حكم تحمُّل الشريك بالمجهود خسارة التجارة متبرعًا لصاحب المال

 أعطيتُ صديقًا لي مبلغًا من المال ليقوم باستثماره، على أن يكون ذلك بربح نتقاسم فيه بنسبة معينة، وبعد مرور ثلاثة أشهر من استثماره للأموال تعرضت الشركة لخسارة طالت رأسَ المال، فتبرَّع مشكورًا بتحمل هذه الخسارة دون مطالبة منِّي بشيء من ذلك، ثم سألت أحد المشايخ فأخبرني بعدمِ حِلِّ هذا المال وفساد العقد، وطالبني بتجديده.
وسؤالي: هل التصرّف الذي قام به صديقي جائز؟ وهل فسدت الشَّركة بيننا فلا أستمر فيها؟

ما قام به صديقك من التطوّع بتحمّل الخسارة دون اشتراط مُسبقٍ بينكما: هو تبرّعٌ جائز لا شيء فيه؛ أخذًا بقول من أجاز التبرع بالضمان هنا -أي تحمل المسؤولية المالية-؛ لكونه اختار ذلك لنفسه ورضي به؛ ولأن التراضي معتبرٌ في حلِّ أخذ أموال الناس.
والشراكة بينكما ما زالت مستمّرةٌ على قول جمهور الفقهاء.
هذا كلّه مع وجوب مراعاة ألَّا يكون في هذه المعاملة مخالفة للقوانين واللوائح المعمول بها في البلاد. 

التفاصيل ....

 المعاملات الجارية بين الناس يُرَاعى فيها ابتداءً تحقُّقُ شروط العقود عامة؛ من أهلية المتعاقدين، وحصول الرضا بينهما، وانتفاء الغرر، وكذلك خلو المعاملة من الشروط الممنوعة شرعًا؛ كما جاء في الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا»، أخرجه الترمذي وصححه والدارقطني والبيهقي في "السنن".
وهذه المعاملات منها ما هو منصوص عليه في كتب السابقين، ومنها ما هو غير منصوص.
وما قمتَ به من إعطائكَ لصديقكَ مبلغًا من المال ليقوم باستثماره على أن يكون له نسبة معلومة من الربح؛ كأن يأخذ النصف أو الربع أو الثلث مثلًا، هو عقد يسمى "بالمضاربة" عند الحنفية والحنابلة ويسمى "بالقِرَاض" عند المالكية والشافعية، وهو نوع من أنواع الشركات.
قال العلامة ابن منظور في "لسان العرب" (1/ 545، ط. دار صادر) [المُضارَبة: أَن تُعْطِيَ مَالًا لِغَيْرِكَ يَتَّجِرُ فِيهِ، فَيَكُونَ لَهُ سَهْمٌ معلومٌ مِنَ الرِّبْحِ، وَهِيَ مُفاعَلة مِنَ الضَّرْب فِي الأَرض والسَّيرِ فِيهَا لِلتِّجَارَةِ] اهـ، وقال أيضًا (7/217): [القِراضُ: الْمُضَارَبَةُ فِي لُغَةِ أَهل الْحِجَازِ، وأَقْرَضَه المالَ وَغَيْرَهُ: أَعْطاه إِيّاهُ قَرْضًا] اهـ.
وعرفها فقهاء الأحناف بأنها: عَقْدُ شَرِكَةٍ فِي الرِّبْحِ بِمَالٍ مِنْ رَجُلٍ وَعَمَلٍ مِنْ آخَرَ؛ كما قال العلامة مُلا خسرو الحنفي في "درر الحكام" (2/ 310، ط. دار إحياء الكتب العربية).
وعرفها العلامة خليل المالكي في "مختصره" (ص: 198، ط. دار الحديد) فقال: [الْقِرَاضُ: تَوْكِيلٌ عَلَى تَجْرٍ فِي نَقْدٍ مَضْرُوبٍ مُسَلَّمٍ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ إنْ عُلِمَ قَدْرُهُمَا ولو مغشوشًا لا بدين عليه] اهـ.
