الإنفاق على الفقراء بدلا من الحج والعمرة في أيام الوباء

 أمام ظروف انتشار وباء كورونا قامت السلطات السعودية بتأجيل العمرة، كما قامت بقصر الحج على حجاج الداخل من السعودية فقط؛ تحرزًا من انتشار عدوى الوباء، وأمام حزن الكثيرين ممن كانوا يحرصون على أداء العمرة بشكل مستمر في شهر رمضان أو غيره من مواسم الطاعات، وكذلك الحج تطوعًا في موسمه، خرجت دار الإفتاء المصرية بمبادرة عنوانها "كأنك اعتمرت": أكثر من ثواب العمرة، تدعو فيها من يريد الذهاب للعمرة إلى إنفاق الأموال المعدة لها، على الفقراء والمساكين والغارمين وأصحاب العمالة اليومية (الأرزقية) وكل من تضرروا بظروف الوباء؛ تفريجًا لكروبهم، وقضاءً لحوائجهم، وإصلاحًا لأحوالهم.
فهل يكون ذلك مساويًا لثواب العمرة والحج تطوعًا فضلًا عن أن يكون زائدًا عليها؟

 المفتى به في هذه الآونة: أن كفاية الفقراء والمحتاجين وعلاج المرضى وسد ديون الغارمين وغيرها من وجوه تفريج كرب الناس وسد حاجاتهم مقدَّمة على نافلة الحج والعمرة بلا خلاف، وأكثر ثوابًا منها، وأقرب قبولًا عند الله تعالى، وهذا هو الذي دلت عليه نصوص الوحيين، واتفق عليه علماء الأمة ومذاهبها المتبوعة، وأنه يجب على أغنياء المسلمين القيام بفرض كفاية دفع الفاقات عن أصحاب الحاجات، والاشتغال بذلك مقدَّم قطعًا على الاشتغال بنافلة الحج والعمرة. ولا يجوز للواجدين إهمالُ المعوزين تحت مبرر الإكثار من النوافل والطاعات؛ فإنه لا يجوز ترك الواجبات لتحصيل المستحبات، ولا يسوغ التشاغل بالعبادات القاصرة ذات النفع الخاص وبذل الأوقات والأموال فيها على حساب القيام بالعبادات المتعدية ذات المصلحة العامة، وعلى مريد التطوع بالحج والعمرة السعيُ في بذل ماله في كفاية الفقراء وسد حاجات المساكين وقضاء ديون الغارمين قبل بذله في تطوع العبادات، كما أن تقديم سد حاجات المحتاجين وإعطاء المعوزين على التطوع بالحج أو العمرة ينيل فاعلها ثواب الأمرين معًا.

التفاصيل ....

 الحج والعمرة شعيرتان من شعائر الإسلام تشتملان على عبادات متعددة؛ منها البدنية: كالطواف والسعي والصلاة والصيام، والمالية: كالنفقة والفدية، والقولية: كالتلبية والذكر والدعاء؛ ولأجل ذلك جاءت الأحاديث النبوية الشريفة باستحباب المتابعة بين الحج والعمرة، غير أن هذه الأحاديث إنما تتناول استحباب التطوع بالحج والعمرة عند انتفاء المعارض كالوباء الذي تكون التجمعات مظنة لانتشاره، وعند عدم تزاحم الحقوق في أموال المكلفين، وإذا لم يكن تكرار الحج والعمرة متعارضًا مع كفاية الفقراء وإنعاش الاقتصاد، فأما إذا كان التجمع مظنة العدوى، أو تكاثرت الحقوق وتزاحمت واشتدت الحاجة إلى أموال الأغنياء لمواساة الفقراء ونجدة المحتاجين، وكانت نفقات الحج والعمرة باهظة التكاليف بحيث لو أُنفِقَت على الفقراء لقامت بكفايتهم وأصلحت أحوالهم، فإن أحب النفقة إلى الله تعالى حينئذ هو ما كان أنفع للناس وأجدى في صلاح أحوالهم وإنعاش اقتصادهم.
وعلى ذلك دلت الأحاديث النبوية الشريفة:
فعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله، أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ النَّاسِ إلى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكَشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ -يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ- شَهْرًا، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ -وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ- مَلأَ اللهُ قَلْبَهُ أَمْنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى أَثْبَتَها لَهُ أَثْبَتَ اللهُ قَدَمَهُ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَامُ» أخرجه الطبراني في معاجمه: "الكبير" و"الأوسط" و"الصغير".
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أفضل الأعمال إلى الله تعالى، فقال: «مَنْ أَدْخَلَ عَلَى مُؤْمِنٍ سُرُورًا، إِمَّا أَنْ أَطْعَمَهُ مِنْ جُوعٍ، وَإِمَّا قَضَى عَنْهُ دَيْنًا، وَإِمَّا يُنَفِّسُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرَبَ الْآخِرَةِ، وَمَنْ أَنْظَرَ مُوسِرًا أَوْ تَجَاوَزَ عَنْ مُعْسِرٍ؛ ظَلَّهُ اللهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي نَاحِيَةِ الْقَرْيَةِ لِتَثَبُّتِ حَاجَتِهِ ثَبَّتَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدَمَهُ يَوْمَ تَزُولُ الْأَقْدَامُ، وَلَأَنْ يَمْشِيَ أَحَدُكُمْ مَعَ أَخِيهِ فِي قَضَاءِ حَاجَتِهِ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِي هَذَا شَهْرَيْنِ وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ» أخرجه الحاكم في "المستدرك".
كما أن هذا التفضيل الوارد عن بعض السلف ليس على إطلاقه، فهو يتناول الصدقة من حيث هي نفقةٌ يوجد مثلُها في الحج، ولا نظرَ فيها لحال المتصدَّق عليه، أمَّا مِن حيث كونُها عبادةً متعديةَ النفع فهي أفضل من حج التطوع وعمرته؛ لأنها قد تكون لكفاية محتاج أو لسد دين مدينٍ، وذلك بخلاف حج التطوع وعمرة التطوع؛ فنفعهما قاصر على صاحبهما.
وقد راعى الشرع الإسلامي ترتيب الأولويات؛ فأمر عند التعارض بتقديم المصلحة المتعدية على القاصرة، والعامة على الخاصة، والناجزة على المتوقعة، والمتيقنة على الموهومة.
وقد قرر الفقهاء في قواعد الفقه أن العبادة المتعدية أفضل من القاصرة، ومن نازع منهم في ذلك لم يختلف في أن التفاضل بين الطاعات إنما يكون على قدر المصالح الناشئة عنها:
قال العلامة السيوطي الشافعي في "الأشباه والنظائر" (ص: 144، ط. دار الكتب العلمية): [القاعدة العشرون: المتعدي أفضل من القاصر، ومن ثم قال الأستاذ أبو إسحاق، وإمام الحرمين وأبوه: للقائم بفرض الكفاية مزية على العين؛ لأنه أسقط الحرج عن الأمة. وقال الشافعي: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة. وأنكر الشيخ عز الدين هذا الإطلاق أيضًا.. ثم اختار -تبعًا للغزالي في "الإحياء"- أن أفضل الطاعات على قدر المصالح الناشئة عنها] اهـ.
وقد نص جماعةٌ من السلف الصالح على أن الصدقة أفضل من التطوع بالحج والعمرة؛ لأن الصدقة عبادة متعدية، أما الحج والعمرة تطوعًا فعبادتان قاصرتان على صاحبهما:
فروى أبو بكر بن أبي شيبة في "المصنف" عن سيدنا الحسين بن علي عليهما السلام قال: "لَأَنْ أَقُوتَ أَهْلَ بَيْتٍ بِالْمَدِينَةِ صَاعًا كُلَّ يَوْمٍ، أَوْ كُلَّ يَوْمٍ صَاعَيْنِ شَهْرًا، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حَجَّةٍ فِي إِثْرِ حَجَّةٍ".
وأخرج عبد الرزاق -واللفظ له- وابن أبي شيبة في "مصنفيهما" عن الثوري، وسأله رجل فقال: الحج أفضل بعد الفريضة أم الصدقة؟ فقال: أخبرني أبو مسكين، عن إبراهيم النخعي أنه قال: "إذا حجَّ حِجَجًا، فالصدقة"، وكان الحسن يقول: "إذا حج حجّةً".
ولفظ ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي: كَانُوا يَرَوْنَ إِذا حجَّ مِرَارًا أَنَّ الصَّدَقَةَ أَفْضَلُ. والإمام النخعي (ت96هـ) تابعي جليل، أدرك جماعة من الصحابة، ورأى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وكان مفتي أهل الكوفة في زمنه.
وأخرج الإمام أحمد في كتاب "الزهد" عن الحسن البصري رحمه الله تعالى قال: يَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَحُجُّ أَحُجُّ، قَدْ حَجَجْتَ، صِلْ رَحِمًا، نَفِّسْ عَنْ مَغْمُومٍ، أَحْسِنْ إِلَى جَارٍ.
وأخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" عن الحكم بن عطية، قال: سألت الحجّاج عن رجل قضى مناسك الحج، أيحج أو يعتق؟ قال: لا، بل يعتق.
وأخرج أيضًا عن الشعبي قال: جاء أمضى حرانة فقال: إني قد تهيأتُ للخروج، ولي جيران محتاجون متعففون، فما ترى إلى جعل كراي وجهازي فيهم، أو أمضي لوجهي للحج؟ فقال: والله إن الصدقة يعظم أجرها، وما تعدل عندي موقفًا من المواقف، أو شيئًا من الأشياء.
وأخرج أيضًا عن الضحَّاك قال: "مَا عَلَى النَّاسِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِطْعَامِ مِسْكِينٍ".
وبأفضلية الصدقة على تطوع الحج والعمرة جاءت نصوص كثير من فقهاء المذاهب الأربعة المتبوعة؛ وذلك لتعدي نفعها وعظيم أثرها، ومِن الفقهاء مَن فضَّل نافلة الحجّ على الصدقة، ولكنهم اتفقوا جميعًا على استثنَاء أزمنة الغلاء والحاجات وأوقات الفاقات والمجاعات، واستثناء ما تجب فيه مواساة المحتاج وكفاية الفقير؛ فجعلوا الصدقة في ذلك كله مقدَّمةً على حج التطوع وعمرته؛ فهذا محل اتفاق وكلمة إجماع بين أرباب المذاهب الفقهية كلها:
فعند الحنفية:
أن في التفاضل بين تطوع الحج والصدقة خلافًا؛ فالصدقة أفضل عند الإمام أبي حنيفة ومحمد بن الحسن رحمهما الله، وتطوع الحج أفضل عند أبي يوسف رحمه الله، ونقلوا عن الإمام أبي حنيفة أنه لَمَّا حج ورأى مشقة الحج رجع إلى قول أبي يوسف رحمهما الله، وهذا من أبي يوسف ومن وافقه نظرٌ مجرَّدٌ إلى كثرة الفعل في الحج وقلته في الصدقة، أو نظرٌ إلى الصدقة من حيث هي محض إنفاق، لا من حيث عموم نفع العبادة وتعديها إلى الناس والمجتمع أو قصورها على فاعلها.
