حكم التسمية باسم ياسين

ما حكم التسمية باسم "ياسين"؟

يجوز شرعًا التسمية بِاسم "ياسين"؛ لكونه حَسَنًا في معناه اللغويّ، وحَسَنٌ في معناه الشرعيّ؛ واختاره اللهُ تعالى اسمًا لسيدنا محمد صَلَّى اللهُ عليه وآله وَسَلَّمَ؛ كما نَصَّ على ذلك فريقٌ من العلماء من المحدثين والمفسرين والفقهاء سلفًا وخلفًا.

وقد تعارف المسلمون سلفًا وخلفًا على التسمِّي بـ "ياسين" من عصر الصحابة رضي الله عنهم، وتناقلوا التسمية به جيلًا عن جيل بغير إنكارٍ ولا كراهةٍ في ذلك.

التفاصيل ....

الاسم في اللغة: ما دلَّ على مُسمًّى، وهو عند البصريين: مشتق من السُّمُوّ، وهو العلو؛ لأنه يُعلي مُسَمّاه ويُظهره، وعند الكوفيين: مشتق من وَسَمَ، بمعنى عَلَّم بعلامة؛ لأنه علامة على مُسَمَّاه؛ كما ذكر العلامة أبو البركات الأنباري في "الإنصاف" (1/ 20، ط. المكتبة العصرية)، والتسمية: مصدر سَمَّى؛ أي: جعل له اسمًا.

والتسمية تكريم للمولود؛ لأنه يُعْرَف بالاسم ويُمَيَّز به عن غيره، فهي مطلوب شرعي؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، وقد حكى الإمام ابنُ حزم الاتفاقَ على فرضيتها؛ فقال في "مراتب الإجماع" (ص: 154، ط. دار الكتب العلمية): [اتفقوا أن التسمية للرجال والنساء فرض] اهـ.

وقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتحسين الأسماء، وأخبر أن الناس يُدعَوْن بها يوم القيامة؛ فروى أحمد في "مسنده"، وأبو داود في "السنن"، وابن حبان في "الصحيح" عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ؛ فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ».

والأصل جواز التسمية بأيِّ اسمٍ، إلا ما وردَ الشرعُ بالنهي عنه أو عن جنسه؛ كأنْ يَحْمِلَ معنًى قبيحًا، أو يكون مختصًّا بالله تعالى بحيث لا يُطْلَق إلا عليه سبحانه؛ كاسم "الله"، و"الرحمن"، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65].

قال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (11/ 130، ط. دار الكتب المصرية): [قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: "يريد: هل تعلم له ولدًا؛ أيْ: نظيرًا، أو مثلًا، أو شبيهًا؛ يستحق مِثلَ اسمه الذي هو الرحمن"، وقاله مجاهد؛ مأخوذٌ من المسَامَاة.

وروى إسرائيل عن سمَّاكَ عن عِكْرمَةَ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "هل تعلم له أحدًا سُمِّيَ الرحمن"، قال النحاس: "وهذا أَجَلُّ إسنادٍ عَلِمْتُهُ رُويَ في هذا الحرف، وهو قولٌ صحيحٌ، ولا يقال (الرحمن) إلَّا لله، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ قال: مثلًا". ابن المسيب: عدلًا، قتادة والكلبي: هل تعلم أحدًا يُسَمَّى (الله) تعالى غير الله، أو يقال له: (الله) إلَّا الله، وهل: بمعنى لا؛ أي: لا تعلم. والله تعالى أعلم] اهـ.

وقال العلامة الطاهر بن عاشور في "التحرير والتنوير" (16/ 143، ط. الدار التونسية): [أي: لا مُسَامِيَ لله تعالى؛ أي: ليس مَن يُساميه؛ أي: يُضاهيه موجودًا، وقيل السَّمِيُّ: المماثل في الاسم؛ كقوله تعالى في ذِكْر يحيى عليه السلام: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾. والمعنى: لا تعلم له مماثلًا في اسمه (الله)] اهـ.

وقد تَوَاردَتْ النصوص في مشروعيَّة التسمية باسم "ياسين"، وأنه حَسَنُ المعنى عندَ أهلِ اللغةِ، ومُسْتَحَبُّ التسميةُ به عندَ أهلِ الشرع، بلا خلافٍ بينهم في ذلك.

- فأمَّا كونُهُ حَسَنَ المعنى في اللغة:

فقد تَوَارَدَتْ أقوالُ أَهْلِ اللغةِ على أنَّ اسم ياسين يعني: "يا إنسان"، وأنه قد عُبِّرَ بأحد حروفه عنه؛ جريًا على ما هو معمول به في لغة قبيلة "طيِّىءٍ" العربية.

قال العلامة أبو منصور الأزهري [ت370هـ] في "تهذيب اللغة" (13/ 62، ط. دار إحياء التراث العربي): [وَقد حدّث إِسْحَاق، عَن رَوْح، عَن شِبْل، عَن قَيس بن سعد: أنَّ ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَرَأَ: ﴿يٓسٓ ۞ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: 1، 2] يُرِيد: يَا إِنْسَان] اهـ.

وقال العلامة ابن جني [ت392هـ] في "المحتسب" (2/ 204، ط. وزارة الأوقاف): [وقرأ: "يَاسِينِ"، بكسر النون أبو السمال وابن ابي إسحاق بخلاف، وهارون عن أبي بكرٍ الهُذَليّ عن الكلبي: "يَاسِينُ"، بالرفع. قال: فلقيت الكلبي فسألته، فقال: هي بلغة طيِّئ: يا إنسان.. ويحتمل ذلك عندي وجهًا آخر ثالثًا؛ وهو أن يكون أراد: يا إنسان، إلا أنه اكتفى من جميع الاسم بالسين، فقال: ياسين، فـ"يَا" فيه الآن حرف نداء، كقولك: يا رجل. ونظير حذف بعض الِاسم: قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «كَفَى بِالسَّيْفِ شَا» أي: شاهدًا، فحذف العين واللام. وكذلك حذف من إنسان الفاء والعين، غير أنه جعل ما بقي منه اسمًا قائمًا برأسه، وهو السين، فقيل: ياسين] اهـ.

وقال العلامة الصغاني في "التكملة والذيل" (3/ 320، ط. دار الكتب): [وفي كتاب الله تعالى: ﴿يٓسٓ ۞ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾، قرأ الزُّهرِيّ وعِكْرمة والكلبيّ ويحيى بن يَعْمَر واليمانِي بضم النون على أنه نِداءٌ مفرد، ومعناه: يا إنسانُ] اهـ.

والإنسان أفضل مخلوقات الله تعالى خَلقًا في ظاهره وباطنه، فالتسمية به تسمية باسم أفضل مخلوقات الله تعالى، وفي ذلك من الفأل الحسن والتيمن الممدوح من أن يكون المولود إنسانًا فاضلًا صالحًا متسمًا بجميل الصفات الإنسانيَّة ما لا يُنكَر؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].

قال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (20/ 114): [الإنسان أحسن خلق الله باطنًا وظاهرًا؛ جمال هيئة، وبديع تركيب الرأس بما فيه، والصدر بما جمعه، والبطن بما حواه، والفرج وما طواه، واليدان وما بَطَشَتَاه، والرِّجلان وما احْتَمَلَتَاه. ولذلك قالت الفلاسفة: إنه العالَم الأصغر؛ إذ كل ما في المخلوقات جُمِعَ فيه] اهـ.

- وأما كونه حسنَ المعنى من منظور الشرع الشريف:

فقد كثرت أقوال أهل الحديث وأصحاب السِّير في أن اسم ياسين من أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا شرف يُصاحب المسلم كأَنْ يصاحبه اسمٌ من أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم طيلة حياته بتسميته به، فيكون ذلك داعيًا للتأسي والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم.

فعن محمد بن الحنفية قَالَ: "﴿يٓسٓ﴾: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عليه وَآلِهِ وَسَلَّمَ". أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة"، وذكره ابن عساكر في "تاريخ دمشق".

وعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ لِي عِنْدَ رَبِّي عَشَرَةَ أَسْمَاءٍ: مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو الْقَاسِمِ، وَالْفَاتِحُ، وَالْخَاتِمُ، وَالْعَاقِبُ، وَالْحَاشِرُ، وَالْمَاحِي، وطَهَ، وَيَاسِينُ» أخرجه أبو بكر الآجري في "الشريعة"، وأبو نعيم الأصبهاني في "دلائل النبوة".

وقال المحدث ابن بابويه القمي [ت381هـ] في "عيون الرضا" (1/ 236-237، ط. دار العلم): [قال أبو الحسن: أخبروني عن قول الله تعالى: ﴿يٓسٓ ۞ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ فمن عَنَى بقوله ﴿يٓسٓ﴾؟ قالت العلماء: ﴿يٓسٓ﴾ محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ لم يشك فيه  أحد. قال أبو الحسن عليه السلام: فإن الله عز وجل أعطى محمدًا وآل محمد من ذلك فضلًا لا يبلُغُ أَحَدٌ كُنْهَ وَصْفِهِ إلا من عقله؛ وذلك أن الله عزَّ وجلَّ لم يُسَلِّم على أَحَدٍ إلا على الأنبياء عليهم السلام؛ فقال تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾، وقال: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، وقال: ﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾، ولم يقل: "سلام على آل نوح"، ولم يقل: "سلام على آل إبراهيم"، ولا قال: "سلام على آل موسى وهارون"، وقال: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ يعني: آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم] اهـ.

