حكم استخدام الليزر في الجراحة ومدى اعتباره من الكيّ المنهي عنه

نرجو منكم الجواب عن الآتي: هل استخدام الليزر في الجراحة يدخل تحت الكيِّ المنهي عنه في السنة؟ مع بيان الفرق بين الكي الجائز والمنهي عنه. 

استخدام الليزر في الجراحة جائز شرعًا؛ فهناك فارق كبير بين الليزر وبين الكي في حقيقتيهما، ولا يدخل الليزر تحت الكيِّ المنهي عنه في السنة ولا يلحق به؛ فالليزر: شعاع ضوئي لطيف مركز يَسْهُل التحكم فيه، بينما الكيّ: إحراق بآلة معدنية انفعلت بالنار؛ حتى صار لها ما للنار من خواص ظاهرة، ومنها: الإحراق.
والكي المنهي عنه في السنة هو: الذي يُبادر إليه الصحيح رغبةً في التَّحَصُّن من المرض أو الذي يرتكبه المريض مع وجود غيره مما لا ألم معه من الأدوية، أو مع اعتقاد التأثير الذاتي للكي، وليس الله جل جلاله المؤثر الحقيقي.
أما المريض الذي غلب على الظن أن الكيّ هو الدواء المناسب له؛ لعدم جدوى غيره من أسباب التداوي فهو: مشروع في حقه؛ للحاجة، ولما فيه من التداوي وإزالة الضرر.
 

التفاصيل ....

 تضافرت النصوص الشرعية في الحثّ على التداوي والأخذ بأسباب العافية؛ فروى البخاري في "صحيحه" عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً إِلاَّ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً».
وروى مسلم في "صحيحه" عن جابر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ؛ فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ».
وروى أبو داود في "سننه" عن أسامة بن شريك رضي الله عنه قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم وَأَصْحَابُهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ فَسَلَّمْتُ ثُمَّ قَعَدْتُ، فَجَاءَ الْأَعْرَابُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَتَدَاوَى؟ فَقَالَ: «تَدَاوَوْا؛ فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ: الْهَرَمُ».
والكيّ من العلاجات المعروفة في الطبّ القديم، ويكون عن طريق استعمال حديدة محماة تكوى بها مواضع معينة لعلاج بعض الأمراض، وهو مأخوذ من: [كَواهُ البيطار وغيره يَكْوِيه كيًّا: أحرق جلده بحديدة ونحوها، ومنه قولهم: "آخر الدواء الكَيُّ"]. انظر: "تاج العروس" (39/ 423، ط. دار الهداية).
وقد تكلم العلامة الطبيب أبو القاسم الزهراوي الأندلسي عن هذا النوع من العلاج في كتابه "التصريف لمن عجز عن التأليف" (ص: 175، ط. وزارة الثقافة الأردنية) فقال: [الكلام في كيفية منفعة الكيّ ومضاره كلامٌ طويل وعلم دقيق وسرٌّ خفي، وقد تكلم فيه جماعة من الحكماء واختلفوا فيه، وقد اختصرت من كلامهم اليسير؛ مخافة التطويل؛ فأقول: إن الكيَّ بالجملة ينفع لكل مزاج، ويكون مع مادة وبغير مادة، حاشا مزاجين وهما: المزاج الحار من غير مادة، والمزاج اليابس بغير مادة؛ فأما المزاج الحار اليابس مع مادة: فقد اختلفوا فيه، فقال معظمهم: إن الكيَّ نافع فيه. وقال آخرون بضد ذلك: إن الكيَّ لا يصلح في موضع يكون من الحرارة واليبوسة؛ لأنَّ طبع النار الحرارة واليبوسة، ومن المحال أن يستشفى من مرض حارٍّ يابس بحارٍّ يابس، وقال الذي يقول بضد ذلك: الكيُّ بالنار قد ينتفع به في مرض حارٍّ يابس يحدث في أبدان الناس؛ لأنك متى أضفت بدن الإنسان ورطوبته إلى مزاج النار أصبتَ بدن الإنسان باردًا. فأنا أقول بقوله؛ لأن التجربة قد كشفت لي ذلك مرات، إلا أنه لا ينبغي أن يتصور على ذلك إلا من قد ارتاض ودُرِّبَ في باب الكيّ دُرْبَةً بالغة، ووقف على مزاجات الناس، وحال الأمراض في أنفسها وأسبابها وأعراضها ومدة زمانها، أما سائر الأمزجة فلا خوف عليك منها، ولا سيما الأمراض الباردة الرطبة؛ فقد اتفق جميع الأطباء عليها، ولم يختلفوا في النفع] اهـ.
والكيُّ من العلاجات التي أباحها الشرع الشريف عند عدم نفع الأدوية؛ والأصل في مشروعيَّته:
ما رواه مسلم في "صحيحه" عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: "رُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ رضي الله عنه فِي أَكْحَلِهِ، قَالَ: فَحَسَمَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم بِيَدِهِ بِمِشْقَصٍ ثُمَّ وَرِمَتْ فَحَسَمَهُ الثَّانِيَةَ".
وما رواه أيضًا عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قَالَ: "بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ طَبِيبًا، فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقًا، ثُمَّ كَوَاهُ عَلَيْهِ".
