حكم ختان الإناث في الشريعة الإسلامية

ما رأي الشريعة الإسلامية في ختان الإناث؟

ختان الإناث لا مُوجب له من الشرع الشريف، وكل ما ورد فيه من أحاديث إنما دلت على تقييده بُغية الوصول إلى منعه، وبيان عظيم شره، والتحذير من انتهاك جسد المرأة بهذه العادة، في سياقٍ يؤكد عدم جواز الادعاء بأن فعلها عبادة، بل هو سقف معرفي وصل إليه العقل البشري حينذاك، فإذا ما ارتفع هذا السقف المعرفي، وتغيرت أحوال الناس واختلفت البيئات، لزم أن يتغير الحكم، وهذا ما أقره الشرع في قواعده، وتواردت نصوصه على أن الأحكام المترتبة على العادات تتغير بتغيرها.

وقد تقرر شرعًا أنه "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ"، وثبت ما في هذا الفعل من ضررٍ حسيٍّ ومعنويٍّ، يلحق بالأنثى على المستوى الشخصيّ والأسريّ، دون فائدة مرجوة، تعود عليها أو على زوجها، بل هو عكس ذلك؛ يُورِد المهالك، ويَنهَك المسالك، ويُذهِب كمال الانتفاع؛ فوجب لأجْل ذلك القول بتحريمه، واعتباره جريمة، على ما جرت به قواعد الشريعة الإسلاميـة، ومقاصدهـــا الـمرعية.

التفاصيل ....

مِن شمولية المنهج الإسلامي التوافقُ التام بين مصادر المعرفة التي منَّ بها الله تعالى على عباده؛ من الحس والعقل والنقل. وبينما اختص الحس والعقل بعالم الوجود والخلق (الكتاب المنظور) اختص النقل بعالم الغيب والأمر (الكتاب المسطور)، ومع اختلاف العالَمَين في الجهة التي يُتَوصل بها إلى المعرفة إلا إن كليهما صادر عن الله تعالى، فَلَزِمَ عن ذلك تمامُ الاتساق والتكامل بلا أدنى اختلافٍ أو تناقضٍ بين ما لِعَالَمِ الخلْق من قوانين وأحكامٍ وَصَلَ إليها الإنسان بعقله وحواسِّه إذا التزم بالمنهج العلمي الصحيح، وبين ما لِعَالَمِ الأمر من تشريعاتٍ أو إلزاماتٍ جاء بها الوحي الشريف؛ قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 54].

قال الإمام الرازي في "مفاتيح الغيب" (32/ 367، ط. دار إحياء التراث العربي): [عالم الْـمُمْكِنَات على قسمين: عالم الأمر، وعالم الخلق؛ على ما قال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، وعالم الأمر: كله خيرات محضة بريئة عن الشرور والآفات، أما عالم الخلق: وهو عالم الأجسام والجسمانيات.. وإنما سُمِّي عالَمُ الأجسام والجسمانيات بعالَمِ الخلْق: لأن الخلق هو التقدير، والمقدار من لواحق الجسم] اهـ.

وإذا كانت حقيقة الوحي أنه كتاب الله تعالى المسطور بين السطور، وحقيقة الخلق بما فيه من آيات بينات هو كتاب الله المنظور بالعقل والحواس والعيون؛ فإنهما بذلك يصيران مترابطين يؤيد كلٌّ منهما الآخر ولا يعارضه؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82].

وختان الإناث مسألة طبية يُنظر إليها من جانب الوجود؛ لارتباطه بصحة المرأة الجسدية والنفسية، وجانب الوحي فيها لم يَرِد إلا على جهة تنظيمه وبيان ماهيَّتِهِ تخفيفًا لِبَلْوَتِهِ، لا الأمرِ بِهِ أو استحسان صَنعَتِهِ:

- فأما جانب الوجود المنظور: فختان الأنثى هو إجراء يتعلق بجسدها الذي أوجب الله تعالى رعايته والحفاظ عليه؛ فقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]؛ وأباح من أجل ذلك كل ما يضمن سلامته؛ كالاغتذاء والتداوي، وحرم كل ما يؤول إلى تضرره؛ كالتغيير فيه أو الإيلام من غير ضرورة أو حاجة تنزل منزلتها.

وإذا كانت عملية الختان عبارة عن قطعٍ كلي أو جزئي أو شقٍّ لجزءٍ من جسد المرأة هو منها بمثابة عضوٍ له وظيفته؛ فإنه يلزم لإجرائها الرجوع إلى ما يقرره أهل الطب المختصون، باعتبارهم أهل الذكر والخبراء فيما يتعلق بصحة الجسد البشري والتعامل فيه، لا إلى مجرد أقوال أو عادات توارثتها الأجيال جيلًا عن جيل دون مراعاة لمدى تغير وتطور السقف المعرفي وفقًا لتطور العلوم ووسائلها، حتى يصح القطع بأنه إذا علمت الأجيال السابقة ما كشف عنه العلم الحديث في كثير من المسائل لقالوا بما قال به بلا أدنى شك؛ ذلك أن الشريعة المحكَمة أناطت المعرفة الصحيحة بالرجوع إلى أهلها، فلا يسوغ في هذا الأمر إلا سؤالُهُم؛ كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]، واستطلاعُ الآثار المترتبة، والوقوفُ على الأضرار أو المنافع المتوقَّعة بإنبائهم؛ بما خُوِّل لهم في هذا المجال ما لم يُخَوَّل لغيرهم، من خلال دراستهم وممارستهم وخبرتهم؛ كما قال سبحانه: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: 14].

والإنباء بالشيء أخص من الإخبار به؛ إذ يتضمن كون المخبر به قد بَلَغَ في صدقه ومطابقته للواقع ما يصل به إلى رتبة العلم أو غلبة الظن، بما لا يدع مجالًا للتشكيك فيه أو تخطئته، ومنه اشتُقَّ اسم "نبي"؛ لأنه مخبر عن الله تعالى بحقائق لا مجال للتشكيك فيها، وعلى ذلك كان المُنْبِئُ هو الخبير بحقائق الأشياء.

قال العلامة عبد القادر البغدادي [ت:1903هـ] في "خزانة الأدب" (1/ 270، ط. مكتبة الخانجي): [قال الراغب: النبأ: خبرٌ ذو فائدة عظيمة يحصل به علمٌ أو غلبةُ ظنٍّ، ولا يقال للخبر في الأصل نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحقه أن يتعرى عن الكذب كالتواتر وخبر الله وخبر الرسول، ولتضمن النبأ معنى الخبر؛ يقال: أنبأته بكذا أخبرته به، ولتضمنه معنى العلم؛ قيل: أنبأته كذا كقولك علَّمته كذا] اهـ.

وقال العلامة صدر الدين بن معصوم الشيرازي في "الطراز الأول والكناز لما عليه من لغة العرب المعول" (1/ 204، ط. مؤسسة آل البيت): [النَّبَأُ، كسَبَبٍ: الخَبَرُ، أو ما تضمّنَ منه عظيم فائدةٍ وأفادَ علمًا أو غلبةَ ظنٍّ، فهو أخصُّ من الخبرِ] اهـ.

وكما هو مستفاد من صياغة الآية الكريمة: فإنَّ مجرد الإنباء لا يتحقق به المطلوب من العلم الذي تنبني عليه الأحكام حتى يكون من خبيرٍ بما ينبئ عنه؛ حتى يجمع إلى صفة الصدق ومطابقة الواقع صفة الخبرة والتخصص.

قال الإمام أبو البركات النسفي [ت:710هـ] في "مدارك التنزيل وحقائق التأويل" (3/ 82، ط. دار الكلم الطيب): [ولا يخبرك بالأمر مخبِرٌ هو مثل خبيرٍ عالم به؛ يريد أنَّ الخبير بالأمر وحده هو الذي يخبرك بالحقيقة دون سائر المخبرين به] اهـ.

