبح كذباً في سبيل الله , وتستباح المحرمات وتنتهك الأعراض لضرورة الدعوة, وقد يصبح المشرك أكثر قرباً من المخالف في الرأي.

ولا شك أن تلك الحالة من الفوضى الذهنية احدثت اثاراً سلبية امتدت إلى مجتمعات الأقليات المسلمة في مناطق مختلفة وعبر الفضاء الإلكتروني مما أدى إلى الخوف من الإسلام والمسلمين وانتشرت ظاهرة " الاسلاموفوبيا" ووصف الإسلام بأنه دين رجعي .

- يدعو إلى الانفصال عن المجتمع الغير مسلم.

- أن المسلمين دونيون " وحشيون ومتخلفون" وأنهم يشكلون خطراً على المجتمعات الغربية

وتمثل ظاهرة الإسلاموفوبيا خرقا لحقوق الإنسان وتهديداً للحوار والاندماج الشعبي لأنها أدت إلى التهميش الاجتماعي والإقصاء والعنف الذي تتعرض له فئات من المسلمين في المجتمعات غير الإسلامية كما أن تركيز الإعلام الغربي على الممارسات السلبية لبعض المسلمين أدى إلى تغذية التطرف لدى تلك الفئات التي تم استغلالها من قبل القائمين على إصدار الفتاوى الشاذة مما عمق كراهية المسلمين للمجتمعات التي يعيشون فيها حتى أصبحت فئات منهم تعيش حالة من المفاصلة الشعورية ,نجم عنها ما يعرف بظاهرة "الذئاب المنفردة" حيث تعمل تلك الفئات على تنفيذ بعض الأعمال الإرهابية ضد مصالح الدول التي يعيشون فيها ، مع أنهم يحملون جنسية الدول المستهدفة وينعمون بحقوق المواطنة إلا أنهم تنكروا لواجباتها بسبب الفتاوى المضللة والخطاب الديني الذي يركز على الكراهية والبغض للآخر.

ومن الآثار الخطيرة للغلو والتعصب الذي تتبناه الجماعات التكفيرية استقطاب فئات من الشباب المتحمس ممن لا تتوافر لديهم المعرفة بتعاليم وقيم الإسلام وذلك عبر المواقع الإلكترونية وتسويق عدد من المفاهيم مثل : التكفير والجهاد والهجرة والخلافة الإسلامية والدولة الإسلامية مما أدى إلى انتشار ظاهرة المقاتلين الأجانب بالدول العربية والإسلامية بسبب الفتاوى الخطيرة التي دفعت هؤلاء الشباب للانخراط في سلك داعش وأخواتها من جماعات القتل والتكفير وقد فرضت هذه الظاهرة نفسها بقوة على دوائر صنع القرار وأمام الهيئات والمنظمات الدولية .

إن الفتاوى المضللة والخطاب الديني المتعصب أدى إلصاق التهم بالإسلام وجعله مقترنا بالعنف والإرهاب والتطرف والقتل وسفك الدماء مما يتطلب قدراً كبيرا من التعاون والتنسيق بين الأزهر الشريف ودور وهيئات الإفتاء في العالم لانتشال وانقاذ الأقليات المسلمة من براثن التيارات المتطرفة التي تعمل على تغييب وعي العقول المسلمة في تلك المجتمعات, لأن بناء الإنسان يسبق بناء المجتمعات , وهذا مما ركز الإسلام عليه من خلال تلك العملية التربوية والأخلاقية التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم في تربيته لأصحابه رضي الله عنهم , إن صناعة عقل الإنسان ووجدانه عملية عظيمة تحتاج إلى تضافر الجهود, لأن الإنسان هو الباني للحضارة والصانع للسلام , والقادر على الحوار مع الآخر في إطار الاحترام المتبادل من أجل أن يكون العالم أمنا مستقرا مزدهرا ومن المقرر شرعاً أن الشريعة بنيت على التيسير ورفع الحرج ومراعاة مصالح الناس.

وقد بين الله تعالى الغاية من إرسال النبي صلى الله عليه وسلم فقال " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" ( الأنبياء آية 107) وحينما أرسل النبى صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري رضى الله عنهما إلى اليمن أمرهما بالتيسير فقال " يسرا ولاتعسرا وبشرا ولاتنفرا " البخاري كتاب الجهاد ومسلم رقم (1732).

لأن منهج التضييق والتشدد من الغلو المذموم سواء كان إفتاءً أو تعليما أو تربية أو غير ذلك .

