حدود ولي الأمر في تقييد الواجب والمندوب

ما المقصود بمصطلح ولي الأمر؟ هل يطلق على العلماء أو هو مقصورٌ على الحاكم فقط؟ وما هي حدود ولايته في تقييد الواجب أو المندوب شرعًا؟ وهل ينطبق هذا المصطلح على ما هو موجود في عصرنا الحالي؟

وليُّ الأمرِ لفظٌ عامٌّ في أصلِ وضْعِهِ؛ يشمل كلَّ مَن تولى أمرَ غيرِهِ؛ كالأمراء والعلماء وأهل الحَلِّ والعَقد وغيرهم، غيرَ أنَّ ما عليه جماهير العلماء سلفًا وخلفًا أنَّه يطلق على الوُلاةِ والأُمراء، وأنهم المَعْنِيُّون بالطاعة؛ لأنَّ الأصلَ في وظيفة أولي الأمر: حفظ الدين، وقوانين السياسة، وبثُّ العدل والتناصف الذي به تحقن الدماء والتمكن من إقامة الشرع، وهذا هو الغالب في الكتابات والخطابات الرسمية، وجرت عليه الاستعمالات الفقهية، وقد تطوَّر مفهومُه واختلفت مَهَامُّه في نظام الدولة الحديثة، فلم يَعُدْ مجرد شخص طبيعي يتمثل في رئيس دولةٍ أو ملكٍ أو أميرٍ، وإنَّما أصبح شخصًا اعتباريًّا يتمثل في مؤسساتٍ تشريعيةٍ وقضائيةٍ وتنفيذيةٍ، وبذلك ينطبق هذا المصطلح على ما هو موجود الآن في عصرنا الحالي.

وقد أجمع الفقهاء على أنَّ طاعة الحاكم فيما يأمر به واجبة، ما لم يكن ذلك معصيةً أو كفًرا بواحًا، ومصالح الناس في معاشهم ومعادهم لا تتحقق إلا بالتكامل والتعاون بينهم وبين حُكَّامهم، ومن هنا أجاز الشرع لولي الأمر المنوط به أمر التقنين أن يختارَ من الفقه الواسع ومذاهبِ المجتهدين ما يراه محققًا للمصالح؛ من تقييد الواجب أو المندوب، ويلزم على الناس اتباعه في ذلك؛ إعلاءً للمقاصد وتحقيقًا للمصالح.

التفاصيل ....

وليُّ الأمرِ: هو لفظٌ عامٌّ في أصلِ وضْعِهِ؛ يشمل كلَّ مَن وَلِيَ أمرَ غيرِهِ؛ فيطلَقُ على مَنْ يُسنِدُ الناسُ إليه تدبير شؤونهم، ويعتمدونَ في ذلك عليه، فيصير الأمرُ كأنَّه مِن خصائصه؛ كالأمراء والعلماء وأهل الحلّ والعقد، وليس مقصورًا على إمامة المسلمين العامَّة فحسب؛ بل يشمل "كلَّ قائمٍ بأمورِ النَّاس"؛ كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (6/ 116، ط. دار المعرفة).

قال الإمام أبو الحسن بن سيده في "المحكم والمحيط الأعظم" (10/ 395، ط. دار الكتب العلمية): [وجملةُ أولي الأمرِ من المسلمينَ: مَنْ يقوم بشأنِهِم في أمرِ دينِهم، وجميعِ ما أَدَّى إلى إصلاحِهم] اهـ.

ولذلك أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن عِظَمِ الأمانة التي يحملها ولاة الأمر على عواتقهم، وأنَّها تستوجب العمل على مصلحة مَنْ يرعونَهُم؛ لأنَّهم مأمورون به ومسؤولون عنه أمام الله تعالى؛ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا مِن عَبدٍ يَستَرعِيهِ اللهُ رعية، يَمُوتُ يَومَ يَمُوتُ وهو غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ» متفقٌ عليه.

قال الإمام أبو العباس القرطبي في "المفهم" (1/ 353-354، ط. دار ابن كثير): [هو لفظٌ عامٌّ في كلِّ مَن كُلِّفَ حِفظَ غيرِهِ.. والرعايةُ: الحِفظُ والصيانة.. وحاصلُهُ: راجعٌ إلى الزجر عن أن يُضيِّع ما أُمِرَ بحفظه، وأنْ يُقصِّر في ذلك مع التمكُّنِ من فِعلِ ما يتعيَّنُ عليه] اهـ.

قال العلامة الطاهر بن عاشور في "التحرير والتنوير" (5/ 97-98، ط. الدار التونسية): [أولو الأمر مِن الأمَّة ومِن القوم: هم الذين يُسنِد الناسُ إليهم تدبير شؤونهم، ويعتمدون في ذلك عليهم، فيصير الأمرُ كأنَّه مِن خصائصهم.. فأولو الأمر هنا هم مَنْ عدا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مِن الخليفة إلى والي الحِسْبَةِ، ومِن قوَّاد الجيوش، ومِن فقهاء الصحابة والمجتهدين إلى أهل العلم في الأزمنة المتأخِّرة، وأولو الأمر هم الذين يُطْلَق عليهم أيضًا أهل الحلِّ والعَقْدِ] اهـ.

وقد اختلف العلماء من الفقهاء والمفسرين فيمن يدلُّ عليه لفظ ولي الأمر عند الإطلاق، غيرَ أنَّ ما عليه جماهيرهم سلفًا وخلفًا هو أنَّ هذا اللفظ يُطْلَقُ على الوُلاةِ والأُمراء، وهم المَعْنِيُّون بالطاعة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59].

قال القاضي عياض المالكي في "إكمال المُعلم" (6/ 240، ط. دار الوفاء): [قيل: المراد بأولي الأمر مَن أوجب الله عليك طاعته، أي: أولي الطاعة والِائتمار، والائتمار: الطاعة، فظاهره أنَّ المراد بأولي الأمر: الولاة والأمراء، وهو قول أكثر السلف، واستدل بعضهم بما جاء قبل الآية من قوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58]. وقيل: هم العلماء، وقيل: هم عامة الأمراء والعلماء، وقيل: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم] اهـ.

وقال الإمام النووي في "شرح مسلم" (12/ 223، ط. دار إحياء التراث العربي): [قال العلماء: المرادُ بأولي الأمر: مَنْ أوجبَ اللهُ طاعته من الولاة والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف من المفُسِّرين والفقهاء وغيرهم] اهـ.

وذلك لأنَّ الأصلَ في وظيفة أولي الأمر: حفظ الدين، وحفظ قوانين السياسة، وبثُّ العدل والتناصف الذي به تُحْقَنُ الدماء ويُتَمَكَّنُ من إقامة قانون الشرع؛ كما قال الإمام الطيبي في "الكاشف عن حقائق السنن" (2/ 699، ط. الباز)، والعلامة الصنعاني في "التنوير" (3/ 370، ط. دار السلام).

وَيَدُلُّ عليه: مناسبةُ نزول الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59]؛ ففي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أنَّ هذه الآية نزلت في عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه لمَّا بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سريَّةٍ، فأمرهم بأمرٍ فخالفَهُ بعضهم وأَنِفَ على عادة العرب، فإنهم كانوا يأنفون من الطاعة فنزلت الآية بسبب ذلك". قال الإمام الشافعي: "كانت العرب تأنف من الطاعة للأمراء، فلما أطاعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرهم بطاعة الأمراء، وهذا صريحٌ في أنَّ المرادَ بأولي الأمر: الأُمَراءُ؛ كما قال الحافظ أبو زرعة العراقي [ت: 826هـ] في "طرح التثريب" (8/ 82، ط. دار إحياء التراث العربي).