وقال الإمام ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (6/ 541، ط. دار طيبة للنشر والتوزيع): [ولا يُخْبِرُكَ بعواقب الْأُمُور ومَآلِهَا وما تصير إِليه، مثلُ خَبِيرٍ بِهَا] اهـ.

وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يراعي قواعد الطب فيما يتعلق بصحة جسده؛ فكان يعادل -مثلًا- في تناول الأطعمة بما يحدّ من ضررها؛ قال العلامة القسطلاني في "المواهب اللدنية بالمنح المحمدية" (2/ 164، ط. المكتبة التوفيقية): [وكان صلى الله عليه وآله وسلم يراعي صفات الأطعمة وطبائعها واستعمالها على قاعدة الطب؛ فإذا كان في أحد الطعامين ما يحتاج إلى كسرٍ وتعديلٍ كَسَرَهُ وعدله بضِدِّه إن أمكن، كتعديله حرارة الرُّطَب بالبطيخ، وهذا أصلٌ كبيرٌ في المركبات من الأدوية، وإن لم يجد ذلك تناوله على حاجةٍ وداعيةٍ من النفس من غير إسراف] اهـ.

وقرر الفقهاء ضرورة الرجوع إلى الأطباء في كثير من المسائل الفقهية التي تتعلق بالجسد البشري كلٌّ في تخصصه؛ فَبَنَوُا الكثير من أحكامهم فيها على ما وصل إليه السقف المعرفي في العلوم الطبية، ومن ذلك ما قاله الإمام الشافعي في "الأم" (1/ 16، ط. دار المعرفة) في سياق الكلام عن كراهة الوضوء بالماء المشَمَّس: [ولا أكرهه إلَّا مِن جهة الطِّب] اهـ.

وعندما يتكلمون في مسائل الحيض والنفاس والولادة وغيرها من الأمور المتعلقة بطبيعة جسد المرأة؛ يَرُدُّون بعض أحكامها إلى الوجود، ويَعنُون بالوجود: البحث الطبي، والرصد والتتبع؛ عملًا بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» أخرجه مسلم في "صحيحه".

قال العلامة تقي الدين الحصني الشافعي في "كفاية الأخيار" (ص: 76، ط. دار الخير): [كل ما لا ضابط له في الشرع ولا في اللغة يرجع فيه إلى الوجود] اهـ.

وإنفاذًا لهذا المنهج الشرعي المُحكَم: فقد أفاد الخبراء أن لختان الإناث بأنواعه المختلفة مخاطر كثيرة؛ منها ما هو قصير المدى؛ كالألم المفرط، أو حدوث نزيف حاد، أو التهابات شديدة، ومنها ما هو طويل المدى؛ كحدوث ضيق أو انسداد في مجرى البول، أو صعوبة في خروج دم الحيض، أو الألم البالغ أثناء العلاقة الزوجية مما يسبب للمرأة مشاكل نفسية واجتماعية، وقد يصل ما للختان من ضرر إلى حد تأخير الولادة الطبيعية وصعوبتها مما قد يؤدي إلى وفاة الأم أو الطفل. وذلك حسبما أفادت "الموسوعة البريطانية".

وقد تقرر شرعًا أنه "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ"؛ فمتى ثبت ما في هذا الفعل من ضررٍ حسيٍّ ومعنويٍّ، يلحق بالأنثى على المستوى الشخصيّ والأسريّ، دون أدنى فائدة مرجوة، تعود عليها بالمسرة، أو على زوجها بالحظوة، بل هو عكس ذلك؛ يُورِد المهالك، ويَنهَك المسالك، ويُفَوِّت كمال الانتفاع، ببتر محلِّ لذة الجماع، ويطفئ النضارة والسرور، لِتَحِلَّ الكآبةُ ويحصل النُّفور؛ وجب حينئذٍ القول بتحريمه واعتباره جريمة، على ما جرت به قواعد الشريعة.

- وأما جانب الوحي المسطور: فما روي في الختان من أحاديث -إن صحت- إنما يُستدل بها على عظيمِ حرص الشريعة الإسلامية على حماية جسد المرأة وصيانته عن العبث به والتمثيل بخِلقته، وعِظَمِ جريمة التعدي عليه والتنكيل به، ووجوبِ تقييد هذا الفعل ما أمكن، لا مشروعيته أو الأمر به.

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأم عطية رضي الله عنها حين سألته عن الختان: «إِذَا خَفَضْتِ فَأَشِمِّي وَلَا تَنْهَكِي؛ فَإِنَّهُ أَسْرَى لِلْوَجْهِ، وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ» أخرجه الطبراني في "المعجم"، والبيهقي في "السنن".

وعن أمِّ عطيةَ الأنصارية رضي الله عنها: أن امرأةَ كانَت تَخْتُنُ بالمدينةِ، فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تَنْهَكِي؛ فإنَّ ذلكَ أحْظَى لِلمرأةِ، وأحَبُّ إلى البَعْلِ» أخرجه أبو داود في "سننه"، وقال: هذا حديث ضعيف.

فهذا الفعل وإن لم يأت النصُّ النبويُّ بالنهي عنه مباشرةً؛ مراعاةً لما جرت به الأعراف المستقرة، إلا أنه جاء بتقييده إلى الحد الذي يتضمن النهي عنه، ويُفهَم ذلك مما يلي:

أولًا: بيانه صلى الله عليه وآله وسلم للقدر المسموح به في عملية الختان؛ بقوله: «أَشِمِّي»، ومفهوم ذلك: أنه إن كان لا بد لك من فعل هذه العادة التي اعتيد على فعلها، ظنًّا بأن فيها منفعة للمرأة، «فَأَشِمِّي»؛ للمبالغة في بيان أن لا تتعدي في فعل ذلك الأمر، فكأن المعنى اجعلي ما تأخذينه من هذا العضو قدر ما يأخذ شمُّ الشيء منه. مما يؤخذ منه إن كان أقرب للتجميل.

قال العلامة الرافعي في "العزيز شرح الوجيز" (11/ 303، ط. دار الكتب العلمية): [«أَشِمِّي وَلَا تَنْهَكِي» أي: اتركي الموضع أَشَمّ وهو المرتفع] اهـ.

ثانيًا: تأكيده صلى الله عليه وآله وسلم على أن تجاوز ذلك الحد -الذي هو قدر ما يأخذ شم الشيء منه- هو انتهاكٌ وتعدٍّ على المرأة، ثم نهيه عن ذلك بقوله: «وَلَا تَنْهَكِي» بما يفيد أن مجرد إحداث أثر في هذا الموضع منهيٌّ عنه.

قال العلامة ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (10/ 347، ط. دار المعرفة): [«أَشِمِّي وَلَا تَنْهَكِي» أي: لا تبالغي في ختان المرأة، وجرى على ذلك أهل اللغة وقال ابن بطال: "النَّهْكُ": التأثير في الشيء، وهو غير الاستئصال] اهـ.

وقال العلامة المناوي في "فيض القدير" (1/ 216، ط. المكتبة التجارية الكبرى): [لا تبالغي في استقصاء محل الختان بالقطع؛ بل أبقي ذلك الموضع] اهـ.

ثالثًا: بيانه صلى الله عليه وآله وسلم ما في بقاء هذا الموضع على خِلقته من فائدةٍ معنويةٍ وجسديةٍ للمرأة؛ بقوله: «فَإِنَّهُ أَسْرَى لِلْوَجْهِ، وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ»، ومن المقرر أن الشرع لا يأتي على المصالح بالبطلان ولا الإفساد، فكيف بأمرٍ فيه مصلحة الرجل والمرأة على السواء.

قال الإمام الغزالي في "إحياء علوم الدين" (1/ 142، ط. دار المعرفة): [«فَإِنَّهُ أَسْرَى لِلْوَجْهِ، وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ» أي: أكثر لماء الوجه ودمه، وأحسن في جماعها] اهـ.