قال الإمام النووي في شرح الحديث من "شرحه لصحيح مسلم" (14/ 193، ط. دار إحياء التراث العربي): [وذَكَرَ الكيّ؛ لأنه يُستعمل عند عدم نفع الأدوية المشروبة ونحوها، فآخر الطب الكيّ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ» إشارة إلى تأخير العلاج بالكيّ؛ حتى يُضطرَ إليه، لما فيه من استعمال الألم الشديد في دفع ألم قد يكون أضعف من ألم الكيّ] اهـ.
وقد وردت بعض الأحاديث التي ظاهرها النهي عن الكيّ؛ منها: ما رواه البخاري في "صحيحه" عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنْ كَانَ في شَيءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِي شَرْبَةِ عَسَلٍ أَوْ شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ لَذْعَةٍ مِنْ نَارٍ وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِىَ».
ومنها: ما رواه البخاري أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الشِّفَاءُ فِي ثَلاَثَةٍ: شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِى عَنِ الْكَيِّ».
ومنها: ما رواه مسلم في "صحيحه" عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِى سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ»، قَالُوا: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لاَ يَسْتَرْقُونَ، وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ، وَلاَ يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ».
وقد جمع الحافظ ابن حجر العسقلاني بين الأحاديث؛ فقال في "فتح الباري" (10/ 155-156، ط. دار المعرفة): [قوله: (باب من اكتوى أو كوى غيره وفضل من لم يكتو): كأنه أراد أن الكي جائز للحاجة، وأن الأولى تركه إذا لم يتعين، وأنه إذا جاز كان أعم من أن يباشر الشخص ذلك بنفسه أو بغيره لنفسه أو لغيره، وعموم الجواز مأخوذ من نسبة الشفاء إليه في أول حديثي الباب، وفضل تركه من قوله: «وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ»، وقد أخرج مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر قال: رُمِيَ سعد بن معاذ على أَكْحَلِهِ فَحَسَمَهُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن طريق أبي سفيان عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "بعث إلى أبي بن كعب رضي الله عنه طبيبًا فقطع منه عرقًا ثم كَوَاهُ"، وروى الطحاوي وصححه الحاكم عن أنس رضي الله عنه قال: "كَوَانِي أبو طلحة في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم"، وأصله في البخاري، وأنه كُوِيَ من ذات الجَنْبِ وسيأتي قريبًا، وعند الترمذي عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كَوَى أَسْعَدَ بن زُرَارَة من الشَّوكَة، ولمسلم عن عمران بن حصين رضي الله عنه: "كَانَ يُسَلِّمُ عَليّ حَتَّى اكتويت فَترك ثُمَّ تَرَكْتُ الْكَيَّ فعاد"، وله عنه من وجه آخر: إن الذي كان انقطع عني رجع إلي؛ يعني تسليم الملائكة كذا في الأصل، وفي لفظ: "أنه كان يسلم عليَّ، فلما اكتويت أمسك عني، فلما تركته عاد إلي"، وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن عمران رضي الله عنه: "نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الكي، فاكتوينا، فما أفلحنا ولا أنجحنا"، وفي لفظ: "فلم يُفْلِحْنَ وَلَمْ يُنْجِحْنَ"، وسنده قوي، والنهي فيه محمول على الكراهة أو على خلاف الأولى؛ لما يقتضيه مجموع الأحاديث، وقيل إنه خاص بعمران؛ لأنه كان به الباسور وكان موضعه خطرًا فنهاه عن كيه، فلما اشتد عليه كواه فلم ينجح. وقال ابن قتيبة: الكيّ نوعان: كي الصحيح لئلا يعتل، فهذا الذي قيل فيه: لم يتوكل من اكتوى؛ لأنه يريد أن يدفع القدر، والقدر لا يدافع، والثاني: كيّ الجرح إذا نَغِلَ أي: فسد، والعضو إذا قطع فهو الذي يُشرع التداوي به، فإن كان الكي لأمر محتمل فهو خلاف الأولى؛ لما فيه من تعجيل التعذيب بالنار لأمر غير محقق، وحاصل الجمع: أن الفعل يدل على الجواز، وعدم الفعل لا يدل على المنع، بل يدل على أن تركه أرجح من فعله، وكذا الثناء على تاركه، وأما النهي عنه: فإما على سبيل الاختيار والتنزيه، وإما عما لا يتعين طريقًا إلى الشفاء، والله أعلم] اهـ.
وقال المازري في "المُعْلِم بفوائد مسلم" (3/ 169، ط. الدار التونسية للنشر): [وتعقيبه بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا أحبّ أن أكتويَ» إشارة إلى أن يؤخَّر العلاج به حتى تدفع الضرورة إليه ولا يوجد الشفاء إلا فيه؛ لما فيه من استعجال الألم الشديد في دفع ألم قد يكون أضعفَ من ألم الكيّ] اهـ.