وقال الحافظ السيوطي في "تنوير الحوالك" (2/ 263، ط. المكتبة التجارية الكبرى): [ولأبي نعيم في "الدلائل" وابن مردويه في "التفسير" من حديث أبي الطفيل رضي الله عنه مرفوعًا: «لِي عَشْرَةُ أَسْمَاءٍ عِنْدَ رَبِّي: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَالْفَاتِحُ، وَالْخَاتَمُ، وَأَبُو الْقَاسِمِ، وَالْحَاشِرُ، وَالْعَاقِبُ، وَالْمَاحِي، وَيَاسِينُ، وطَهَ». وقد تَتَبَّعْتُ قديمًا أسماءَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فبلغَت نحو أربعمائة] اهـ.

وقال العلامة الزرقاني في "شرحه على المواهب اللدنِّيَّة بالمنح المحمديَّة" (4/ 168، ط. دار الكتب العلمية): [عن كعب: أقسم الله به قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام: يا محمد إنك لمن المرسلين. ثم قال: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، وهو رد على الكفار؛ حيث قالوا: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد: 43]. فأقسم الله باسمه وكتابه: إنه لمن المرسلين بوحيه إلى عباده، وعلى طريق مستقيم من إيمانه، أي: طريق لا اعوجاج فيه ولا عدول عن الحق. قال النقَّاش: لم يقسم الله تعالى لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إلا له صلى الله عليه وآله وسلم] اهـ.

وقال الإمام الشوكاني في "فتح القدير" (4/ 412، ط. دار ابن كثير): [هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ محمّدٍ صلى الله عليه وآله وَسَلَّمَ؛ دَلِيلُهُ: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾] اهـ.

والذي عليه أكثر المفسرين، وهو المعتمد والمعوَّل عليه عند علماء الأمة ومذاهبهم المتبوعة سلفًا وخلفًا: أن المقصود بقوله تعالى: ﴿يٓسٓ﴾: النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم؛ سواء قيل: إنه اسم من أسمائه صلى الله عليه وآله وسلم، أو قيل: إنه نداءٌ له؛ معناه: (يا إنسان)، أو: (يا رجل)، أو: (يا سيد)، أو: (يا محمد).

قال الإمام ابن أبي حاتم الرازي في "تفسير القرآن العظيم" (10/ 3188، ط. مكتبة الباز) فِي قول الله تعالى: ﴿يٓسٓ ۞ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾: [قال الحسَن: يُقْسِمُ اللهُ بِمَا يَشَاءُ، ثُمَّ نَزَعَ بِهَذِهِ الْآيَةِ ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾؛ كَأَنَّهُ يَرَى أَنَّهُ سَلَّمَ عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وآله وسلم] اهـ.

وقد قال الإمام مقاتل بن سليمان البلخي في "تفسيره" (3/ 618، ط. دار إحياء التراث): [قال الفراء عن حيان الكلبي: ﴿إِلْ يَاسِينَ﴾ يعني به النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا قال: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ فالمعنى: سلامٌ على آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم] اهـ.

وقال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (15/ 4، ط. دار الكتب المصرية-القاهرة): [روي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم، وغيرهما أن معناه: يا إنسان، وقالوا في قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ [الصافات: 130]. أي: على آل محمد. وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه: هو اسم من أسماء محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ودليله: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾] اهـ.

وقال العلامة النيسابوري [ت: 850هـ] في "غرائب القرآن ورغائب الفرقان" (5/ 524، ط. دار الكتب العلمية): [والذي يختص بالمقام ما قيل: إن معناه: يا سيد أو يا أنيسين، فاقتصر على البعض؛ رواه جار الله عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولا يخفى أن النداء على هذا يكون لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، يؤيده قوله ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾] اهـ.

ويري البعض من المفسرين: أنه اسمُ نبيِّ الله تعالى "إلياس".

قال العلامة أبو موسى المديني الأصبهاني [ت: 581هـ] في "المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث" (2/ 164، ط. جامعة أم القرى): [قال تعالى في الصافّات: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ وإنّما هو إلياس] اهـ.

وقال الإمام الطبري في "تفسيره" (21/ 101، ط. مؤسسة الرسالة): [﴿سَلَامٌ عَلَى إلْ يَاسِينَ﴾ بكسر الألف من إل ياسين، فَكَأَنَّ بعضهم يقول: هو اسم إلياس، ويقول: إنه كان يُسمى بِاسْمَيْنِ: إلياس، وإل ياسين؛ مثل: إبراهيم، وإبراهام] اهـ.

وكون "ياسين" اسمًا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما ذهب إليه جمهور العلماء، أو اسمًا لنبي الله تعالى إلياس: يزيد من أفضلية التسمي به؛ إذ إن من أفضل ما يُتَسمَّى به من الأسماء: أسماءَ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ وقد تواردت النصوص من السنة القوليَّة والفعليَّة في أفضليَّة التسمي بأسمائهم، وأن ذلك من أعظم مظاهر تحسين الأسماء.

- فمن السنَّة القوليَّة: حديث أبي وهب الجُشَمِيِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: عَبْدُ اللهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ»، أخرجه أحمد وأبو يعلى في "مسنديهما"، والبخاري في "الأدب المفرد" و"التاريخ الكبير"، وأبو داود في "السنن"، والنسائي في "المجتبى".

- ومن السنَّة الفعليَّة: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ غُلَامٌ، فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ» رواه مسلم وغيره.

وعن يوسف بن عبد الله بن سلام رضي الله عنهما قال: "سَمَّانِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: يُوسُفَ، وَأَقْعَدَنِي فِي حِجْرِهِ، وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِي" أخرجه البخاري في "الأدب المفرد"، وأحمد والحميدي وابن أبي شيبة في "المسند"، والترمذي في "السنن"، والطبراني في "المعجم الكبير".

وعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه: "أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جَمَعَ كُلَّ غُلَامٍ اسْمُهُ بِاسْمِ نَبِيٍّ، فَأَدْخَلَهُمُ الدَّارَ لِيُغَيِّرَ أَسْمَاءَهُمْ"، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: "وَكَانَ أَبِي فِيهِمْ، فَجَاءَ آبَاؤُهُمْ فَأَقَامُوا الْبَيِّنَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ سَمَّى عَامَّتَهُمْ، فَخَلَّى عَنْهُمْ " رواه إسحاق بن راهويه في "مسنده"، وابن شبة في "تاريخ المدينة"، وإسناده حسن؛ كما قال الحافظ ابن حجر في "المطالب العالية" (12/ 131، ط. دار العاصمة).

وقال التابعي الجليل سعيد بن المسيِّب: "أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللهِ: أَسْمَاءُ الْأَنْبِيَاءِ" أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "المصنف"، وسنده صحيح؛ كما قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (10/ 578، ط. دار المعرفة).

وقد أجمع العلماء على أفضليَّة التسمي بأسماء الأنبياء؛ لما في ذلك من التقرب إلى الله تعالى بمحبَّة أنبياءه ورسله؛ وكونه مع ذلك دافعًا إلى دوام ذكرهم والتأسي بجميل أخلاقهم وحسن صفاتهم، إضافة إلى أنه شافعٌ لهم بين الأنام يوم القيامة؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَخْرَجَ اللهُ تَعَالَى أَهْلَ التَّوْحِيدِ مِنْ النَّارِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَخْرُجُ: مَنْ وَافَقَ اسْمُهُ اسْمَ نَبِيٍّ" ذكره القرطبي في "تفسيره"، والخطيب الشربيني في "مغني المحتاج".

قال العلامة بدر الدين العيني الحنفي في "عمدة القاري" (15/ 39، ط. دار إحياء التراث العربي): [وقد تقرر الإجماعُ على إباحة التسمية بأسماء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتَسَمَّى جماعةٌ من الصحابة بأسماء الأنبياء] اهـ.

وقال الإمام الماوردي الشافعي في "نصيحة الملوك" (ص: 176، ط. مكتبة الفلاح): [التقرب إلى الله جلَّ اسمُهُ بمحبتهم، وإحياء أساميهم، والاقتداء بالله جلَّ اسمُهُ في اختيار تلك الأسماء لأوليائه] اهـ.

ونقل الإمام النووي الشافعي في "شرح مسلم" (14/ 117، ط. دار إحياء التراث العربي) إجماع العلماء على جواز التسمية بأسماء الأنبياء عليهم السلام.

وقال العلامة الزرقاني المالكي في "شرح المواهب اللدنيَّة" (7/ 305، ط. دار الكتب العلمية): [لأنهم سادة الخلق، وأخلاقهم أشرف الأخلاق، وأعمالهم أصلح الأعمال، فأسماؤهم أشرف الأسماء، فالتسمي بها فيه شرفٌ للمسمَّى، وحفظها وذكرها، وألا يُنْسَى، فلذا نُدب مع المحافظة على الأدب] اهـ.