قال الإمام الطحاوي الحنفي في "مختصر اختلاف العلماء" (2/ 242، ط. دار البشائر الإسلامية):
[قال أبو حنيفة: الصدقة أفضل من حجة تطوع، وهو قول الثوري، وعبيد الله بن الحسن.
قال الحسن بن صالح: الحج في كل خمسة أعوام أفضل؛ لِمَا رُويَ عن العلاء، عن يونس بن خباب، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال الله تعالى: "أي عبد صححت جسمه وأوسعت عليه في الرزق يأتي عليه خمس سنين لا يفد إليَّ لمحروم"، قال: الصدقة منفعة لأهل الإسلام، والحج منفعة مقصورة عليه خاصة، والصدقة أفضل لعموم نفعها] اهـ.
وقال العلامة ابن نجيم الحنفي (ت970هـ) في "البحر الرائق" (2/ 334، ط. دار الكتاب الإسلامي): [(قوله: فقالوا: حج النفل أفضل من الصدقة) قال الرملي: قال المرحوم الشيخ عبد الرحمن العمادي مفتي الشام في "مناسكه": وإذا حج حجة الإسلام فصدقة التطوع بعد ذلك أفضل من حج التطوع عند محمد، والحج أفضل عند أبي يوسف، وكان أبو حنيفة رحمه الله يقول بقول محمد، فلما حج ورأى ما فيه من أنواع المشقات الموجبة لتضاعف الحسنات رجع إلى قول أبي يوسف اهـ] اهـ.
فالتفاضل بين الصدقة ونافلة الحج والعمرة له عند الحنفية جهتان من حيث النظر: جهة المشقة؛ والتطوعُ بالحج والعمرةِ من هذه الجهة أفضل، وجهةُ النفع وكفايةِ المحتاج؛ والصدقة من هذه الجهة أفضل؛ فإذا وُجدت جهةُ النفع والكفاية فلا نظر حينئذ إلى جهة المشقة؛ تقديمًا لما هو مرادٌ بالذات على ما هو حاصل بالتبع؛ لأن المشقة في نفسها ليست مقصودة ولا يُسعَى إليها إذا تمت العبادة بدونها، بخلاف النفع فإنه مراد مقصود لذاته، وإنما شُرِعت الأحكام لِمَا فيها من المنفعة والمصلحة.
كما أن الفاقة التي تدرؤها الصدقة مفسدةٌ، والثواب الذي يجلبه تكرار الحج مصلحةٌ، ودرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، فإذا كانت المفسدة -بتفشي الحاجة وكثرة الفاقة- عامةً، والمصلحة بثواب حج التطوع وعمرته خاصةً، كان تقديم درء المفسدة على جلب المصلحة أشد وجوبًا من جهة أخرى؛ لأن درء المفسدة العامة مصلحة عامة، والمصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة، ولذلك كان المعتمد والمختار عند الحنفية هو أفضلية الصدقة على نافلة الحج والعمرة؛ لأن الصدقة لم تعد تنفك عن حاجة الناس مع ظهور الحاجة والغلاء، بالتزامن مع كثرة الشح بالصدقات وإهمال الفقراء:
قال العلامة برهان الدين البخاري الحنفي (ت616هـ) في "المحيط" (2/ 495، ط. دار الكتب العلمية): [إذا حج الرجل مرة، ثم أراد أن يحج مرة، فالحج مرة أخرى أفضل له أم الصدقة؟ فالمختار: أن الصدقة أفضل له؛ لأن نفع الصدقة يعود إلى الفقير، ونفع الحج يقتصر عليه] اهـ.
وقال العلامة محمد بن محمد بن شهاب بن يوسف الكَرْدَري الحنفي الشهير بالبَزّازي (ت827هـ) في كتابه "الجامع الوجيز" المعروف بـ"الفتاوى البَزّازِيَّة" (3/ 107 بهامش الفتاوى الهندية ط. المطبعة الأميرية ببولاق 1310هـ): [الصدقة أفضل من الحج التطوع، كذا رُوِي عن الإمام رحمه الله، لكنه لَمَّا حج وعرف المشقة أفتى بأن الحج أفضل، ومراده: لو حج نفلًا وأنفق ألفًا، فلو تصدق بهذه الألف على المحاويج فهو أفضل، لا أن يكون صدقة؛ فليس أفضل من إنفاق ألف في سبيل الله تعالى، والمشقة في الحج لَمَّا كانت عائدة إلى المال والبدن جميعًا فضل في المختار على الصدقة] اهـ.
وقال العلامة ابن نجيم الحنفي في "البحر الرائق" (2/ 334): [قلت: قد يقال: إن صدقة التطوع في زماننا أفضل؛ لِمَا يلزم الحاجَّ غالبًا من ارتكاب المحظورات، ومشاهدته لفواحش المنكرات، وشح عامة الناس بالصدقات، وتركهم الفقراء والأيتام في حسرات، ولا سيما في أيام الغلاء وضيق الأوقات، وبتعدي النفع تتضاعف الحسنات، ثم رأيت في "متفرقات اللباب" الجزمَ بأن الصدقة أفضل منه] اهـ.
وقال العلامة شهاب الدين الحموي الحنفي (ت1098هـ) في "غمز عيون البصائر" (2/ 83، ط. دار الكتب العلمية):
[(قوله: الحج تطوعًا أفضل من الصدقة النافلة.. إلخ) قال بعض الفضلاء: أطلق العبارة، ولعل المراد: أن الحج أفضل من التصدق بقدر الدراهم التي تنفق في الحج، وأما أفضليته بالنسبة إلى التصدق ولو بأموال عظيمة مهما بلغت فيحتاج إلى دليل يخصه كما لا يخفى. انتهى. أقول: ما ترجاه بعض الفضلاء مستفاد من كلام البزازي في "جامعه" حيث قال: الصدقة أفضل من الحج تطوعًا، كذا روي عن الإمام، لكنه لما حج وعرف المشقة أفتى بأن الحج أفضل، ومراده: أنه لو حج نفلًا وأنفق ألفًا فلو تصدق بهذه الألف على المحاويج فهو أفضل، إلا أن يكون صدقة، فليس أفضل من إنفاق ألف في سبيل الله تعالى، والمشقة في الحج لَمَّا كانت عائدة إلى المال والبدن جميعًا فضل في المختار على الصدقة. انتهى.
وفي "الولوالجية": المختار أن الصدقة أفضل؛ لأن الصدقة تطوعًا يعود نفعها إلى غيره والحج لا] اهـ.
قال العلامة الحصكفي الحنفي في "الدر المختار" (2/ 621، المطبوع مع حاشية ابن عابدين "رد المحتار" ط. دار الفكر): [واختلف في الصدقة ورجح في "البزازية" أفضلية الحج؛ لمشقته في المال والبدن جميعًا، قال: وبه أفتى أبو حنيفة حين حج وعرف المشقة] اهـ.
قال العلامة ابن عابدين الحنفي معلقًا عليه في حاشيته "رد المحتار":
[(قوله: ورجح في "البزازية" أفضلية الحج)؛ حيث قال: الصدقة أفضل من الحج تطوعًا، كذا روي عن الإمام، لكنه لَمّا حج وعرف المشقة أفتى بأن الحج أفضل، ومراده: أنه لو حج نفلًا وأنفق ألفًا فلو تصدق بهذه الألف على المحاويج فهو أفضل، لا أن يكون صدقة؛ فليس أفضل من إنفاق ألف في سبيل الله تعالى، والمشقة في الحج لَمّا كانت عائدة إلى المال والبدن جميعًا فضل في المختار على الصدقة. اهـ.
قال الرحمتي: والحق التفصيل؛ فما كانت الحاجة فيه أكثر والمنفعة فيه أشمل فهو الأفضل؛ كما ورد: «حَجَّةٌ أَفْضَلُ مِنْ عَشْرِ غَزَوَاتٍ»، وورد عكسه؛ فيحمل على ما كان أنفع، فإذا كان أشجع وأنفع في الحرب فجهاده أفضل من حجه، أو بالعكس فحجه أفضل، وكذا بناء الرباط إن كان محتاجًا إليه كان أفضل من الصدقة وحج النفل، وإذا كان الفقير مضطرًّا أو من أهل الصلاح أو من آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد يكون إكرامه أفضل مِن حَجَّاتٍ وعُمَرٍ وبناءِ رُبُطٍ، كما حكى في المسامرات عن رجل أراد الحج فحمل ألف دينار يتأهب بها، فجاءته امرأة في الطريق وقالت له: إني من آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبي ضرورة، فأفرغ لها ما معه، فلما رجع حُجَّاج بلده صار كلما لقي رجلًا منهم يقول له: تقبل الله منك، فتعجب من قولهم، فرأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نومه وقال له: تعجبتَ من قولهم: تقبل الله منك؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: إن الله خلق ملكًـــا على صورتك حج عنك، وهو يحج عنك إلى يوم القيـــامة؛ بإكرامك لامرأة مضطرة من آل بيتي. فانظر إلى هذا الإكرام الذي ناله لم ينله بحجات ولا ببناء ربط] اهـ.
وقال العلامة ابن عابدين أيضًا في "منحة الخالق" (2/ 334، ط. دار الكتاب الإسلامي):
[(قوله: فقالوا: حج النفل أفضل من الصدقة) قال الرملي: قال المرحوم الشيخ عبد الرحمن العمادي مفتي الشام في "مناسكه": وإذا حج حجة الإسلام فصدقة التطوع بعد ذلك أفضل من حج التطوع عند محمد، والحج أفضل عند أبي يوسف، وكان أبو حنيفة رحمه الله يقول بقول محمد، فلما حج ورأى ما فيه من المشقات الموجبة لتضاعف الحسنات رجع إلى قول أبي يوسف اهـ.
قلت: قد يقال: إن صدقة التطوع في زماننا أفضل؛ لِمَا يلزم الحاجَّ غالبًا من ارتكاب المحظورات، ومشاهدته لفواحش المنكرات، وشح عامة الناس بالصدقات، وتركهم الفقراء والأيتام في حسرات، ولا سيما في أيام الغلاء وضيق الأوقات، وبتعدي النفع تتضاعف الحسنات.
ثم رأيت في "متفرقات اللباب" الجزمَ بأن الصدقة أفضل منه.
وقال شارحه القاري: أي على ما هو المختار؛ كما في "التجنيس" و"منية المفتي" وغيرهما.
ولعل تلك الصدقة محمولة على إعطاء الفقير الموصوف بغاية الفاقة أو في حال المجاعة، وإلا فالحج مشتمل على النفقة، بل وزاد أن الدرهم الذي ينفق في الحج بسبعمائة إلخ، قلت: قد يقال: ما ورد محمول على الحج الفرض، على أنه لا مانع من كون الصدقة للمحتاج أعظمَ أجرًا من سبعمائة] اهـ.