وقال العلامة ابن منظور في "لسان العرب" (15/ 235، ط. دار صادر): [الكيّ بالنار من العلاج المعروف في كثير من الأمراض، وقد جاء في أحاديث كثيرة النهي عن الكيّ، فقيل: إنما نهي عنه من أجل أنهم كانوا يعظمون أمره، ويرون أنه يحسم الداء، وإذا لم يكو العضو عَطِب وبطل، فنهاهم عنه إذا كان على هذا الوجه، وأباحه إذا جُعل سببًا للشفاء لا علة له؛ فإن الله عز وجل هو الذي يبرئه ويشفيه لا الكيّ ولا الدواء، وهذا أمر يكثر فيه شكوك الناس، يقولون: لو شرب الدواء لم يمت، ولو أقام ببلده لم يقتل، ولو اكتوى لم يعطب. وقيل: يحتمل أن يكون نهيه عن الكيّ إذا استعمل على سبيل الاحتراز من حدوث المرض وقبل الحاجة إليه، وذلك مكروه، وإنما أبيح التداوي والعلاج عند الحاجة إليه. ويجوز أن يكون النهي عنه من قبيل التوكل؛ كقوله: «الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُون وَلَا يَكْتَوُون وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»، والتوكل درجة أخرى غير الجواز] اهـ.
وقال ابن قتيبة في "تأويل مختلف الحديث" (ص: 462-465، ط. المكتب الإسلامي ومؤسسة الإشراق): [والكيّ جنسان؛ أحدهما: كي الصحيح لئلا يعتل، كما يفعل كثير من أمم العجم: فإنهم يكوون ولدانهم وشبانهم من غير علة بهم؛ يرون أن ذلك الكي يحفظ لهم الصحة، ويدفع عنهم الأسقام... وكانت العرب تذهب هذا المذهب في جاهليتها، وتفعل شبيهًا بذلك في الإبل إذا وقعت النقبة فيها، وهو جرب، أو العر، وهو قروح تكون في وجوهها ومشافرها، فتعمد إلى بعير منها صحيح، فتكويه ليبرأ منها ما به العر أو النقبة.. وهذا هو الأمر الذي أبطله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال فيه: «لم يَتَوكَّل مَن اكْتَوَى»؛ لأنه ظن أن اكتواءه وإفزاعه الطبيعة بالنار -وهو صحيح- يدفع عنه قدر الله تعالى، ولو توكل عليه وعلم أن لا منجى من قضائه لم يتعالج -وهو صحيح- ولم يكو موضعًا لا علة به؛ ليبرأ العليل.
وأما الجنس الآخر -الكيّ المباح-: فكيّ الجرح إذا نَغِلَ -أي: فسد-، وإذا سال دمه فلم ينقطع، وكيّ العضو إذا قطع أو حسمه، وكيّ عروق من سقى بطنه وبدنه.. وهذا هو الكيّ الذي قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ فِيهِ الشِّفَاءَ»، وكوى أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ رضي الله عنه لعِلّة كان يجدها في عنقه، وليس هذا بمنزلة الأمر الأول.
ولا يقال لمَن يعالج عند نزول العلة به لم يتوكل؛ فقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتعالج وقال: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ»، لا على أن الدواء شاف لا محالة، وإنما يشرب على رجاء العافية من الله تعالى به؛ إذ كان قد جعل لكل شيء سببًا.
ومثل هذا الرزق قد ضمنه الله عز وجل لعباده؛ إذ يقول: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6]، ثم أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بطلبه وبالاكتساب والاحتراف؛ وقال الله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: 267]، ومثله توقّي المهالك، مع العلم بأن التوقّي لا يدفع ما قدره الله جل وعز، وحفظ المال في الخزائن، وبالأقفال مع العلم بأنه لا ضيعة على ما حفظه الله سبحانه، ولا حفظ لما أتلفه الله تعالى، ومثل هذا كثير ممَّا يجب علينا أن لا ننظر فيه إلى الْمَغِيبِ عنا، ويستعمل فيه الحزم، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «اعْقِلْ وَتَوَكَّلْ»] اهـ.
من هنا يظهر أنَّ مقصود الشارع هو النهيُ عن الكيّ الذي يُبادر إليه الصحيح رغبةً في التَّحَصُّن من المرض أو الذي يرتكبه المريض مع وجود غيره ممَّا لا ألم معه من الأدوية، أو مع اعتقاد التأثير الذاتي للكي.
أما المريض الذي غلب على الظن أن الكيّ هو الدواء المناسب له؛ لعدم جدوى غيره من أسباب التداوي فهو: مشروع في حقه؛ للحاجة، ولما فيه من المداواة وإزالة الضرر.
ولا يخفى ما وصل إليه الطب من تطور بصورة لافتة للنظر في عصرنا على كافة المستويات؛ سواء فيما يتعلق بالطبيب وإعداده، أو ما يتعلق بوسائل التشخيص والكشف، أو ما يتعلق بالأدوية والعلاجات، أو ما يتعلق بأدوات وطُرق التدخل الجراحي إن لزم الأمر.
ويُعَدُّ الليزر واحدًا من الوسائل الحديثة التي بلغت في دقتها وفاعليتها مبلغًا كبيرًا، ولها استعمالات مختلفة طبية وغيرها.