قال الأمير الصنعاني في "التحبير لإيضاح معاني التيسير" (1/ 376، ط. مكتبة الرشد): [ومِن تحسين الأسماء: قد أرشدهم صلى الله عليه وآله وسلم إلى التسمي بأسماء الأنبياء عليهم السلام] اهـ.

وقال في "التنوير شرح الجامع الصغير" (5/ 43، ط. مكتبة دار السلام): [أسماء الأنبياء أشرف الأسماء؛ لشرف المسمَّى بها، فيحسُن التسمي بها؛ لينال بركة معناها، ويحفظ على مر الدهور ألفاظها] اهـ.

وإنْ كانت التسمية بأسماء الأنبياء من الأمور المستحسنة شرعًا لمنزلتهم من الله عز وجل، فإنَّ من أفضل أسماء الأنبياء: أسماءُ نبيِّنا سيِّدِنا محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، سيدِ ولد آدم عليه السلامُ وحبيبِ الرحمن، الذي قَرَنَ اللهُ عزَّ وجلَّ اسمَهُ بِاسْمِهِ ما دامتِ السماواتُ والأرض، وفي فضل التسمي بخصوص اسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وَرَدَ الكثيرُ من الأحاديث والآثار.

فعن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال: قال رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «سَمُّوا بِاسْمِي، وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي؛ فَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ» متفق عليه.

وعن محمدِ بن الْحَنَفِيَّةِ قال: قال عَلِيٌّ رضي الله عنه لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: إِنْ وُلِدَ لِي غُلَامٌ بَعْدَكَ أُسَمِّيهِ بِاسْمِكَ وَأُكَنِّيهِ بِكُنْيَتِكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» أخرجه ابن أبي شيبة في "الأدب".

وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا تَبَرُّكًا بِهِ كَانَ هُوَ وَمَوْلُودُهُ فِي الْجَنَّةِ» رواه ابن بكير في "فضائل التسمية بأحمد ومحمد"، وقاضي المارستان في "مشيخته"، وهذا الحديث أمثل ما ورد في هذا الباب، وإسناده حسن؛ كما قال الإمام المناوي في "فيض القدير" (6/ 237، ط. المكتبة التجارية الكبرى).

وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا يُدْعَى بِاسْمِهِ، إِلَّا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ فَإِنَّهُ يُكْنَى أَبَا مُحَمَّدٍ» أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "صفة الجنة". وذلك تعظيمًا وتوقيرًا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فإنَّ العرب قد تعارفت على أنها إذا ما أرادت تعظيم إنسانٍ: كَنَّتْهُ، ويُكنَّى الإنسانُ بِأَجَلِّ ولده.

وحيثُ ثبتت أفضليَّةُ التَّسمِّي بأسماءِ الأنبياءِ، وبِاسم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم على جهة التفرَّد والخصوص؛ فإنَّه لا خلاف في ثُبُوتِ أفضليَّةِ التسمِّي بجميعِ أَسْمائِهِ صلى الله عليه وآله وسلم إذا ما أُرِيدَ بها التقربُ إلى الله تعالى، وحبًّا وتبركًا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد تعارفَ المسلمون منذ زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى عصرنا هذا على التعلقِ بالتسمي بجميع أسمائه صلى الله عليه وآله وسلم، حتى إنَّه يمكن القول بأنَّه لا يخلو بيتٌ من بيوتِ المسلمينَ ممن تسمَّى باسمٍ من أسمائهِ صلى الله عليه وآله وسلم محبةً وتعلقًا وتبركًا به صلى الله عليه وآله وسلم.

ومن عناية الفقهاءِ بأسماءِ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم: أنَّهم خَصُّوا في كتبهم أبوابًا لأسمائه صلى الله عليه وآله وسلم، بل وأفردوا العديد من المصنفات في جمع أسمائه صلى الله عليه وآله وسلم.

ومن هؤلاء العلماء: ابن دحية، والقرطبي، والرصَّاع، والسخاوي، والسيوطي، وابن فارس، ويوسف النبهاني.

ومن هذه المصنفات: "الرياض الأنيقة في شرح أسماء خير الخليقة" للحافظ السيوطي، و"المستوفى في أسماء المصطفى" لابن دحية، و"أرجوزة في أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم" لأبي عبد الله القرطبي، و"شرح أسماء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم" للرصَّاع.

- وقد تواردت النصوص من المذاهب الفقهيَّة في خصوصِ جوازِ التسمِّي باسم "ياسين":

قال العلامة ابن الوزير الملطي الحنفي في "غاية السول" (1/ 39، ط. عالم الكتب): [قَالَ بعض الْعلمَاء: للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وآله وَسلم ألفُ اسْمٍ، وَمِنْهَا: "طه"، وَ"يٓسٓ"] اهـ.

وقال الخطيب الشربيني الشافعي في "مغني المحتاج" (4/ 295، ط. دار الفكر): [ولا تُكره التَسْمية بأسماءِ الملائكة والأنبياء و"يٓسٓ" و"طه"] اهـ.

ونقل القولَ بجواز التسمية به: العلامةُ ابن رشد المالكي في "البيان والتحصيل" (18/ 236، ط. دار الغرب الإسلامي)، وشهاب الدين القرافي في "الذخيرة" (13/ 337، ط. دار الغرب الإسلامي)؛ فقال: [وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: معنى "ياسين"، يا إنسان بالحبشية؛ فعلى هذا يجوز أن يتسمى الرجل بـ"ياسين". وقال مجاهد: هو مفتاح افتتح الله عز وجل به كلامه؛ فعلى هذا تجوز التسمية به أيضًا] اهـ.

وعدَّهُ كثيرٌ من فقهاء المذهب المالكي اسمًا من أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ منهم الإمام الجزولي في "دلائل الخيرات"، ونصَّ على ذلك شيخُ الأزهر الأسبق الشرنوبي، والشيخ عمر الأرزنجاني، والشيخ علي بن يوسف الفاسي، والشيخ سليمان الجمل؛ وذلك في شروحهم على "دلائل الخيرات".

قال العلامة الشرنوبي في "شرح دلائل الخيرات" (ص:١٠، ط. مكتبة الآداب): ["يٓسٓ" معناه: يا سيد البشر، ويجوز كتابته بياء وسين وكما يتلفظ به، وكذا "طه" ونحوه] اهـ.

وقال العلامة الأرزنجاني في "منتج البركات" (ق: ٧٠): ["يٓسٓ" ورد في القرآن الكريم، وفيه ما في "طه"، ورُوي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ لِي عِنْدَ رَبِّي عَشْرَةَ أَسْمَاءٍ» وذكر منها: «يٓسٓ»، وقيل: معناه: يا سيد، وقيل: يا إنسان، وقيل: يا محمد، وقيل: إنه من أسمائه تعالى؛ أقسم به في القرآن، ثم أُطْلِقَ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل غير ذلك، والله اعلم] اهـ.

وقال العلامة البهوتي الحنبلي في "كشاف القناع " (3/ 27، ط. دار الكتب العلمية): [(وَلَا يُكْرَهُ) أَنْ يُسَمَّى (بِجِبْرِيلَ) وَنَحْوِهِ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَلَائِكَةِ (وَيَاسِين). قُلْت: وَمِثْلُهُ طَه، خِلَافًا لِمَالِكٍ؛ فَقَدْ كَرِهَ التَّسْمِيَةَ بِهِمَا] اهـ.

وما نُقِلَ عن بعض المالكية من كراهية التَّسمِّي بـ "ياسين"، محمولٌ على احتمال كونه اسمًا لله تعالى، أو للقرآن الكريم، أو لسورة منه، أو لأنه قَسَمٌ أَقْسَمَ الله به.

قال الإمام ابن رشد المالكي في "البيان والتحصيل" (18/ 236، ط. دار الغرب الإسلامي): [قال محمد بن رشد: قيل في "ياسين": إنه اسمٌ من أسماء الله عز وجل، وإنه أَقْسَمَ به وبالقرآن الحكيم، وقيل: إنه اسم من أسماء القرآن أقسم اللهُ به أيضًا. على هذين القولين: لا يجوز لأحدٍ أن يتسمَّى بـ"ياسين"] اهـ.

وقال الشيخ ابن القيم في "تحفة المودود" (1/ 127، ط. مكتبة دار البيان): [وَمِمَّا يمْنَع مِنْهُ: التَّسْمِيَة بأسماء الْقُرْآن وسوره؛ مثل: "طه"، و"يٓسٓ"، و"حٓمٓ"، وَقد نَص مَالِكٌ على كَرَاهَة التَّسْمِيَة بـ"يٓسٓ"؛ ذكره السهيلي] اهـ.

ويُرَدُّ على ذلك بما يلي:

أولًا: القولُ بالكراهةِ عند المالكيَّة محمولٌ على ما كان بحرفين؛ كسورة القرآن، أما ما كُتِبَ مُتَهجّيًا كما ينطق فلا كراهة فيهم عندهم.

قال ابن العربي المالكي في "أحكام القرآن" (4/ 19، ط. دار الكتب العلمية): [فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ﴾ [الصافات: 130]. قُلْنَا: ذَلِكَ مَكْتُوبٌ بِهِجَاءٍ؛ فَتَجُوزُ التَّسْمِيَةُ بِهِ، وَهَذَا الَّذِي لَيْسَ بِمُتَهَجًّى هُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ مَالِكٌ عَلَيْهِ] اهـ.