وعند المالكية:
نص الإمام مالك على أفضلية التطوع بالحج ما لم تكن سنة مجاعة؛ بناءً على أن التوقي من إثم تضييع الفقراء مقدم على تحصيل أجر حج النافلة، كما أن الإمام مالكًا قدَّم الوصية بالصدقة على الوصية بالحج؛ تقديمًا للنفع العام المتعدي على النفع الخاص القاصر.
جاء في كتاب "النوادر والزيادات" (12/ 252، ط. دار الغرب الإسلامي) للإمام ابن أبي زيد القيرواني (ت386هـ): [من "العتبية": روى عيسى، عن ابن القاسم، عن مالك قال: الحج أحب إليَّ من الغزو، إلا أن يكون خوف، قيل: فالحج أو الصدقة؟ قال: الحج، إلا أن تكون سنة مجاعة، قيل: فالصدقة أو العتق؟ قال: الصدقة] اهـ.
قال العلامة ابن رشد المالكي (ت520هـ) في "البيان والتحصيل" (13/ 434، ط. دار الغرب الإسلامي): [وإنما قال: إن الحج أحب إليه من الصدقة، إلا أن تكون سنة مجاعة؛ لأنه إذا كانت سنة مجاعة، كانت عليه المواساة، فالصدقة واجبة، فإذا لم يُواسِ الرجلُ في سنة المجاعة مِن ماله بالقدر الذي يجب عليه المواساةُ في الجملة، فقد أثم، وقدرُ ذلك لا يعلمه حقيقةً؛ فالتوقي من الإثم بالإكثار من الصدقة، أولى من التطوع بالحج الذي لا يأثم بتركه] اهـ.
والوصية بالصدقة عند الإمام مالك أفضل من الوصية بالحج، ولذلك تُقدَّم الوصايا عندهم على الوصية بالحج؛ قال الإمام الباجي المالكي في "المنتقى شرح الموطأ" (6/ 172، ط. مطبعة السعادة): [وهذا الذي ذكروه من تقديم الوصايا على الحج إنما مقتضاه أن مالكًا كره الوصية بالحج، ورأى الوصية بالصدقة أفضلَ منها] اهـ.
بل فرَّع المالكية على القول بوجوب الحج على التراخي تقديمَ الصدقة على حج الفريضة، ونصوا على أنه إذا تعينت المواساةُ على مريد حج الفريضة فإنه يجب عليه تقديمها على الحج؛ للاتفاق على وجوب المواساة على الفور، بخلاف الحج الذي اختلف في كونه واجبًا على الفور أو التراخي.
قال العلامة الحطاب المالكي في "مواهب الجليل" (2/ 537، ط. دار الفكر):
[ويفهم منه أنها -أي الصدقة- لا تُقدَّم على الحج الفرض، وهو كذلك على القول بالفور، وعلى القول بالتراخي فتُقدَّم عليه، وهذا ما لم تتعين المواساة؛ بأن يجد محتاجًا يجب عليه مواساته بالقدر الذي يصرفه في حجه؛ فيُقدَّم ذلك على الحج؛ لوجوبه فورًا من غير خلاف، والحج مختلف فيه.
وقد رُوي أن عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى دخل الكوفة وهو يريد الحج، فإذا بامرأة جالسة على مزبلة تنتف بطة، فوقع في نفسه أنها ميتة، فوقف وقال: يا هذه أميتة أم مذبوحة؟ فقالت: ميتة، وأنا أريد أن آكلها وعيالي، فقال: إن الله حرم أكل الميتة وأنت في هذا البلد، فقالت: يا هذا انصرف عني، فلم يزل يراجعها الكلام حتى عرف منزلها، ثم انصرف فجعل على بغلٍ نفقةً وكسوةً وزادًا، وجاء فطرق الباب، ففتحت، فنزل عن البغل وضربه فدخل البيت، ثم قال للمرأة: هذا البغل وما عليه من النفقة والكسوة والزاد لكم، ثم أقام حتى جاء الحج، فجاءه قوم يهنئونه بالحج فقال: ما حججت السنة، فقال له بعضهم: سبحان الله ألم أودعك نفقتي ونحن ذاهبون إلى عرفات؟! وقال الآخر: ألم تسقني في موضع كذا وكذا؟! وقال الآخر: ألم تشتر لي كذا وكذا؟! فقال: ما أدري ما تقولون! أما أنا فلم أحج العام، فلما كان من الليل أُتِيَ في منامه فقيل له: يا عبد الله بن المبارك، قد قبل الله صدقتك، وأنه بعث ملَكًا على صورتك فحج عنك. انتهى من "مناسك ابن جماعة"] اهـ.
وعند الشافعية:
الأصح تقديم سائر الوصايا -ومنها الوصية بالصدقة على الفقراء- على الوصية بالحج؛ نظرًا إلى أن الحج من حقوق الله تعالى، والصدقة من حقوق الآدميين، وحقوق الله مبنية على المسامحة، وحقوق العباد مبنية على المشاحة، حتى جزموا بأنه لا وجه لتقديم الحج إلا إذا نص الموصي على تقديمه.
قال إمام الحرمين الجويني الشافعي في "نهاية المطلب" (11/ 187، ط. دار المنهاج):
[ثم ذكر طوائف من أئمتنا أنا إذا صححنا الوصية بالحج تطوعًا، فهل تُقدَّم على سائر الوصايا، أم هي مساوية لها في المرتبة؟
فعلى قولين: أحدهما: أنها مقدَّمة، والثاني: أنها مساوية، وهذا ترددٌ وذكر اختلاف قولٍ لستُ أعرف وجهه؛ فإن الوصية بالحج ليست على مرتبة من التأكيد تقتضي تقديمَها، وكيف يُدّعَى ذلك وفي أصل صحتها قولان؛ أحدهما عدمُ الثبوت، والمشهورُ اختلاف القول في تقديم الوصية بالعتق على ما سواه من الوصايا، وذلك لسلطان العتق في نفوذه، كما سيأتي شرح ذلك في مسائل الوصايا بالعتق.
وذكر الشيخ أبو علي طريقة ناصَّةً على الحقيقة تشفي الغليل، وعليها التعويل عندي؛ قال رضي الله عنه: الوصية بحج التطوع لا تُقدَّم على غيرها من الوصايا، إلا أن ينص الموصي على تقديمها، فتقدم حينئذ بحكم الإيصاء] اهـ.
وقال حجة الإسلام الغزالي في "الوسيط" (4/ 462، ط. دار السلام): [هل تقدم الوصية بحج التطوع على سائر الوصايا؟ حُكيَ فيه قولان، ولا وجه للتقديم؛ إلا أن حق الله تعالى على رأيٍ يُقدَّم على حق الآدمي، حتى إن أوصى بالصدقة مع حج التطوع لم يحتمل التقديم] اهـ.
وقال الإمام الرافعي في "فتح العزيز" (7/ 121، ط. دار الكتب العلمية): [وهل يقدم حجُّ التطوُّع في الثلث على سائر الوصايا؟ عن القفَّال: أنه على القولين في تقديم العتق على سائر الوصايا؛ لأن الحج قربةٌ كالعتق، قال الشيخ أبو علي رحمه الله: ولم أرَ هذا لأحد من أصحابنا، وجعلوا الوصية به مع سائر الوصايا على الخلاف فيما إذا اجتمع حق الله تعالى وحقوق الآدميين] اهـ.
وأفتى الشافعية بأفضلية الصدقة على حج التطوع في زمانهم؛ كما صنع الإمام أبو عاصم العبّادي الشافعي (ت458هـ)؛ أخذًا بقول الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه في ذلك.
قال الإمام الزركشي الشافعي في "البحر المحيط" (1/ 221، ط. دار الكتبي): [قال العبادي في "فتاويه": الصدقة أفضل من حج التطوع في قول أبي حنيفة، وهي تُحتَمَل في هذا الزمان] اهـ.
وذكر الفقهاء فَضْلَ مَن فَضَّل إعطاء أهل الفاقة على الحج؛ كما صنع الإمام عز الدين بن جماعة الشافعي؛ حيث عقد بابًا سمّاه: "ما حُكِيَ في فضل مَن آثرَ أهل فاقةٍ بنفقةٍ الحج ولم يحج"، وذلك في "مناسكه" (1/ 138، ت. الخزيم).
وعند الحنابلة:
نص الإمام أحمد على أن إطعام الجائع وإعطاء المحتاجين أحب إليه من حج النفل، وما نُقل عنه من تفضيل الحج على الصدقة فالمقصود: إما مطلق الصدقة من غير نظر إلى الآخذ، أو الصدقة على غير المحتاج؛ والصواب عندهم أن الصدقة عند الحاجة لا يعدلها شيء؛ لأن نفعها عامٌّ ومتعدٍّ، بخلاف الحج التطوع فإنه قاصر على صاحبه. ونصوا كذلك على أن الوصية بالصدقة أفضل من الوصية بحج التطوع.
قال العلامة ابن مفلح الحنبلي في "الفروع" (4/ 385-386، ط. مؤسسة الرسالة):
[وهل حج التطوع أفضل من صدقة التطوع؟ سأل حرب لأحمد: أيحج نفلًا أم يصل قرابته؟ قال: إن كانوا محتاجين يصلهم أحب إلي، قيل: فإن لم يكونوا قرابة؟ قال: الحج. وذكر أبو بكر بعد هذه الرواية رواية أخرى عن أحمد أنه سئل عن هذه المسألة فقال: من الناس من يقول: لا أعدل بالمشاهد شيئًا. وترجم أبو بكر: فضل صلة القرابة بعد فرض الحج. ونقل ابن هانئ في هذه المسألة: وإن قرابته فقراء؟ فقال أحمد: يضعها في أكباد جائعة أحب إلي. فظاهره العموم، وذكر شيخنا أن الحج أفضل، وأنه مذهب أحمد.
فظهر من هذا: هل الحج أفضل أم الصدقة مع الحاجة أم مع الحاجة على القريب أم على القريب مطلقًا؟ فيه روايات أربع، وفي "المستوعب": وصيته بالصدقة أفضل من وصيته بحج التطوع؛ فيؤخذ منه أن الصدقة أفضل بلا حاجة "م". وليس المراد الضرورة؛ لأن الفرض أنها تطوع] اهـ.
وقال العلامة المرداوي الحنبلي في "تصحيح الفروع" (4/ 386، ط. مؤسسة الرسالة):
[مسألة: قوله: وهل حج التطوع أفضل من الصدقة مطلقًا أم الصدقة مع الحاجة أم مع الحاجة على القريب أم على القريب مطلقا؟ روايات أربع. وفي المستوعب: وصيته بالصدقة أفضل من وصيته بحج التطوع، فيؤخذ منه أن الصدقة أفضل بلا حاجة.
قال الشيخ تقي الدين: الحج أفضل من الصدقة، وإنه مذهب أحمد.
وقال ابن الجوزي في كتاب "الصفوة": الصدقة أفضل من الحج ومن الجهاد، انتهى.