ولمَّا كان الحكم على الشيء فرع عن تصوره كان من المناسب أن نقف على ماهية الليزر، ثم نرى: هل يمكن إلحاقه بالكيّ وقياسه عليه أم لا؟
فالليزر (LASER): كلمة إنجليزية في أصلها، وهي مكونة من الأحرف الأولية لفكرة عمل الليزر والمتمثلة في الجملة التالية:
[Light Amplification by Stimulated Emission of Radiation]
وتعني: تكبير الضوء (Light Amplification) بواسطة الانبعاث الاستحثاثي (Stimulated Emission) للإشعاع (Radiation). بحث بعنوان: "تقنية الليزر في مجال الطب" بجامعة القادسية لحامد ناهض وزيد عماد 2017م (ص: 1).
وَيَسْتَخْدِم الليزر أشعة ضوئية أُحادية الطول الموجي؛ بمعنى أنَّ لها نفس طول الموجة، وهي تتولد في أنواع معينة من البلورات النقية، ويعمل جهاز الليزر على تسوية طور الموجات الضوئية؛ بحيث تكون جميعها في نفس الطور، فتشتد طاقتها. مقال لكرم أحمد بعنوان: "جراحة الليزر.. وقت أقصر، ألمٌ أقلّ" في مجلة البيان الإماراتية الإليكترونية.
والليزر له أنواع متعددة واستعمالات كثيرة في مجالات مختلفة طبية وهندسية وعسكرية وغير ذلك.
وفي الحقل الطبي تستخدم أشعة الليزر بمختلف أنواعها في الجراحة، وفي مجال طب الأسنان، وطب العيون، والأمراض الجلدية.
وقد بين العلماء فوائد ومميزات استخدام الليزر في الطب؛ فقالوا: من فوائده أنه لا يوجد اتصال بين الأدوات المستخدمة ومكان الجراحة، وكذلك قلة النزف الذي يصحب عمليات الجراحة، وتقليل الألم أثناء العمل الجراحي وبعده، وعدم الحاجة إلى التعقيم؛ حيث يُعَدُّ الليزر الجراحي مُعَقَّمًا تعقيمًا مثاليًّا، وتقليل الحاجة لاستخدام التخدير الموضعي، ممَّا يجعل المريض يحسّ براحة أكثر ويقلل من الخوف من العيادات الطبية.
وفي كثير من الأحيان يعتبر الليزر علاجًا وتدخلا طبيًّا أكثر دقة مع تقليل العدوى البكتيرية؛ حيث يعم المنطقة، ويقل معه تدمير الأنسجة المحيطة، ويسهل العمل باستخدامه تحت المجهر، ودقة القطع بإمكانية إحداث شق موضعي محدد، إضافة إلى إمكانية معالجة أنسجة دون أخرى؛ باختيار طول موجي معين، وإجراء عمليات من غير فتح جراحي باستخدام الألياف البصرية وذلك لمعالجة أورام المثانة والرئة والكُلية، وهو دقيق وآمن في جراحات الأمراض الخبيثة؛ مثل: السرطان، والقروح، وجراحات الأوعية الدموية، ويستعمل أيضًا في توسيع الشرايين، وعلاج قصور الدورة الدموية في الأطراف، وفي علاجات الحبل الشوكي، وجراحات أخرى؛ كالمعدة والكبد، وفترة المعالجـة قصيرة ويغادر بعدها المريض المشفى، ويتم التحكم في العملية عن طريق الحاسب الآلي. اهـ. بتصرف من بحث: "تقنية الليزر في مجال الطب" لحامد ناهض وزيد عماد 2017م (ص: 34- 35).
والذي يظهر لنا أنَّ هناك تباينًا شديدًا بين الليزر وبين الكي في حقيقتيهما، بحيث لا يصحّ قياس الليزر على الكيّ وإلحاقه به في الحكم؛ لافتراقهما من جهة الإيلام والضرر والأثر والأمان والفاعلية؛ فالليزر: شعاع ضوئي لطيف مركز يسهل التحكم فيه من ناحية الطور، والطول الموجي، والشدة، والتخفيف، بينما الكيّ: إحراق بآلة معدنية انفعلت بالنار؛ حتى صار لها ما للنار من خواص ظاهرة، ومنها: الإحراق.
فإن قيل: إن كلًّا من الكيّ والليزر في النهاية عبارة عن إحراق الجلد أو الغِشاء المخاطي؛ أُجيب عن ذلك بأمرين:
الأول: أن الليزر ليس نوعًا واحدًا بل هو أنواع مختلفة وجميعها مُفارق للكيّ في الحقيقة والأثر؛ حيث إنَّ الكي من النار بينما الليزر من الضوء.
الثاني: أن الليزر أنواع؛ فمنه الساخن، ومنه البارد أو ما يعرف بالأشعّة المنخفضة، وهذا النوع البارد له استخدامات طبية، وهو في طبيعته وأثره مناقض تمامًا للكيّ بالنار؛ لكونه باردًا، إضافة إلى كونه آمنًا خفيفًا دقيقًا، ولا يسبب الآلام؛ بينما ألم استعمال الكيّ فوق الاحتمال، وعليه: فلا وجه لقياس الليزر الجراحي على الكيّ الوارد في بعض الأحاديث النبوية من أيّ وجه، والقياس يكون عند التساوي في العلة.