وكما نقل الإمام السهيلي المالكي القولَ بالكراهة، نقل أنه اسمٌ من أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا تَعَارٌضَ بين النقلين إن حُمِلَ الأولُ منهما على ما كان بحرفين ليس مُتَهَجّيًا.

قال الإمام أبو القاسم السهيلي [ت: 581هـ] في كتابه "التعريف والإعلام" (ق: 38ب): [قوله: ﴿سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ﴾ قال بعض المتكلمين في معاني القرآن: إل ياسين: آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ونزع إلى قول مَن مَالَ في تفسير "ياسين": يا محمد] اهـ.

ثانيًا: القول بأنَّ "ياسين" اسمٌ للهِ تعالى لا يَمْنَعُ من التسمية به؛ إذ إنَّ لله تعالى أسماء مختصةً به كـ "الله" لا يجوز التسمية بها بحال، ولله تعالى أسماء مشتركة يجوز التسمية بها، وقد أطلق الله تعالى على نبيه بعضًا من أسمائه كـ "عزيز" و"رؤوف".

وقد قرّر بعض فقهاء الحنفية جواز التسمية بأسماء الله تعالى المشتركة؛ فجاء في "بريقة المحمودية" (3/ 234، ط. الحلبي): [التسمية باسم الله يوجد في كتاب الله تعالى؛ كـ"العلي" و"الكبير" و"الرشيد" و"البديع" جائز؛ لأنَّه من الأسماء المشتركة، ويرادُ به في حق العباد غيرُ ما يراد به في حق الله تعالى] اهـ.

ثالثًا: القول بأنَّ (يٓسٓ) اسم للسورة، لا ينفي جواز التسمية به؛ لأن الله تعالى سمَّى كثيرًا من سور القرآن على أسماء أنبيائه وأوليائه؛ كـ "آل عمران"، و"يُونُس"، و"هُود"، و"يُوسُف"، و"مريم"، فيكون (يٓسٓ) حينئذٍ اسمًا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم سُمِّيَتْ به هذه السورة الكريمة.

رابعًا: القول بأنه اسمٌ من أسماء القرآن الكريم، ليس مبررًا لكراهة التسمية به؛ إذ إن للقرآن الكريم أسماءً مختصةً به كـ "الفرقان" و"القرآن"، وأسماء غير مختصة به، وقد جرى عملُ المسلمينَ على التَسْمِيةِ بأسماءِ القرآن التي لا تُخْتَصُّ به كـ "نور" و"هدى" و"رحمة"، ولم يُنْكِر عليهم في ذلك أحدٌ ممن يُعتَدُّ بإنكارهم، وقد وصف الله تعالى نبيَّه ببعض ما وصف به كتابه كـ "الذكر" و"النور".

خامسًا: القول بأنَّ (يٓسٓ) من حروف افتتاح سور القرآن الكريم، لا يترتب عليه تحريم التسمية به أيضًا؛ لأن لهذه الحروف معانيَ ذكرها أهل اللغة والتفسير، والافتتاح بها لا يقتضي خُلُوَّها من المعاني في نفسها، وعلى ذلك يكون التسمي بهذا الاسم مشروعًا على كل الأقوال الواردة في معناه.

وقد تعارف المسلمون سلفًا وخلفًا على التسمِّي بـ "ياسين" من لدن عصر الصحابة رضي الله عنهم، وتناقلوا التسمية به جيلًا عن جيل بغير إنكارٍ ولا كراهةٍ في ذلك:

- فمِمَّن تَسَمَّى به في عصر الصحابة رضي الله عنهم:

- أنه كان لابن عباس رضي الله عنهما خادمة تسمى "أم ياسين"، وكانت ممن رَوَى عنه رضي الله عنه؛ فأخرج الصنعاني في "المصنف" عن أُمّ يَاسِينَ خَادِم ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَنَّه كَانَ يَقُولُ: "أَيْقِظُوا الصَّبِيَّ يُصَلِّي، وَلَوْ بِسَجْدَة".

- وممن تسمَّى به في عصر التابعين:

- "ياسين العجلي"، وهو ممن روى عن إبراهيم بن محمد بن الحَنَفيَّة، وأخرج له الإمام البخاري في "التاريخ الكبير"، والإمام أحمد في "مسنده"، وابن أبي شيبة في "مصنفه".

وذلك يعني أنه عاصر رجال الطبقة الأولى في الرواية؛ لروايته عن إبراهيم بن محمد بن الحنفية الذي يُعَدُّ من كبار التابعين؛ كما قال الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء".

- و"ياسين بن معاذ الزيات"، وقد روى عن الزُّهري؛ كما جاء في "مسند أبي يعلى الموصلي"، والإمامُ الزُّهري من رجال الطبقة الثالثة من التابعين؛ كما قال الحافظ الذهبي في "المعين في طبقات المحدثين"، وروى عن يحيى بن أبي كثير كما جاء في "المعجم الكبير" للطبراني، ويحيى بن أبي كثير من رجال الطبقة الرابعة من التابعين؛ كما ذكر الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء"، ورفع حديثًا إلى عليٍّ رضي الله عنه؛ كما جاء في "أخبار مكة" للفاكهي قال: "عَنْ يَاسِينَ بْنِ مُعَاذٍ، يَرْفَعُهُ إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ"، وروى عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ كما جاء في "سنن أبي داوود"، و"موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان"، وذكر الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان": أن موته كان قريبًا من موت الإمام الثوري.

- وممن تَسَمَّى به في عصر تابعي التابعين:

- "ياسين بن حماد"، وقد عاصر شُعبة وروى عنه؛ كما جاء في "المعجم الكبير" للطبراني، وشعبة من أعلام الطبقة السادسة؛ كما ذكر الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء"، وترجم له ابن خلكان في "وفيات الأعيان"، وذكر أنه توفي بالبصرة سنة ستين ومائة، وهو ابن خمس وسبعين سنة.

 كما عاصر وروى عن همام بن يحيى؛ كما جاء في "الدعاء" للطبراني قال: "ثنا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبِ بْنِ حَرْبٍ، ثنا يَاسِينُ بْنُ حَمَّادٍ، ثنا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ"، وهمام بن يحيى من أعلام الطبقة السابعة؛ كما ذكر الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء".

وقد خصَّ الكثير من العلماء في كتبهم أبوابًا وفصولًا لمن تمسى باسم ياسين؛ ومن ذلك:

- بَوَّبَ الإمام محيي الدين الحنفي في "الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية"، فقال: (باب مَن اسْمُهُ ياسين ويحيى).

 - وبَوَّبَ الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد"؛ فقال: (باب: ذكر مَن اسْمُهُ ياسين).

- وبَوَّبَ العلامة الحكري الحنفي في "إكمال تهذيب الكمال"؛ فقال: (باب: مَن اسْمُهُ ياسين).

- وجاءَ في "تاريخ ابن يُونُس المصري": (فصل في ذكر مَن اسمه ياسين).

- وفي "تاريخ دمشق" لابن عساكر: (فصل: ذكر مَن اسمه ياسين).

- وفي "تهذيب التهذيب": (فصل: مَن اسمه ياسين).

وَتَعُجُّ كتب التراجم والتاريخ والأنساب بالكثير من العلماء المحدثين والفقهاء والرواة تَسَمّوا بِاسم "ياسين"، أو كان من أسماء أباءهم؛ ومن هؤلاء:

- العلامة المحدث عاصم بْن ياسين بْن عَبْد الأحد بْن اللَّيْث القَتْبانيّ الْمَصْرِيّ [ت: 273هـ].

- الحافظ أحمد بن محمد بن ياسين الهروي الحدادي؛ ذكره ابن مردويه في "تاريخ أصبهان" [ت: 334هـ].

- المحدث ياسين بن محمد بن عبد الرحيم الأنصاري، من أهل بجانة [ت: 320هـ]؛ ذكره ابن يونس في "تاريخه".

- المحدث أبو الحسن جابر بن ياسين بن الحسن ابن محموية المحموي الحنائي [ت: 464هـ]؛ ذكره العلامة الطهطاوي في "تذكرة الحفاظ".

- الفقيه الصوفي ياسين بن سهل بن محمد أبو روح الصوفي [ت: 491هـ].

- والعلامة المحدث ياسين بن محمد بن محمد بن ياسين [ت: 396هـ]؛ ذكرهما الحافظ الذهبي في "تاريخه".

- القاضي ابن ياسين الباهلي [ت: 378هـ]؛ ذكره السمعاني في "الأنساب".

وبناءً على ذلك: فإنه يجوز شرعًا التسمية بِاسم "ياسين"؛ لكونه حَسَنًا في معناه اللغويّ؛ حيث يُطلق ويُراد به "يا إنسان"، وحَسَنٌ في معناه الشرعيّ؛ حيث اختاره اللهُ تعالى اسمًا لسيدنا النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وَسَلَّمَ وعَظَّمَ وَكَرَّمَ؛ كما نَصَّ على ذلك فريقٌ من العلماء من المحدثين والمفسرين والفقهاء سلفًا وخلفًا.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

حكم التسمية باسم ياسين

ما حكم التسمية باسم "ياسين"؟

يجوز شرعًا التسمية بِاسم "ياسين"؛ لكونه حَسَنًا في معناه اللغويّ، وحَسَنٌ في معناه الشرعيّ؛ واختاره اللهُ تعالى اسمًا لسيدنا محمد صَلَّى اللهُ عليه وآله وَسَلَّمَ؛ كما نَصَّ على ذلك فريقٌ من العلماء من المحدثين والمفسرين والفقهاء سلفًا وخلفًا.