كما يدلُّ عليه أيضًا: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾، أي: أنتم وأولو الأمر منكم في شيء من أمور الدين، وهذا يؤيد أنَّ المراد بأولي الأمر أمراء المسلمين؛ إذ ليس للمقلد أنْ يُنَازِع المجتهد في حكمه بخلاف المرؤوس؛ كما قال الإمام القسطلاني في "إرشاد الساري" (10/ 216، ط. الأميرية).

كما أنَّ إطلاقَ لفظِ "ولي الأمر" على الحُكَّام والأُمراء هو الغالب في الكتابات والخطابات الرسمية، وجرت عليه الاستعمالات الفقهية، وقد تطوَّر مفهومُه واختلفت مهامُّهُ في نظام الدولة الحديثة، فلم يَعُدْ مجرد شخص طبيعي يتمثل في رئيس دولةٍ أو ملكٍ أو أميرٍ، وإنما أصبح شخصًا اعتباريًّا يتمثل في مؤسساتٍ تشريعيةٍ وقضائيةٍ وتنفيذيةٍ، أو ما يعرف بـ "النظام العام" الذي تحدده مواد الدستور، وتحققه القوانين المعمول بها في البلاد، والتي يحكم بها القضاء في المنازعات بين الناس.

وقد تقرر أنَّ من شمولية الشريعة الإسلامية: رعايتها لمصالح الخلق ووضع الضوابط التي بها تستقر المجتمعات والشعوب، ومن أَولَى هذه الضوابط: النص على ضرورة أنْ تكون هناك سلطة حاكمة تختص بمسؤولية تدبير شؤون الأمة وسياستها، وإرساء قواعد العدل بين أفرادها، وتحقيق مصالحها الدينية والدنيوية؛ فكانت الإمامةُ عقدًا اجتماعيًّا يُنِيبُ فيه الناسُ الحاكمَ أو مَن يقوم مقامه في رعاية شئونهم وحفظ أمنهم، ويفوضونه في سياسة أمورهم ومعاشهم، ويأتمنونه على القيام بمصالحهم.

فروى الإمام مسلم في "صحيحه" عن عوف بن مالك رضي الله عنه، قال: قَتل رجلٌ مِن حِمْيَرَ رجلًا من العدو، فأراد سَلَبَه، فمنعه خالد بن الوليد رضي الله عنه، وكان واليًا عليهم، فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم عوفُ بن مالك رضي الله عنه فأخبره، فقال صلى الله عليه وآله وسلم لخالد: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تُعْطِيَهُ سَلَبَهُ؟» قال: استكثرتُه يا رسول الله، قال: «ادْفَعْهُ إِلَيْهِ»، فمرَّ خالدٌ بعوفٍ فجرَّ بردائه، ثم قال: هل أنجزتُ لك ما ذكرتُ لك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فسمعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاستُغضِبَ، فقال: «لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ، لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ، هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي أُمَرَائِي؟ إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتُرْعِيَ إِبِلًا أَوْ غَنَمًا فَرَعَاهَا، ثُمَّ تَحَيَّنَ سَقْيَهَا فَأَوْرَدَهَا حَوْضًا، فَشَرَعَتْ فِيهِ، فَشَرِبَتْ صَفْوَهُ، وَتَرَكَتْ كَدَرَهُ، فَصَفْوُهُ لَكُمْ، وَكَدَرُهُ عَلَيْهِمْ».

قال الإمام النووي في "شرح مسلم" (12/ 65): [الرعِيَّة يأخذون صَفْوَ الأمور؛ فتصلهم أعطياتهم بغير نكد، وتُبْتَلَى الولاةُ بمقاساة الأمور وجمع الأموال على وجوهها، وصرفها في وجوهها، وحفظ الرعية، والشفقة عليهم، والذب عنهم، وإنصاف بعضهم من بعض؛ ثم متى وقع علقة أو عتب في بعض ذلك توجه على الأمراء دون الناس] اهـ.

ولكي يتمكن الحاكم من القيام بدوره من تدبير الشؤون وتحقيق المصالح أوجب الله طاعته؛ فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59]. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ أطاعَنيِ فَقَدْ أطاعَ اللهَ، وَمَنْ يعصني فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ يُطعِ الأميرَ فَقَدْ أطاعني، وَمَنْ يَعْصِ الأميرَ فَقَدْ عَصَانِيِ» متفقٌ عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

وأخرج الستة عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «السَّمعُ والطّاعةُ على المَرءِ المُسلِمِ فيما أَحَبَّ وكَرِهَ، ما لم يُؤمَر بمَعصِيةٍ، فإذا أُمِرَ بمَعصِيةٍ فلا سَمعَ ولا طاعةَ».

وقد أجمع الفقهاء على أنَّ طاعة الحاكم فيما يأمر به واجبة ولو كان فيما يُكرَه أو يُتَرَدد في صحته -ما لم يكن ذلك معصيةً أو كفرًا بواحًا؛ لأن الأمر بطاعته ثابتٌ بنصٍ قطعيٍّ فلا يدفعه تردُّدٌ أو كراهةٌ، ولأن مفسدة معصيته أشد من مفسدة طاعته لو كان مخطئًا.

قال الإمام ابن حزم في "مراتب الإجماع" (ص: 126، ط. دار الكتب العلمية): [وَاتَّفَقُوا أن الإمام الْوَاجِب إمامته: فإن طَاعَته فِي كل مَا أَمر مَا لم يكن مَعْصِيَةً فرضٌ، والقتال دونه فرض، وخدمته فِيمَا أَمر بِهِ وَاجِبَة، وأحكامه وأحكام مَن وَلَّى نَافِذَة، وعزله مَن عَزَل نَافِذ] اهـ.

وقال العلامة ابن القطان في "الإقناع في مسائل الإجماع" (1/ 60، ط. الفاروق الحديثة): [وأجمعوا أنَّ السمع والطاعة واجبة لأئمة المسلمين] اهـ.

وقال العلامة ابن الأزرق في "بدائع السِّلك" (1/ 78، ط. وزارة الإعلام): [دلَالَة وجوب دَرْء أعظم الْمَفَاسِد عَلَيْهِ؛ إِذْ لإخفاء أَن مفْسدَة عصيانه تَرْبَى على مفْسدَة إعانته بِالطَّاعَةِ لَهُ، كَمَا قَالُوا فِي الْجِهَاد مَعَه، وَمن ثمَّ قيل: عصيان الْأَئِمَّة هدم أَرْكَان الْملَّة] اهـ.

وسبب ذلك كله: أنَّ طاعة أولي الأمر سببٌ لاجتماع الكلمة وانتظام المعاش وتحقيق مصالح العباد في أنفسهم وأموالهم ودينهم؛ فلا بُدَّ للناس مِن مَرجِعٍ يأتمرون بأمره؛ رفعًا للنزاع والشقاق، وإلا عَمَّت الفوضى واختل النظام العام، ودخل على الناس فساد عظيم في دينهم ودنياهم، وعَمَّ الهرج وضاعت الحقوق.

قال الإمام الماوردي في "الأحكام السلطانية" (ص: 40، ط. دار الحديث): [أن يباشر بنفسه مشارفةَ الأمورِ، وتصفُّحَ الأحوالِ؛ لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة] اهـ.