وعليه: فإنَّ استخدام الليزر في الجراحة لا يدخل تحت الكيّ المنهي عنه في السنة.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

حكم استخدام الليزر في الجراحة ومدى اعتباره من الكيّ المنهي عنه

نرجو منكم الجواب عن الآتي: هل استخدام الليزر في الجراحة يدخل تحت الكيِّ المنهي عنه في السنة؟ مع بيان الفرق بين الكي الجائز والمنهي عنه. 

استخدام الليزر في الجراحة جائز شرعًا؛ فهناك فارق كبير بين الليزر وبين الكي في حقيقتيهما، ولا يدخل الليزر تحت الكيِّ المنهي عنه في السنة ولا يلحق به؛ فالليزر: شعاع ضوئي لطيف مركز يَسْهُل التحكم فيه، بينما الكيّ: إحراق بآلة معدنية انفعلت بالنار؛ حتى صار لها ما للنار من خواص ظاهرة، ومنها: الإحراق.
والكي المنهي عنه في السنة هو: الذي يُبادر إليه الصحيح رغبةً في التَّحَصُّن من المرض أو الذي يرتكبه المريض مع وجود غيره مما لا ألم معه من الأدوية، أو مع اعتقاد التأثير الذاتي للكي، وليس الله جل جلاله المؤثر الحقيقي.
أما المريض الذي غلب على الظن أن الكيّ هو الدواء المناسب له؛ لعدم جدوى غيره من أسباب التداوي فهو: مشروع في حقه؛ للحاجة، ولما فيه من التداوي وإزالة الضرر.
 

التفاصيل ....

 تضافرت النصوص الشرعية في الحثّ على التداوي والأخذ بأسباب العافية؛ فروى البخاري في "صحيحه" عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً إِلاَّ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً».
وروى مسلم في "صحيحه" عن جابر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ؛ فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ».
وروى أبو داود في "سننه" عن أسامة بن شريك رضي الله عنه قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم وَأَصْحَابُهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ فَسَلَّمْتُ ثُمَّ قَعَدْتُ، فَجَاءَ الْأَعْرَابُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَتَدَاوَى؟ فَقَالَ: «تَدَاوَوْا؛ فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ: الْهَرَمُ».
والكيّ من العلاجات المعروفة في الطبّ القديم، ويكون عن طريق استعمال حديدة محماة تكوى بها مواضع معينة لعلاج بعض الأمراض، وهو مأخوذ من: [كَواهُ البيطار وغيره يَكْوِيه كيًّا: أحرق جلده بحديدة ونحوها، ومنه قولهم: "آخر الدواء الكَيُّ"]. انظر: "تاج العروس" (39/ 423، ط. دار الهداية).
وقد تكلم العلامة الطبيب أبو القاسم الزهراوي الأندلسي عن هذا النوع من العلاج في كتابه "التصريف لمن عجز عن التأليف" (ص: 175، ط. وزارة الثقافة الأردنية) فقال: [الكلام في كيفية منفعة الكيّ ومضاره كلامٌ طويل وعلم دقيق وسرٌّ خفي، وقد تكلم فيه جماعة من الحكماء واختلفوا فيه، وقد اختصرت من كلامهم اليسير؛ مخافة التطويل؛ فأقول: إن الكيَّ بالجملة ينفع لكل مزاج، ويكون مع مادة وبغير مادة، حاشا مزاجين وهما: المزاج الحار من غير مادة، والمزاج اليابس بغير مادة؛ فأما المزاج الحار اليابس مع مادة: فقد اختلفوا فيه، فقال معظمهم: إن الكيَّ نافع فيه. وقال آخرون بضد ذلك: إن الكيَّ لا يصلح في موضع يكون من الحرارة واليبوسة؛ لأنَّ طبع النار الحرارة واليبوسة، ومن المحال أن يستشفى من مرض حارٍّ يابس بحارٍّ يابس، وقال الذي يقول بضد ذلك: الكيُّ بالنار قد ينتفع به في مرض حارٍّ يابس يحدث في أبدان الناس؛ لأنك متى أضفت بدن الإنسان ورطوبته إلى مزاج النار أصبتَ بدن الإنسان باردًا. فأنا أقول بقوله؛ لأن التجربة قد كشفت لي ذلك مرات، إلا أنه لا ينبغي أن يتصور على ذلك إلا من قد ارتاض ودُرِّبَ في باب الكيّ دُرْبَةً بالغة، ووقف على مزاجات الناس، وحال الأمراض في أنفسها وأسبابها وأعراضها ومدة زمانها، أما سائر الأمزجة فلا خوف عليك منها، ولا سيما الأمراض الباردة الرطبة؛ فقد اتفق جميع الأطباء عليها، ولم يختلفوا في النفع] اهـ.
والكيُّ من العلاجات التي أباحها الشرع الشريف عند عدم نفع الأدوية؛ والأصل في مشروعيَّته:
ما رواه مسلم في "صحيحه" عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: "رُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ رضي الله عنه فِي أَكْحَلِهِ، قَالَ: فَحَسَمَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم بِيَدِهِ بِمِشْقَصٍ ثُمَّ وَرِمَتْ فَحَسَمَهُ الثَّانِيَةَ".
وما رواه أيضًا عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قَالَ: "بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ طَبِيبًا، فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقًا، ثُمَّ كَوَاهُ عَلَيْهِ".