وقد تعارف المسلمون سلفًا وخلفًا على التسمِّي بـ "ياسين" من عصر الصحابة رضي الله عنهم، وتناقلوا التسمية به جيلًا عن جيل بغير إنكارٍ ولا كراهةٍ في ذلك.

التفاصيل ....

الاسم في اللغة: ما دلَّ على مُسمًّى، وهو عند البصريين: مشتق من السُّمُوّ، وهو العلو؛ لأنه يُعلي مُسَمّاه ويُظهره، وعند الكوفيين: مشتق من وَسَمَ، بمعنى عَلَّم بعلامة؛ لأنه علامة على مُسَمَّاه؛ كما ذكر العلامة أبو البركات الأنباري في "الإنصاف" (1/ 20، ط. المكتبة العصرية)، والتسمية: مصدر سَمَّى؛ أي: جعل له اسمًا.

والتسمية تكريم للمولود؛ لأنه يُعْرَف بالاسم ويُمَيَّز به عن غيره، فهي مطلوب شرعي؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، وقد حكى الإمام ابنُ حزم الاتفاقَ على فرضيتها؛ فقال في "مراتب الإجماع" (ص: 154، ط. دار الكتب العلمية): [اتفقوا أن التسمية للرجال والنساء فرض] اهـ.

وقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتحسين الأسماء، وأخبر أن الناس يُدعَوْن بها يوم القيامة؛ فروى أحمد في "مسنده"، وأبو داود في "السنن"، وابن حبان في "الصحيح" عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ؛ فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ».

والأصل جواز التسمية بأيِّ اسمٍ، إلا ما وردَ الشرعُ بالنهي عنه أو عن جنسه؛ كأنْ يَحْمِلَ معنًى قبيحًا، أو يكون مختصًّا بالله تعالى بحيث لا يُطْلَق إلا عليه سبحانه؛ كاسم "الله"، و"الرحمن"، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65].

قال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (11/ 130، ط. دار الكتب المصرية): [قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: "يريد: هل تعلم له ولدًا؛ أيْ: نظيرًا، أو مثلًا، أو شبيهًا؛ يستحق مِثلَ اسمه الذي هو الرحمن"، وقاله مجاهد؛ مأخوذٌ من المسَامَاة.

وروى إسرائيل عن سمَّاكَ عن عِكْرمَةَ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "هل تعلم له أحدًا سُمِّيَ الرحمن"، قال النحاس: "وهذا أَجَلُّ إسنادٍ عَلِمْتُهُ رُويَ في هذا الحرف، وهو قولٌ صحيحٌ، ولا يقال (الرحمن) إلَّا لله، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ قال: مثلًا". ابن المسيب: عدلًا، قتادة والكلبي: هل تعلم أحدًا يُسَمَّى (الله) تعالى غير الله، أو يقال له: (الله) إلَّا الله، وهل: بمعنى لا؛ أي: لا تعلم. والله تعالى أعلم] اهـ.

وقال العلامة الطاهر بن عاشور في "التحرير والتنوير" (16/ 143، ط. الدار التونسية): [أي: لا مُسَامِيَ لله تعالى؛ أي: ليس مَن يُساميه؛ أي: يُضاهيه موجودًا، وقيل السَّمِيُّ: المماثل في الاسم؛ كقوله تعالى في ذِكْر يحيى عليه السلام: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾. والمعنى: لا تعلم له مماثلًا في اسمه (الله)] اهـ.

وقد تَوَاردَتْ النصوص في مشروعيَّة التسمية باسم "ياسين"، وأنه حَسَنُ المعنى عندَ أهلِ اللغةِ، ومُسْتَحَبُّ التسميةُ به عندَ أهلِ الشرع، بلا خلافٍ بينهم في ذلك.

- فأمَّا كونُهُ حَسَنَ المعنى في اللغة:

فقد تَوَارَدَتْ أقوالُ أَهْلِ اللغةِ على أنَّ اسم ياسين يعني: "يا إنسان"، وأنه قد عُبِّرَ بأحد حروفه عنه؛ جريًا على ما هو معمول به في لغة قبيلة "طيِّىءٍ" العربية.

قال العلامة أبو منصور الأزهري [ت370هـ] في "تهذيب اللغة" (13/ 62، ط. دار إحياء التراث العربي): [وَقد حدّث إِسْحَاق، عَن رَوْح، عَن شِبْل، عَن قَيس بن سعد: أنَّ ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَرَأَ: ﴿يٓسٓ ۞ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: 1، 2] يُرِيد: يَا إِنْسَان] اهـ.

وقال العلامة ابن جني [ت392هـ] في "المحتسب" (2/ 204، ط. وزارة الأوقاف): [وقرأ: "يَاسِينِ"، بكسر النون أبو السمال وابن ابي إسحاق بخلاف، وهارون عن أبي بكرٍ الهُذَليّ عن الكلبي: "يَاسِينُ"، بالرفع. قال: فلقيت الكلبي فسألته، فقال: هي بلغة طيِّئ: يا إنسان.. ويحتمل ذلك عندي وجهًا آخر ثالثًا؛ وهو أن يكون أراد: يا إنسان، إلا أنه اكتفى من جميع الاسم بالسين، فقال: ياسين، فـ"يَا" فيه الآن حرف نداء، كقولك: يا رجل. ونظير حذف بعض الِاسم: قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «كَفَى بِالسَّيْفِ شَا» أي: شاهدًا، فحذف العين واللام. وكذلك حذف من إنسان الفاء والعين، غير أنه جعل ما بقي منه اسمًا قائمًا برأسه، وهو السين، فقيل: ياسين] اهـ.

وقال العلامة الصغاني في "التكملة والذيل" (3/ 320، ط. دار الكتب): [وفي كتاب الله تعالى: ﴿يٓسٓ ۞ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾، قرأ الزُّهرِيّ وعِكْرمة والكلبيّ ويحيى بن يَعْمَر واليمانِي بضم النون على أنه نِداءٌ مفرد، ومعناه: يا إنسانُ] اهـ.

والإنسان أفضل مخلوقات الله تعالى خَلقًا في ظاهره وباطنه، فالتسمية به تسمية باسم أفضل مخلوقات الله تعالى، وفي ذلك من الفأل الحسن والتيمن الممدوح من أن يكون المولود إنسانًا فاضلًا صالحًا متسمًا بجميل الصفات الإنسانيَّة ما لا يُنكَر؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].

قال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (20/ 114): [الإنسان أحسن خلق الله باطنًا وظاهرًا؛ جمال هيئة، وبديع تركيب الرأس بما فيه، والصدر بما جمعه، والبطن بما حواه، والفرج وما طواه، واليدان وما بَطَشَتَاه، والرِّجلان وما احْتَمَلَتَاه. ولذلك قالت الفلاسفة: إنه العالَم الأصغر؛ إذ كل ما في المخلوقات جُمِعَ فيه] اهـ.

- وأما كونه حسنَ المعنى من منظور الشرع الشريف:

فقد كثرت أقوال أهل الحديث وأصحاب السِّير في أن اسم ياسين من أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا شرف يُصاحب المسلم كأَنْ يصاحبه اسمٌ من أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم طيلة حياته بتسميته به، فيكون ذلك داعيًا للتأسي والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم.

فعن محمد بن الحنفية قَالَ: "﴿يٓسٓ﴾: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عليه وَآلِهِ وَسَلَّمَ". أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة"، وذكره ابن عساكر في "تاريخ دمشق".

وعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ لِي عِنْدَ رَبِّي عَشَرَةَ أَسْمَاءٍ: مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو الْقَاسِمِ، وَالْفَاتِحُ، وَالْخَاتِمُ، وَالْعَاقِبُ، وَالْحَاشِرُ، وَالْمَاحِي، وطَهَ، وَيَاسِينُ» أخرجه أبو بكر الآجري في "الشريعة"، وأبو نعيم الأصبهاني في "دلائل النبوة".

وقال المحدث ابن بابويه القمي [ت381هـ] في "عيون الرضا" (1/ 236-237، ط. دار العلم): [قال أبو الحسن: أخبروني عن قول الله تعالى: ﴿يٓسٓ ۞ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ فمن عَنَى بقوله ﴿يٓسٓ﴾؟ قالت العلماء: ﴿يٓسٓ﴾ محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ لم يشك فيه  أحد. قال أبو الحسن عليه السلام: فإن الله عز وجل أعطى محمدًا وآل محمد من ذلك فضلًا لا يبلُغُ أَحَدٌ كُنْهَ وَصْفِهِ إلا من عقله؛ وذلك أن الله عزَّ وجلَّ لم يُسَلِّم على أَحَدٍ إلا على الأنبياء عليهم السلام؛ فقال تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾، وقال: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، وقال: ﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾، ولم يقل: "سلام على آل نوح"، ولم يقل: "سلام على آل إبراهيم"، ولا قال: "سلام على آل موسى وهارون"، وقال: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ يعني: آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم] اهـ.