وقال حجة الإسلام الغزالي في "الاقتصاد في الاعتقاد" (ص: 128، ط. دار الكتب العلمية): [الدنيا والأمن على الأنفس والأموال لا ينتظم إلا بسلطانٍ مطاعٍ، فتشهد له مشاهدة أوقات الفتن بموت السلاطين والأئمة، وإنَّ ذلك لو دام ولم يُتَدَارَك بنَصبِ سلطان آخر مُطاع دام الهرج وعَمَّ السيف وشمل القحط وهلكت المواشي وبطلت الصناعات، وكان كلّ مَن غلب سلب، ولم يتفرغ أحد للعبادة والعلم إنْ بقي حيًّا، والأكثرون يهلكون تحت ظلال السيوف، ولهذا قيل: الدين والسلطان توأمان، ولهذا قيل: الدين أس والسلطان حارس، وما لا أس له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع] اهـ.

ومصالح العباد في معاشهم ومعادهم لا تتحقق إلا بالتكامل والتعاون بينهم وبين حُكَّامهم؛ فالحاكم بما منحه الله من السلطة وما يتبعها من القدرة على الاطلاع على خفايا الأمور وظواهرها، وما يصلح فيها وما يفسدها، أباح له الشرعُ سَنَّ القوانين ووضع الضوابط وإصدار القرارات، إلا أنَّه قيَّد ذلك كله بالمصلحة؛ فالقاعدة العامة في تصرفات ولي الأمر "أنها منوطة بالمصلحة"؛ كما قال الإمام السيوطي في "الأشباه والنظائر" (ص: 121، ط. دار الكتب العلمية)، ثم قال: [هذه القاعدة نَصَّ عليها الشافعي وقال: "منزلة الإمام من الرعية منزلة الولي من اليتيم"، وأصل ذلك ما أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" قال: حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال عمر رضي الله عنه: "إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم؛ إن احتجت أخذت منه، فإذا أيسرت رددته، فإن استغنيت استعففت"] اهـ.

والمراد بالمصلحة هنا: المصلحة الشرعية المعتبرة أو المرسلة بضوابطها، لا الملغاة، والمصلحة المنوط بالإمام القيام بها تكون لعموم مَنْ تحته لا لفرْدٍ بعينه؛ ولذا وجب على ولي الأمر -وكذا نُوَّابُهُ- قصدُ مصلحة عموم المسلمين، وتقديمُ المصالح الأخروية على الدنيوية، بما أُسْنِد إليه من أمر رعاية شؤون الناس؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» متفق عليه.

ومن هنا فقد أجاز الشرعُ لولي الأمر المنوط به أمرُ التقنين أن يختارَ من الفقه الوسيع ومذاهبِ المجتهدين ما يراه محققًا للمصالح العامة، ومن المقررات الفقهية أن "اختيار الحاكم يرفع الخلاف"؛ فإذا اختار ولي الأمر قولًا من أقوال المجتهدين في مسألة من المسائلِ الخلافية وألزم رعيتَه بالأخْذ به؛ كان عليهم أن يتبعوه في ذلك.

قال الإمام الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (7/ 100، ط. دار الكتب العلمية): [اتّباع الإمام في محل الاجتهاد واجبٌ كاتّباع القضاة في مواضع الاجتهاد] اهـ.

وقال الإمام القرافي المالكي في "الفروق" (2/ 103، ط. عالم الكتب): [اعلم أنَّ حُكم الحاكم في مسائلِ الاجتهاد يرفعُ الخِلافَ، ويرجع المخالِفُ عن مذهبه لمذهب الحاكم، وتتغير فُتياه بعد الحكم عمَّا كانت عليه؛ على القول الصحيح من مذاهب العلماء] اهـ.

وتَصَرُّفُ الإمام في اختيار بعض الآراء قد يكون مطلوبَ الفعل؛ وهو الواجب والمندوب، وقد يكون مطلوبَ الترك؛ وهو الحرام والمكروه، وقد يستوي فيه الفعل والترك؛ وهو المباح، وذلك حسب متعلقات الحكم الشرعي.

 فأما إذا كان مُتَعَلَّق التقييد واجبًا؛ فالواجب إمَّا أنْ يكون كفائيًّا، أو عَينيًّا:

- فأمَّا الواجب الكِفائي: فالمراد حصوله، ولا يُقْصَد به عينُ مَن يتولاه، ومعنى هذا أنَّ المقصودَ من فرض الكفاية وقوعُ الفعل من غير نظرٍ إلى فاعله، بخلاف فرض العين: فإنَّ المقصود منه الفاعل؛ كما قال الإمام الزركشي في "البحر المحيط" (1/ 321، ط. دار الكتبي).

ولولي الأمر سلطة تقييد الواجب الكفائي؛ بشخص مُعَيَّنٍ يقوم به، أو مكان معين، أو وقتٍ معين يوقع فيهما، وتجب طاعته في ذلك.

- وأما الواجب العيني: وهو ما يتعين على جميع المكلفين القيام به، بحيث لا يرتفع عن الفرد منهم إلا بالقيام به، أو برفعه عنه من قبل الشرع نفسه بالضوابط المبيحة لذلك -كارتفاع صوم رمضان عن الشيخ الْهَرِمِ عند عدم الإطاقة بالفدية-؛ فليس لولي الأمر الحق في رفع هذا الواجب المُتَعَيَّن عن بعض أفراد المُكَلَّفين أو جميعهم لوجوبه شرعًا في حق الجميع؛ وجاز له تقييد القيام به على الصورة التي لا تضرُّ بالمصلحة العامة وتضمن مع ذلك قيامهم به، ومن ذلك كان تشريع صلاة الخوف في الإسلام؛ فلم يأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين بترك الصلاة وقت الخوف والفزع، وإنَّما علَّمهم كيفية للصلاة تضمن سلامتهم مع قيامهم بها، ومن ذلك أيضًا جواز إلزام العاملين في جهة أنْ يتناوبوا في أوقات صلاتهم إذا كانت صلاتهم في نفس الوقت مما يؤثر في مصلحة العمل.

ومِنْ ذلك أيضًا ما إذا طرأ على الناس من الأمور المستحدثة ما رأى ولي الأمر فيه أنَّ إقامة بعض الشعائر الدينية على نحو مُعَيَّن يَغْلُب على الظنّ أنَّه يؤدي إلى إلحاق الضرر بالرعيَّة -كما حدث في جائحة كورونا- تحتم على الحاكم في هذه الحالة تقييد إقامة تلك الشعائر على الوجه الذي يأمن به الناس على حياتهم ومصالحهم، ذلك لما استقر أنَّ "حفظ النفس من أهم المقاصد الشرعية".

قال الإمام الشاطبي في "الموافقات" (5/ 177-178، ط. دار ابن عفان): [النظرُ في مآلات الأفعال مُعْتَبَرٌ مقصودٌ شرعًا؛ كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أنَّ المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل؛ (فقد يكون) مشروعًا لمصلحة فيه تُسْتَجْلَبُ أو لمفسدة تُدْرَأُ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية، فربما أدى استجلابُ المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحةَ أو تزيدُ عليها، فيكون هذا مانعًا من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم مشروعيةٍ ربما أدَّى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيدُ، فلا يصحّ إطلاق القول بعدم المشروعية، وهو مجالٌ للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذبُ المذاق محمودُ الغبّ، جارٍ على مقاصد الشريعة] اهـ.

وقد ثبت إيقاف سيدنا عمر رضيَّ الله عنّه العملَ ببعض الأحكام الشرعية الثابتة بالأدلة القطعية؛ إعلاءً للمقاصد وتحقيقًا للمصالح، دون أن يكون ذلك إلغاءً للحكم أو تعدّيًا عليه؛ ومن ذلك: حدّ السرقة في عام الرمادة لتفشي الجوع، وسهم المؤلفة قلوبُهُم لحاجة المسلمين إلى الزكاة.