ومن هذا البيان للمعاني التي تضمنتها تلك الأحاديث، يمكن القول بأن المسلك الذي اختاره التشريع الإسلامي في النهي عن ختان الإناث بتقييده إلى الحد الذي يوصل إلى تركه، دون التصريح بالنهي المباشر عنه، رعايةً منه للعادات والأعراف المجتمعية المستقرة، هو ذات المسلك الذي اختاره في تحريم الرق بتجفيف المنابع، والحث على العتق لكل رقيقٍ تابع.

وعلى هذا الفَهم تواردت نصوص الفقهاء: فنَصُّوا على أن ما ورد في الختان من رواياتٍ لا يصح الاستدلال بها على مشروعيته.

قال الإمام الشوكاني في مناقشته لأحاديث ختان الإناث في "نيل الأوطار" (1/ 191، ط. دار الحديث): [ومع كون الحديث لا يصلح للاحتجاج به، فهو لا حُجّةَ فيه على المطلوب] اهـ.

وقال العلامة شمس الحق العظيم آبادي في "عون المعبود" (14/ 126، ط. دار الكتب العلمية): [وحديث ختان المرأة رُوي من أوجُهٍ كثيرة، وكلها ضعيفةٌ معلولةٌ مخدوشةٌ لا يصح الاحتجاج بها] اهـ.

وقال الإمام ابن المنذر الشافعي -فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" (4/ 155، ط. مؤسسة قرطبة): [ليس في الختان -أي للإناث- خبرٌ يُرجَع إليه ولا سُنّةٌ تُتَّبَع] اهـ. وذلك بعد ذكره ما ورد في ختان الإناث من رواياتٍ وبيانه ما فيها من ضعف.

كما لا يصح الاستدلال على مشروعية الختان للإناث بما روي عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ» وذلك فيما أخرجه أبو يوسف في "الآثار"، والشافعي وأحمد في "المسند"، وعبد الرزاق الصنعاني وابن أبي شيبة في "المصنف".

وبيان ذلك: أن التعبير عن مختلِفَيْن باسمِ الغالِب منهما إذا كان بين مَدْلُولَيْهِمَا عُلْقَةٌ أَو اختلاط؛ هو في اللغة العربية من باب التغليب، ومن ذلك: قولهم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما: العمران، والأب والأم: الأبوان، والتمر واللبن: الأسودان، والشمس والقمر: القمران.

قال العلامة بدر الدين العيني في "البناية شرح الهداية" (1/ 333، ط. دار الكتب العلمية): [فذكر الختانين بطريق التغليب؛ كالعمرين والقمرين] اهـ.

فغاية الأمر في ختان الإناث أنه من العادات التي انتشر فعلها في بعض المجتمعات دون بعض؛ ظنًّا منهم أن فيه صيانةً للمرأة ونفعًا لها؛ حتى إن كثيرًا من البلدان الإسلامية لا تعرف الختان ولا تفعله؛ كبلاد الخليج العربي، والشمال الأفريقي، وكثير من أهل مصر، ومن هنا نجد الفقهاء حين ذكروه فرَّقوا بين نساء المشرق والمغرب، فدلَّ هذا على أن المسألة مرتبطة بجانب الوجود (أي: الحقائق الطبية، والرصد والتتبع).

قال العلامة بدر الدين العيني الحنفي في "البناية شرح الهداية" (1/ 333): [وفي "الدراية": ذكر الختانين بناءً على عادة العرب؛ فإنهم يختنون النساء] اهـ.

وقال العلامة أبو الحسن العدوي في "حاشيته على كفاية الطالب" (1/ 596، ط. دار الفكر): [وهو في نساء المشرق، لا نساء المغرب] اهـ.

ونصَّ الـمُحَقِّقُون من فقهاء المذهب على أنَّه لو طرأ عرفٌ جديد في زمان دون زمان فللمفتي أن يفتي بما يناسب زمانه ولو خالف المنصوص في كتب مذهبه، وأنَّ المتأخرين الذين خالفوا المنصوص عليه في كتب مَن سبقهم لم يفعلوا ذلك إلا لتغيرِ العرف تبعًا لتغير الزمان، ولِعِلْمِهِم أن هؤلاء السابقين لهم لو كانوا في زمانهم لأفتَوا بما أفتَوا به، وأن العالِم مهما حفظ من كتب الفقه ومسائله ودلائله وظاهر الرواية فيه فإن هذا كلَّه لا يكفيه في الفتوى حتى يَبْنِيَها على عُرف أهل زمانه وعاداتهم، وإلَّا كان ضررُه أعظمَ من نفعه؛ قال العلامة ابن عابدين في رسالته "نشر العَرف في بناء بعض الأحكام على العُرف"، المطبوعة ضمن "مجموعة رسائله" (2/ 128): [فإن قلتَ: العرف يتغير ويختلف باختلاف الأزمان؛ فلو طرأ عرفٌ جديدٌ هل للمفتي في زماننا أن يفتي على وِفْقِهِ ويخالف المنصوص في كتب المذهب؟ وكذا هل للحاكم الآن العملُ بالقرائن؟ قلتُ: مَبْنَى هذه الرسالة على هذه المسألة؛ فاعلم أن المتأخرين الذين خالفوا المنصوص في كتب المذهب في المسائل السابقة لم يخالفوه إلا لتغير الزمان والعرف، وعِلْمِهِم أن صاحب المذهب لو كان في زمنهم لقال بما قالوه] اهـ.

ومن ذلك يُعلم: أن ختان الإناث لا موجب له من الشرع، وأن ما ورد فيه من أحاديث إنما دلت على تقييده بُغية الوصول إلى منعه، وبيان عظيم شره، والتحذير من انتهاك جسد المرأة بهذه العادة، في سياقٍ يؤكد عدم جواز الادعاء بأن فعلها عبادة، بل هو سقف معرفي، وصل إليه حينذاك العقل البشري، فإذا ما ارتفع هذا السقف المعرفي، وترتب عليه تغير المدرك العقلي، أو تغيرت أحوال الناس واختلفت البيئات، لزم أن يتغير بناءً على ذلك ما استقر لدى هذه المجتمعات، من تلك العادات، وهذا ما أقره الشرع في قواعده والأصول واستحسنه، وتواردت نصوصه على أن الأحكام المترتبة على العادات تتغير بتغيرها.

قال العلامة القرافي المالكي في "الفروق" (3/ 29، ط. عالم الكتب): [فإن الأحكام المرتبة على العوائد: تَتْبَعُ العوائد، وتتغير عند تغيرها] اهـ.

وقال في "الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام" (ص: 218، ط. دار البشائر): [إنَّ إِجراءَ الأحكام التي مُدْرَكُها العوائدُ مع تغيُّرِ تلك العوائد: خلافُ الإِجماع، وجهالةٌ في الدّين، بل كلُّ ما هو في الشريعةِ يَتْبَعُ العوائدَ: يَتغيَّرُ الحكمُ فيه عند تغيُّرِ العادةِ إِلى ما تقتضيه العادَةُ المتجدِّدةُ، وليس هذا تجديدًا للاجتهاد من المقلِّدين حتى يُشترَطَ فيه أهليةُ الاجتهاد؛ بل هذه قاعدةٌ اجتهدَ فيها العلماء وأجمعوا عليها، فنحن نتبعهم فيها من غيرِ استئنافِ اجتهاد] اهـ.

يضاف إلى ذلك: أن حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد تم تدوينها ونقل أحداثها إلينا كاملة بأدق ما فيها من تفاصيل، ولم ينقل عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه ختن بناته أو واحدةً منهن عليهن السلام، مثلما نقل عنه أنه ختن حفيديه الحسن والحسين عليهما السلام.

بل قد أوجب التشريع الإسلامي الدية كاملة على من أتلف أو أذهب منفعة عضوٍ من أعضاء جسد الإنسان ذكرًا كان أو أنثى، ولا يخفى ما في هذا الفعل من إبطال كمال المنفعة لهذا الجزء من المرأة وما له من وظائف حيوية تتضرر المرأة بفقدها جسديًّا ونفسيًّا؛ فوجب القولُ بتحريمه وتنظيمُ القوانين بتجريمه.