كما عرفها شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في "أسنى المطالب" (2/ 380، ط. دار الكتاب الإسلامي) فقال: [وَحَقِيقَتُهُ: عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ دَفْعَ مَالٍ لِآخَرَ لِيَتَّجِرَ لَهُ فِيهِ وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا] اهـ.
وقال العلامة ابن النجار الحنبلي في "منتهى الإرادات" (3/ 20، ط. مؤسسة الرسالة): [المضاربة: وَهِيَ دَفْعُ مَالٍ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مُعَيَّنٍ مَعْلُومٍ قَدْرُهُ لِمَنْ يَتَّجِرُ فِيهِ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ رِبْحِهِ لَهُ أَوْ لِقِنِّهِ] اهـ.
وقد تعاملَ بها المسلمون من لدن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى وقتنا هذا من غير نكير بينهم، وقد نقل الإجماع على ذلك غيرُ واحدٍ من الأئمة؛ فنقله الإمام ابن المنذر -كما حكاه الإمام ابن قدامة في "المغني" (5/ 19، ط. مكتبة القاهرة)-، وكذلك العلامة ابن حزم في "مراتب الإجماع" (ص: 91، ط. دار الكتب العلمية)، والإمام ابن عبد البر في "الاستذكار" (7/ 3، ط. دار الكتب العلمية)، والإمام أبو الوليد بن رشد في "بداية المجتهد" (4/ 21، ط. دار الحديث).
واشترط الفقهاء في صحّة عقد المضاربة عدم ضمان العامل لرأس المال فيما يحصل فيه من نقص أو خسارة، وذلك من غير تقصيرِ العاملِ أو تعدّيه عليه، فيتحمّل حينئذ ربّ المال ما يقع على رأس ماله من خسارة أو نقص؛ لأن العامل أو المضارب إنما شارك بعمله، فخسارته ذهابُ نفع بدنه إذا لم يحدث نماء في رأس المال؛ وقد نقل الإجماع على ذلك الإمام ابن رشد في "بداية المجتهد" (4/ 21): [وأجمعوا على أن صفته: أن يعطي الرجلُ الرجلَ المالَ على أنه يتَّجِر به على جزء معلوم يأخذه العامل من ربح المال، أيَّ جزءٍ كان مما يتفقان عليه؛ ثلثًا، أو ربعًا، أو نصفًا، وأن هذا مستثنى من الإجارة المجهولة، وأن الرخصة في ذلك: إنما هي لموضع الرفق بالناس، وأنه لا ضمان على العامل فيما تلِف من رأس المال إذا لم يتعدّ وإن كان اختلفوا فيما هو تعدٍّ مما ليس بتعدٍّ] اهـ.
أما في حالة تطوع المضارب بعد انعقاد العقد بتحمل الخسارة التي تلحق برأس مال المضاربة، فجمهور الفقهاء على عدم جواز ذلك؛ لمنافاته لمقتضى عقد المضاربة، وذهب جماعة إلى جواز تطوع العامل بعد الشروع في العمل، وبه قال الإمام مُطَرِّف بن بشير، وتلميذه ابن عتَّاب، والقاضي ابن زَرْبٍ القرطبي، وجميعهم من فقهاء المالكية، واختاره العلامة الشوكاني.
قال العلامة الحطاب المالكي في "مواهب الجليل" (5/ 360، ط. دار الفكر): [وفي أول (كتاب القراض) من "حاشية الْمَشَذَّالِيِّ الْمُتَيْطِيُّ": لو تطوّع العاملُ بضمان المال ففي صحة القراض خلاف بين الشيوخ؛ فذهب ابن عتَّاب إلى أنه صحيح، وحكى إجازته عن شيخه مُطَرِّف بن بشير، وقال غيرهما: لا يجوز] اهـ. وكذا قال العلامة الزرقاني في "شرح خليل" (6/ 389، ط. دار الكتب العلمية).