فأمَّا حدّ السرقة في عام المجاعة: فعن حصين بن جرير قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "لا قطع في عذق، ولا في عامِ سنة" أخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في "مصنفيهما".

وأما سهم المؤلفة قلوبهم: فقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والحسنُ والشعبي وجماعةٌ من أهل العلم: انقطع هذا الصنف بعزة الإسلام وظهوره، وهو مشهور مذهب الإمام مالك رحمه الله؛ كما قال الإمام ابن عطية في "المحرر الوجيز" (3/ 49، ط. دار الكتب العلمية).

ومن ذلك تجميع الصلوات؛ فروى عبد الرزاق في "المصنف" عن معمر، عن الزهري: أنَّ مسلمة بن عبد الملك كتب إليه: "إني في قرية فيها أموالٌ كثير، وأهلٌ وناسٌ، أفأُجَمِّعُ بهم ولستُ بأمير؟"، فكتب إليه الزهري: "إنَّ مصعب بن عُمَيْر رضيّ الله عنّه استأذن رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يُجَمِّع بأهل المدينة، فأذن له، فجمَّع بهم وهم يومئذ قليلٌ؛ فإن رأيتَ أن تكتب إلى هشامٍ حتى يأذن لك فافعل".

وقال الإمام سهل بن عبد الله التُّستَري: "أطيعوا السلطان في سبعة: ضرب الدراهم والدنانير، والمكاييل والأوزان، والأحكام، والحج، والجمعة، والعيدين، والجهاد" اهـ؛ نقله الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (5/ 259، ط. دار عالم الكتب).

ونصَّ الفقهاء أيضًا على أنَّ تقييد الحاكم يشمل العبادات أيضًا؛ من الُجمَعِ والجماعات، ونحوها:

فاشترط الحنفية إذْن الحاكم في إقامة الجمع، واشترطه الشافعية في صلاة الاستستقاء، واختلف المالكية في دخوله العبادات؛ فقيل: يدخلها تبعًا، وقيل: استقلالًا.

قال العلامة ابن عابدين الحنفي في "حاشيته" (1/ 549، ط. دار الفكر): [والسلطان في الرسم هو الابن، وفي الحقيقة هو الوالي؛ لعدم صحة الإذن بالقضاء والجمعة ممَّن لا ولاية له. اهـ. أي: لأن الوالي لو لم يكن هو السلطان في الحقيقة لم يصحّ إذْنه بالقضاء والجمعة] اهـ.

وقال العلامة الخرشي المالكي في "شرح مختصر خليل" (2/ 75، ط. دار الفكر): [حكمُ الحاكم يرفع الخلاف ولو كان الحكم بطريق اللزوم لحكمٍ آخر تبعًا، والحاصل أنَّ حكم الحاكم لا يدخل العبادات إلا تبعًا، وحققه القرافي، وخالفه تلميذه ابن راشد فجوَّز دخوله فيها] اهـ.

وقال العلامة الدسوقي في حاشيته على "الشرح الكبير" (1/ 375، ط. دار الفكر): [حكم الحاكم لا يدخل العبادات استقلالًا بل تبعًا؛ كما للقرافي وهو المعتمد، خلافًا لابن رشد] اهـ.

وقال العلامة الصاوي في "بلغة السالك لأقرب المسالك" (1/ 684، ط. دار المعارف): [وللناصر اللقاني قولٌ ثالث: وهو أنَّ حكم الحاكم يدخل العبادات تبعًا لا استقلالًا؛ فعلى هذا: إذا حكم الحاكم بثبوت الشهر لَزِمَ المالكي الصوم إلا إنْ حكم بوجوب الصوم؛ قاله شيخ مشايخنا العدوي] اهـ.

وقال إمام الحرمين الجويني في "نهاية المطلب" (2/ 647، ط. دار المنهاج): [صلاة الاستسقاء.. لا يتعيّن بالشرع فيها يوم، وإنما عند وقوع الجدب؛ إلى الوالي، فإذا لم تتفق إقامة الصلاة في ذلك اليوم فإنهم يقيمونها في غيره أداءً، ثم إن سُقي الناس يوم خروجهم: فذاك، وإنْ لم: خرجوا مرة أخرى وصلُّوا، وليس في هذا ضابط ما استمرَّ الجدب، ولكن الوالي صاحب الأمر يرعى في ذلك مقدارَ الضرورة، ويلتفت على ما ينال الناس من المشقة في اجتماعهم، ويجري على ما يليق بالمصلحة في ذلك] اهـ.

وأمَّا إذا كان مُتَعَلَّق التقييد مندوبًا: فإذا أمَرَ به وليُّ الأمرِ على وجهٍ فيه إلزامٌ، فإنه تجب طاعته في ذلك أيضًا؛ لأنَّ المأمورَ به حينئذٍ من جملة الأمر بالمعروف الذي هو "مستحبٌّ في أصلِهِ واجبٌ بوصفه"، وطاعةُ ولي الأمر في المعروف واجبةٌ لازمةٌ.

وبناءً على ذلك: فـ"وليُّ الأمرِ" لفظٌ عامٌّ في أصلِ وضْعِهِ؛ يشمل كلَّ مَن ولي أمرَ غيرِهِ؛ كالأمراء والعلماء وأهل الحَلِّ والعَقد وغيرهم، غيرَ أنَّ ما عليه جماهير العلماء سلفًا وخلفًا أنَّه يطلق على الوُلاةِ والأُمراء، وأنَّهم المعنيون بالطاعة؛ لأنَّ الأصلَ في وظيفة أولي الأمر: حفظ الدين، وقوانين السياسة، وبثُّ العدل والتناصف الذي به تُحْقَنُ الدماء والتَّمكّن من إقامة الشرع، وهذا هو الغالب في الكتابات والخطابات الرسمية، وجرت عليه الاستعمالات الفقهية، وقد تطوَّر مفهومُه واختلفت مَهَامُّه في نظام الدولة الحديثة، فلم يَعُدْ مجرد شخص طبيعي يتمثل في رئيس دولةٍ أو ملكٍ أو أميرٍ، وإنما أصبح شخصًا اعتباريًّا يتمثل في مؤسساتٍ تشريعيةٍ وقضائيةٍ وتنفيذيةٍ، وبذلك ينطبق هذا المصطلح على ما هو موجود الآن في عصرنا الحالي، وقد نصت الشريعة ضرورة أنْ تكون هناك سلطة حاكمة تختصُّ بمسؤولية تدبير شؤون الأمة وسياستها، وإرساء قواعد العدل بين أفرادها؛ ولذلك أوجبَت طاعتها، وقد أجمع الفقهاء على أنَّ طاعة الحاكم فيما يأمر به واجبة، ولو كان فيما يُكره، أو يُتردد في صحته، ما لم يكن ذلك معصيةً أو كفرًا بواحًا، ومصالح العباد في معاشهم ومعادهم لا تتحقق إلا بالتكامل والتعاون بينهم وبين حُكَّامهم، ومن هنا أجاز الشرع لولي الأمر المنوط به أمر التقنين أن يختارَ من الفقه الوسيع ومذاهبِ المجتهدين ما يراه محققًا للمصالح؛ من تقييد الواجب أو المندوب بحسب التفصيل السابق بيانه؛ وألزم رعيتَه الأخْذ به واتباعه في ذلك؛ إعلاءً للمقاصد وتحقيقًا للمصالح.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