قلت: الصواب: أن الصدقة زمن المجاعة على المحاويج أفضل، لا سيما الجار، خصوصًا صاحب العائلة، وأخص من ذلك القرابة، فهذا فيما يظهر لا يَعْدِلُه الحجُّ التطوع، بل النفس تقطع بهذا، وهذا نفع عام، وهو متعد، وهو قاصر، وهو ظاهر كلام المجد في "شرحه" وغيره. وأما الصدقة مطلقًا، أو على القريب غير المحتاج: فالحج التطوع أفضل منه] اهـ.
وقال العلامة البهوتي في "شرح منتهى الإرادات" (1/ 236، ط. عالم الكتب): [(ثم) أفضل تطوع البدن بعد الصلاة (ما تعدى نفعه) من صدقة وعيادة مريض، وقضاء حاجة مسلم ونحوها (ويتفاوت) ما يتعدى نفعه في الفضل (فصدقة على قريب محتاج أفضل من عتق) أجنبي؛ لأنها صدقة وصلة (وهو) أي: العتق أفضل (منها) أي: من صدقة (على أجنبي)؛ لعظم نفعه بتخليصه من أسر الرق (إلا زمن غلاء وحاجة) فالصدقة مطلقًا أفضل منه؛ لدعاء الحاجة إليها إذن (ثم حج) لقصور نفعه عليه] اهـ.
وقال العلامة اللبدي الحنبلي في حاشيته على "نيل المآرب" (1/ 132، ط. دار البشائر): [وهل حج التطوع أفضل من الصدقة؟ فيه أربع روايات، واختار الشيخ أن الحج أفضل مطلقًا. قال في "الإنصاف": قلت: الصدقة زمن المجاعة لا يعدِلُها شيء] اهـ.
ومن هذا العرض لمذاهب الفقهاء يتبين أنهم متفقون على تقديم الصدقة وأفضليتها على تكرار الحج والعمرة في أزمنة الحاجات وأوقات الفاقات، وفي كفاية المحاويج وأحوال المواساة؛ وإنما كان ذلك متفقًا عليه لأن دفع الضرر عن المسلمين وإزالة فاقتهم فرض كفاية على المسلمين بإجماع المسلمين، بل وعن أهل الذمة والمستأمنين من غير المسلمين أيضًا؛ كما نص عليه غير واحد من الفقهاء؛ حيث إن كفاية الفقراء ورعايا الدولة الإسلامية واجبة في أموال الأغنياء إذا لم تَفِ الزكاةُ ولا بيت المال ولا الأوقاف والصدقات الجارية ولا الكفارات والنذور بذلك، فقد جعلت الشريعة لهم في مال الأغنياء حينئذ من الحق الواجب ما يقوم بحاجتهم ويسد خلتهم ويدفع فاقتهم.
فقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إِنَّ في المالِ لَحَقًّا سِوى الزَّكاةِ»، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177]. رواه الترمذي وغيره من حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها، وفيه ضعفٌ، إلا أنه قد صَحَّ مِن قول كثير من الصحابة الكرام والسلف الصالح من غير نكير؛ كأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وأمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب، وابنه الحسن، وأم المؤمنين عائشة، وأبي ذر، وأبي هريرة رضي الله عنهم، والحسن البصري وعطاء والشعبي ومجاهد وطاوس وإبراهيم النخعي رحمهم الله تعالى، ونقله الإمام النخعي عن السلف الصالح؛ فقال: "كانوا يرون في أموالهم حقًّا سوى الزكاة" أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف".
وقد حفلت النصوص الشرعية بالتحذير من التغافل عن حاجات الفقراء وعدم السعي فيها، وجزاء من يبخل بماله عليهم:
فأخبر الله تعالى أن العقبة الكأداء إنما تُقتَحَم بالإطعام في المجاعات، وكفاية أصحاب الحاجات؛ فقال سبحانه: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ۞ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ۞ فَكُّ رَقَبَةٍ ۞ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ۞ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ۞ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ۞ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: 11-17].
وأخبر سبحانه أن من أسباب دخول أهل النار فيها: عدمَ إطعام المسكين؛ فقال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ۞ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ۞ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: 42-44]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ ۞ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الحاقة: 33-34].
وجعل سبحانه من الصفات السيئة: ترك إكرام اليتيم، وترك الحض على إطعام المسكين؛ فقال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ۞ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الفجر: 17-18].
وأخبر أن من صفات المكذب بالدين: أنه يقهر اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين؛ فقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ۞ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ۞ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون: 1-3].
وعن معاوية بن حيدة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، ما حق جاري عليَّ؟ قال: «إِنْ مَرِضَ عُدْتَهُ، وَإِنْ مَاتَ شَيَّعْتَهُ، وَإِنِ اسْتَقْرَضَكَ أَقْرَضْتَهُ، وَإِنْ أَعْوَزَ سَتَرْتَهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ هَنَّأْتَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ عَزَّيْتَهُ، وَلَا تَرْفَعْ بِنَاءَكَ فَوْقَ بِنَائِهِ فَتَسُدَّ عَلَيْهِ الرِّيحَ، وَلَا تُؤْذِهِ بِرِيحِ قِدْرِكَ إِلَّا أَنْ تَغْرِفَ لَهُ مِنْهَا» رواه الطبراني في "المعجم الكبير".
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قلنا: يا رسول الله، ما حق الجوار؟ قال: «إِن استَقْرَضَكَ أَقْرَضتَه، وَإِن استَعَانَكَ أعَنْتَه، وَإِن احْتَاجَ أَعْطيتَه، وَإِن مرض عُدْتَه» رواه الحافظ ابن حبان في كتاب "التوبيخ".
وعن أنس بن مالك رَضِي الله عَنْهُ قال: قال رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وآله وسلم: «مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَانًا وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ» رواه الطبراني في "المعجم الكبير"، والبزار في "مسنده".
قال الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب": إسناده حسن.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا هُوَ بِمُؤْمِنٍ مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ، وَجَارُهُ طَاوٍ إِلَى جَانِبِهِ» أخرجه الإمام البخاري في "الأدب المفرد"، وابن أبي شيبة في "المصنف" وفي كتاب "الإيمان"، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا.
وبوَّب الإمام البخاري في "الأدب المفرد" بابًا سمَّاه: "باب المواساة في السَّنَة والمجاعة"، وأخرج فيه عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «ضَحَايَاكُمْ، لَا يُصْبِحُ أَحَدُكُمْ بَعْدَ ثَالِثَةٍ، وَفِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ»، فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله، نفعل كما فعلنا العام الماضي؟ قال: «كُلُوا وَادَّخِرُوا، فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ كَانُوا فِي جَهْدٍ فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا».
وأخرج فيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "يكون في آخر الزمان مجاعة، من أدركته فلا يعدلن بالأكباد الجائعة".
وأخرج فيه أيضًا عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال عام الرمادة -وكانت سنة شديدة ملمة، بعدما اجتهد عمر رضي الله عنه في إمداد الأعراب بالإبل والقمح والزيت من الأرياف كلها، حتى بلحت الأرياف كلها مما جهدها ذلك- فقام عمر رضي الله عنه يدعو فقال: "اللهم اجعل رزقهم على رؤوس الجبال"، فاستجاب الله له وللمسلمين، فقال حين نزل به الغيث: "الحمد لله، فوالله لو أن الله لم يفرجها ما تركتُ بأهل بيت من المسلمين لهم سعةٌ إلا أدخلتُ معهم أعدادَهم مِن الفقراء، فلم يكن اثنان يهلكان مِن الطعام على ما يقيم واحدًا".
وروى الإمام الطبراني في "المعجم الأوسط" عن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَى أَغْنِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ قَدْرَ الَّذِي يَسَعُ فُقَرَاءَهُمْ، وَلَنْ يُجْهَدَ الْفُقَرَاءُ إِلَّا إِذَا جَاعُوا وَعروا مِمَّا يَصْنَعُ أَغْنِيَاؤُهُمْ، أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ مُحَاسِبُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِسَابًا شَدِيدًا، وَمُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا نُكْرًا».
وروى الإمام البيهقي في "السنن الكبرى" عن محمد ابن الحنفية رضي الله عنهما: أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: "إِنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ فِي أَمْوَالِهِمْ بِقَدْرِ مَا يَكْفِي فُقَرَاءَهُمْ، فَإِنْ جَاعُوا وَعَرُوا جَهَدُوا فِي مَنْعِ الْأَغْنِيَاءِ، فَحَقٌّ عَلَى اللهِ أَنْ يُحَاسِبَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُعَذِّبَهُمْ عَلَيْهِ".
وروى ابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" عن محمد ابن الحنفية رضي الله عنهما عن شيخ من قريش قال: بَيْنَا أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهم جَالِسَانِ إِذْ وَقَفَ عَلَيْهِمَا أَعْرَابِيٌّ فَسَأَلَهُمَا، فَلَمْ يُعْطِيَاهُ شَيْئًا، وَقَالَا: اذْهَبْ إِلَى ذَيْنِكَ الْفَتَيَيْنِ، وَأَشَارَا إِلَى الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمَا وَهُمَا جَالِسَانِ، فَجَاءَ الْأَعْرَابِيُّ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِمَا فَسَأَلَهُمَا، فَقَالَا: "إِنْ كُنْتَ تَسْأَلُ فِي دَمٍ مُوجِعٍ، أَوْ فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ أَمْرٍ مُفْظِعٍ، فَقَدْ وَجَبَ حَقُّكَ".
وهذا ما نص عليه أرباب المذاهب الفقهية كلها:
فنص الحنفية على وجوب المواساة في الضرورة، وأن الصدقة لازمة في المال عند الحاجة إليها:
قال الإمام الجصاص الحنفي في "أحكام القرآن" (4/ 301، ط. دار إحياء التراث العربي): [المفروض إخراجه هو الزكاة، إلا أن تحدث أمورٌ توجب المواساةَ والإعطاءَ؛ نحو الجائع المضطر، والعاري المضطر، أو ميت ليس له مَن يُكفِّنه أو يُواريه] اهـ.
وقال الإمام العيني الحنفي في "عمدة القاري" (8/ 237، ط. دار إحياء التراث العربي): [وقد تأول سفيان بن عيينة في المواساة في المسغبة قولَه تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: 111]، ومعناه: أن المؤمنين يلزمهم القربة في أموالهم لله تعالى عند توجه الحاجة إليهم، ولهذا قال كثير من العلماء: إن في المال حقًّا سوى الزكاة، وورد في الترمذي مرفوعًا] اهـ.
ونص المالكية على وجوب صرف المال إلى الحاجات عند نزولها، ونقلوا إجماع العلماء على ذلك، وأن للحاكم المسلم أن يفرض على الأغنياء ما يراه كافيًا لسد حاجات الدولة:
قال الإمام أبو بكر بن العربي المالكي في "أحكام القرآن" (1/ 88، ط. دار الكتب العلمية): [وليس في المال حق سوى الزكاة، وإذا وقع أداء الزكاة ونزلت بعد ذلك حاجة فإنه يجب صرف المال إليها باتفاق من العلماء. وقد قال مالك: يجب على كافة المسلمين فداء أسراهم، وإن استغرق ذلك أموالهم، وكذا إذا منع الوالي الزكاة، فهل يجب على الأغنياء إغناء الفقراء؟ مسألة فيها نظر، أصحها عندي وجوب ذلك عليهم] اهـ.