قال العلامة الحصفكي في "الدر المختار" (ص: 712، ط. دار الكتب العلمية): [(وتجب دية كاملة في كل عضو ذهب نفعه)] اهـ.

وقد تكلم في هذه المسألة من قَبْلُ كبار العلماء بالأزهر الشريف في منتصف القرن الماضي، ونصُّوا على أنه متى ثبت ضرره بالاستقراء والبحث الطبي الرصين فإنه يُمنع؛ للقاعدة الشرعية "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ".

قال فضيلة شيخ الأزهر الأسبق محمود شلتوت في "الفتاوى" (ص: 332-334، ط. دار الشروق): [وقد خرجنا من استعراض المرويات في مسألة الختان على أنه: ليس فيها ما يصح أن يكون دليلًا على السنة الفقهية، فضلًا عن الوجود الفقهي، وهي النتيجة التي وصل إليها بعض العلماء السابقين، وعبر عنها بقوله: "ليس في الختان خبر يرجع إليه، ولا سُنَّة تتبع"، وأن كلمة (سُنَّة) التي جاءت في بعض المرويات؛ معناها -إذا صحت،-: الطريقة المألوفة عند القوم في ذلك الوقت، ولم تَرِدِ الكلمةُ على لسان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بمعناها الفقهي الذي عُرِفَتْ به فيما بعد، والذي أراه أن حكم الشرع في الختان لا يخضع لِنَصّ منقول، وإنما يخضع في الذَّكَرِ والأنثى لقاعدة شرعية عامة؛ وهي: أن "إيلام الحيّ لا يجوز شرعًا إلا لمصالح تعود عليه، وتربو على الألم الذي يلحقه".. ومن هنا يتبين أن ختان الأنثى ليس لدينا ما يدعو إليه وإلى تَحَتُّمِهِ؛ لا شرعًا، ولا خَلْقًا، ولا طِبًّا] اهـ.

وقد استند المشرع المصري في قطع دابر هذا الفعل الإجرامي، إلى أقوال أهل العلوم والخبرة الطبية؛ تطبيقًا لما أمرت به نصوص الشريعة الإسلامية، فأصدر من القانون ما يَمنَعُ به هذه الفِعلة الشنعاء، ويَعُدُّها جريمة نكراء، ويغلِّظ العقوبة على مُرتَكِبِها والجزاء؛ فنص قانون العقوبات المصري المعدل برقم 10 لسنة 2021م، على أنه: [يُستبدل بنصى المادتين (٢٤٢ مكررًا) و (٢٤٢ مكررًا/ أ) من قانون العقوبات، النصان الآتيان:

مـادة (٢٤٢ مكررًا): يُعاقب بالسجن مدة لا تقل عن خمس سنوات كل من أجرى ختانًا لأنثى بإزالة أي جزء من أعضائها التناسلية الخارجية بشكل جزئي، أو تام، أو ألحق إصابات بتـلك الأعضاء، فإذا نشأ عن ذلك الفعل عاهة مستديمة تكون العقوبة السجن المشدد مدة لا تقل عن سبع سنوات، أما إذا أفضى الفعل إلى الموت تكون العقوبة السجن المشدد لمدة لا تقل عن عشر سنوات.

وتكون العقوبة السجن المشدد لمدة لا تقل عن خمس سنوات إذا كان من أجرى الختان المشار إليه بالفقرة السابقة طبيبًا أو مزاولًا لمهنة التمريض، فإذا نشأ عن جريمته عاهة مستديمة تكون العقوبة السجن المشدد لمدة لا تقل عن عشر سنوات، أما إذا أفضى الفعل إلى الموت تكون العقوبة السجن المشدد لمدة لا تقل عن خمس عشرة سنة ولا تزيد على عشرين سنة.

وتقضى المحكمة فضلًا عن العقوبات المتقدمة بحرمان مرتكبها من الأطباء ومزاولي مهنة التمريض من ممارسة المهنة مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على خمس سنوات، تبدأ بعد انتهاء مدة تنفيذ العقوبة، وغلق المنشأة الخاصة التي أجرى فيها الختان، وإذا كانت مرخصة تكون مدة الغلق مساوية لمدة المنع من ممارسة المهنة، مع نزع لوحاتها ولافتاتها سواء أكانت مملوكة للطبيب مرتكب الجريمة، أم كان مديرها الفعلي عالمًا بارتكابها، وذلك بما لا يخل بحقوق الغير حسن النية.

مـادة (٢٤٢ مكررًا/ أ): يُعاقب بالسجن كل من طلب ختان أنثى وتم ختانها بناءً على طلبه على النحو المنصوص عليه بالمادة (٢٤٢) مكررًا من هذا القانون.

كما يُعاقب بالحبس كل من روج، أو شجع، أو دعا بإحدى الطرق المبينة بالمادة (١٧١) من هذا القانون لارتكاب جريمة ختان أنثى ولو لم يترتب على فعله أثر] اهـ.

ومن المقرر أن هذا الدين هو كلمةُ اللهِ الأخيرةُ إلى العالمين، وليس هو للمسلمين فقط، ولا هو يقتصر على السقف المعرفي للمسلمين؛ بل هو خطاب الله  تعالى لجميع عباده، فهو صالح لكل زمان ولكل مكان ولكل الأشخاص وفي كل الأحوال، بل ولكل سقف معرفي يمكن أن يصل إليه البشر، ونحن مأمورون أن نبلغ الإسلام كما أنزله الله تعالى وأراده؛ ظنيًّا في ظنِّيِّه وقطعيًّا في قطعيِّه، وأن نعلم الناس كيف يحبون ربهم سبحانه وتعالى بما أنعم عليهم من صنوف العلم وفنون المعرفة التي تجلب لهم النفع وتدفع عنهم الضر، فالإسلام أوسع منا ومن مذاهبنا ومن بيئاتنا ومن تقاليدنا وعاداتنا، وما قد يصلح لنا قد لا يصلح بالضرورة لغيرنا، فكيف والأمر لا يصلح لنا ولا لغيرنا، فلا يجوز لنا حينئذٍ أن نكون حجابًا بين الخلق والخالق، ولا أن نجعل أنفسنا سببًا في فتنة الناس عن قبول الإسلام ونشر تعاليمه، ولا أن نقف حجر عثرة أمام العلوم والمعارف التي يأذن بها الله تعالى للبشر حينًا بعد حين، إما بسوء الفهم أو سوء التصرف.

وبناءً على ذلك: فإن ختان الإناث لا موجب له من الشرع الشريف، وكل ما ورد فيه من أحاديث إنما دلت على تقييده بُغية الوصول إلى منعه، وبيان عظيم شره، والتحذير من انتهاك جسد المرأة بهذه العادة، في سياقٍ يؤكد عدم جواز الادعاء بأن فعلها عبادة، بل هو سقف معرفي، وصل إليه حينذاك العقل البشري، فإذا ما ارتفع هذا السقف المعرفي، وترتب عليه تغير المدرك العقلي، أو تغيرت أحوال الناس واختلفت البيئات، لزم أن يتغير بناءً على ذلك ما استقر لدى هذه المجتمعات، من تلك العادات، وهذا ما أقره الشرع في قواعده والأصول واستحسنه، وتواردت نصوصه على أن الأحكام المترتبة على العادات تتغير بتغيرها.