حدود ولي الأمر في تقييد الواجب والمندوب

ما المقصود بمصطلح ولي الأمر؟ هل يطلق على العلماء أو هو مقصورٌ على الحاكم فقط؟ وما هي حدود ولايته في تقييد الواجب أو المندوب شرعًا؟ وهل ينطبق هذا المصطلح على ما هو موجود في عصرنا الحالي؟

وليُّ الأمرِ لفظٌ عامٌّ في أصلِ وضْعِهِ؛ يشمل كلَّ مَن تولى أمرَ غيرِهِ؛ كالأمراء والعلماء وأهل الحَلِّ والعَقد وغيرهم، غيرَ أنَّ ما عليه جماهير العلماء سلفًا وخلفًا أنَّه يطلق على الوُلاةِ والأُمراء، وأنهم المَعْنِيُّون بالطاعة؛ لأنَّ الأصلَ في وظيفة أولي الأمر: حفظ الدين، وقوانين السياسة، وبثُّ العدل والتناصف الذي به تحقن الدماء والتمكن من إقامة الشرع، وهذا هو الغالب في الكتابات والخطابات الرسمية، وجرت عليه الاستعمالات الفقهية، وقد تطوَّر مفهومُه واختلفت مَهَامُّه في نظام الدولة الحديثة، فلم يَعُدْ مجرد شخص طبيعي يتمثل في رئيس دولةٍ أو ملكٍ أو أميرٍ، وإنَّما أصبح شخصًا اعتباريًّا يتمثل في مؤسساتٍ تشريعيةٍ وقضائيةٍ وتنفيذيةٍ، وبذلك ينطبق هذا المصطلح على ما هو موجود الآن في عصرنا الحالي.

وقد أجمع الفقهاء على أنَّ طاعة الحاكم فيما يأمر به واجبة، ما لم يكن ذلك معصيةً أو كفًرا بواحًا، ومصالح الناس في معاشهم ومعادهم لا تتحقق إلا بالتكامل والتعاون بينهم وبين حُكَّامهم، ومن هنا أجاز الشرع لولي الأمر المنوط به أمر التقنين أن يختارَ من الفقه الواسع ومذاهبِ المجتهدين ما يراه محققًا للمصالح؛ من تقييد الواجب أو المندوب، ويلزم على الناس اتباعه في ذلك؛ إعلاءً للمقاصد وتحقيقًا للمصالح.

التفاصيل ....

وليُّ الأمرِ: هو لفظٌ عامٌّ في أصلِ وضْعِهِ؛ يشمل كلَّ مَن وَلِيَ أمرَ غيرِهِ؛ فيطلَقُ على مَنْ يُسنِدُ الناسُ إليه تدبير شؤونهم، ويعتمدونَ في ذلك عليه، فيصير الأمرُ كأنَّه مِن خصائصه؛ كالأمراء والعلماء وأهل الحلّ والعقد، وليس مقصورًا على إمامة المسلمين العامَّة فحسب؛ بل يشمل "كلَّ قائمٍ بأمورِ النَّاس"؛ كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (6/ 116، ط. دار المعرفة).

قال الإمام أبو الحسن بن سيده في "المحكم والمحيط الأعظم" (10/ 395، ط. دار الكتب العلمية): [وجملةُ أولي الأمرِ من المسلمينَ: مَنْ يقوم بشأنِهِم في أمرِ دينِهم، وجميعِ ما أَدَّى إلى إصلاحِهم] اهـ.

ولذلك أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن عِظَمِ الأمانة التي يحملها ولاة الأمر على عواتقهم، وأنَّها تستوجب العمل على مصلحة مَنْ يرعونَهُم؛ لأنَّهم مأمورون به ومسؤولون عنه أمام الله تعالى؛ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا مِن عَبدٍ يَستَرعِيهِ اللهُ رعية، يَمُوتُ يَومَ يَمُوتُ وهو غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ» متفقٌ عليه.

قال الإمام أبو العباس القرطبي في "المفهم" (1/ 353-354، ط. دار ابن كثير): [هو لفظٌ عامٌّ في كلِّ مَن كُلِّفَ حِفظَ غيرِهِ.. والرعايةُ: الحِفظُ والصيانة.. وحاصلُهُ: راجعٌ إلى الزجر عن أن يُضيِّع ما أُمِرَ بحفظه، وأنْ يُقصِّر في ذلك مع التمكُّنِ من فِعلِ ما يتعيَّنُ عليه] اهـ.

قال العلامة الطاهر بن عاشور في "التحرير والتنوير" (5/ 97-98، ط. الدار التونسية): [أولو الأمر مِن الأمَّة ومِن القوم: هم الذين يُسنِد الناسُ إليهم تدبير شؤونهم، ويعتمدون في ذلك عليهم، فيصير الأمرُ كأنَّه مِن خصائصهم.. فأولو الأمر هنا هم مَنْ عدا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مِن الخليفة إلى والي الحِسْبَةِ، ومِن قوَّاد الجيوش، ومِن فقهاء الصحابة والمجتهدين إلى أهل العلم في الأزمنة المتأخِّرة، وأولو الأمر هم الذين يُطْلَق عليهم أيضًا أهل الحلِّ والعَقْدِ] اهـ.

وقد اختلف العلماء من الفقهاء والمفسرين فيمن يدلُّ عليه لفظ ولي الأمر عند الإطلاق، غيرَ أنَّ ما عليه جماهيرهم سلفًا وخلفًا هو أنَّ هذا اللفظ يُطْلَقُ على الوُلاةِ والأُمراء، وهم المَعْنِيُّون بالطاعة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59].

قال القاضي عياض المالكي في "إكمال المُعلم" (6/ 240، ط. دار الوفاء): [قيل: المراد بأولي الأمر مَن أوجب الله عليك طاعته، أي: أولي الطاعة والِائتمار، والائتمار: الطاعة، فظاهره أنَّ المراد بأولي الأمر: الولاة والأمراء، وهو قول أكثر السلف، واستدل بعضهم بما جاء قبل الآية من قوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58]. وقيل: هم العلماء، وقيل: هم عامة الأمراء والعلماء، وقيل: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم] اهـ.

وقال الإمام النووي في "شرح مسلم" (12/ 223، ط. دار إحياء التراث العربي): [قال العلماء: المرادُ بأولي الأمر: مَنْ أوجبَ اللهُ طاعته من الولاة والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف من المفُسِّرين والفقهاء وغيرهم] اهـ.

وذلك لأنَّ الأصلَ في وظيفة أولي الأمر: حفظ الدين، وحفظ قوانين السياسة، وبثُّ العدل والتناصف الذي به تُحْقَنُ الدماء ويُتَمَكَّنُ من إقامة قانون الشرع؛ كما قال الإمام الطيبي في "الكاشف عن حقائق السنن" (2/ 699، ط. الباز)، والعلامة الصنعاني في "التنوير" (3/ 370، ط. دار السلام).

وَيَدُلُّ عليه: مناسبةُ نزول الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59]؛ ففي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أنَّ هذه الآية نزلت في عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه لمَّا بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سريَّةٍ، فأمرهم بأمرٍ فخالفَهُ بعضهم وأَنِفَ على عادة العرب، فإنهم كانوا يأنفون من الطاعة فنزلت الآية بسبب ذلك". قال الإمام الشافعي: "كانت العرب تأنف من الطاعة للأمراء، فلما أطاعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرهم بطاعة الأمراء، وهذا صريحٌ في أنَّ المرادَ بأولي الأمر: الأُمَراءُ؛ كما قال الحافظ أبو زرعة العراقي [ت: 826هـ] في "طرح التثريب" (8/ 82، ط. دار إحياء التراث العربي).