وقال الإمام الرهوني المالكي في حاشيته على "شرح الزرقاني على مختصر خليل" (6/ 323، ط. المطبعة الأميرية): [(أو ضمن): مذهب ابن عتَّاب وشيخه، ونحوه لابن زَرْبٍ قائلًا: إذا طاع بالضمان بعد أن شرع في العمل فما يبعد أن يلزمه] اهـ.
وقال العلامة الشوكاني في "السيل الجرار" (ص: 586-587، ط. دار ابن حزم): ["فصل: ولا يضمن المستأجرُ والمستعيرُ والمستلمُ مطلقًا والمشترك الغالب إن لم يضمنوا، ويضمن المشتركُ غير الغالب والمتعاطي والبائع قبل التسليم والمرتهن والغاصب وإن لم يضمنوا، وعكسهم الخاص ومستأجر الآلة ضمن أثر الاستعمال، والمضارب والوديع والوصيّ والوكيل والملتقط، وإذا أُبرئ البصيرُ من الخطأ، والغاصب والمشترك مطلقا برئوا، لا المتعاطي والبائع قبل التسليم والمتبرئ من العيوب جملة والمرتهن صحيحا"..
وأما قوله: "وعكسهم الخاص" الخ، فهؤلاء لا فرق بينهم وبين من تقدم في أول الفصل أنها تجب عليهم التأدية، ولا يضمنون إلا لجنايةٍ أو تفريطٍ، وإذا ضَمنوا ضُمِّنوا؛ لأنهم قد اختاروا ذلك لأنفسهم، والتراضي هو المناط في تحليل أموال العباد] اهـ.
كما أن ما يتطوّع به العاملُ من ردّ بعض رأس المال أو كلّه هو محض تبرع منه، لا من باب الاشتراط المسبق أو الإلزام الذي يفسد العقد إذا اشترطه، وإذا لم يثبت دليل من الكتاب أو السنة على تحريم التبرع بالضمان في الأمانات فإن التزام الضمان لا يكون حرامًا، بل هو عقدُ تبرّع صحيحٌ نافذٌ منفصلٌ عن عقد المضاربة ما دام قام به ابتداءً من غير إلزام سابق، وهو بكمال أهليته؛ من بلوغ وعقل واختيار: هو تصرفٌ ناجزٌ -سواء أكان هبة أم تنازلًا أم بيعًا أم غير ذلك-.
وأما عقد الشراكة بعد ضمانِ المضارِب لرأس المال: فهو بمثابة المال المستأنف من رب المال.
وللفقهاء في المال المستأنف قولان:
الأول: قول جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة: أن المال إذا استُهلك ودفع صاحب المال عوضه استُؤنِفَت المضاربة صحيحة.
قال الإمام الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (6/ 113، ط. دار الكتب العلمية): [وتبطل بهلاكِ مالِ المضاربة في يد المضارِب قبل أن يشتري به شيئًا في قول أصحابنا؛ لأنه تعيّن لعقد المضاربة بالقبض، فيبطل العقد بهلاكه؛ كالوديعة، وكذلك لو استهلكه المضارب أو أنفقه أو دفعه إلى غيره فاستهلكه؛ لما قلنا، حتى لا يملك أن يشتري به شيئًا للمضاربة به، فإن أخذ مثله من الذي استهلكه كان له أن يشتري به على المضاربة، كذا روى الحسن عن أبي حنيفة؛ لأنه أخذ عوض رأس المال، فكان أخذ عوضه بمنزلة أخذ ثمنه، فيكون على المضاربة] اهـ.