وقد تقرر شرعًا أنه "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ"، وثبت ما في هذا الفعل من ضررٍ حسيٍّ ومعنويٍّ، يلحق بالأنثى على المستوى الشخصيّ والأسريّ، دون أدنى فائدة مرجوة، تعود عليها بالمسرة، أو على زوجها بالحظوة، بل هو عكس ذلك؛ يُورِد المهالك، ويَنهَك المسالك، ويُذهِب كمال الانتفاع؛ فوجب لأجْل ذلك القول بتحريمه، واعتباره جريمة، على ما جرت به قواعد الشريعة الإسلاميـة، ومقاصدهـــا الـمرعية.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

حكم ختان الإناث في الشريعة الإسلامية

ما رأي الشريعة الإسلامية في ختان الإناث؟

ختان الإناث لا مُوجب له من الشرع الشريف، وكل ما ورد فيه من أحاديث إنما دلت على تقييده بُغية الوصول إلى منعه، وبيان عظيم شره، والتحذير من انتهاك جسد المرأة بهذه العادة، في سياقٍ يؤكد عدم جواز الادعاء بأن فعلها عبادة، بل هو سقف معرفي وصل إليه العقل البشري حينذاك، فإذا ما ارتفع هذا السقف المعرفي، وتغيرت أحوال الناس واختلفت البيئات، لزم أن يتغير الحكم، وهذا ما أقره الشرع في قواعده، وتواردت نصوصه على أن الأحكام المترتبة على العادات تتغير بتغيرها.

وقد تقرر شرعًا أنه "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ"، وثبت ما في هذا الفعل من ضررٍ حسيٍّ ومعنويٍّ، يلحق بالأنثى على المستوى الشخصيّ والأسريّ، دون فائدة مرجوة، تعود عليها أو على زوجها، بل هو عكس ذلك؛ يُورِد المهالك، ويَنهَك المسالك، ويُذهِب كمال الانتفاع؛ فوجب لأجْل ذلك القول بتحريمه، واعتباره جريمة، على ما جرت به قواعد الشريعة الإسلاميـة، ومقاصدهـــا الـمرعية.

التفاصيل ....

مِن شمولية المنهج الإسلامي التوافقُ التام بين مصادر المعرفة التي منَّ بها الله تعالى على عباده؛ من الحس والعقل والنقل. وبينما اختص الحس والعقل بعالم الوجود والخلق (الكتاب المنظور) اختص النقل بعالم الغيب والأمر (الكتاب المسطور)، ومع اختلاف العالَمَين في الجهة التي يُتَوصل بها إلى المعرفة إلا إن كليهما صادر عن الله تعالى، فَلَزِمَ عن ذلك تمامُ الاتساق والتكامل بلا أدنى اختلافٍ أو تناقضٍ بين ما لِعَالَمِ الخلْق من قوانين وأحكامٍ وَصَلَ إليها الإنسان بعقله وحواسِّه إذا التزم بالمنهج العلمي الصحيح، وبين ما لِعَالَمِ الأمر من تشريعاتٍ أو إلزاماتٍ جاء بها الوحي الشريف؛ قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 54].

قال الإمام الرازي في "مفاتيح الغيب" (32/ 367، ط. دار إحياء التراث العربي): [عالم الْـمُمْكِنَات على قسمين: عالم الأمر، وعالم الخلق؛ على ما قال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، وعالم الأمر: كله خيرات محضة بريئة عن الشرور والآفات، أما عالم الخلق: وهو عالم الأجسام والجسمانيات.. وإنما سُمِّي عالَمُ الأجسام والجسمانيات بعالَمِ الخلْق: لأن الخلق هو التقدير، والمقدار من لواحق الجسم] اهـ.

وإذا كانت حقيقة الوحي أنه كتاب الله تعالى المسطور بين السطور، وحقيقة الخلق بما فيه من آيات بينات هو كتاب الله المنظور بالعقل والحواس والعيون؛ فإنهما بذلك يصيران مترابطين يؤيد كلٌّ منهما الآخر ولا يعارضه؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82].

وختان الإناث مسألة طبية يُنظر إليها من جانب الوجود؛ لارتباطه بصحة المرأة الجسدية والنفسية، وجانب الوحي فيها لم يَرِد إلا على جهة تنظيمه وبيان ماهيَّتِهِ تخفيفًا لِبَلْوَتِهِ، لا الأمرِ بِهِ أو استحسان صَنعَتِهِ:

- فأما جانب الوجود المنظور: فختان الأنثى هو إجراء يتعلق بجسدها الذي أوجب الله تعالى رعايته والحفاظ عليه؛ فقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]؛ وأباح من أجل ذلك كل ما يضمن سلامته؛ كالاغتذاء والتداوي، وحرم كل ما يؤول إلى تضرره؛ كالتغيير فيه أو الإيلام من غير ضرورة أو حاجة تنزل منزلتها.

وإذا كانت عملية الختان عبارة عن قطعٍ كلي أو جزئي أو شقٍّ لجزءٍ من جسد المرأة هو منها بمثابة عضوٍ له وظيفته؛ فإنه يلزم لإجرائها الرجوع إلى ما يقرره أهل الطب المختصون، باعتبارهم أهل الذكر والخبراء فيما يتعلق بصحة الجسد البشري والتعامل فيه، لا إلى مجرد أقوال أو عادات توارثتها الأجيال جيلًا عن جيل دون مراعاة لمدى تغير وتطور السقف المعرفي وفقًا لتطور العلوم ووسائلها، حتى يصح القطع بأنه إذا علمت الأجيال السابقة ما كشف عنه العلم الحديث في كثير من المسائل لقالوا بما قال به بلا أدنى شك؛ ذلك أن الشريعة المحكَمة أناطت المعرفة الصحيحة بالرجوع إلى أهلها، فلا يسوغ في هذا الأمر إلا سؤالُهُم؛ كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]، واستطلاعُ الآثار المترتبة، والوقوفُ على الأضرار أو المنافع المتوقَّعة بإنبائهم؛ بما خُوِّل لهم في هذا المجال ما لم يُخَوَّل لغيرهم، من خلال دراستهم وممارستهم وخبرتهم؛ كما قال سبحانه: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: 14].

والإنباء بالشيء أخص من الإخبار به؛ إذ يتضمن كون المخبر به قد بَلَغَ في صدقه ومطابقته للواقع ما يصل به إلى رتبة العلم أو غلبة الظن، بما لا يدع مجالًا للتشكيك فيه أو تخطئته، ومنه اشتُقَّ اسم "نبي"؛ لأنه مخبر عن الله تعالى بحقائق لا مجال للتشكيك فيها، وعلى ذلك كان المُنْبِئُ هو الخبير بحقائق الأشياء.

قال العلامة عبد القادر البغدادي [ت:1903هـ] في "خزانة الأدب" (1/ 270، ط. مكتبة الخانجي): [قال الراغب: النبأ: خبرٌ ذو فائدة عظيمة يحصل به علمٌ أو غلبةُ ظنٍّ، ولا يقال للخبر في الأصل نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحقه أن يتعرى عن الكذب كالتواتر وخبر الله وخبر الرسول، ولتضمن النبأ معنى الخبر؛ يقال: أنبأته بكذا أخبرته به، ولتضمنه معنى العلم؛ قيل: أنبأته كذا كقولك علَّمته كذا] اهـ.

وقال العلامة صدر الدين بن معصوم الشيرازي في "الطراز الأول والكناز لما عليه من لغة العرب المعول" (1/ 204، ط. مؤسسة آل البيت): [النَّبَأُ، كسَبَبٍ: الخَبَرُ، أو ما تضمّنَ منه عظيم فائدةٍ وأفادَ علمًا أو غلبةَ ظنٍّ، فهو أخصُّ من الخبرِ] اهـ.

وكما هو مستفاد من صياغة الآية الكريمة: فإنَّ مجرد الإنباء لا يتحقق به المطلوب من العلم الذي تنبني عليه الأحكام حتى يكون من خبيرٍ بما ينبئ عنه؛ حتى يجمع إلى صفة الصدق ومطابقة الواقع صفة الخبرة والتخصص.

قال الإمام أبو البركات النسفي [ت:710هـ] في "مدارك التنزيل وحقائق التأويل" (3/ 82، ط. دار الكلم الطيب): [ولا يخبرك بالأمر مخبِرٌ هو مثل خبيرٍ عالم به؛ يريد أنَّ الخبير بالأمر وحده هو الذي يخبرك بالحقيقة دون سائر المخبرين به] اهـ.