قال الإمام النووي في شرح الحديث من "شرحه لصحيح مسلم" (14/ 193، ط. دار إحياء التراث العربي): [وذَكَرَ الكيّ؛ لأنه يُستعمل عند عدم نفع الأدوية المشروبة ونحوها، فآخر الطب الكيّ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ» إشارة إلى تأخير العلاج بالكيّ؛ حتى يُضطرَ إليه، لما فيه من استعمال الألم الشديد في دفع ألم قد يكون أضعف من ألم الكيّ] اهـ.
وقد وردت بعض الأحاديث التي ظاهرها النهي عن الكيّ؛ منها: ما رواه البخاري في "صحيحه" عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنْ كَانَ في شَيءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِي شَرْبَةِ عَسَلٍ أَوْ شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ لَذْعَةٍ مِنْ نَارٍ وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِىَ».
ومنها: ما رواه البخاري أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الشِّفَاءُ فِي ثَلاَثَةٍ: شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِى عَنِ الْكَيِّ».
ومنها: ما رواه مسلم في "صحيحه" عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِى سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ»، قَالُوا: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لاَ يَسْتَرْقُونَ، وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ، وَلاَ يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ».
وقد جمع الحافظ ابن حجر العسقلاني بين الأحاديث؛ فقال في "فتح الباري" (10/ 155-156، ط. دار المعرفة): [قوله: (باب من اكتوى أو كوى غيره وفضل من لم يكتو): كأنه أراد أن الكي جائز للحاجة، وأن الأولى تركه إذا لم يتعين، وأنه إذا جاز كان أعم من أن يباشر الشخص ذلك بنفسه أو بغيره لنفسه أو لغيره، وعموم الجواز مأخوذ من نسبة الشفاء إليه في أول حديثي الباب، وفضل تركه من قوله: «وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ»، وقد أخرج مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر قال: رُمِيَ سعد بن معاذ على أَكْحَلِهِ فَحَسَمَهُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن طريق أبي سفيان عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "بعث إلى أبي بن كعب رضي الله عنه طبيبًا فقطع منه عرقًا ثم كَوَاهُ"، وروى الطحاوي وصححه الحاكم عن أنس رضي الله عنه قال: "كَوَانِي أبو طلحة في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم"، وأصله في البخاري، وأنه كُوِيَ من ذات الجَنْبِ وسيأتي قريبًا، وعند الترمذي عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كَوَى أَسْعَدَ بن زُرَارَة من الشَّوكَة، ولمسلم عن عمران بن حصين رضي الله عنه: "كَانَ يُسَلِّمُ عَليّ حَتَّى اكتويت فَترك ثُمَّ تَرَكْتُ الْكَيَّ فعاد"، وله عنه من وجه آخر: إن الذي كان انقطع عني رجع إلي؛ يعني تسليم الملائكة كذا في الأصل، وفي لفظ: "أنه كان يسلم عليَّ، فلما اكتويت أمسك عني، فلما تركته عاد إلي"، وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن عمران رضي الله عنه: "نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الكي، فاكتوينا، فما أفلحنا ولا أنجحنا"، وفي لفظ: "فلم يُفْلِحْنَ وَلَمْ يُنْجِحْنَ"، وسنده قوي، والنهي فيه محمول على الكراهة أو على خلاف الأولى؛ لما يقتضيه مجموع الأحاديث، وقيل إنه خاص بعمران؛ لأنه كان به الباسور وكان موضعه خطرًا فنهاه عن كيه، فلما اشتد عليه كواه فلم ينجح. وقال ابن قتيبة: الكيّ نوعان: كي الصحيح لئلا يعتل، فهذا الذي قيل فيه: لم يتوكل من اكتوى؛ لأنه يريد أن يدفع القدر، والقدر لا يدافع، والثاني: كيّ الجرح إذا نَغِلَ أي: فسد، والعضو إذا قطع فهو الذي يُشرع التداوي به، فإن كان الكي لأمر محتمل فهو خلاف الأولى؛ لما فيه من تعجيل التعذيب بالنار لأمر غير محقق، وحاصل الجمع: أن الفعل يدل على الجواز، وعدم الفعل لا يدل على المنع، بل يدل على أن تركه أرجح من فعله، وكذا الثناء على تاركه، وأما النهي عنه: فإما على سبيل الاختيار والتنزيه، وإما عما لا يتعين طريقًا إلى الشفاء، والله أعلم] اهـ.
وقال المازري في "المُعْلِم بفوائد مسلم" (3/ 169، ط. الدار التونسية للنشر): [وتعقيبه بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا أحبّ أن أكتويَ» إشارة إلى أن يؤخَّر العلاج به حتى تدفع الضرورة إليه ولا يوجد الشفاء إلا فيه؛ لما فيه من استعجال الألم الشديد في دفع ألم قد يكون أضعفَ من ألم الكيّ] اهـ.