وقال الإمام الخراشي المالكي في شرحه على "مختصر خليل" (6/ 217، ط. دار الفكر): [وَالْحَاصِلُ أَنَّ رَبَّ الْمَالِ لَا يَلْزَمُهُ الْخُلْفُ تَلِفَ الْكُلُّ أَوْ الْبَعْضُ، فَإِنْ أَخْلَفَ رَبُّ الْمَالِ، لَزِمَ الْعَامِلَ الْقَبُولُ فِي تَلَفِ الْبَعْضِ لَا الْكُلِّ إنْ كَانَ التَّلَفُ بَعْدَ الْعَمَلِ، وَفِي تَلَفِ الْجَمِيعِ يَكُونُ الثَّانِي قِرَاضًا مُؤْتَنَفًا] اهـ.
وقال الإمام الدردير المالكي في "الشرح الكبير" (3/ 529، ط. دار الفكر): [فإن تلِفَ جميعه فأتاه ربُّهُ بدلَهُ فربح الثاني فلا يَجْبُرُ ربحَهُ الأول، وهو ظاهر؛ لأنه قراض ثَانٍ (وله) أي: لربّ المال التالف بيد العامل كُلِّهِ أو بَعْضِهِ (الْخَلَفُ) لما تلف كلًّا أو بعضًا، (فإن تلِف جميعه لم يلزم الخَلَفُ)، أي: لم يلزم العامل قبوله، وأما إن تلف بعضه فيلزمه قبوله إن تلف البعض بعد العمل، لا قبله؛ لأن لكلٍّ منهما الفسخ] اهـ.
وقال العلامة البرهان بن مفلح الحنبلي في "المبدع في شرح المقنع" (4/ 379، ط. دار الكتب العلمية): [(وإن تلِفَ بعد الشراء) قبل نَقْدِ ثمنها (فالمضاربةُ بحالها)؛ لأن الموجِب لفسخِها هو التَّلف، ولم يوجد حين الشراء، ولا قبله] اهـ.
القول الثاني: مذهب الشافعية؛ أنه إذا تلف مالُ المضاربة انفسخ العقد بالتَّلف، كما نص على ذلك إمام الحرمين الجويني الشافعي في "نهاية المطلب" (7/ 548، ط. دار المنهاج): [ولو اشترى بالألفِ التي دفعها إليه عبدًا، ثم تلف الألفُ قبل أن يوفّره على البائع، نظر: فإن كان اشترى العبدَ بعين الألف انفسخ العقد بتلفه، وارتدّ العبدُ إلى البائع، ولا ضمان على المقارَض، وانقطعت علائق القراض] اهـ.
وقال العلامة الخطيب الشربيني الشافعي في "مغني المحتاج" (3/ 414، ط. دار الكتب العلمية): [لو تلِف بعضُه عن تلفِ كلّه، فإنّ القراض يرتفع، سواء أتلف بآفةٍ سماويةٍ أم بإتلافِ المالكِ أم العاملِ أم أجنبيٍّ] اهـ.
وبناء عليه وفي واقعة السؤال: فما قمتَ به من إعطاء صديقك مبلغًا من المال ليقوم باستثماره دون اشتراط ضمان رأس المال: هو من قبيل المضاربة الجائزة شرعًا.
وما قام هو به من التطوّع بتحمّل هذه الخسارة دون اشتراط بينكما: هو تبرّعٌ جائز لا شيء فيه؛ أخذًا بقول من أجاز التطوع بالضمان؛ لكونه اختار ذلك لنفسه ورضي به؛ ولأن الرضا هو المناطُ في تحليل أموال العباد، ولا علاقة لهذا التبرع بالعقد الأول.
والشركة مستمرة بينكما على قول جمهور الفقهاء؛ لأن ما ضمنه المضارب من رأس المال بمثابة المال المستأنف.