وقال الحافظ السيوطي في "تنوير الحوالك" (2/ 263، ط. المكتبة التجارية الكبرى): [ولأبي نعيم في "الدلائل" وابن مردويه في "التفسير" من حديث أبي الطفيل رضي الله عنه مرفوعًا: «لِي عَشْرَةُ أَسْمَاءٍ عِنْدَ رَبِّي: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَالْفَاتِحُ، وَالْخَاتَمُ، وَأَبُو الْقَاسِمِ، وَالْحَاشِرُ، وَالْعَاقِبُ، وَالْمَاحِي، وَيَاسِينُ، وطَهَ». وقد تَتَبَّعْتُ قديمًا أسماءَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فبلغَت نحو أربعمائة] اهـ.

وقال العلامة الزرقاني في "شرحه على المواهب اللدنِّيَّة بالمنح المحمديَّة" (4/ 168، ط. دار الكتب العلمية): [عن كعب: أقسم الله به قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام: يا محمد إنك لمن المرسلين. ثم قال: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، وهو رد على الكفار؛ حيث قالوا: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد: 43]. فأقسم الله باسمه وكتابه: إنه لمن المرسلين بوحيه إلى عباده، وعلى طريق مستقيم من إيمانه، أي: طريق لا اعوجاج فيه ولا عدول عن الحق. قال النقَّاش: لم يقسم الله تعالى لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إلا له صلى الله عليه وآله وسلم] اهـ.

وقال الإمام الشوكاني في "فتح القدير" (4/ 412، ط. دار ابن كثير): [هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ محمّدٍ صلى الله عليه وآله وَسَلَّمَ؛ دَلِيلُهُ: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾] اهـ.

والذي عليه أكثر المفسرين، وهو المعتمد والمعوَّل عليه عند علماء الأمة ومذاهبهم المتبوعة سلفًا وخلفًا: أن المقصود بقوله تعالى: ﴿يٓسٓ﴾: النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم؛ سواء قيل: إنه اسم من أسمائه صلى الله عليه وآله وسلم، أو قيل: إنه نداءٌ له؛ معناه: (يا إنسان)، أو: (يا رجل)، أو: (يا سيد)، أو: (يا محمد).

قال الإمام ابن أبي حاتم الرازي في "تفسير القرآن العظيم" (10/ 3188، ط. مكتبة الباز) فِي قول الله تعالى: ﴿يٓسٓ ۞ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾: [قال الحسَن: يُقْسِمُ اللهُ بِمَا يَشَاءُ، ثُمَّ نَزَعَ بِهَذِهِ الْآيَةِ ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾؛ كَأَنَّهُ يَرَى أَنَّهُ سَلَّمَ عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وآله وسلم] اهـ.

وقد قال الإمام مقاتل بن سليمان البلخي في "تفسيره" (3/ 618، ط. دار إحياء التراث): [قال الفراء عن حيان الكلبي: ﴿إِلْ يَاسِينَ﴾ يعني به النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا قال: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ فالمعنى: سلامٌ على آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم] اهـ.

وقال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (15/ 4، ط. دار الكتب المصرية-القاهرة): [روي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم، وغيرهما أن معناه: يا إنسان، وقالوا في قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ [الصافات: 130]. أي: على آل محمد. وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه: هو اسم من أسماء محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ودليله: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾] اهـ.

وقال العلامة النيسابوري [ت: 850هـ] في "غرائب القرآن ورغائب الفرقان" (5/ 524، ط. دار الكتب العلمية): [والذي يختص بالمقام ما قيل: إن معناه: يا سيد أو يا أنيسين، فاقتصر على البعض؛ رواه جار الله عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولا يخفى أن النداء على هذا يكون لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، يؤيده قوله ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾] اهـ.

ويري البعض من المفسرين: أنه اسمُ نبيِّ الله تعالى "إلياس".

قال العلامة أبو موسى المديني الأصبهاني [ت: 581هـ] في "المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث" (2/ 164، ط. جامعة أم القرى): [قال تعالى في الصافّات: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ وإنّما هو إلياس] اهـ.

وقال الإمام الطبري في "تفسيره" (21/ 101، ط. مؤسسة الرسالة): [﴿سَلَامٌ عَلَى إلْ يَاسِينَ﴾ بكسر الألف من إل ياسين، فَكَأَنَّ بعضهم يقول: هو اسم إلياس، ويقول: إنه كان يُسمى بِاسْمَيْنِ: إلياس، وإل ياسين؛ مثل: إبراهيم، وإبراهام] اهـ.

وكون "ياسين" اسمًا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما ذهب إليه جمهور العلماء، أو اسمًا لنبي الله تعالى إلياس: يزيد من أفضلية التسمي به؛ إذ إن من أفضل ما يُتَسمَّى به من الأسماء: أسماءَ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ وقد تواردت النصوص من السنة القوليَّة والفعليَّة في أفضليَّة التسمي بأسمائهم، وأن ذلك من أعظم مظاهر تحسين الأسماء.

- فمن السنَّة القوليَّة: حديث أبي وهب الجُشَمِيِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: عَبْدُ اللهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ»، أخرجه أحمد وأبو يعلى في "مسنديهما"، والبخاري في "الأدب المفرد" و"التاريخ الكبير"، وأبو داود في "السنن"، والنسائي في "المجتبى".

- ومن السنَّة الفعليَّة: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ غُلَامٌ، فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ» رواه مسلم وغيره.

وعن يوسف بن عبد الله بن سلام رضي الله عنهما قال: "سَمَّانِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: يُوسُفَ، وَأَقْعَدَنِي فِي حِجْرِهِ، وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِي" أخرجه البخاري في "الأدب المفرد"، وأحمد والحميدي وابن أبي شيبة في "المسند"، والترمذي في "السنن"، والطبراني في "المعجم الكبير".

وعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه: "أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جَمَعَ كُلَّ غُلَامٍ اسْمُهُ بِاسْمِ نَبِيٍّ، فَأَدْخَلَهُمُ الدَّارَ لِيُغَيِّرَ أَسْمَاءَهُمْ"، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: "وَكَانَ أَبِي فِيهِمْ، فَجَاءَ آبَاؤُهُمْ فَأَقَامُوا الْبَيِّنَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ سَمَّى عَامَّتَهُمْ، فَخَلَّى عَنْهُمْ " رواه إسحاق بن راهويه في "مسنده"، وابن شبة في "تاريخ المدينة"، وإسناده حسن؛ كما قال الحافظ ابن حجر في "المطالب العالية" (12/ 131، ط. دار العاصمة).

وقال التابعي الجليل سعيد بن المسيِّب: "أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللهِ: أَسْمَاءُ الْأَنْبِيَاءِ" أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "المصنف"، وسنده صحيح؛ كما قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (10/ 578، ط. دار المعرفة).

وقد أجمع العلماء على أفضليَّة التسمي بأسماء الأنبياء؛ لما في ذلك من التقرب إلى الله تعالى بمحبَّة أنبياءه ورسله؛ وكونه مع ذلك دافعًا إلى دوام ذكرهم والتأسي بجميل أخلاقهم وحسن صفاتهم، إضافة إلى أنه شافعٌ لهم بين الأنام يوم القيامة؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَخْرَجَ اللهُ تَعَالَى أَهْلَ التَّوْحِيدِ مِنْ النَّارِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَخْرُجُ: مَنْ وَافَقَ اسْمُهُ اسْمَ نَبِيٍّ" ذكره القرطبي في "تفسيره"، والخطيب الشربيني في "مغني المحتاج".

قال العلامة بدر الدين العيني الحنفي في "عمدة القاري" (15/ 39، ط. دار إحياء التراث العربي): [وقد تقرر الإجماعُ على إباحة التسمية بأسماء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتَسَمَّى جماعةٌ من الصحابة بأسماء الأنبياء] اهـ.

وقال الإمام الماوردي الشافعي في "نصيحة الملوك" (ص: 176، ط. مكتبة الفلاح): [التقرب إلى الله جلَّ اسمُهُ بمحبتهم، وإحياء أساميهم، والاقتداء بالله جلَّ اسمُهُ في اختيار تلك الأسماء لأوليائه] اهـ.

ونقل الإمام النووي الشافعي في "شرح مسلم" (14/ 117، ط. دار إحياء التراث العربي) إجماع العلماء على جواز التسمية بأسماء الأنبياء عليهم السلام.

وقال العلامة الزرقاني المالكي في "شرح المواهب اللدنيَّة" (7/ 305، ط. دار الكتب العلمية): [لأنهم سادة الخلق، وأخلاقهم أشرف الأخلاق، وأعمالهم أصلح الأعمال، فأسماؤهم أشرف الأسماء، فالتسمي بها فيه شرفٌ للمسمَّى، وحفظها وذكرها، وألا يُنْسَى، فلذا نُدب مع المحافظة على الأدب] اهـ.