وقال الإمام القرطبي في تفسيره "الجامع لأحكام القرآن" (2/ 242، ط. دار الكتب المصرية): [واتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال إليها. قال مالك رحمه الله: يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم. وهذا إجماع أيضًا، وهو يقوي ما اخترناه، والموفق الإله] اهـ.
وقال الإمام الشاطبي في "الاعتصام" (2/ 619، ط. دار ابن عفان): [إذا قرَّرنا إمامًا مُطاعًا مفتقرًا إلى تكثير الجنود لسد الثغور وحماية الملك المتسع الأقطار، وخلا بيت المال وارتفعت حاجات الجند إلى ما لا يكفيهم، فللإمام -إذا كان عدلًا- أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافيًا لهم في الحال، إلى أن يظهر مال بيت المال] اهـ.
ونص الشافعية على أن الصدقات في حال الحاجات ولإزالة الفاقات هي من فروض الكفايات، وأن ذلك واجب في الأصح عندهم إلى تمام الكفاية لا إلى مجرد سد الرمق ودفع الضرورة؛ بما يشمل السكنى، والكسوة، والعلاج، وغير ذلك من أمور المعاش، وأن المواساةَ واجبة على كل من زاد مالُه على كفاية سنة، أو كان له من الوظائف ما يُدِرُّ عليه بانتظام ويزيد على كفايته، وأن التزام الأغنياء بكفاية الفقراء بمنزلة التزام الآباء بكفاية الأبناء.
قال إمام الحرمين الجويني الشافعي في كتابه "غياث الأمم في التياث الظلم" (ص: 278، ط. مكتبة إمام الحرمين): [ولا أعرف خلافًا أن سدَّ خلّات المضطرين في شتى المجاعات، محتوم على الموسرين، ثم لا يرجعون عليهم إذا انسلُّوا مِن تحت كلاكل الفتن. وفقراء المسلمين بالإضافة إلى متوسليهم كالابن الفقير في حق أبيه؛ ليس للأب الموسر أن يلزم ابنه الاستقراض منه إلى أن يستغني يومًا من الدهر، ولو كان لولده مال غائب أقرض ولده أو استقرض له إن كان موليًا عليه.
والذي يكشف الغطاء فيه أن من رأى مسلمًا مشرفًا على حريق أو غريق، واحتاج إنقاذه إلى إنقاذ سببه، وإكداد حدبه لم يجد في مقابلة سعيه] اهـ.
وقال أيضًا في (ص: 359-360): [ومن عثر على بعض المضطرين وانتهى إلى ذي مخمصة من المسلمين، واستمكن من سد جوعته، وكفاية حاجته ولو تعداه، ووكله إلى من عداه، لأوشك أن يهلك في ضيعته، فيتعين على العاثر عليه القيام بكفايته] اهـ.
وقال أيضًا في "نهاية المطلب" (17/ 394، ط. دار المنهاج): [وما يتعلَّق بالأبدان -أي: من فروض الكفاية- سترُ العراة وإطعام الجائعين، وكفُّ الأذى عن المغبونين، وإغاثة المستغيثين، فكل ما ينتهي إلى الضرورة، ففرضٌ على الكافة القيام به.
ثم اختلف أرباب الأموال فيما فوق سدِّ الضرورة إلى تمام الكفاية التي يجب نفقته على من يلتزم النفقة؛ فقال قائلون: يتحتم الكفاية في ذلك حتى لا يبقى ذو حاجة. وقال آخرون: المفروض على الكفاية إزالة الضرورة. وما ذكرناه بعد تفريق الصدقات على المستحقين، وبعد أن يشغر بيتُ المال عن السهم المُرْصد للمصالح العامة، فإذ ذاك يثبت فرضُ الكفاية على أصحاب الثروة والمقدرة] اهـ.
وقال الإمام الرافعي في "فتح العزيز" (11/ 354، ط. دار الكتب العلمية):
[وفروض الكفايات أقسام.. منها: ما يتعلَّقُ بمصالح المعَاشِ وانتظام أمور الناس؛ كدفع الضرر عن المسلمين، وإِزالَةِ فاقتهم؛ كستر العارين، وإطْعَامِ الجائعين، وإِعَانَةِ المستَغِيثِين في النائبات، وكل ذلك فرضُ كفاية في حق أَصْحَاب الثروة والقُدرة إذا لم تفِ الصدقات الواجبة بِسَدِّ الحاجات ولم يكن في بيتِ المال مِنْ سَهْم المصالح ما يُصرف إليها.
فإذا انسدت الضرورةُ، فيكفي ذلك أم تَجِبُ الزيادَةُ إلى تمام الكفاية التي يقوم بها مَنْ تلزمه النفقَة؟ حَكَى الإمامُ فِيه وَجْهين لِأَصْحابِ الأصول] اهـ.
زاد الإمام النووي في "روضة الطالبين" (10/ 222، ط. المكتب الإسلامي): [قلت: قال الإمام في كتابه "الغياثي": يجب على الموسر المواساة بما زاد على كفاية سنة] اهـ.
وقال أيضًا في "منهاج الطالبين" (ص: 307، ط. دار الفكر): [ومن فروض الكفاية.. ودفع ضرر المسلمين؛ ككسوة عار، وإطعام جائع، إذا لم يندفع بزكاة وبيت مال] اهـ.
قال الإمام الإسنوي في "المهمات" (8/ 391، ط. دار ابن حزم): [تخصيصه بالمسلمين باطل؛ فإن أهل الذمة والمستأمنين يجب أيضًا دفع ضررهم بالستر والإطعام وغيرهما كما يجب للمسلم، وقد صرح الرافعي بالمسألة في باب الأطعمة في الكلام على المضطر] اهـ.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في تعداد فروض الكفاية في "فتح الوهاب" (2/ 208، ط. دار الفكر): [(ودفع ضرر معصوم) من مسلم وغيره؛ ككسوة عار، وإطعام جائع، إذا لم يندفع ضررهما بنحو وصية ونذر ووقف وزكاة وبيت مال من سهم المصالح، وهذا في حق الأغنياء، وتعبيري بالمعصوم أولى من تعبيره بالمسلمين] اهـ.
قال العلامة سليمان الجمل الشافعي في حاشيته عليه "فتوحات الوهاب" (5/ 183، ط. دار الفكر):
[(قوله: ودفع ضرر معصوم) وهل المراد بدفع ضرر من ذكر ما يسد الرمق أم الكفاية؟ قولان؛ أصحهما: ثانيهما؛ فيجب في الكسوة ما يستر كل البدن على حسب ما يليق بالحال من شتاء وصيف، ويلحق بالطعام والكسوة ما في معناهما؛ كأجرة طبيب، وثمن دواء، وخادم منقطع، كما هو واضح.
ولا ينافي ما تقرر قولُهم: لا يلزم المالكَ بذلُ طعامه لمضطر إلا ببدله؛ لحمل ذاك على غير غني تلزمه المواساة، ومما يندفع به ضرر المسلمين والذميين: فكُّ أسراهم على التفصيل الآتي في الهدنة، وعمارةُ نحو سور البلد وكفايةُ القائمين بحفظها؛ فمؤنة ذلك على بيت المال ثم على القادرين المذكورين، ولو تعذر استيعابهم خص به الوالي من شاء اهـ. "شرح م ر"، (وقوله: القائمين بحفظها): أي البلد، ومنه يؤخذ أن ما تأخذه الجند الآن من الجوامك يستحقونه ولو زائدًا على قدر الكفاية، حيث احتيج إليه في إظهار شوكتهم، ومن ذلك: ما تأخذه أمراؤهم من الخيول والمماليك التي لا يتم نظامهم أو شوكتهم إلا بها؛ لقيامهم بحفظ حوادث المسلمين اهـ. "ع ش" عليه.
(قوله: إذا لم يندفع ضررهما.. إلخ) منه يؤخذ أنه لو سئل قادر في دفع الضرر لم يجز له الامتناع وإن كان هناك قادرٌ آخر، وهو متجه؛ لئلا يؤدي إلى التواكل، بخلاف المفتي؛ له الامتناع إذا كان ثَمَّ غيرُه، ويفرق بأن النفس جُبِلَتْ على محبة العلم وإفادتِه؛ فالتواكل فيه بعيد جدًّا، بخلاف المال اهـ. "شرح م ر".
(قوله: وبيت مال) أي لعدم شيء فيه، أو لمنع مُتَوَلِّيهِ ولو ظلمًا اهـ. "شرح م ر".
(قوله: وهذا في حق الأغنياء) وهم: مَن عنده زيادة على كفاية سنة لهم وَلِمُمَوَّنِهِمْ؛ كما في "الروضة"، وإن نازع فيه البلقيني اهـ. "شرح م ر"، وينبغي أنه لا يُشترَط في الغنيِّ أن يكون عنده مالٌ يكفيه لنفسه وَلِمُمَوَّنِهِ جميعَ السنة، بل يكفي في وجوب المواساة أن يكون له نحوُ وظائفَ يتحصل منها ما يكفيه عادة جميعَ السنة، ويتحصل عنده زيادةٌ على ذلك ما تمكن المواساة به، وقوله كما في "الروضة" الذي اعتمده الشارح في الكفارة كفاية العمر الغالب والقياس مجيئه هنا اهـ. "ع ش" عليه] اهـ.
ونص الحنابلة على وجوب الإعطاء في النوائب، وأن الصدقة زمن المجاعة لا يعدِلُها شيء:
قال الشيخ ابن تيمية الحنبلي في "مجموع الفتاوى" (7/ 316، ط. مجمع الملك فهد): [ولهذا يقال: "ليس في المال حق سوى الزكاة"؛ أي ليس فيه حق يجب بسبب المال سوى الزكاة، وإلا ففيه واجبات بغير سبب المال؛ كما تجب النفقات للأقارب والزوجة والرقيق والبهائم، ويجب حمل العاقلة، ويجب قضاء الديون، ويجب الإعطاء في النائبة، ويجب إطعام الجائع وكسوة العاري؛ فرضًا على الكفاية، إلى غير ذلك من الواجبات المالية] اهـ.
وقال أيضًا في "الفتاوى الكبرى" (5/ 382): [والحج على الوجه المشروع أفضل من الصدقة التي ليست واجبة. وأما إن كان له أقارب محاويج فالصدقة عليهم أفضل، وكذلك إن كان هناك قوم مضطرون إلى نفقته، فأما إذا كان كلاهما تطوعًا فالحج أفضل؛ لأنه عبادة بدنية مالية، وكذلك الأضحية والعقيقة أفضل من الصدقة بقيمة ذلك] اهـ.
وقد انتصر لذلك الإمام ابن حزم الظاهري واستدلَّ له أتم ما يكون الاستدلال؛ فقال في "المحلَّى" (4/ 281، ط. دار الفكر):
[وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك، إن لم تَقُم الزكواتُ بهم، ولا في سائر أموال المسلمين، فيُقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنهم من المطر، والصيف والشمس، وعيون المارة.