هذا كله مع وجوب مراعاة ألَّا يكون في هذه المعاملة مخالفة للقوانين واللوائح المعمول بها في البلاد.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

حكم تحمُّل الشريك بالمجهود خسارة التجارة متبرعًا لصاحب المال

 أعطيتُ صديقًا لي مبلغًا من المال ليقوم باستثماره، على أن يكون ذلك بربح نتقاسم فيه بنسبة معينة، وبعد مرور ثلاثة أشهر من استثماره للأموال تعرضت الشركة لخسارة طالت رأسَ المال، فتبرَّع مشكورًا بتحمل هذه الخسارة دون مطالبة منِّي بشيء من ذلك، ثم سألت أحد المشايخ فأخبرني بعدمِ حِلِّ هذا المال وفساد العقد، وطالبني بتجديده.
وسؤالي: هل التصرّف الذي قام به صديقي جائز؟ وهل فسدت الشَّركة بيننا فلا أستمر فيها؟

ما قام به صديقك من التطوّع بتحمّل الخسارة دون اشتراط مُسبقٍ بينكما: هو تبرّعٌ جائز لا شيء فيه؛ أخذًا بقول من أجاز التبرع بالضمان هنا -أي تحمل المسؤولية المالية-؛ لكونه اختار ذلك لنفسه ورضي به؛ ولأن التراضي معتبرٌ في حلِّ أخذ أموال الناس.
والشراكة بينكما ما زالت مستمّرةٌ على قول جمهور الفقهاء.
هذا كلّه مع وجوب مراعاة ألَّا يكون في هذه المعاملة مخالفة للقوانين واللوائح المعمول بها في البلاد. 

التفاصيل ....

 المعاملات الجارية بين الناس يُرَاعى فيها ابتداءً تحقُّقُ شروط العقود عامة؛ من أهلية المتعاقدين، وحصول الرضا بينهما، وانتفاء الغرر، وكذلك خلو المعاملة من الشروط الممنوعة شرعًا؛ كما جاء في الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا»، أخرجه الترمذي وصححه والدارقطني والبيهقي في "السنن".
وهذه المعاملات منها ما هو منصوص عليه في كتب السابقين، ومنها ما هو غير منصوص.
وما قمتَ به من إعطائكَ لصديقكَ مبلغًا من المال ليقوم باستثماره على أن يكون له نسبة معلومة من الربح؛ كأن يأخذ النصف أو الربع أو الثلث مثلًا، هو عقد يسمى "بالمضاربة" عند الحنفية والحنابلة ويسمى "بالقِرَاض" عند المالكية والشافعية، وهو نوع من أنواع الشركات.
قال العلامة ابن منظور في "لسان العرب" (1/ 545، ط. دار صادر) [المُضارَبة: أَن تُعْطِيَ مَالًا لِغَيْرِكَ يَتَّجِرُ فِيهِ، فَيَكُونَ لَهُ سَهْمٌ معلومٌ مِنَ الرِّبْحِ، وَهِيَ مُفاعَلة مِنَ الضَّرْب فِي الأَرض والسَّيرِ فِيهَا لِلتِّجَارَةِ] اهـ، وقال أيضًا (7/217): [القِراضُ: الْمُضَارَبَةُ فِي لُغَةِ أَهل الْحِجَازِ، وأَقْرَضَه المالَ وَغَيْرَهُ: أَعْطاه إِيّاهُ قَرْضًا] اهـ.
وعرفها فقهاء الأحناف بأنها: عَقْدُ شَرِكَةٍ فِي الرِّبْحِ بِمَالٍ مِنْ رَجُلٍ وَعَمَلٍ مِنْ آخَرَ؛ كما قال العلامة مُلا خسرو الحنفي في "درر الحكام" (2/ 310، ط. دار إحياء الكتب العربية).
وعرفها العلامة خليل المالكي في "مختصره" (ص: 198، ط. دار الحديد) فقال: [الْقِرَاضُ: تَوْكِيلٌ عَلَى تَجْرٍ فِي نَقْدٍ مَضْرُوبٍ مُسَلَّمٍ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ إنْ عُلِمَ قَدْرُهُمَا ولو مغشوشًا لا بدين عليه] اهـ.