قال الأمير الصنعاني في "التحبير لإيضاح معاني التيسير" (1/ 376، ط. مكتبة الرشد): [ومِن تحسين الأسماء: قد أرشدهم صلى الله عليه وآله وسلم إلى التسمي بأسماء الأنبياء عليهم السلام] اهـ.

وقال في "التنوير شرح الجامع الصغير" (5/ 43، ط. مكتبة دار السلام): [أسماء الأنبياء أشرف الأسماء؛ لشرف المسمَّى بها، فيحسُن التسمي بها؛ لينال بركة معناها، ويحفظ على مر الدهور ألفاظها] اهـ.

وإنْ كانت التسمية بأسماء الأنبياء من الأمور المستحسنة شرعًا لمنزلتهم من الله عز وجل، فإنَّ من أفضل أسماء الأنبياء: أسماءُ نبيِّنا سيِّدِنا محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، سيدِ ولد آدم عليه السلامُ وحبيبِ الرحمن، الذي قَرَنَ اللهُ عزَّ وجلَّ اسمَهُ بِاسْمِهِ ما دامتِ السماواتُ والأرض، وفي فضل التسمي بخصوص اسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وَرَدَ الكثيرُ من الأحاديث والآثار.

فعن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال: قال رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «سَمُّوا بِاسْمِي، وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي؛ فَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ» متفق عليه.

وعن محمدِ بن الْحَنَفِيَّةِ قال: قال عَلِيٌّ رضي الله عنه لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: إِنْ وُلِدَ لِي غُلَامٌ بَعْدَكَ أُسَمِّيهِ بِاسْمِكَ وَأُكَنِّيهِ بِكُنْيَتِكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» أخرجه ابن أبي شيبة في "الأدب".

وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا تَبَرُّكًا بِهِ كَانَ هُوَ وَمَوْلُودُهُ فِي الْجَنَّةِ» رواه ابن بكير في "فضائل التسمية بأحمد ومحمد"، وقاضي المارستان في "مشيخته"، وهذا الحديث أمثل ما ورد في هذا الباب، وإسناده حسن؛ كما قال الإمام المناوي في "فيض القدير" (6/ 237، ط. المكتبة التجارية الكبرى).

وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا يُدْعَى بِاسْمِهِ، إِلَّا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ فَإِنَّهُ يُكْنَى أَبَا مُحَمَّدٍ» أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "صفة الجنة". وذلك تعظيمًا وتوقيرًا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فإنَّ العرب قد تعارفت على أنها إذا ما أرادت تعظيم إنسانٍ: كَنَّتْهُ، ويُكنَّى الإنسانُ بِأَجَلِّ ولده.

وحيثُ ثبتت أفضليَّةُ التَّسمِّي بأسماءِ الأنبياءِ، وبِاسم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم على جهة التفرَّد والخصوص؛ فإنَّه لا خلاف في ثُبُوتِ أفضليَّةِ التسمِّي بجميعِ أَسْمائِهِ صلى الله عليه وآله وسلم إذا ما أُرِيدَ بها التقربُ إلى الله تعالى، وحبًّا وتبركًا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد تعارفَ المسلمون منذ زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى عصرنا هذا على التعلقِ بالتسمي بجميع أسمائه صلى الله عليه وآله وسلم، حتى إنَّه يمكن القول بأنَّه لا يخلو بيتٌ من بيوتِ المسلمينَ ممن تسمَّى باسمٍ من أسمائهِ صلى الله عليه وآله وسلم محبةً وتعلقًا وتبركًا به صلى الله عليه وآله وسلم.

ومن عناية الفقهاءِ بأسماءِ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم: أنَّهم خَصُّوا في كتبهم أبوابًا لأسمائه صلى الله عليه وآله وسلم، بل وأفردوا العديد من المصنفات في جمع أسمائه صلى الله عليه وآله وسلم.

ومن هؤلاء العلماء: ابن دحية، والقرطبي، والرصَّاع، والسخاوي، والسيوطي، وابن فارس، ويوسف النبهاني.

ومن هذه المصنفات: "الرياض الأنيقة في شرح أسماء خير الخليقة" للحافظ السيوطي، و"المستوفى في أسماء المصطفى" لابن دحية، و"أرجوزة في أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم" لأبي عبد الله القرطبي، و"شرح أسماء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم" للرصَّاع.

- وقد تواردت النصوص من المذاهب الفقهيَّة في خصوصِ جوازِ التسمِّي باسم "ياسين":

قال العلامة ابن الوزير الملطي الحنفي في "غاية السول" (1/ 39، ط. عالم الكتب): [قَالَ بعض الْعلمَاء: للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وآله وَسلم ألفُ اسْمٍ، وَمِنْهَا: "طه"، وَ"يٓسٓ"] اهـ.

وقال الخطيب الشربيني الشافعي في "مغني المحتاج" (4/ 295، ط. دار الفكر): [ولا تُكره التَسْمية بأسماءِ الملائكة والأنبياء و"يٓسٓ" و"طه"] اهـ.

ونقل القولَ بجواز التسمية به: العلامةُ ابن رشد المالكي في "البيان والتحصيل" (18/ 236، ط. دار الغرب الإسلامي)، وشهاب الدين القرافي في "الذخيرة" (13/ 337، ط. دار الغرب الإسلامي)؛ فقال: [وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: معنى "ياسين"، يا إنسان بالحبشية؛ فعلى هذا يجوز أن يتسمى الرجل بـ"ياسين". وقال مجاهد: هو مفتاح افتتح الله عز وجل به كلامه؛ فعلى هذا تجوز التسمية به أيضًا] اهـ.

وعدَّهُ كثيرٌ من فقهاء المذهب المالكي اسمًا من أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ منهم الإمام الجزولي في "دلائل الخيرات"، ونصَّ على ذلك شيخُ الأزهر الأسبق الشرنوبي، والشيخ عمر الأرزنجاني، والشيخ علي بن يوسف الفاسي، والشيخ سليمان الجمل؛ وذلك في شروحهم على "دلائل الخيرات".

قال العلامة الشرنوبي في "شرح دلائل الخيرات" (ص:١٠، ط. مكتبة الآداب): ["يٓسٓ" معناه: يا سيد البشر، ويجوز كتابته بياء وسين وكما يتلفظ به، وكذا "طه" ونحوه] اهـ.

وقال العلامة الأرزنجاني في "منتج البركات" (ق: ٧٠): ["يٓسٓ" ورد في القرآن الكريم، وفيه ما في "طه"، ورُوي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ لِي عِنْدَ رَبِّي عَشْرَةَ أَسْمَاءٍ» وذكر منها: «يٓسٓ»، وقيل: معناه: يا سيد، وقيل: يا إنسان، وقيل: يا محمد، وقيل: إنه من أسمائه تعالى؛ أقسم به في القرآن، ثم أُطْلِقَ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل غير ذلك، والله اعلم] اهـ.

وقال العلامة البهوتي الحنبلي في "كشاف القناع " (3/ 27، ط. دار الكتب العلمية): [(وَلَا يُكْرَهُ) أَنْ يُسَمَّى (بِجِبْرِيلَ) وَنَحْوِهِ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَلَائِكَةِ (وَيَاسِين). قُلْت: وَمِثْلُهُ طَه، خِلَافًا لِمَالِكٍ؛ فَقَدْ كَرِهَ التَّسْمِيَةَ بِهِمَا] اهـ.

وما نُقِلَ عن بعض المالكية من كراهية التَّسمِّي بـ "ياسين"، محمولٌ على احتمال كونه اسمًا لله تعالى، أو للقرآن الكريم، أو لسورة منه، أو لأنه قَسَمٌ أَقْسَمَ الله به.

قال الإمام ابن رشد المالكي في "البيان والتحصيل" (18/ 236، ط. دار الغرب الإسلامي): [قال محمد بن رشد: قيل في "ياسين": إنه اسمٌ من أسماء الله عز وجل، وإنه أَقْسَمَ به وبالقرآن الحكيم، وقيل: إنه اسم من أسماء القرآن أقسم اللهُ به أيضًا. على هذين القولين: لا يجوز لأحدٍ أن يتسمَّى بـ"ياسين"] اهـ.

وقال الشيخ ابن القيم في "تحفة المودود" (1/ 127، ط. مكتبة دار البيان): [وَمِمَّا يمْنَع مِنْهُ: التَّسْمِيَة بأسماء الْقُرْآن وسوره؛ مثل: "طه"، و"يٓسٓ"، و"حٓمٓ"، وَقد نَص مَالِكٌ على كَرَاهَة التَّسْمِيَة بـ"يٓسٓ"؛ ذكره السهيلي] اهـ.

ويُرَدُّ على ذلك بما يلي:

أولًا: القولُ بالكراهةِ عند المالكيَّة محمولٌ على ما كان بحرفين؛ كسورة القرآن، أما ما كُتِبَ مُتَهجّيًا كما ينطق فلا كراهة فيهم عندهم.

قال ابن العربي المالكي في "أحكام القرآن" (4/ 19، ط. دار الكتب العلمية): [فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ﴾ [الصافات: 130]. قُلْنَا: ذَلِكَ مَكْتُوبٌ بِهِجَاءٍ؛ فَتَجُوزُ التَّسْمِيَةُ بِهِ، وَهَذَا الَّذِي لَيْسَ بِمُتَهَجًّى هُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ مَالِكٌ عَلَيْهِ] اهـ.