كما يدلُّ عليه أيضًا: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾، أي: أنتم وأولو الأمر منكم في شيء من أمور الدين، وهذا يؤيد أنَّ المراد بأولي الأمر أمراء المسلمين؛ إذ ليس للمقلد أنْ يُنَازِع المجتهد في حكمه بخلاف المرؤوس؛ كما قال الإمام القسطلاني في "إرشاد الساري" (10/ 216، ط. الأميرية).

كما أنَّ إطلاقَ لفظِ "ولي الأمر" على الحُكَّام والأُمراء هو الغالب في الكتابات والخطابات الرسمية، وجرت عليه الاستعمالات الفقهية، وقد تطوَّر مفهومُه واختلفت مهامُّهُ في نظام الدولة الحديثة، فلم يَعُدْ مجرد شخص طبيعي يتمثل في رئيس دولةٍ أو ملكٍ أو أميرٍ، وإنما أصبح شخصًا اعتباريًّا يتمثل في مؤسساتٍ تشريعيةٍ وقضائيةٍ وتنفيذيةٍ، أو ما يعرف بـ "النظام العام" الذي تحدده مواد الدستور، وتحققه القوانين المعمول بها في البلاد، والتي يحكم بها القضاء في المنازعات بين الناس.

وقد تقرر أنَّ من شمولية الشريعة الإسلامية: رعايتها لمصالح الخلق ووضع الضوابط التي بها تستقر المجتمعات والشعوب، ومن أَولَى هذه الضوابط: النص على ضرورة أنْ تكون هناك سلطة حاكمة تختص بمسؤولية تدبير شؤون الأمة وسياستها، وإرساء قواعد العدل بين أفرادها، وتحقيق مصالحها الدينية والدنيوية؛ فكانت الإمامةُ عقدًا اجتماعيًّا يُنِيبُ فيه الناسُ الحاكمَ أو مَن يقوم مقامه في رعاية شئونهم وحفظ أمنهم، ويفوضونه في سياسة أمورهم ومعاشهم، ويأتمنونه على القيام بمصالحهم.

فروى الإمام مسلم في "صحيحه" عن عوف بن مالك رضي الله عنه، قال: قَتل رجلٌ مِن حِمْيَرَ رجلًا من العدو، فأراد سَلَبَه، فمنعه خالد بن الوليد رضي الله عنه، وكان واليًا عليهم، فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم عوفُ بن مالك رضي الله عنه فأخبره، فقال صلى الله عليه وآله وسلم لخالد: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تُعْطِيَهُ سَلَبَهُ؟» قال: استكثرتُه يا رسول الله، قال: «ادْفَعْهُ إِلَيْهِ»، فمرَّ خالدٌ بعوفٍ فجرَّ بردائه، ثم قال: هل أنجزتُ لك ما ذكرتُ لك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فسمعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاستُغضِبَ، فقال: «لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ، لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ، هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي أُمَرَائِي؟ إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتُرْعِيَ إِبِلًا أَوْ غَنَمًا فَرَعَاهَا، ثُمَّ تَحَيَّنَ سَقْيَهَا فَأَوْرَدَهَا حَوْضًا، فَشَرَعَتْ فِيهِ، فَشَرِبَتْ صَفْوَهُ، وَتَرَكَتْ كَدَرَهُ، فَصَفْوُهُ لَكُمْ، وَكَدَرُهُ عَلَيْهِمْ».

قال الإمام النووي في "شرح مسلم" (12/ 65): [الرعِيَّة يأخذون صَفْوَ الأمور؛ فتصلهم أعطياتهم بغير نكد، وتُبْتَلَى الولاةُ بمقاساة الأمور وجمع الأموال على وجوهها، وصرفها في وجوهها، وحفظ الرعية، والشفقة عليهم، والذب عنهم، وإنصاف بعضهم من بعض؛ ثم متى وقع علقة أو عتب في بعض ذلك توجه على الأمراء دون الناس] اهـ.

ولكي يتمكن الحاكم من القيام بدوره من تدبير الشؤون وتحقيق المصالح أوجب الله طاعته؛ فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59]. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ أطاعَنيِ فَقَدْ أطاعَ اللهَ، وَمَنْ يعصني فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ يُطعِ الأميرَ فَقَدْ أطاعني، وَمَنْ يَعْصِ الأميرَ فَقَدْ عَصَانِيِ» متفقٌ عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

وأخرج الستة عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «السَّمعُ والطّاعةُ على المَرءِ المُسلِمِ فيما أَحَبَّ وكَرِهَ، ما لم يُؤمَر بمَعصِيةٍ، فإذا أُمِرَ بمَعصِيةٍ فلا سَمعَ ولا طاعةَ».

وقد أجمع الفقهاء على أنَّ طاعة الحاكم فيما يأمر به واجبة ولو كان فيما يُكرَه أو يُتَرَدد في صحته -ما لم يكن ذلك معصيةً أو كفرًا بواحًا؛ لأن الأمر بطاعته ثابتٌ بنصٍ قطعيٍّ فلا يدفعه تردُّدٌ أو كراهةٌ، ولأن مفسدة معصيته أشد من مفسدة طاعته لو كان مخطئًا.

قال الإمام ابن حزم في "مراتب الإجماع" (ص: 126، ط. دار الكتب العلمية): [وَاتَّفَقُوا أن الإمام الْوَاجِب إمامته: فإن طَاعَته فِي كل مَا أَمر مَا لم يكن مَعْصِيَةً فرضٌ، والقتال دونه فرض، وخدمته فِيمَا أَمر بِهِ وَاجِبَة، وأحكامه وأحكام مَن وَلَّى نَافِذَة، وعزله مَن عَزَل نَافِذ] اهـ.

وقال العلامة ابن القطان في "الإقناع في مسائل الإجماع" (1/ 60، ط. الفاروق الحديثة): [وأجمعوا أنَّ السمع والطاعة واجبة لأئمة المسلمين] اهـ.

وقال العلامة ابن الأزرق في "بدائع السِّلك" (1/ 78، ط. وزارة الإعلام): [دلَالَة وجوب دَرْء أعظم الْمَفَاسِد عَلَيْهِ؛ إِذْ لإخفاء أَن مفْسدَة عصيانه تَرْبَى على مفْسدَة إعانته بِالطَّاعَةِ لَهُ، كَمَا قَالُوا فِي الْجِهَاد مَعَه، وَمن ثمَّ قيل: عصيان الْأَئِمَّة هدم أَرْكَان الْملَّة] اهـ.

وسبب ذلك كله: أنَّ طاعة أولي الأمر سببٌ لاجتماع الكلمة وانتظام المعاش وتحقيق مصالح العباد في أنفسهم وأموالهم ودينهم؛ فلا بُدَّ للناس مِن مَرجِعٍ يأتمرون بأمره؛ رفعًا للنزاع والشقاق، وإلا عَمَّت الفوضى واختل النظام العام، ودخل على الناس فساد عظيم في دينهم ودنياهم، وعَمَّ الهرج وضاعت الحقوق.

قال الإمام الماوردي في "الأحكام السلطانية" (ص: 40، ط. دار الحديث): [أن يباشر بنفسه مشارفةَ الأمورِ، وتصفُّحَ الأحوالِ؛ لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة] اهـ.