كما عرفها شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في "أسنى المطالب" (2/ 380، ط. دار الكتاب الإسلامي) فقال: [وَحَقِيقَتُهُ: عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ دَفْعَ مَالٍ لِآخَرَ لِيَتَّجِرَ لَهُ فِيهِ وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا] اهـ.
وقال العلامة ابن النجار الحنبلي في "منتهى الإرادات" (3/ 20، ط. مؤسسة الرسالة): [المضاربة: وَهِيَ دَفْعُ مَالٍ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مُعَيَّنٍ مَعْلُومٍ قَدْرُهُ لِمَنْ يَتَّجِرُ فِيهِ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ رِبْحِهِ لَهُ أَوْ لِقِنِّهِ] اهـ.
وقد تعاملَ بها المسلمون من لدن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى وقتنا هذا من غير نكير بينهم، وقد نقل الإجماع على ذلك غيرُ واحدٍ من الأئمة؛ فنقله الإمام ابن المنذر -كما حكاه الإمام ابن قدامة في "المغني" (5/ 19، ط. مكتبة القاهرة)-، وكذلك العلامة ابن حزم في "مراتب الإجماع" (ص: 91، ط. دار الكتب العلمية)، والإمام ابن عبد البر في "الاستذكار" (7/ 3، ط. دار الكتب العلمية)، والإمام أبو الوليد بن رشد في "بداية المجتهد" (4/ 21، ط. دار الحديث).
واشترط الفقهاء في صحّة عقد المضاربة عدم ضمان العامل لرأس المال فيما يحصل فيه من نقص أو خسارة، وذلك من غير تقصيرِ العاملِ أو تعدّيه عليه، فيتحمّل حينئذ ربّ المال ما يقع على رأس ماله من خسارة أو نقص؛ لأن العامل أو المضارب إنما شارك بعمله، فخسارته ذهابُ نفع بدنه إذا لم يحدث نماء في رأس المال؛ وقد نقل الإجماع على ذلك الإمام ابن رشد في "بداية المجتهد" (4/ 21): [وأجمعوا على أن صفته: أن يعطي الرجلُ الرجلَ المالَ على أنه يتَّجِر به على جزء معلوم يأخذه العامل من ربح المال، أيَّ جزءٍ كان مما يتفقان عليه؛ ثلثًا، أو ربعًا، أو نصفًا، وأن هذا مستثنى من الإجارة المجهولة، وأن الرخصة في ذلك: إنما هي لموضع الرفق بالناس، وأنه لا ضمان على العامل فيما تلِف من رأس المال إذا لم يتعدّ وإن كان اختلفوا فيما هو تعدٍّ مما ليس بتعدٍّ] اهـ.
أما في حالة تطوع المضارب بعد انعقاد العقد بتحمل الخسارة التي تلحق برأس مال المضاربة، فجمهور الفقهاء على عدم جواز ذلك؛ لمنافاته لمقتضى عقد المضاربة، وذهب جماعة إلى جواز تطوع العامل بعد الشروع في العمل، وبه قال الإمام مُطَرِّف بن بشير، وتلميذه ابن عتَّاب، والقاضي ابن زَرْبٍ القرطبي، وجميعهم من فقهاء المالكية، واختاره العلامة الشوكاني.
قال العلامة الحطاب المالكي في "مواهب الجليل" (5/ 360، ط. دار الفكر): [وفي أول (كتاب القراض) من "حاشية الْمَشَذَّالِيِّ الْمُتَيْطِيُّ": لو تطوّع العاملُ بضمان المال ففي صحة القراض خلاف بين الشيوخ؛ فذهب ابن عتَّاب إلى أنه صحيح، وحكى إجازته عن شيخه مُطَرِّف بن بشير، وقال غيرهما: لا يجوز] اهـ. وكذا قال العلامة الزرقاني في "شرح خليل" (6/ 389، ط. دار الكتب العلمية).