ولاشك أن الأقليات المسلمة لها مشكلات كثيرة تتعلق بالجوانب الفقهية وحرص المسلمين في تلك المجتمعات على التمسك بدينهم وقيمهم وما يتعلق بأمور الزواج والطلاق والآسرة وسائر المعاملات والعلاقة بين المسلمين وغيرهم وضرورة فهم فقه المواطنة العالمية التي تعالج قضية الاندماج وغيرها من مشكلات المسلمين مما يؤكد على حاجة تلك الأقليات إلى الأزهر الشريف ودور وهيئات الإفتاء في العالم لوضع استراتيجية علمية تعالج الواقع الفقهي والتعليمي وتواجه الغلو والتطرف وخطاب الكراهية الذي يعمل على غزو العقول.

إن الإمام الشاطبي قال في الموافقات: إن السائل لا يصح له أن يسأل من لا يعتبر في الشريعة جوابه لأنه إسنادُ أمر إلى غير أهله، والإجماع على عدم صحة مثل هذا، لأن السائل إذا سأل من ليس أهلاً لما سُئل عنه فكأنما يقول له أخبرني عما لا تدري، وأنا أسند أمري لك فيما نحن بالجهل فيه سواء"

ويؤخذ من هذا أن المسلم إذا جهل أمراً من أمور دينه وجب عليه أن يسأل من هو أهل لإفادته وأن يتحرى ذلك امتثالاً لقوله تعالى تعليماً وتوجيهاً "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون".

وأود أن أؤكد على أن ضبط الفتوى وبيان سماحة الإسلام من الركائز التي ينطلق منها الأزهر الشريف في مناهجه العلمية التي تقوم على احترام التعددية الدينية والمذهبية والفكرية واحترام ودعم التعايش السلمي والمواطنة العالمية.

إن الأزهر الشريف بذل ولازال يبذل جهدا متواصلا في سبيل صياغة خطاب ديني واع رشيد يتأسس بنيانه على القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة والاجتهادات التي تلقتها الأمة بالقبول.

ففيما يتعلق بوجود المسلمين في المجتمعات غير الإسلامية ، فإن الإسلام يؤكد على واجبات المواطن والتي من جملتها : الإحترام بشكل متبادل اختيارات الآخرين لهوياتهم الثقافية وغيرها بالمشاركة في سياسات التعاون والحوار الثقافي بما يكفل له ولغيره التعريف بثقافته بأشكال التعبير السلمية , والإلمام بالتراث الثقافي الوطني وبالتراث الثقافي المشترك بين الإنسانية .

إن من المسائل المهمة في فقه المواطنة القيام بواجباتها , لأن حقوق المواطنة تقابلها واجبات تتمثل بشكل إجمالي في احترام ثقافات الآخرين مع احترام معتقداتهم واحترام اختياراتهم .

إن الإسلام يدعوا إلى التعايش السلمي والتعارف والتآلف والتعاون .

وقد وضع القرآن الكريم قواعد واضحة للعائلة البشرية , وأعلن أن الناس جميعا خلقوا من نفس واحدة وهم أبناء العائلة الإنسانية .

إن منطق التاريخ وحتمية الجغرافيا يفرضان الإقرار بضرورة التعايش بين الحضارات والثقافات المتغايرة في الرؤى واتصورات , المتخالفة في المنطلقات والمرتكزات , ولكنها تلتقي في المقاصد والأبعاد الإنسانية . بل إن مصير الإنسانية رهين الاعتراف والتسليم بهذه الحقيقة الكبرى التي عليها يتشكل الحوار العالمي الحضاري بين الشعوب والثقافات والديانات .

ومن عظمة الإسلام أنه يريد لهذه الحضارات أن تتفاعل وتتساند في كل ما هو مشترك جامع، وهو بذلك يرفض قصر المركزية الحضارية على شعب ما ، ونفيها عن بقية الشعوب ليقطع بذلك السبيل عن فتن الصراع والصدام ولذلك رفض الإسلام التعصب والإنغلاق الذي يجعل المسلم معزولا عن الواقع . إن الآراء المتشددة التي تتمسك بحرفية ما ورد في بعض الكتب وتحفظ دون أن تفهم أو تتأمل في المتغيرات التي لا تتناسب مع واقع الأقليات المسلمة . لأن أهل العلم قرروا : أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعرف والحال . إنه من خلال الفهم الواعي لهذه المعاني يمكن معالجة المشكلات المتعلقة بالأقليات المسلمة ، وتصحيح المفاهيم المغلوطة ومواجهة الغلو والتطرف.

أشكر لكم حسن استماعكم

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

Feedback