وقال الإمام ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (6/ 541، ط. دار طيبة للنشر والتوزيع): [ولا يُخْبِرُكَ بعواقب الْأُمُور ومَآلِهَا وما تصير إِليه، مثلُ خَبِيرٍ بِهَا] اهـ.

وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يراعي قواعد الطب فيما يتعلق بصحة جسده؛ فكان يعادل -مثلًا- في تناول الأطعمة بما يحدّ من ضررها؛ قال العلامة القسطلاني في "المواهب اللدنية بالمنح المحمدية" (2/ 164، ط. المكتبة التوفيقية): [وكان صلى الله عليه وآله وسلم يراعي صفات الأطعمة وطبائعها واستعمالها على قاعدة الطب؛ فإذا كان في أحد الطعامين ما يحتاج إلى كسرٍ وتعديلٍ كَسَرَهُ وعدله بضِدِّه إن أمكن، كتعديله حرارة الرُّطَب بالبطيخ، وهذا أصلٌ كبيرٌ في المركبات من الأدوية، وإن لم يجد ذلك تناوله على حاجةٍ وداعيةٍ من النفس من غير إسراف] اهـ.

وقرر الفقهاء ضرورة الرجوع إلى الأطباء في كثير من المسائل الفقهية التي تتعلق بالجسد البشري كلٌّ في تخصصه؛ فَبَنَوُا الكثير من أحكامهم فيها على ما وصل إليه السقف المعرفي في العلوم الطبية، ومن ذلك ما قاله الإمام الشافعي في "الأم" (1/ 16، ط. دار المعرفة) في سياق الكلام عن كراهة الوضوء بالماء المشَمَّس: [ولا أكرهه إلَّا مِن جهة الطِّب] اهـ.

وعندما يتكلمون في مسائل الحيض والنفاس والولادة وغيرها من الأمور المتعلقة بطبيعة جسد المرأة؛ يَرُدُّون بعض أحكامها إلى الوجود، ويَعنُون بالوجود: البحث الطبي، والرصد والتتبع؛ عملًا بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» أخرجه مسلم في "صحيحه".

قال العلامة تقي الدين الحصني الشافعي في "كفاية الأخيار" (ص: 76، ط. دار الخير): [كل ما لا ضابط له في الشرع ولا في اللغة يرجع فيه إلى الوجود] اهـ.

وإنفاذًا لهذا المنهج الشرعي المُحكَم: فقد أفاد الخبراء أن لختان الإناث بأنواعه المختلفة مخاطر كثيرة؛ منها ما هو قصير المدى؛ كالألم المفرط، أو حدوث نزيف حاد، أو التهابات شديدة، ومنها ما هو طويل المدى؛ كحدوث ضيق أو انسداد في مجرى البول، أو صعوبة في خروج دم الحيض، أو الألم البالغ أثناء العلاقة الزوجية مما يسبب للمرأة مشاكل نفسية واجتماعية، وقد يصل ما للختان من ضرر إلى حد تأخير الولادة الطبيعية وصعوبتها مما قد يؤدي إلى وفاة الأم أو الطفل. وذلك حسبما أفادت "الموسوعة البريطانية".

وقد تقرر شرعًا أنه "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ"؛ فمتى ثبت ما في هذا الفعل من ضررٍ حسيٍّ ومعنويٍّ، يلحق بالأنثى على المستوى الشخصيّ والأسريّ، دون أدنى فائدة مرجوة، تعود عليها بالمسرة، أو على زوجها بالحظوة، بل هو عكس ذلك؛ يُورِد المهالك، ويَنهَك المسالك، ويُفَوِّت كمال الانتفاع، ببتر محلِّ لذة الجماع، ويطفئ النضارة والسرور، لِتَحِلَّ الكآبةُ ويحصل النُّفور؛ وجب حينئذٍ القول بتحريمه واعتباره جريمة، على ما جرت به قواعد الشريعة.

- وأما جانب الوحي المسطور: فما روي في الختان من أحاديث -إن صحت- إنما يُستدل بها على عظيمِ حرص الشريعة الإسلامية على حماية جسد المرأة وصيانته عن العبث به والتمثيل بخِلقته، وعِظَمِ جريمة التعدي عليه والتنكيل به، ووجوبِ تقييد هذا الفعل ما أمكن، لا مشروعيته أو الأمر به.

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأم عطية رضي الله عنها حين سألته عن الختان: «إِذَا خَفَضْتِ فَأَشِمِّي وَلَا تَنْهَكِي؛ فَإِنَّهُ أَسْرَى لِلْوَجْهِ، وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ» أخرجه الطبراني في "المعجم"، والبيهقي في "السنن".

وعن أمِّ عطيةَ الأنصارية رضي الله عنها: أن امرأةَ كانَت تَخْتُنُ بالمدينةِ، فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تَنْهَكِي؛ فإنَّ ذلكَ أحْظَى لِلمرأةِ، وأحَبُّ إلى البَعْلِ» أخرجه أبو داود في "سننه"، وقال: هذا حديث ضعيف.

فهذا الفعل وإن لم يأت النصُّ النبويُّ بالنهي عنه مباشرةً؛ مراعاةً لما جرت به الأعراف المستقرة، إلا أنه جاء بتقييده إلى الحد الذي يتضمن النهي عنه، ويُفهَم ذلك مما يلي:

أولًا: بيانه صلى الله عليه وآله وسلم للقدر المسموح به في عملية الختان؛ بقوله: «أَشِمِّي»، ومفهوم ذلك: أنه إن كان لا بد لك من فعل هذه العادة التي اعتيد على فعلها، ظنًّا بأن فيها منفعة للمرأة، «فَأَشِمِّي»؛ للمبالغة في بيان أن لا تتعدي في فعل ذلك الأمر، فكأن المعنى اجعلي ما تأخذينه من هذا العضو قدر ما يأخذ شمُّ الشيء منه. مما يؤخذ منه إن كان أقرب للتجميل.

قال العلامة الرافعي في "العزيز شرح الوجيز" (11/ 303، ط. دار الكتب العلمية): [«أَشِمِّي وَلَا تَنْهَكِي» أي: اتركي الموضع أَشَمّ وهو المرتفع] اهـ.

ثانيًا: تأكيده صلى الله عليه وآله وسلم على أن تجاوز ذلك الحد -الذي هو قدر ما يأخذ شم الشيء منه- هو انتهاكٌ وتعدٍّ على المرأة، ثم نهيه عن ذلك بقوله: «وَلَا تَنْهَكِي» بما يفيد أن مجرد إحداث أثر في هذا الموضع منهيٌّ عنه.

قال العلامة ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (10/ 347، ط. دار المعرفة): [«أَشِمِّي وَلَا تَنْهَكِي» أي: لا تبالغي في ختان المرأة، وجرى على ذلك أهل اللغة وقال ابن بطال: "النَّهْكُ": التأثير في الشيء، وهو غير الاستئصال] اهـ.

وقال العلامة المناوي في "فيض القدير" (1/ 216، ط. المكتبة التجارية الكبرى): [لا تبالغي في استقصاء محل الختان بالقطع؛ بل أبقي ذلك الموضع] اهـ.

ثالثًا: بيانه صلى الله عليه وآله وسلم ما في بقاء هذا الموضع على خِلقته من فائدةٍ معنويةٍ وجسديةٍ للمرأة؛ بقوله: «فَإِنَّهُ أَسْرَى لِلْوَجْهِ، وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ»، ومن المقرر أن الشرع لا يأتي على المصالح بالبطلان ولا الإفساد، فكيف بأمرٍ فيه مصلحة الرجل والمرأة على السواء.

قال الإمام الغزالي في "إحياء علوم الدين" (1/ 142، ط. دار المعرفة): [«فَإِنَّهُ أَسْرَى لِلْوَجْهِ، وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ» أي: أكثر لماء الوجه ودمه، وأحسن في جماعها] اهـ.