وقال الإمام الرهوني المالكي في حاشيته على "شرح الزرقاني على مختصر خليل" (6/ 323، ط. المطبعة الأميرية): [(أو ضمن): مذهب ابن عتَّاب وشيخه، ونحوه لابن زَرْبٍ قائلًا: إذا طاع بالضمان بعد أن شرع في العمل فما يبعد أن يلزمه] اهـ.
وقال العلامة الشوكاني في "السيل الجرار" (ص: 586-587، ط. دار ابن حزم): ["فصل: ولا يضمن المستأجرُ والمستعيرُ والمستلمُ مطلقًا والمشترك الغالب إن لم يضمنوا، ويضمن المشتركُ غير الغالب والمتعاطي والبائع قبل التسليم والمرتهن والغاصب وإن لم يضمنوا، وعكسهم الخاص ومستأجر الآلة ضمن أثر الاستعمال، والمضارب والوديع والوصيّ والوكيل والملتقط، وإذا أُبرئ البصيرُ من الخطأ، والغاصب والمشترك مطلقا برئوا، لا المتعاطي والبائع قبل التسليم والمتبرئ من العيوب جملة والمرتهن صحيحا"..
وأما قوله: "وعكسهم الخاص" الخ، فهؤلاء لا فرق بينهم وبين من تقدم في أول الفصل أنها تجب عليهم التأدية، ولا يضمنون إلا لجنايةٍ أو تفريطٍ، وإذا ضَمنوا ضُمِّنوا؛ لأنهم قد اختاروا ذلك لأنفسهم، والتراضي هو المناط في تحليل أموال العباد] اهـ.
كما أن ما يتطوّع به العاملُ من ردّ بعض رأس المال أو كلّه هو محض تبرع منه، لا من باب الاشتراط المسبق أو الإلزام الذي يفسد العقد إذا اشترطه، وإذا لم يثبت دليل من الكتاب أو السنة على تحريم التبرع بالضمان في الأمانات فإن التزام الضمان لا يكون حرامًا، بل هو عقدُ تبرّع صحيحٌ نافذٌ منفصلٌ عن عقد المضاربة ما دام قام به ابتداءً من غير إلزام سابق، وهو بكمال أهليته؛ من بلوغ وعقل واختيار: هو تصرفٌ ناجزٌ -سواء أكان هبة أم تنازلًا أم بيعًا أم غير ذلك-.
وأما عقد الشراكة بعد ضمانِ المضارِب لرأس المال: فهو بمثابة المال المستأنف من رب المال.
وللفقهاء في المال المستأنف قولان:
الأول: قول جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة: أن المال إذا استُهلك ودفع صاحب المال عوضه استُؤنِفَت المضاربة صحيحة.
قال الإمام الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (6/ 113، ط. دار الكتب العلمية): [وتبطل بهلاكِ مالِ المضاربة في يد المضارِب قبل أن يشتري به شيئًا في قول أصحابنا؛ لأنه تعيّن لعقد المضاربة بالقبض، فيبطل العقد بهلاكه؛ كالوديعة، وكذلك لو استهلكه المضارب أو أنفقه أو دفعه إلى غيره فاستهلكه؛ لما قلنا، حتى لا يملك أن يشتري به شيئًا للمضاربة به، فإن أخذ مثله من الذي استهلكه كان له أن يشتري به على المضاربة، كذا روى الحسن عن أبي حنيفة؛ لأنه أخذ عوض رأس المال، فكان أخذ عوضه بمنزلة أخذ ثمنه، فيكون على المضاربة] اهـ.