وكما نقل الإمام السهيلي المالكي القولَ بالكراهة، نقل أنه اسمٌ من أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا تَعَارٌضَ بين النقلين إن حُمِلَ الأولُ منهما على ما كان بحرفين ليس مُتَهَجّيًا.

قال الإمام أبو القاسم السهيلي [ت: 581هـ] في كتابه "التعريف والإعلام" (ق: 38ب): [قوله: ﴿سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ﴾ قال بعض المتكلمين في معاني القرآن: إل ياسين: آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ونزع إلى قول مَن مَالَ في تفسير "ياسين": يا محمد] اهـ.

ثانيًا: القول بأنَّ "ياسين" اسمٌ للهِ تعالى لا يَمْنَعُ من التسمية به؛ إذ إنَّ لله تعالى أسماء مختصةً به كـ "الله" لا يجوز التسمية بها بحال، ولله تعالى أسماء مشتركة يجوز التسمية بها، وقد أطلق الله تعالى على نبيه بعضًا من أسمائه كـ "عزيز" و"رؤوف".

وقد قرّر بعض فقهاء الحنفية جواز التسمية بأسماء الله تعالى المشتركة؛ فجاء في "بريقة المحمودية" (3/ 234، ط. الحلبي): [التسمية باسم الله يوجد في كتاب الله تعالى؛ كـ"العلي" و"الكبير" و"الرشيد" و"البديع" جائز؛ لأنَّه من الأسماء المشتركة، ويرادُ به في حق العباد غيرُ ما يراد به في حق الله تعالى] اهـ.

ثالثًا: القول بأنَّ (يٓسٓ) اسم للسورة، لا ينفي جواز التسمية به؛ لأن الله تعالى سمَّى كثيرًا من سور القرآن على أسماء أنبيائه وأوليائه؛ كـ "آل عمران"، و"يُونُس"، و"هُود"، و"يُوسُف"، و"مريم"، فيكون (يٓسٓ) حينئذٍ اسمًا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم سُمِّيَتْ به هذه السورة الكريمة.

رابعًا: القول بأنه اسمٌ من أسماء القرآن الكريم، ليس مبررًا لكراهة التسمية به؛ إذ إن للقرآن الكريم أسماءً مختصةً به كـ "الفرقان" و"القرآن"، وأسماء غير مختصة به، وقد جرى عملُ المسلمينَ على التَسْمِيةِ بأسماءِ القرآن التي لا تُخْتَصُّ به كـ "نور" و"هدى" و"رحمة"، ولم يُنْكِر عليهم في ذلك أحدٌ ممن يُعتَدُّ بإنكارهم، وقد وصف الله تعالى نبيَّه ببعض ما وصف به كتابه كـ "الذكر" و"النور".

خامسًا: القول بأنَّ (يٓسٓ) من حروف افتتاح سور القرآن الكريم، لا يترتب عليه تحريم التسمية به أيضًا؛ لأن لهذه الحروف معانيَ ذكرها أهل اللغة والتفسير، والافتتاح بها لا يقتضي خُلُوَّها من المعاني في نفسها، وعلى ذلك يكون التسمي بهذا الاسم مشروعًا على كل الأقوال الواردة في معناه.

وقد تعارف المسلمون سلفًا وخلفًا على التسمِّي بـ "ياسين" من لدن عصر الصحابة رضي الله عنهم، وتناقلوا التسمية به جيلًا عن جيل بغير إنكارٍ ولا كراهةٍ في ذلك:

- فمِمَّن تَسَمَّى به في عصر الصحابة رضي الله عنهم:

- أنه كان لابن عباس رضي الله عنهما خادمة تسمى "أم ياسين"، وكانت ممن رَوَى عنه رضي الله عنه؛ فأخرج الصنعاني في "المصنف" عن أُمّ يَاسِينَ خَادِم ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَنَّه كَانَ يَقُولُ: "أَيْقِظُوا الصَّبِيَّ يُصَلِّي، وَلَوْ بِسَجْدَة".

- وممن تسمَّى به في عصر التابعين:

- "ياسين العجلي"، وهو ممن روى عن إبراهيم بن محمد بن الحَنَفيَّة، وأخرج له الإمام البخاري في "التاريخ الكبير"، والإمام أحمد في "مسنده"، وابن أبي شيبة في "مصنفه".

وذلك يعني أنه عاصر رجال الطبقة الأولى في الرواية؛ لروايته عن إبراهيم بن محمد بن الحنفية الذي يُعَدُّ من كبار التابعين؛ كما قال الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء".

- و"ياسين بن معاذ الزيات"، وقد روى عن الزُّهري؛ كما جاء في "مسند أبي يعلى الموصلي"، والإمامُ الزُّهري من رجال الطبقة الثالثة من التابعين؛ كما قال الحافظ الذهبي في "المعين في طبقات المحدثين"، وروى عن يحيى بن أبي كثير كما جاء في "المعجم الكبير" للطبراني، ويحيى بن أبي كثير من رجال الطبقة الرابعة من التابعين؛ كما ذكر الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء"، ورفع حديثًا إلى عليٍّ رضي الله عنه؛ كما جاء في "أخبار مكة" للفاكهي قال: "عَنْ يَاسِينَ بْنِ مُعَاذٍ، يَرْفَعُهُ إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ"، وروى عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ كما جاء في "سنن أبي داوود"، و"موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان"، وذكر الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان": أن موته كان قريبًا من موت الإمام الثوري.

- وممن تَسَمَّى به في عصر تابعي التابعين:

- "ياسين بن حماد"، وقد عاصر شُعبة وروى عنه؛ كما جاء في "المعجم الكبير" للطبراني، وشعبة من أعلام الطبقة السادسة؛ كما ذكر الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء"، وترجم له ابن خلكان في "وفيات الأعيان"، وذكر أنه توفي بالبصرة سنة ستين ومائة، وهو ابن خمس وسبعين سنة.

 كما عاصر وروى عن همام بن يحيى؛ كما جاء في "الدعاء" للطبراني قال: "ثنا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبِ بْنِ حَرْبٍ، ثنا يَاسِينُ بْنُ حَمَّادٍ، ثنا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ"، وهمام بن يحيى من أعلام الطبقة السابعة؛ كما ذكر الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء".

وقد خصَّ الكثير من العلماء في كتبهم أبوابًا وفصولًا لمن تمسى باسم ياسين؛ ومن ذلك:

- بَوَّبَ الإمام محيي الدين الحنفي في "الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية"، فقال: (باب مَن اسْمُهُ ياسين ويحيى).

 - وبَوَّبَ الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد"؛ فقال: (باب: ذكر مَن اسْمُهُ ياسين).

- وبَوَّبَ العلامة الحكري الحنفي في "إكمال تهذيب الكمال"؛ فقال: (باب: مَن اسْمُهُ ياسين).

- وجاءَ في "تاريخ ابن يُونُس المصري": (فصل في ذكر مَن اسمه ياسين).

- وفي "تاريخ دمشق" لابن عساكر: (فصل: ذكر مَن اسمه ياسين).

- وفي "تهذيب التهذيب": (فصل: مَن اسمه ياسين).

وَتَعُجُّ كتب التراجم والتاريخ والأنساب بالكثير من العلماء المحدثين والفقهاء والرواة تَسَمّوا بِاسم "ياسين"، أو كان من أسماء أباءهم؛ ومن هؤلاء:

- العلامة المحدث عاصم بْن ياسين بْن عَبْد الأحد بْن اللَّيْث القَتْبانيّ الْمَصْرِيّ [ت: 273هـ].

- الحافظ أحمد بن محمد بن ياسين الهروي الحدادي؛ ذكره ابن مردويه في "تاريخ أصبهان" [ت: 334هـ].

- المحدث ياسين بن محمد بن عبد الرحيم الأنصاري، من أهل بجانة [ت: 320هـ]؛ ذكره ابن يونس في "تاريخه".

- المحدث أبو الحسن جابر بن ياسين بن الحسن ابن محموية المحموي الحنائي [ت: 464هـ]؛ ذكره العلامة الطهطاوي في "تذكرة الحفاظ".

- الفقيه الصوفي ياسين بن سهل بن محمد أبو روح الصوفي [ت: 491هـ].

- والعلامة المحدث ياسين بن محمد بن محمد بن ياسين [ت: 396هـ]؛ ذكرهما الحافظ الذهبي في "تاريخه".

- القاضي ابن ياسين الباهلي [ت: 378هـ]؛ ذكره السمعاني في "الأنساب".

وبناءً على ذلك: فإنه يجوز شرعًا التسمية بِاسم "ياسين"؛ لكونه حَسَنًا في معناه اللغويّ؛ حيث يُطلق ويُراد به "يا إنسان"، وحَسَنٌ في معناه الشرعيّ؛ حيث اختاره اللهُ تعالى اسمًا لسيدنا النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وَسَلَّمَ وعَظَّمَ وَكَرَّمَ؛ كما نَصَّ على ذلك فريقٌ من العلماء من المحدثين والمفسرين والفقهاء سلفًا وخلفًا.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;