ومن هذا البيان للمعاني التي تضمنتها تلك الأحاديث، يمكن القول بأن المسلك الذي اختاره التشريع الإسلامي في النهي عن ختان الإناث بتقييده إلى الحد الذي يوصل إلى تركه، دون التصريح بالنهي المباشر عنه، رعايةً منه للعادات والأعراف المجتمعية المستقرة، هو ذات المسلك الذي اختاره في تحريم الرق بتجفيف المنابع، والحث على العتق لكل رقيقٍ تابع.

وعلى هذا الفَهم تواردت نصوص الفقهاء: فنَصُّوا على أن ما ورد في الختان من رواياتٍ لا يصح الاستدلال بها على مشروعيته.

قال الإمام الشوكاني في مناقشته لأحاديث ختان الإناث في "نيل الأوطار" (1/ 191، ط. دار الحديث): [ومع كون الحديث لا يصلح للاحتجاج به، فهو لا حُجّةَ فيه على المطلوب] اهـ.

وقال العلامة شمس الحق العظيم آبادي في "عون المعبود" (14/ 126، ط. دار الكتب العلمية): [وحديث ختان المرأة رُوي من أوجُهٍ كثيرة، وكلها ضعيفةٌ معلولةٌ مخدوشةٌ لا يصح الاحتجاج بها] اهـ.

وقال الإمام ابن المنذر الشافعي -فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" (4/ 155، ط. مؤسسة قرطبة): [ليس في الختان -أي للإناث- خبرٌ يُرجَع إليه ولا سُنّةٌ تُتَّبَع] اهـ. وذلك بعد ذكره ما ورد في ختان الإناث من رواياتٍ وبيانه ما فيها من ضعف.

كما لا يصح الاستدلال على مشروعية الختان للإناث بما روي عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ» وذلك فيما أخرجه أبو يوسف في "الآثار"، والشافعي وأحمد في "المسند"، وعبد الرزاق الصنعاني وابن أبي شيبة في "المصنف".

وبيان ذلك: أن التعبير عن مختلِفَيْن باسمِ الغالِب منهما إذا كان بين مَدْلُولَيْهِمَا عُلْقَةٌ أَو اختلاط؛ هو في اللغة العربية من باب التغليب، ومن ذلك: قولهم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما: العمران، والأب والأم: الأبوان، والتمر واللبن: الأسودان، والشمس والقمر: القمران.

قال العلامة بدر الدين العيني في "البناية شرح الهداية" (1/ 333، ط. دار الكتب العلمية): [فذكر الختانين بطريق التغليب؛ كالعمرين والقمرين] اهـ.

فغاية الأمر في ختان الإناث أنه من العادات التي انتشر فعلها في بعض المجتمعات دون بعض؛ ظنًّا منهم أن فيه صيانةً للمرأة ونفعًا لها؛ حتى إن كثيرًا من البلدان الإسلامية لا تعرف الختان ولا تفعله؛ كبلاد الخليج العربي، والشمال الأفريقي، وكثير من أهل مصر، ومن هنا نجد الفقهاء حين ذكروه فرَّقوا بين نساء المشرق والمغرب، فدلَّ هذا على أن المسألة مرتبطة بجانب الوجود (أي: الحقائق الطبية، والرصد والتتبع).

قال العلامة بدر الدين العيني الحنفي في "البناية شرح الهداية" (1/ 333): [وفي "الدراية": ذكر الختانين بناءً على عادة العرب؛ فإنهم يختنون النساء] اهـ.

وقال العلامة أبو الحسن العدوي في "حاشيته على كفاية الطالب" (1/ 596، ط. دار الفكر): [وهو في نساء المشرق، لا نساء المغرب] اهـ.

ونصَّ الـمُحَقِّقُون من فقهاء المذهب على أنَّه لو طرأ عرفٌ جديد في زمان دون زمان فللمفتي أن يفتي بما يناسب زمانه ولو خالف المنصوص في كتب مذهبه، وأنَّ المتأخرين الذين خالفوا المنصوص عليه في كتب مَن سبقهم لم يفعلوا ذلك إلا لتغيرِ العرف تبعًا لتغير الزمان، ولِعِلْمِهِم أن هؤلاء السابقين لهم لو كانوا في زمانهم لأفتَوا بما أفتَوا به، وأن العالِم مهما حفظ من كتب الفقه ومسائله ودلائله وظاهر الرواية فيه فإن هذا كلَّه لا يكفيه في الفتوى حتى يَبْنِيَها على عُرف أهل زمانه وعاداتهم، وإلَّا كان ضررُه أعظمَ من نفعه؛ قال العلامة ابن عابدين في رسالته "نشر العَرف في بناء بعض الأحكام على العُرف"، المطبوعة ضمن "مجموعة رسائله" (2/ 128): [فإن قلتَ: العرف يتغير ويختلف باختلاف الأزمان؛ فلو طرأ عرفٌ جديدٌ هل للمفتي في زماننا أن يفتي على وِفْقِهِ ويخالف المنصوص في كتب المذهب؟ وكذا هل للحاكم الآن العملُ بالقرائن؟ قلتُ: مَبْنَى هذه الرسالة على هذه المسألة؛ فاعلم أن المتأخرين الذين خالفوا المنصوص في كتب المذهب في المسائل السابقة لم يخالفوه إلا لتغير الزمان والعرف، وعِلْمِهِم أن صاحب المذهب لو كان في زمنهم لقال بما قالوه] اهـ.

ومن ذلك يُعلم: أن ختان الإناث لا موجب له من الشرع، وأن ما ورد فيه من أحاديث إنما دلت على تقييده بُغية الوصول إلى منعه، وبيان عظيم شره، والتحذير من انتهاك جسد المرأة بهذه العادة، في سياقٍ يؤكد عدم جواز الادعاء بأن فعلها عبادة، بل هو سقف معرفي، وصل إليه حينذاك العقل البشري، فإذا ما ارتفع هذا السقف المعرفي، وترتب عليه تغير المدرك العقلي، أو تغيرت أحوال الناس واختلفت البيئات، لزم أن يتغير بناءً على ذلك ما استقر لدى هذه المجتمعات، من تلك العادات، وهذا ما أقره الشرع في قواعده والأصول واستحسنه، وتواردت نصوصه على أن الأحكام المترتبة على العادات تتغير بتغيرها.

قال العلامة القرافي المالكي في "الفروق" (3/ 29، ط. عالم الكتب): [فإن الأحكام المرتبة على العوائد: تَتْبَعُ العوائد، وتتغير عند تغيرها] اهـ.

وقال في "الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام" (ص: 218، ط. دار البشائر): [إنَّ إِجراءَ الأحكام التي مُدْرَكُها العوائدُ مع تغيُّرِ تلك العوائد: خلافُ الإِجماع، وجهالةٌ في الدّين، بل كلُّ ما هو في الشريعةِ يَتْبَعُ العوائدَ: يَتغيَّرُ الحكمُ فيه عند تغيُّرِ العادةِ إِلى ما تقتضيه العادَةُ المتجدِّدةُ، وليس هذا تجديدًا للاجتهاد من المقلِّدين حتى يُشترَطَ فيه أهليةُ الاجتهاد؛ بل هذه قاعدةٌ اجتهدَ فيها العلماء وأجمعوا عليها، فنحن نتبعهم فيها من غيرِ استئنافِ اجتهاد] اهـ.

يضاف إلى ذلك: أن حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد تم تدوينها ونقل أحداثها إلينا كاملة بأدق ما فيها من تفاصيل، ولم ينقل عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه ختن بناته أو واحدةً منهن عليهن السلام، مثلما نقل عنه أنه ختن حفيديه الحسن والحسين عليهما السلام.

بل قد أوجب التشريع الإسلامي الدية كاملة على من أتلف أو أذهب منفعة عضوٍ من أعضاء جسد الإنسان ذكرًا كان أو أنثى، ولا يخفى ما في هذا الفعل من إبطال كمال المنفعة لهذا الجزء من المرأة وما له من وظائف حيوية تتضرر المرأة بفقدها جسديًّا ونفسيًّا؛ فوجب القولُ بتحريمه وتنظيمُ القوانين بتجريمه.