وقال الإمام الخراشي المالكي في شرحه على "مختصر خليل" (6/ 217، ط. دار الفكر): [وَالْحَاصِلُ أَنَّ رَبَّ الْمَالِ لَا يَلْزَمُهُ الْخُلْفُ تَلِفَ الْكُلُّ أَوْ الْبَعْضُ، فَإِنْ أَخْلَفَ رَبُّ الْمَالِ، لَزِمَ الْعَامِلَ الْقَبُولُ فِي تَلَفِ الْبَعْضِ لَا الْكُلِّ إنْ كَانَ التَّلَفُ بَعْدَ الْعَمَلِ، وَفِي تَلَفِ الْجَمِيعِ يَكُونُ الثَّانِي قِرَاضًا مُؤْتَنَفًا] اهـ.
وقال الإمام الدردير المالكي في "الشرح الكبير" (3/ 529، ط. دار الفكر): [فإن تلِفَ جميعه فأتاه ربُّهُ بدلَهُ فربح الثاني فلا يَجْبُرُ ربحَهُ الأول، وهو ظاهر؛ لأنه قراض ثَانٍ (وله) أي: لربّ المال التالف بيد العامل كُلِّهِ أو بَعْضِهِ (الْخَلَفُ) لما تلف كلًّا أو بعضًا، (فإن تلِف جميعه لم يلزم الخَلَفُ)، أي: لم يلزم العامل قبوله، وأما إن تلف بعضه فيلزمه قبوله إن تلف البعض بعد العمل، لا قبله؛ لأن لكلٍّ منهما الفسخ] اهـ.
وقال العلامة البرهان بن مفلح الحنبلي في "المبدع في شرح المقنع" (4/ 379، ط. دار الكتب العلمية): [(وإن تلِفَ بعد الشراء) قبل نَقْدِ ثمنها (فالمضاربةُ بحالها)؛ لأن الموجِب لفسخِها هو التَّلف، ولم يوجد حين الشراء، ولا قبله] اهـ.
القول الثاني: مذهب الشافعية؛ أنه إذا تلف مالُ المضاربة انفسخ العقد بالتَّلف، كما نص على ذلك إمام الحرمين الجويني الشافعي في "نهاية المطلب" (7/ 548، ط. دار المنهاج): [ولو اشترى بالألفِ التي دفعها إليه عبدًا، ثم تلف الألفُ قبل أن يوفّره على البائع، نظر: فإن كان اشترى العبدَ بعين الألف انفسخ العقد بتلفه، وارتدّ العبدُ إلى البائع، ولا ضمان على المقارَض، وانقطعت علائق القراض] اهـ.
وقال العلامة الخطيب الشربيني الشافعي في "مغني المحتاج" (3/ 414، ط. دار الكتب العلمية): [لو تلِف بعضُه عن تلفِ كلّه، فإنّ القراض يرتفع، سواء أتلف بآفةٍ سماويةٍ أم بإتلافِ المالكِ أم العاملِ أم أجنبيٍّ] اهـ.
وبناء عليه وفي واقعة السؤال: فما قمتَ به من إعطاء صديقك مبلغًا من المال ليقوم باستثماره دون اشتراط ضمان رأس المال: هو من قبيل المضاربة الجائزة شرعًا.
وما قام هو به من التطوّع بتحمّل هذه الخسارة دون اشتراط بينكما: هو تبرّعٌ جائز لا شيء فيه؛ أخذًا بقول من أجاز التطوع بالضمان؛ لكونه اختار ذلك لنفسه ورضي به؛ ولأن الرضا هو المناطُ في تحليل أموال العباد، ولا علاقة لهذا التبرع بالعقد الأول.
والشركة مستمرة بينكما على قول جمهور الفقهاء؛ لأن ما ضمنه المضارب من رأس المال بمثابة المال المستأنف.
هذا كله مع وجوب مراعاة ألَّا يكون في هذه المعاملة مخالفة للقوانين واللوائح المعمول بها في البلاد.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;