وقال حجة الإسلام الغزالي في "الاقتصاد في الاعتقاد" (ص: 128، ط. دار الكتب العلمية): [الدنيا والأمن على الأنفس والأموال لا ينتظم إلا بسلطانٍ مطاعٍ، فتشهد له مشاهدة أوقات الفتن بموت السلاطين والأئمة، وإنَّ ذلك لو دام ولم يُتَدَارَك بنَصبِ سلطان آخر مُطاع دام الهرج وعَمَّ السيف وشمل القحط وهلكت المواشي وبطلت الصناعات، وكان كلّ مَن غلب سلب، ولم يتفرغ أحد للعبادة والعلم إنْ بقي حيًّا، والأكثرون يهلكون تحت ظلال السيوف، ولهذا قيل: الدين والسلطان توأمان، ولهذا قيل: الدين أس والسلطان حارس، وما لا أس له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع] اهـ.

ومصالح العباد في معاشهم ومعادهم لا تتحقق إلا بالتكامل والتعاون بينهم وبين حُكَّامهم؛ فالحاكم بما منحه الله من السلطة وما يتبعها من القدرة على الاطلاع على خفايا الأمور وظواهرها، وما يصلح فيها وما يفسدها، أباح له الشرعُ سَنَّ القوانين ووضع الضوابط وإصدار القرارات، إلا أنَّه قيَّد ذلك كله بالمصلحة؛ فالقاعدة العامة في تصرفات ولي الأمر "أنها منوطة بالمصلحة"؛ كما قال الإمام السيوطي في "الأشباه والنظائر" (ص: 121، ط. دار الكتب العلمية)، ثم قال: [هذه القاعدة نَصَّ عليها الشافعي وقال: "منزلة الإمام من الرعية منزلة الولي من اليتيم"، وأصل ذلك ما أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" قال: حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال عمر رضي الله عنه: "إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم؛ إن احتجت أخذت منه، فإذا أيسرت رددته، فإن استغنيت استعففت"] اهـ.

والمراد بالمصلحة هنا: المصلحة الشرعية المعتبرة أو المرسلة بضوابطها، لا الملغاة، والمصلحة المنوط بالإمام القيام بها تكون لعموم مَنْ تحته لا لفرْدٍ بعينه؛ ولذا وجب على ولي الأمر -وكذا نُوَّابُهُ- قصدُ مصلحة عموم المسلمين، وتقديمُ المصالح الأخروية على الدنيوية، بما أُسْنِد إليه من أمر رعاية شؤون الناس؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» متفق عليه.

ومن هنا فقد أجاز الشرعُ لولي الأمر المنوط به أمرُ التقنين أن يختارَ من الفقه الوسيع ومذاهبِ المجتهدين ما يراه محققًا للمصالح العامة، ومن المقررات الفقهية أن "اختيار الحاكم يرفع الخلاف"؛ فإذا اختار ولي الأمر قولًا من أقوال المجتهدين في مسألة من المسائلِ الخلافية وألزم رعيتَه بالأخْذ به؛ كان عليهم أن يتبعوه في ذلك.

قال الإمام الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (7/ 100، ط. دار الكتب العلمية): [اتّباع الإمام في محل الاجتهاد واجبٌ كاتّباع القضاة في مواضع الاجتهاد] اهـ.

وقال الإمام القرافي المالكي في "الفروق" (2/ 103، ط. عالم الكتب): [اعلم أنَّ حُكم الحاكم في مسائلِ الاجتهاد يرفعُ الخِلافَ، ويرجع المخالِفُ عن مذهبه لمذهب الحاكم، وتتغير فُتياه بعد الحكم عمَّا كانت عليه؛ على القول الصحيح من مذاهب العلماء] اهـ.

وتَصَرُّفُ الإمام في اختيار بعض الآراء قد يكون مطلوبَ الفعل؛ وهو الواجب والمندوب، وقد يكون مطلوبَ الترك؛ وهو الحرام والمكروه، وقد يستوي فيه الفعل والترك؛ وهو المباح، وذلك حسب متعلقات الحكم الشرعي.

 فأما إذا كان مُتَعَلَّق التقييد واجبًا؛ فالواجب إمَّا أنْ يكون كفائيًّا، أو عَينيًّا:

- فأمَّا الواجب الكِفائي: فالمراد حصوله، ولا يُقْصَد به عينُ مَن يتولاه، ومعنى هذا أنَّ المقصودَ من فرض الكفاية وقوعُ الفعل من غير نظرٍ إلى فاعله، بخلاف فرض العين: فإنَّ المقصود منه الفاعل؛ كما قال الإمام الزركشي في "البحر المحيط" (1/ 321، ط. دار الكتبي).

ولولي الأمر سلطة تقييد الواجب الكفائي؛ بشخص مُعَيَّنٍ يقوم به، أو مكان معين، أو وقتٍ معين يوقع فيهما، وتجب طاعته في ذلك.

- وأما الواجب العيني: وهو ما يتعين على جميع المكلفين القيام به، بحيث لا يرتفع عن الفرد منهم إلا بالقيام به، أو برفعه عنه من قبل الشرع نفسه بالضوابط المبيحة لذلك -كارتفاع صوم رمضان عن الشيخ الْهَرِمِ عند عدم الإطاقة بالفدية-؛ فليس لولي الأمر الحق في رفع هذا الواجب المُتَعَيَّن عن بعض أفراد المُكَلَّفين أو جميعهم لوجوبه شرعًا في حق الجميع؛ وجاز له تقييد القيام به على الصورة التي لا تضرُّ بالمصلحة العامة وتضمن مع ذلك قيامهم به، ومن ذلك كان تشريع صلاة الخوف في الإسلام؛ فلم يأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين بترك الصلاة وقت الخوف والفزع، وإنَّما علَّمهم كيفية للصلاة تضمن سلامتهم مع قيامهم بها، ومن ذلك أيضًا جواز إلزام العاملين في جهة أنْ يتناوبوا في أوقات صلاتهم إذا كانت صلاتهم في نفس الوقت مما يؤثر في مصلحة العمل.

ومِنْ ذلك أيضًا ما إذا طرأ على الناس من الأمور المستحدثة ما رأى ولي الأمر فيه أنَّ إقامة بعض الشعائر الدينية على نحو مُعَيَّن يَغْلُب على الظنّ أنَّه يؤدي إلى إلحاق الضرر بالرعيَّة -كما حدث في جائحة كورونا- تحتم على الحاكم في هذه الحالة تقييد إقامة تلك الشعائر على الوجه الذي يأمن به الناس على حياتهم ومصالحهم، ذلك لما استقر أنَّ "حفظ النفس من أهم المقاصد الشرعية".

قال الإمام الشاطبي في "الموافقات" (5/ 177-178، ط. دار ابن عفان): [النظرُ في مآلات الأفعال مُعْتَبَرٌ مقصودٌ شرعًا؛ كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أنَّ المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل؛ (فقد يكون) مشروعًا لمصلحة فيه تُسْتَجْلَبُ أو لمفسدة تُدْرَأُ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية، فربما أدى استجلابُ المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحةَ أو تزيدُ عليها، فيكون هذا مانعًا من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم مشروعيةٍ ربما أدَّى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيدُ، فلا يصحّ إطلاق القول بعدم المشروعية، وهو مجالٌ للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذبُ المذاق محمودُ الغبّ، جارٍ على مقاصد الشريعة] اهـ.

وقد ثبت إيقاف سيدنا عمر رضيَّ الله عنّه العملَ ببعض الأحكام الشرعية الثابتة بالأدلة القطعية؛ إعلاءً للمقاصد وتحقيقًا للمصالح، دون أن يكون ذلك إلغاءً للحكم أو تعدّيًا عليه؛ ومن ذلك: حدّ السرقة في عام الرمادة لتفشي الجوع، وسهم المؤلفة قلوبُهُم لحاجة المسلمين إلى الزكاة.