قال العلامة الحصفكي في "الدر المختار" (ص: 712، ط. دار الكتب العلمية): [(وتجب دية كاملة في كل عضو ذهب نفعه)] اهـ.

وقد تكلم في هذه المسألة من قَبْلُ كبار العلماء بالأزهر الشريف في منتصف القرن الماضي، ونصُّوا على أنه متى ثبت ضرره بالاستقراء والبحث الطبي الرصين فإنه يُمنع؛ للقاعدة الشرعية "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ".

قال فضيلة شيخ الأزهر الأسبق محمود شلتوت في "الفتاوى" (ص: 332-334، ط. دار الشروق): [وقد خرجنا من استعراض المرويات في مسألة الختان على أنه: ليس فيها ما يصح أن يكون دليلًا على السنة الفقهية، فضلًا عن الوجود الفقهي، وهي النتيجة التي وصل إليها بعض العلماء السابقين، وعبر عنها بقوله: "ليس في الختان خبر يرجع إليه، ولا سُنَّة تتبع"، وأن كلمة (سُنَّة) التي جاءت في بعض المرويات؛ معناها -إذا صحت،-: الطريقة المألوفة عند القوم في ذلك الوقت، ولم تَرِدِ الكلمةُ على لسان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بمعناها الفقهي الذي عُرِفَتْ به فيما بعد، والذي أراه أن حكم الشرع في الختان لا يخضع لِنَصّ منقول، وإنما يخضع في الذَّكَرِ والأنثى لقاعدة شرعية عامة؛ وهي: أن "إيلام الحيّ لا يجوز شرعًا إلا لمصالح تعود عليه، وتربو على الألم الذي يلحقه".. ومن هنا يتبين أن ختان الأنثى ليس لدينا ما يدعو إليه وإلى تَحَتُّمِهِ؛ لا شرعًا، ولا خَلْقًا، ولا طِبًّا] اهـ.

وقد استند المشرع المصري في قطع دابر هذا الفعل الإجرامي، إلى أقوال أهل العلوم والخبرة الطبية؛ تطبيقًا لما أمرت به نصوص الشريعة الإسلامية، فأصدر من القانون ما يَمنَعُ به هذه الفِعلة الشنعاء، ويَعُدُّها جريمة نكراء، ويغلِّظ العقوبة على مُرتَكِبِها والجزاء؛ فنص قانون العقوبات المصري المعدل برقم 10 لسنة 2021م، على أنه: [يُستبدل بنصى المادتين (٢٤٢ مكررًا) و (٢٤٢ مكررًا/ أ) من قانون العقوبات، النصان الآتيان:

مـادة (٢٤٢ مكررًا): يُعاقب بالسجن مدة لا تقل عن خمس سنوات كل من أجرى ختانًا لأنثى بإزالة أي جزء من أعضائها التناسلية الخارجية بشكل جزئي، أو تام، أو ألحق إصابات بتـلك الأعضاء، فإذا نشأ عن ذلك الفعل عاهة مستديمة تكون العقوبة السجن المشدد مدة لا تقل عن سبع سنوات، أما إذا أفضى الفعل إلى الموت تكون العقوبة السجن المشدد لمدة لا تقل عن عشر سنوات.

وتكون العقوبة السجن المشدد لمدة لا تقل عن خمس سنوات إذا كان من أجرى الختان المشار إليه بالفقرة السابقة طبيبًا أو مزاولًا لمهنة التمريض، فإذا نشأ عن جريمته عاهة مستديمة تكون العقوبة السجن المشدد لمدة لا تقل عن عشر سنوات، أما إذا أفضى الفعل إلى الموت تكون العقوبة السجن المشدد لمدة لا تقل عن خمس عشرة سنة ولا تزيد على عشرين سنة.

وتقضى المحكمة فضلًا عن العقوبات المتقدمة بحرمان مرتكبها من الأطباء ومزاولي مهنة التمريض من ممارسة المهنة مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على خمس سنوات، تبدأ بعد انتهاء مدة تنفيذ العقوبة، وغلق المنشأة الخاصة التي أجرى فيها الختان، وإذا كانت مرخصة تكون مدة الغلق مساوية لمدة المنع من ممارسة المهنة، مع نزع لوحاتها ولافتاتها سواء أكانت مملوكة للطبيب مرتكب الجريمة، أم كان مديرها الفعلي عالمًا بارتكابها، وذلك بما لا يخل بحقوق الغير حسن النية.

مـادة (٢٤٢ مكررًا/ أ): يُعاقب بالسجن كل من طلب ختان أنثى وتم ختانها بناءً على طلبه على النحو المنصوص عليه بالمادة (٢٤٢) مكررًا من هذا القانون.

كما يُعاقب بالحبس كل من روج، أو شجع، أو دعا بإحدى الطرق المبينة بالمادة (١٧١) من هذا القانون لارتكاب جريمة ختان أنثى ولو لم يترتب على فعله أثر] اهـ.

ومن المقرر أن هذا الدين هو كلمةُ اللهِ الأخيرةُ إلى العالمين، وليس هو للمسلمين فقط، ولا هو يقتصر على السقف المعرفي للمسلمين؛ بل هو خطاب الله  تعالى لجميع عباده، فهو صالح لكل زمان ولكل مكان ولكل الأشخاص وفي كل الأحوال، بل ولكل سقف معرفي يمكن أن يصل إليه البشر، ونحن مأمورون أن نبلغ الإسلام كما أنزله الله تعالى وأراده؛ ظنيًّا في ظنِّيِّه وقطعيًّا في قطعيِّه، وأن نعلم الناس كيف يحبون ربهم سبحانه وتعالى بما أنعم عليهم من صنوف العلم وفنون المعرفة التي تجلب لهم النفع وتدفع عنهم الضر، فالإسلام أوسع منا ومن مذاهبنا ومن بيئاتنا ومن تقاليدنا وعاداتنا، وما قد يصلح لنا قد لا يصلح بالضرورة لغيرنا، فكيف والأمر لا يصلح لنا ولا لغيرنا، فلا يجوز لنا حينئذٍ أن نكون حجابًا بين الخلق والخالق، ولا أن نجعل أنفسنا سببًا في فتنة الناس عن قبول الإسلام ونشر تعاليمه، ولا أن نقف حجر عثرة أمام العلوم والمعارف التي يأذن بها الله تعالى للبشر حينًا بعد حين، إما بسوء الفهم أو سوء التصرف.

وبناءً على ذلك: فإن ختان الإناث لا موجب له من الشرع الشريف، وكل ما ورد فيه من أحاديث إنما دلت على تقييده بُغية الوصول إلى منعه، وبيان عظيم شره، والتحذير من انتهاك جسد المرأة بهذه العادة، في سياقٍ يؤكد عدم جواز الادعاء بأن فعلها عبادة، بل هو سقف معرفي، وصل إليه حينذاك العقل البشري، فإذا ما ارتفع هذا السقف المعرفي، وترتب عليه تغير المدرك العقلي، أو تغيرت أحوال الناس واختلفت البيئات، لزم أن يتغير بناءً على ذلك ما استقر لدى هذه المجتمعات، من تلك العادات، وهذا ما أقره الشرع في قواعده والأصول واستحسنه، وتواردت نصوصه على أن الأحكام المترتبة على العادات تتغير بتغيرها.

وقد تقرر شرعًا أنه "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ"، وثبت ما في هذا الفعل من ضررٍ حسيٍّ ومعنويٍّ، يلحق بالأنثى على المستوى الشخصيّ والأسريّ، دون أدنى فائدة مرجوة، تعود عليها بالمسرة، أو على زوجها بالحظوة، بل هو عكس ذلك؛ يُورِد المهالك، ويَنهَك المسالك، ويُذهِب كمال الانتفاع؛ فوجب لأجْل ذلك القول بتحريمه، واعتباره جريمة، على ما جرت به قواعد الشريعة الإسلاميـة، ومقاصدهـــا الـمرعية.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;