وبرهان ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: 26]، وقال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 36]، فأوجب تعالى حق المساكين، وابن السبيل، وما ملكت اليمين مع حق ذي القربى، وافترض الإحسان إلى الأبوين، وذي القربى، والمساكين، والجار، وما ملكت اليمين، والإحسان يقتضي كل ما ذكرنا، ومنعه إساءة بلا شك.
وقال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ۞ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ۞ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: 42-44]؛ فقرن الله تعالى إطعام المسكين بوجوب الصلاة.
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من طرق كثيرة في غاية الصحة أنه قال: «مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ لَا يَرْحَمُهُ اللهُ» رواه مسلم وأحمد والترمذي. قال أبو محمد: ومن كان على فضلة ورأى المسلم أخاه جائعًا عريانَ ضائعًا فلم يُغِثْهُ: فما رحمه بلا شك.
وهذا خبر رواه نافع بن جبير بن مطعم، وقيس بن أبي حاتم، وأبو ظبيان وزيد بن وهب، وكلهم عن جرير بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
روى أيضًا معناه الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وساق عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق أن أصحاب الصفة كانوا ناسًا فقراء، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَن كانَ عندَه طعامُ اثنينِ فلْيَذْهَبْ بثالِثٍ، ومَن كانَ عندَهُ طعامُ أربعةٍ فلْيَذْهَبْ بخامِس، أو سادِسٍ» أو كما قال. رواه أحمد، فهذا هو نفس قولنا.
وساق عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ» قال أبو محمد: من تركه يجوع ويعرى وهو قادر على إطعامه وكسوته فقد أسلمه.
وساق عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ»، قال: فذكر مِن أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل. قال أبو محمد: وهذا إجماع الصحابة رضي الله عنهم يخبر بذلك أبو سعيد، وبكل ما في هذا الخبر نقول.
ومن طريق أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَطْعِمُوا الْجَائِعَ وَفُكُّوا الْعَانِيَ».
والنصوص من القرآن، والأحاديث الصحاح في هذا تكثر جدًّا.
وروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "لو استقبلتُ مِن أمري ما استدبرتُ لأخذُت فضولَ أموال الأغنياء فقسمتُها على فقراء المهاجرين"؛ هذا إسناد في غاية الصحة والجلالة.
وروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: "إن الله تعالى فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم، فإن جاعوا أو عروا وجهدوا فمنع الأغنياء، وحق على الله تعالى أن يحاسبهم يوم القيامة، ويعذبهم عليه".
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: في مالك حقٌّ سوى الزكاة.
وعن عائشة أم المؤمنين، والحسن بن علي، وابن عمر رضي الله عنهم، أنهم قالوا كلُّهم لمن سألهم: "إنْ كنتَ تَسألُ في دَمٍ مُوجِعٍ، أو غُرم مُفْظِعٍ، أو فقرٍ مُدقِعٍ، فقد وجب حقُّك".
وصح عن أبي عبيدة بن الجراح وثلاثمائة من الصحابة رضي الله عنهم: أنَّ زادَهم فَنِيَ، فأمرهم أبو عبيدة رضي الله عنه فجمعوا أزوادهم في مزودين، وجعل يقوتهم إياها على السواء.
فهذا إجماع مقطوع به من الصحابة رضي الله عنهم، لا مخالف لهم منهم.
وصح عن الشعبي، ومجاهد، وطاوس، وغيرهم، كلهم يقول: في المال حق سوى الزكاة.
قال أبو محمد: وما نعلم عن أحد منهم خلاف هذا] اهـ باختصار.
وقد بلغ من أهمية الصدقة على الفقراء وكفاية المحتاجين أن كانت هي أُولَى أولويات بناء الدولة في المدينة المنورة؛ حيث جعلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم منظومةً مجتمعية متكاملة؛ فآخى بين المهاجرين والأنصار في السنة الأولى من الهجرة، لتصبح المواساةُ بهذه المؤاخاة حقًّا أخويًّا ونظامًا متكاملًا بين المتآخيَيْن؛ للتعاون على تكاليف الحياة المادية والمعنوية، وقد امتثل الأنصار لذلك خيرَ امتثال؛ حتى وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما قدم النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم المدينة أتاه المهاجرون فقالوا: يا رسول الله، ما رأينا قومًا أبذلَ مِن كثيرٍ ولا أحسنَ مواساةً مِن قليلٍ: مِن قومٍ نزلنا بين أظهرهم؛ لقد كفَوْنا المؤنة وأشركونا في المهنأ؛ حتى لقد خفنا أن يذهبوا بالأجر كله. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا، مَا دَعَوْتُمُ اللهَ لَهُمْ وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ» أخرجه الإمام أحمد وأبو يعلى في "مسنديهما"، والترمذي في "الجامع" وحسَّنه.
وما ورد في الشرع الشريف من الترغيب في مواساة الفقراء وكفاية المحتاجين وتفريج كُرَب المكروبين وإعطاء الأقارب المعوزين، ومن الترهيب من منع ذلك والوعيد على الشح به، لم يرد مثلُه في نافلة الحج والعمرة؛ فإن الصدقة قد تصل إلى حد الوجوب الكفائي أو العيني بالنظر إلى الحاجة على مستوى الأفراد والمجتمعات، أما التطوع بالحج والعمرة فهو مستحبٌّ في ذاته ولا يكون واجبًا إلا في حالة الخوف من خلو المناسك وتعطيل شعيرة الحج والعمرة، وهذا بعيد التصور والحدوث؛ فالتوقي من إثم منع الصدقة لمحتاجها مقدَّم على السعي في تحصيل ثواب التطوع بالحج والعمرة، فإنَّ تعارض نوافل العبادات مع تبرئة الذمم من حقوق ذوي الحاجات موجب لتقديمها.
وقد سلك بعض السلف في تفضيل الصدقة على التطوع بالحج والعمرة مسلكًا آخر، نظر فيه إلى تزكية النفس وترويضها على الإخلاص؛ فإن الصدقة أبعد عن الرياء والسمعة.
فأخرج الحافظ أبو نعيم في "حلية الأولياء" عن الإمام بشر بن الحارث الحافي رحمه الله تعالى أنه قال: "الصدقة أفضل من الحج والعمرة والجهاد"، ثم قال: "ذاك يركب ويرجع ويراه الناس، وهذا يعطي سرًّا لا يراه إلا الله عز وجل".
وقال الحافظ ابن الجوزي في "تلبيس إبليس" (ص: 350، ط. دار الفكر): [قال رجل لبشر الحافي: أعددت ألفي درهم للحج، فقال: أحججتَ؟ قال: نعم، قال: اقض دين مدين، قال: ما تميل نفسي إلّا إلى الحج، قال: مرادك أن تركب وتجيء، ويقال: فلان حاجي] اهـ.
وقال الإمام الشاطبي في "الموافقات" (1/ 310، ط. دار ابن عفان): [العُبَّاد مِن هذه الأمة أخذوا أنفسهم بتخليص الأعمال عن شوائب الحظوظ، حتى عدُّوا ميل النفوس إلى بعض الأعمال الصالحة من جملة مكائدها، وأسسوها قاعدة بنوا عليها -في تعارض الأعمال وتقديم بعضها على بعض- أن يُقدِّموا ما لا حظَّ للنفس فيه، أو ما ثقل عليها؛ حتى لا يكون لهم عمل إلا على مخالفة ميل النفس، وهم الحُجّة فيما انتحلوا؛ لأن إجماعَهم إجماعٌ] اهـ.
وتكلم العلماء عن تقديم واجب الوقت وضرورة مراعاة الحال، وبينوا أن لكل وقت عبادة ووظيفة، وأن الواجب المضيق مقدم على الواجب الموسع، وأن لكل حالٍ عملًا يناسبه هو فيه أَوْلَى من غيره، وأن ذلك كما يختلف من حال إلى غيره فقد يختلف أيضًا من شخص لآخر؛ فكما أن أداء المكتوبة مقدم على غيرها إذا دخل وقتها، فالصدقة كذلك أفضل من غيرها في وقت المجاعات وقلة الطعام، والجهاد أفضل من غيره في وقت النفير العام، وإنقاذ الغريق مقدم على كل ما يمكن تأخيره.
قال الإمام القفال الشاشي: [ولا شك في أن الصلاة أفضل من الصدقة، ثم قد يحدث حالٌ يُحتاج فيها إلى مواساةِ مضطرٍّ وإصلاح ذات بينٍ، فتكون الصدقة أفضلَ من الصلاة] اهـ نقله عنه الإمام الحليمي في "شعب الإيمان" (2/ 472، ط. دار الفكر).
وقال العلامة ابن دقيق العيد في "إحكام الأحكام" (1/ 163، ط. مطبعة السنة المحمدية): [وقد اختلفت الأحاديث في فضائل الأعمال، وتقديم بعضها على بعض، والذي قيل في هذا أنها أجوبة مخصوصة لسائل مخصوص، أو من هو في مثل حاله، أو هي مخصوصة ببعض الأحوال التي ترشد القرائن إلى أنها المراد. ومثال ذلك: أن يحمل ما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ؟» -رواه أحمد- وفسره بذكر الله تعالى، على أن يكون ذلك أفضل الأعمال بالنسبة إلى المخاطبين بذلك، أو من هو في مثل حالهم، أو من هو في صفاتهم، ولو خوطب بذلك الشجاع الباسل المتأهل للنفع الأكبر في القتال لقيل له "الجهاد"، ولو خوطب به من لا يقوم مقامه في القتال ولا يتمحض حاله لصلاحية التبتل لذكر الله تعالى، وكان غنيًّا يُنتَفَعُ بصدقة ماله لقيل له "الصدقة"، وهكذا في بقية أحوال الناس، قد يكون الأفضل في حق هذا مخالفًا للأفضل في حق ذاك، بحسب ترجيح المصلحة التي تليق به] اهـ.
وقال العلامة السفاريني الحنبلي في "كشف اللثام" (1/ 542، ط. وزارة الأوقاف الكويتية): [ومحصل ما أجاب به العلماء عن ما اختلفتْ فيه الأجوبةُ بأنه أفضلُ الأعمال بأن الجواب إنما اختلف لاختلاف السائلين؛ فأعلمَ كلَّ قومٍ بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبةٌ، أو بما هو لائقٌ بهم، أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات؛ بأن يكون العملُ في ذلك الوقت أفضلَ منه في غيره، فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضلَ الأعمال.. وقد تظافرت النصوص على أن الصلاة أفضلُ من الصدقة، ومع ذلك، ففي وقت مواساة المضطر تكون الصدقة أفضلَ] اهـ.
والشرع الشريف لم يترك الترتيب بين العبادات والواجبات الحياتية والمجتمعية دون قواعد وضوابط؛ بل نظَّمها من خلال فقه الأولويات، وفقه المآلات، وفقه فروض الكفايات، وفقه الضرورات والحاجات، وفقه الموازنات، وقواعد تقديم دفع المفسدة على جلب المصلحة، والترتيب بين درجات الضرر بتقديم الضرر الأخف على الضرر الأعظم، وتقديم الحاصل من المصالح أو المفاسد على المحتمل أو المتوقع، وتقديم مصلحة المجموع على مصلحة الفرد، والمصلحة العامة والمتعدية على المصلحة الخاصة والقاصرة.