فأمَّا حدّ السرقة في عام المجاعة: فعن حصين بن جرير قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "لا قطع في عذق، ولا في عامِ سنة" أخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في "مصنفيهما".

وأما سهم المؤلفة قلوبهم: فقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والحسنُ والشعبي وجماعةٌ من أهل العلم: انقطع هذا الصنف بعزة الإسلام وظهوره، وهو مشهور مذهب الإمام مالك رحمه الله؛ كما قال الإمام ابن عطية في "المحرر الوجيز" (3/ 49، ط. دار الكتب العلمية).

ومن ذلك تجميع الصلوات؛ فروى عبد الرزاق في "المصنف" عن معمر، عن الزهري: أنَّ مسلمة بن عبد الملك كتب إليه: "إني في قرية فيها أموالٌ كثير، وأهلٌ وناسٌ، أفأُجَمِّعُ بهم ولستُ بأمير؟"، فكتب إليه الزهري: "إنَّ مصعب بن عُمَيْر رضيّ الله عنّه استأذن رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يُجَمِّع بأهل المدينة، فأذن له، فجمَّع بهم وهم يومئذ قليلٌ؛ فإن رأيتَ أن تكتب إلى هشامٍ حتى يأذن لك فافعل".

وقال الإمام سهل بن عبد الله التُّستَري: "أطيعوا السلطان في سبعة: ضرب الدراهم والدنانير، والمكاييل والأوزان، والأحكام، والحج، والجمعة، والعيدين، والجهاد" اهـ؛ نقله الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (5/ 259، ط. دار عالم الكتب).

ونصَّ الفقهاء أيضًا على أنَّ تقييد الحاكم يشمل العبادات أيضًا؛ من الُجمَعِ والجماعات، ونحوها:

فاشترط الحنفية إذْن الحاكم في إقامة الجمع، واشترطه الشافعية في صلاة الاستستقاء، واختلف المالكية في دخوله العبادات؛ فقيل: يدخلها تبعًا، وقيل: استقلالًا.

قال العلامة ابن عابدين الحنفي في "حاشيته" (1/ 549، ط. دار الفكر): [والسلطان في الرسم هو الابن، وفي الحقيقة هو الوالي؛ لعدم صحة الإذن بالقضاء والجمعة ممَّن لا ولاية له. اهـ. أي: لأن الوالي لو لم يكن هو السلطان في الحقيقة لم يصحّ إذْنه بالقضاء والجمعة] اهـ.

وقال العلامة الخرشي المالكي في "شرح مختصر خليل" (2/ 75، ط. دار الفكر): [حكمُ الحاكم يرفع الخلاف ولو كان الحكم بطريق اللزوم لحكمٍ آخر تبعًا، والحاصل أنَّ حكم الحاكم لا يدخل العبادات إلا تبعًا، وحققه القرافي، وخالفه تلميذه ابن راشد فجوَّز دخوله فيها] اهـ.

وقال العلامة الدسوقي في حاشيته على "الشرح الكبير" (1/ 375، ط. دار الفكر): [حكم الحاكم لا يدخل العبادات استقلالًا بل تبعًا؛ كما للقرافي وهو المعتمد، خلافًا لابن رشد] اهـ.

وقال العلامة الصاوي في "بلغة السالك لأقرب المسالك" (1/ 684، ط. دار المعارف): [وللناصر اللقاني قولٌ ثالث: وهو أنَّ حكم الحاكم يدخل العبادات تبعًا لا استقلالًا؛ فعلى هذا: إذا حكم الحاكم بثبوت الشهر لَزِمَ المالكي الصوم إلا إنْ حكم بوجوب الصوم؛ قاله شيخ مشايخنا العدوي] اهـ.

وقال إمام الحرمين الجويني في "نهاية المطلب" (2/ 647، ط. دار المنهاج): [صلاة الاستسقاء.. لا يتعيّن بالشرع فيها يوم، وإنما عند وقوع الجدب؛ إلى الوالي، فإذا لم تتفق إقامة الصلاة في ذلك اليوم فإنهم يقيمونها في غيره أداءً، ثم إن سُقي الناس يوم خروجهم: فذاك، وإنْ لم: خرجوا مرة أخرى وصلُّوا، وليس في هذا ضابط ما استمرَّ الجدب، ولكن الوالي صاحب الأمر يرعى في ذلك مقدارَ الضرورة، ويلتفت على ما ينال الناس من المشقة في اجتماعهم، ويجري على ما يليق بالمصلحة في ذلك] اهـ.

وأمَّا إذا كان مُتَعَلَّق التقييد مندوبًا: فإذا أمَرَ به وليُّ الأمرِ على وجهٍ فيه إلزامٌ، فإنه تجب طاعته في ذلك أيضًا؛ لأنَّ المأمورَ به حينئذٍ من جملة الأمر بالمعروف الذي هو "مستحبٌّ في أصلِهِ واجبٌ بوصفه"، وطاعةُ ولي الأمر في المعروف واجبةٌ لازمةٌ.

وبناءً على ذلك: فـ"وليُّ الأمرِ" لفظٌ عامٌّ في أصلِ وضْعِهِ؛ يشمل كلَّ مَن ولي أمرَ غيرِهِ؛ كالأمراء والعلماء وأهل الحَلِّ والعَقد وغيرهم، غيرَ أنَّ ما عليه جماهير العلماء سلفًا وخلفًا أنَّه يطلق على الوُلاةِ والأُمراء، وأنَّهم المعنيون بالطاعة؛ لأنَّ الأصلَ في وظيفة أولي الأمر: حفظ الدين، وقوانين السياسة، وبثُّ العدل والتناصف الذي به تُحْقَنُ الدماء والتَّمكّن من إقامة الشرع، وهذا هو الغالب في الكتابات والخطابات الرسمية، وجرت عليه الاستعمالات الفقهية، وقد تطوَّر مفهومُه واختلفت مَهَامُّه في نظام الدولة الحديثة، فلم يَعُدْ مجرد شخص طبيعي يتمثل في رئيس دولةٍ أو ملكٍ أو أميرٍ، وإنما أصبح شخصًا اعتباريًّا يتمثل في مؤسساتٍ تشريعيةٍ وقضائيةٍ وتنفيذيةٍ، وبذلك ينطبق هذا المصطلح على ما هو موجود الآن في عصرنا الحالي، وقد نصت الشريعة ضرورة أنْ تكون هناك سلطة حاكمة تختصُّ بمسؤولية تدبير شؤون الأمة وسياستها، وإرساء قواعد العدل بين أفرادها؛ ولذلك أوجبَت طاعتها، وقد أجمع الفقهاء على أنَّ طاعة الحاكم فيما يأمر به واجبة، ولو كان فيما يُكره، أو يُتردد في صحته، ما لم يكن ذلك معصيةً أو كفرًا بواحًا، ومصالح العباد في معاشهم ومعادهم لا تتحقق إلا بالتكامل والتعاون بينهم وبين حُكَّامهم، ومن هنا أجاز الشرع لولي الأمر المنوط به أمر التقنين أن يختارَ من الفقه الوسيع ومذاهبِ المجتهدين ما يراه محققًا للمصالح؛ من تقييد الواجب أو المندوب بحسب التفصيل السابق بيانه؛ وألزم رعيتَه الأخْذ به واتباعه في ذلك؛ إعلاءً للمقاصد وتحقيقًا للمصالح.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;