وقال العلامة ابن منظور في "لسان العرب" (15/ 235، ط. دار صادر): [الكيّ بالنار من العلاج المعروف في كثير من الأمراض، وقد جاء في أحاديث كثيرة النهي عن الكيّ، فقيل: إنما نهي عنه من أجل أنهم كانوا يعظمون أمره، ويرون أنه يحسم الداء، وإذا لم يكو العضو عَطِب وبطل، فنهاهم عنه إذا كان على هذا الوجه، وأباحه إذا جُعل سببًا للشفاء لا علة له؛ فإن الله عز وجل هو الذي يبرئه ويشفيه لا الكيّ ولا الدواء، وهذا أمر يكثر فيه شكوك الناس، يقولون: لو شرب الدواء لم يمت، ولو أقام ببلده لم يقتل، ولو اكتوى لم يعطب. وقيل: يحتمل أن يكون نهيه عن الكيّ إذا استعمل على سبيل الاحتراز من حدوث المرض وقبل الحاجة إليه، وذلك مكروه، وإنما أبيح التداوي والعلاج عند الحاجة إليه. ويجوز أن يكون النهي عنه من قبيل التوكل؛ كقوله: «الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُون وَلَا يَكْتَوُون وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»، والتوكل درجة أخرى غير الجواز] اهـ.
وقال ابن قتيبة في "تأويل مختلف الحديث" (ص: 462-465، ط. المكتب الإسلامي ومؤسسة الإشراق): [والكيّ جنسان؛ أحدهما: كي الصحيح لئلا يعتل، كما يفعل كثير من أمم العجم: فإنهم يكوون ولدانهم وشبانهم من غير علة بهم؛ يرون أن ذلك الكي يحفظ لهم الصحة، ويدفع عنهم الأسقام... وكانت العرب تذهب هذا المذهب في جاهليتها، وتفعل شبيهًا بذلك في الإبل إذا وقعت النقبة فيها، وهو جرب، أو العر، وهو قروح تكون في وجوهها ومشافرها، فتعمد إلى بعير منها صحيح، فتكويه ليبرأ منها ما به العر أو النقبة.. وهذا هو الأمر الذي أبطله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال فيه: «لم يَتَوكَّل مَن اكْتَوَى»؛ لأنه ظن أن اكتواءه وإفزاعه الطبيعة بالنار -وهو صحيح- يدفع عنه قدر الله تعالى، ولو توكل عليه وعلم أن لا منجى من قضائه لم يتعالج -وهو صحيح- ولم يكو موضعًا لا علة به؛ ليبرأ العليل.
وأما الجنس الآخر -الكيّ المباح-: فكيّ الجرح إذا نَغِلَ -أي: فسد-، وإذا سال دمه فلم ينقطع، وكيّ العضو إذا قطع أو حسمه، وكيّ عروق من سقى بطنه وبدنه.. وهذا هو الكيّ الذي قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ فِيهِ الشِّفَاءَ»، وكوى أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ رضي الله عنه لعِلّة كان يجدها في عنقه، وليس هذا بمنزلة الأمر الأول.
ولا يقال لمَن يعالج عند نزول العلة به لم يتوكل؛ فقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتعالج وقال: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ»، لا على أن الدواء شاف لا محالة، وإنما يشرب على رجاء العافية من الله تعالى به؛ إذ كان قد جعل لكل شيء سببًا.
ومثل هذا الرزق قد ضمنه الله عز وجل لعباده؛ إذ يقول: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6]، ثم أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بطلبه وبالاكتساب والاحتراف؛ وقال الله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: 267]، ومثله توقّي المهالك، مع العلم بأن التوقّي لا يدفع ما قدره الله جل وعز، وحفظ المال في الخزائن، وبالأقفال مع العلم بأنه لا ضيعة على ما حفظه الله سبحانه، ولا حفظ لما أتلفه الله تعالى، ومثل هذا كثير ممَّا يجب علينا أن لا ننظر فيه إلى الْمَغِيبِ عنا، ويستعمل فيه الحزم، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «اعْقِلْ وَتَوَكَّلْ»] اهـ.
من هنا يظهر أنَّ مقصود الشارع هو النهيُ عن الكيّ الذي يُبادر إليه الصحيح رغبةً في التَّحَصُّن من المرض أو الذي يرتكبه المريض مع وجود غيره ممَّا لا ألم معه من الأدوية، أو مع اعتقاد التأثير الذاتي للكي.
أما المريض الذي غلب على الظن أن الكيّ هو الدواء المناسب له؛ لعدم جدوى غيره من أسباب التداوي فهو: مشروع في حقه؛ للحاجة، ولما فيه من المداواة وإزالة الضرر.
ولا يخفى ما وصل إليه الطب من تطور بصورة لافتة للنظر في عصرنا على كافة المستويات؛ سواء فيما يتعلق بالطبيب وإعداده، أو ما يتعلق بوسائل التشخيص والكشف، أو ما يتعلق بالأدوية والعلاجات، أو ما يتعلق بأدوات وطُرق التدخل الجراحي إن لزم الأمر.
ويُعَدُّ الليزر واحدًا من الوسائل الحديثة التي بلغت في دقتها وفاعليتها مبلغًا كبيرًا، ولها استعمالات مختلفة طبية وغيرها.