وتطبيق هذه القواعد وغيرها على واقع الناس المعيش يقتضي بلا نزاع تقديم الصدقة على حج التطوع وعمرته؛ فإن المال في الأصل قوام الحياة وزينتها، ووظيفته الأساسية بقاء الحياة واستمرارها؛ من إحياء الأرواح، واستبقاء المُهَج، وحفظ الأعراض، وكفاية الإنسان وإكرامه، وسد حاجته، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: 5]؛ ولذلك كان إنفاق الأموال وصرف الأوقات في تفريج الكربات ودفع الفاقات عن أصحاب الحاجات مقدَّمًا في الشرع على نوافل العبادات، وفضول الطاعات، خاصةً في هذا العصر الذي كثرت فيه الحاجات، واشتدت الفاقات. وأصحاب الأموال ما هم إلا وُكلاء استخلَفهم الله فيها لإنفاقها فيما أراد لا فيما أرادوا؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِير﴾ [الحديد: 7]، وقد دلت الشريعة على تقديم كفاية الحاجات ودفع الفاقات وتفريج الكربات على نوافل الطاعات عند التعارض، فوجب امتثال أمر الشرع وعدم العدول عنه.
كما أن الحاجة إلى الصدقة في الماضي لم تكن بالقدر الذي يحتاج إليه الآن؛ وذلك لوجود وجوه أخرى من التكافل الاجتماعي التي كانت تغني الناس عن الحاجة إلى الصدقات؛ كعطايا بيت المال، والأوقاف والصدقات الجارية، وغيرها من وجوه البر الكثيرة، التي لم يكن في حسبان الفقهاء السابقين ذهابُها وخلوُّ مجتمعات المسلمين منها، ولذلك فلا يجوز أن ينسب إلى شيء من مذاهبهم أو أقوالهم تفضيل تكرار الحج والعمرة في أزمنة الحاجة والمجتمعات الفقيرة على الصدقة المحتاج إليها؛ بل كان كلامهم منصبًّا على نوافل الصدقات وما لا تشتد إليه الحاجات، فلما ذهبت هذه الوجوه أو كادت ضعُف التكافل الاجتماعي وكثر الاحتياج إلى الصدقات، بعد أن زادت البطالة، وقلت الموارد، وضعف الإنتاج، وارتفعت الأسعار، وظهر في المجتمع أطفال الشوارع وأصحاب الحاجات الذين لا يجدون من يفرج كروبهم ويدفع فاقتهم ويكفي حاجتهم من السكن والطعام والشراب والكساء والدواء والتعليم والزواج مع زيادة متطلبات الحياة وغلاء المعيشة؛ فكثرت الأمهات الغارمات اللائي سُجِنَّ في ديونهن، والشباب العاطلون الذين لا يجدون ما يتزوجون به، والبنات العانسات اللائي لا يجدن ما يتجهزن به، والعائلون الذين لا يجدون ما ينفقون على من يعولون، والمرضى الذين لا يجدون ما يعالجون به أنفسهم وأُسَرهم، والطلاب الذين لا يجدون ما يقوم بنفقات تعليمهم، والأيتام الذين ليس لهم من يكفلهم، والأرامل اللائي لا يجدن ما ينفقنه على أبنائهن وأنفسهن ليتقين بها الامتهان والاستغلال.
هذا بالإضافة إلى كثرة المرافق العامة التي تحتاج إلى مساهمات الأغنياء ومؤازرة مؤسسات المجتمع المدني؛ حيث تعيش كثيرٌ من القرى والنجوع تحت خط الفقر، وتخلو من جزء كبير من مقومات الحياة الأساسية؛ كمياه الشرب، والصرف الصحي، وتوصيلات الكهرباء، والمدارس ومعاهد التعليم الأساسي، وأساسيات التداوي والعلاج والإسعاف في الوحدات الصحية التي يؤدي نقصها إلى زيادة أعداد الوفيات، والمعابر الصالحة للمرور عليها على الترع والأنهار والرشاحات والتي هي عرضة للوقوع فيها، إلى غير ذلك من وجوه الخير والبر التي لو صرف الأغنياء أموالهم فيها لأنقذوا أرواحًا وأحيَوْا أُسَرًا وانتشلوا قرًى مما هي فيه من المعاناة والبأساء، والتي لو قدَّمها كلُّ مُريدٍ لتكرار الحج أو العمرة لغيَّر ذلك كثيرًا من الأحوال السيئة التي يعيشها المحتاجون والبؤساء.
وهذه كلها من فروض الكفايات التي يجب على أصحاب الأموال القيام بها، وأن يعملوا بعد أداء الفرائض على تبرئة ذممهم من فروض الكفايات التي يسدون بها خلة أصحاب الحاجات، ويرفعون بها كرب أهل الفاقات، ليرفعوا الإثم عن أنفسهم وعن الأمة، لا أن يشتغلوا بتحصيل نوافل العبادات التي ليس في تركها إثم ولا عقاب، وعلى كل من أراد تكرار الحج أو العمرة أن ينظر في تحصيل فروض الكفايات، فإن وجدها غير مؤدَّاة ووجد نفسه في المخاطبين بتحصيلها فعليه أن يقدمها على التطوع.
وقد بلغ من أهمية القيام بفروض الكفايات أن نص جماعة من الأصوليين على أن القيام بفرض الكفاية أكثر ثوابًا من الاشتغال بفرض العين؛ كما هو قول الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، والإمام أبي محمد الجويني، وولده إمام الحرمين أبي المعالي الجويني، ونقله الشيخ أبو علي السنجي عن المحققين، كما ذكر الإمام الزركشي في "تشنيف المسامع" (1/ 253، ط. مكتبة قرطبة)، فكيف إذا كانت المفاضلة بين فروض الكفايات ونوافل الطاعات.
قال إمام الحرمين الجويني في "غياث الأمم" (ص: 358-359): [ثم الذي أراه أن القيام بما هو مِن فروض الكفايات أحرى بإحراز الدرجات، وأعلى في فنون القربات من فرائض الأعيان؛ فإن ما تعيَّن على المتعبد المكلف لو تركه ولم يقابل أمر الشارع فيه بالارتسام اختص المأثم به، ولو أقامه فهو المثاب. ولو فُرِض تعطيلُ فرضٍ مِن فروض الكفايات لعمَّ المأثمُ على الكافة على اختلاف الرتب والدرجات، فالقائم به كافٍ نفسَه وكافَّةَ المخاطَبين الحرجَ والعقابَ، وآمِلٌ أفضلَ الثواب، ولا يَهُونُ قدرُ مَن يحِلُّ محَلَّ المسلمين أجمعين، في القيام لمهم من مهمات الدين] اهـ.
فإذا أضيف إلى ذلك أن تكرار الجموع الغفيرة المستمر للحج والعمرة يؤدي إلى حصول الزحام الشديد ويتسبب في كثير من الوفيات والإصابات، كان الحد من ذلك أمرًا تنظيميًّا مطلوبًا لضبط الأعداد المتكاثرة والقدرة على السيطرة على سيولة حركتها وسهولة انتقالها، حتى لجأ المنظمون للحج إلى تقنين تكراره بما يعمل على تقليل الحوادث والوفيات، وتيسير تأدية المناسك.
هذا بالإضافة إلى أن الحد من تكرار الحج يساهم في إعطاء الفرصة للحجاج الذين لم يسبق لهم أداء الفريضة؛ تقديمًا لحُجَّاج الفريضة على حُجَّاج النافلة؛ فيؤجر بذلك مَن تركوا تكرار الحج بإفساحهم المجال لإخوانهم الذين لم يحجوا، كي يؤدوا مناسكهم في يسر وأمن وطمأنينة.
وعدول المسلم عن تكرار الحج والعمرة تقديمًا لدفع فاقة الفقراء وإعطاء المحتاجين، أو بقصد إعطاء الفرصة لمن لم يحج أو يعتمر، لا يحرمه ثواب التطوع بالحج والعمرة، بل ينال بذلك الأجر من الله تعالى على كلا الأمرين؛ على صدقته للمحتاجين، وعلى نافلة الحج والعمرة التي منعه منها رعايةُ الفقراء أو إيثار من لم يؤد الفريضة. فروى الإمام البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة، فقال: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا؛ مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا، إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ»، قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة! قال: «وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؛ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ».
وبناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فالمفتى به في هذه الآونة التي انتشر فيها وباء كورونا، وصارت التجمعات مظنة انتقال العدوى، وكثرت بالتالي الفاقات واشتدت الحاجات وضعف اقتصاد كثير من الدول: أن كفاية الفقراء والمحتاجين وعلاج المرضى وسد ديون الغارمين وغيرها من وجوه تفريج كرب الناس وسد حاجاتهم مقدَّمة على نافلة الحج والعمرة بلا خلاف، وأكثر ثوابًا منها، وأقرب قبولًا عند الله تعالى، وهذا هو الذي دلت عليه نصوص الوحيين، واتفق عليه علماء الأمة ومذاهبها المتبوعة، وأنه يجب على أغنياء المسلمين القيام بفرض كفاية دفع الفاقات عن أصحاب الحاجات، والاشتغال بذلك مقدَّم قطعًا على الاشتغال بنافلة الحج والعمرة، والقائم بفرض الكفاية أكثر ثوابًا من القائم بفرض العين؛ لأنه ساعٍ في رفع الإثم عن جميع الأمة، بل نص جماعة من الفقهاء على أنه إذا تعينت المواساةُ في حالة المجاعة وازدياد الحاجة على مريد حج الفريضة فإنه يجب عليه تقديمها على الحج؛ للاتفاق على وجوب المواساة حينئذٍ على الفور، بخلاف الحج الذي اختلف في كونه واجبًا على الفور أو التراخي.
ولا يجوز للواجدين إهمالُ المعوزين تحت مبرر الإكثار من النوافل والطاعات؛ فإنه لا يجوز ترك الواجبات لتحصيل المستحبات، ولا يسوغ التشاغل بالعبادات القاصرة ذات النفع الخاص وبذل الأوقات والأموال فيها على حساب القيام بالعبادات المتعدية ذات المصلحة العامة، وعلى مريد التطوع بالحج والعمرة السعيُ في بذل ماله في كفاية الفقراء وسد حاجات المساكين وقضاء ديون الغارمين قبل بذله في تطوع العبادات، كما أن تقديم سد حاجات المحتاجين وإعطاء المعوزين على التطوع بالحج أو العمرة ينيل فاعلها ثواب الأمرين معًا.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

الإنفاق على الفقراء بدلا من الحج والعمرة في أيام الوباء

 أمام ظروف انتشار وباء كورونا قامت السلطات السعودية بتأجيل العمرة، كما قامت بقصر الحج على حجاج الداخل من السعودية فقط؛ تحرزًا من انتشار عدوى الوباء، وأمام حزن الكثيرين ممن كانوا يحرصون على أداء العمرة بشكل مستمر في شهر رمضان أو غيره من مواسم الطاعات، وكذلك الحج تطوعًا في موسمه، خرجت دار الإفتاء المصرية بمبادرة عنوانها "كأنك اعتمرت": أكثر من ثواب العمرة، تدعو فيها من يريد الذهاب للعمرة إلى إنفاق الأموال المعدة لها، على الفقراء والمساكين والغارمين وأصحاب العمالة اليومية (الأرزقية) وكل من تضرروا بظروف الوباء؛ تفريجًا لكروبهم، وقضاءً لحوائجهم، وإصلاحًا لأحوالهم.