ولمَّا كان الحكم على الشيء فرع عن تصوره كان من المناسب أن نقف على ماهية الليزر، ثم نرى: هل يمكن إلحاقه بالكيّ وقياسه عليه أم لا؟
فالليزر (LASER): كلمة إنجليزية في أصلها، وهي مكونة من الأحرف الأولية لفكرة عمل الليزر والمتمثلة في الجملة التالية:
[Light Amplification by Stimulated Emission of Radiation]
وتعني: تكبير الضوء (Light Amplification) بواسطة الانبعاث الاستحثاثي (Stimulated Emission) للإشعاع (Radiation). بحث بعنوان: "تقنية الليزر في مجال الطب" بجامعة القادسية لحامد ناهض وزيد عماد 2017م (ص: 1).
وَيَسْتَخْدِم الليزر أشعة ضوئية أُحادية الطول الموجي؛ بمعنى أنَّ لها نفس طول الموجة، وهي تتولد في أنواع معينة من البلورات النقية، ويعمل جهاز الليزر على تسوية طور الموجات الضوئية؛ بحيث تكون جميعها في نفس الطور، فتشتد طاقتها. مقال لكرم أحمد بعنوان: "جراحة الليزر.. وقت أقصر، ألمٌ أقلّ" في مجلة البيان الإماراتية الإليكترونية.
والليزر له أنواع متعددة واستعمالات كثيرة في مجالات مختلفة طبية وهندسية وعسكرية وغير ذلك.
وفي الحقل الطبي تستخدم أشعة الليزر بمختلف أنواعها في الجراحة، وفي مجال طب الأسنان، وطب العيون، والأمراض الجلدية.
وقد بين العلماء فوائد ومميزات استخدام الليزر في الطب؛ فقالوا: من فوائده أنه لا يوجد اتصال بين الأدوات المستخدمة ومكان الجراحة، وكذلك قلة النزف الذي يصحب عمليات الجراحة، وتقليل الألم أثناء العمل الجراحي وبعده، وعدم الحاجة إلى التعقيم؛ حيث يُعَدُّ الليزر الجراحي مُعَقَّمًا تعقيمًا مثاليًّا، وتقليل الحاجة لاستخدام التخدير الموضعي، ممَّا يجعل المريض يحسّ براحة أكثر ويقلل من الخوف من العيادات الطبية.
وفي كثير من الأحيان يعتبر الليزر علاجًا وتدخلا طبيًّا أكثر دقة مع تقليل العدوى البكتيرية؛ حيث يعم المنطقة، ويقل معه تدمير الأنسجة المحيطة، ويسهل العمل باستخدامه تحت المجهر، ودقة القطع بإمكانية إحداث شق موضعي محدد، إضافة إلى إمكانية معالجة أنسجة دون أخرى؛ باختيار طول موجي معين، وإجراء عمليات من غير فتح جراحي باستخدام الألياف البصرية وذلك لمعالجة أورام المثانة والرئة والكُلية، وهو دقيق وآمن في جراحات الأمراض الخبيثة؛ مثل: السرطان، والقروح، وجراحات الأوعية الدموية، ويستعمل أيضًا في توسيع الشرايين، وعلاج قصور الدورة الدموية في الأطراف، وفي علاجات الحبل الشوكي، وجراحات أخرى؛ كالمعدة والكبد، وفترة المعالجـة قصيرة ويغادر بعدها المريض المشفى، ويتم التحكم في العملية عن طريق الحاسب الآلي. اهـ. بتصرف من بحث: "تقنية الليزر في مجال الطب" لحامد ناهض وزيد عماد 2017م (ص: 34- 35).
والذي يظهر لنا أنَّ هناك تباينًا شديدًا بين الليزر وبين الكي في حقيقتيهما، بحيث لا يصحّ قياس الليزر على الكيّ وإلحاقه به في الحكم؛ لافتراقهما من جهة الإيلام والضرر والأثر والأمان والفاعلية؛ فالليزر: شعاع ضوئي لطيف مركز يسهل التحكم فيه من ناحية الطور، والطول الموجي، والشدة، والتخفيف، بينما الكيّ: إحراق بآلة معدنية انفعلت بالنار؛ حتى صار لها ما للنار من خواص ظاهرة، ومنها: الإحراق.
فإن قيل: إن كلًّا من الكيّ والليزر في النهاية عبارة عن إحراق الجلد أو الغِشاء المخاطي؛ أُجيب عن ذلك بأمرين:
الأول: أن الليزر ليس نوعًا واحدًا بل هو أنواع مختلفة وجميعها مُفارق للكيّ في الحقيقة والأثر؛ حيث إنَّ الكي من النار بينما الليزر من الضوء.
الثاني: أن الليزر أنواع؛ فمنه الساخن، ومنه البارد أو ما يعرف بالأشعّة المنخفضة، وهذا النوع البارد له استخدامات طبية، وهو في طبيعته وأثره مناقض تمامًا للكيّ بالنار؛ لكونه باردًا، إضافة إلى كونه آمنًا خفيفًا دقيقًا، ولا يسبب الآلام؛ بينما ألم استعمال الكيّ فوق الاحتمال، وعليه: فلا وجه لقياس الليزر الجراحي على الكيّ الوارد في بعض الأحاديث النبوية من أيّ وجه، والقياس يكون عند التساوي في العلة.
وعليه: فإنَّ استخدام الليزر في الجراحة لا يدخل تحت الكيّ المنهي عنه في السنة.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;