فهل يكون ذلك مساويًا لثواب العمرة والحج تطوعًا فضلًا عن أن يكون زائدًا عليها؟

 المفتى به في هذه الآونة: أن كفاية الفقراء والمحتاجين وعلاج المرضى وسد ديون الغارمين وغيرها من وجوه تفريج كرب الناس وسد حاجاتهم مقدَّمة على نافلة الحج والعمرة بلا خلاف، وأكثر ثوابًا منها، وأقرب قبولًا عند الله تعالى، وهذا هو الذي دلت عليه نصوص الوحيين، واتفق عليه علماء الأمة ومذاهبها المتبوعة، وأنه يجب على أغنياء المسلمين القيام بفرض كفاية دفع الفاقات عن أصحاب الحاجات، والاشتغال بذلك مقدَّم قطعًا على الاشتغال بنافلة الحج والعمرة. ولا يجوز للواجدين إهمالُ المعوزين تحت مبرر الإكثار من النوافل والطاعات؛ فإنه لا يجوز ترك الواجبات لتحصيل المستحبات، ولا يسوغ التشاغل بالعبادات القاصرة ذات النفع الخاص وبذل الأوقات والأموال فيها على حساب القيام بالعبادات المتعدية ذات المصلحة العامة، وعلى مريد التطوع بالحج والعمرة السعيُ في بذل ماله في كفاية الفقراء وسد حاجات المساكين وقضاء ديون الغارمين قبل بذله في تطوع العبادات، كما أن تقديم سد حاجات المحتاجين وإعطاء المعوزين على التطوع بالحج أو العمرة ينيل فاعلها ثواب الأمرين معًا.

التفاصيل ....

 الحج والعمرة شعيرتان من شعائر الإسلام تشتملان على عبادات متعددة؛ منها البدنية: كالطواف والسعي والصلاة والصيام، والمالية: كالنفقة والفدية، والقولية: كالتلبية والذكر والدعاء؛ ولأجل ذلك جاءت الأحاديث النبوية الشريفة باستحباب المتابعة بين الحج والعمرة، غير أن هذه الأحاديث إنما تتناول استحباب التطوع بالحج والعمرة عند انتفاء المعارض كالوباء الذي تكون التجمعات مظنة لانتشاره، وعند عدم تزاحم الحقوق في أموال المكلفين، وإذا لم يكن تكرار الحج والعمرة متعارضًا مع كفاية الفقراء وإنعاش الاقتصاد، فأما إذا كان التجمع مظنة العدوى، أو تكاثرت الحقوق وتزاحمت واشتدت الحاجة إلى أموال الأغنياء لمواساة الفقراء ونجدة المحتاجين، وكانت نفقات الحج والعمرة باهظة التكاليف بحيث لو أُنفِقَت على الفقراء لقامت بكفايتهم وأصلحت أحوالهم، فإن أحب النفقة إلى الله تعالى حينئذ هو ما كان أنفع للناس وأجدى في صلاح أحوالهم وإنعاش اقتصادهم.
وعلى ذلك دلت الأحاديث النبوية الشريفة:
فعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله، أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ النَّاسِ إلى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكَشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ -يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ- شَهْرًا، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ -وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ- مَلأَ اللهُ قَلْبَهُ أَمْنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى أَثْبَتَها لَهُ أَثْبَتَ اللهُ قَدَمَهُ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَامُ» أخرجه الطبراني في معاجمه: "الكبير" و"الأوسط" و"الصغير".
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أفضل الأعمال إلى الله تعالى، فقال: «مَنْ أَدْخَلَ عَلَى مُؤْمِنٍ سُرُورًا، إِمَّا أَنْ أَطْعَمَهُ مِنْ جُوعٍ، وَإِمَّا قَضَى عَنْهُ دَيْنًا، وَإِمَّا يُنَفِّسُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرَبَ الْآخِرَةِ، وَمَنْ أَنْظَرَ مُوسِرًا أَوْ تَجَاوَزَ عَنْ مُعْسِرٍ؛ ظَلَّهُ اللهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي نَاحِيَةِ الْقَرْيَةِ لِتَثَبُّتِ حَاجَتِهِ ثَبَّتَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدَمَهُ يَوْمَ تَزُولُ الْأَقْدَامُ، وَلَأَنْ يَمْشِيَ أَحَدُكُمْ مَعَ أَخِيهِ فِي قَضَاءِ حَاجَتِهِ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِي هَذَا شَهْرَيْنِ وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ» أخرجه الحاكم في "المستدرك".
كما أن هذا التفضيل الوارد عن بعض السلف ليس على إطلاقه، فهو يتناول الصدقة من حيث هي نفقةٌ يوجد مثلُها في الحج، ولا نظرَ فيها لحال المتصدَّق عليه، أمَّا مِن حيث كونُها عبادةً متعديةَ النفع فهي أفضل من حج التطوع وعمرته؛ لأنها قد تكون لكفاية محتاج أو لسد دين مدينٍ، وذلك بخلاف حج التطوع وعمرة التطوع؛ فنفعهما قاصر على صاحبهما.
وقد راعى الشرع الإسلامي ترتيب الأولويات؛ فأمر عند التعارض بتقديم المصلحة المتعدية على القاصرة، والعامة على الخاصة، والناجزة على المتوقعة، والمتيقنة على الموهومة.
وقد قرر الفقهاء في قواعد الفقه أن العبادة المتعدية أفضل من القاصرة، ومن نازع منهم في ذلك لم يختلف في أن التفاضل بين الطاعات إنما يكون على قدر المصالح الناشئة عنها:
قال العلامة السيوطي الشافعي في "الأشباه والنظائر" (ص: 144، ط. دار الكتب العلمية): [القاعدة العشرون: المتعدي أفضل من القاصر، ومن ثم قال الأستاذ أبو إسحاق، وإمام الحرمين وأبوه: للقائم بفرض الكفاية مزية على العين؛ لأنه أسقط الحرج عن الأمة. وقال الشافعي: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة. وأنكر الشيخ عز الدين هذا الإطلاق أيضًا.. ثم اختار -تبعًا للغزالي في "الإحياء"- أن أفضل الطاعات على قدر المصالح الناشئة عنها] اهـ.
وقد نص جماعةٌ من السلف الصالح على أن الصدقة أفضل من التطوع بالحج والعمرة؛ لأن الصدقة عبادة متعدية، أما الحج والعمرة تطوعًا فعبادتان قاصرتان على صاحبهما:
فروى أبو بكر بن أبي شيبة في "المصنف" عن سيدنا الحسين بن علي عليهما السلام قال: "لَأَنْ أَقُوتَ أَهْلَ بَيْتٍ بِالْمَدِينَةِ صَاعًا كُلَّ يَوْمٍ، أَوْ كُلَّ يَوْمٍ صَاعَيْنِ شَهْرًا، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حَجَّةٍ فِي إِثْرِ حَجَّةٍ".
وأخرج عبد الرزاق -واللفظ له- وابن أبي شيبة في "مصنفيهما" عن الثوري، وسأله رجل فقال: الحج أفضل بعد الفريضة أم الصدقة؟ فقال: أخبرني أبو مسكين، عن إبراهيم النخعي أنه قال: "إذا حجَّ حِجَجًا، فالصدقة"، وكان الحسن يقول: "إذا حج حجّةً".
ولفظ ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي: كَانُوا يَرَوْنَ إِذا حجَّ مِرَارًا أَنَّ الصَّدَقَةَ أَفْضَلُ. والإمام النخعي (ت96هـ) تابعي جليل، أدرك جماعة من الصحابة، ورأى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وكان مفتي أهل الكوفة في زمنه.
وأخرج الإمام أحمد في كتاب "الزهد" عن الحسن البصري رحمه الله تعالى قال: يَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَحُجُّ أَحُجُّ، قَدْ حَجَجْتَ، صِلْ رَحِمًا، نَفِّسْ عَنْ مَغْمُومٍ، أَحْسِنْ إِلَى جَارٍ.
وأخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" عن الحكم بن عطية، قال: سألت الحجّاج عن رجل قضى مناسك الحج، أيحج أو يعتق؟ قال: لا، بل يعتق.
وأخرج أيضًا عن الشعبي قال: جاء أمضى حرانة فقال: إني قد تهيأتُ للخروج، ولي جيران محتاجون متعففون، فما ترى إلى جعل كراي وجهازي فيهم، أو أمضي لوجهي للحج؟ فقال: والله إن الصدقة يعظم أجرها، وما تعدل عندي موقفًا من المواقف، أو شيئًا من الأشياء.
وأخرج أيضًا عن الضحَّاك قال: "مَا عَلَى النَّاسِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِطْعَامِ مِسْكِينٍ".
وبأفضلية الصدقة على تطوع الحج والعمرة جاءت نصوص كثير من فقهاء المذاهب الأربعة المتبوعة؛ وذلك لتعدي نفعها وعظيم أثرها، ومِن الفقهاء مَن فضَّل نافلة الحجّ على الصدقة، ولكنهم اتفقوا جميعًا على استثنَاء أزمنة الغلاء والحاجات وأوقات الفاقات والمجاعات، واستثناء ما تجب فيه مواساة المحتاج وكفاية الفقير؛ فجعلوا الصدقة في ذلك كله مقدَّمةً على حج التطوع وعمرته؛ فهذا محل اتفاق وكلمة إجماع بين أرباب المذاهب الفقهية كلها:
فعند الحنفية:
أن في التفاضل بين تطوع الحج والصدقة خلافًا؛ فالصدقة أفضل عند الإمام أبي حنيفة ومحمد بن الحسن رحمهما الله، وتطوع الحج أفضل عند أبي يوسف رحمه الله، ونقلوا عن الإمام أبي حنيفة أنه لَمَّا حج ورأى مشقة الحج رجع إلى قول أبي يوسف رحمهما الله، وهذا من أبي يوسف ومن وافقه نظرٌ مجرَّدٌ إلى كثرة الفعل في الحج وقلته في الصدقة، أو نظرٌ إلى الصدقة من حيث هي محض إنفاق، لا من حيث عموم نفع العبادة وتعديها إلى الناس والمجتمع أو قصورها على فاعلها.
قال الإمام الطحاوي الحنفي في "مختصر اختلاف العلماء" (2/ 242، ط. دار البشائر الإسلامية):
[قال أبو حنيفة: الصدقة أفضل من حجة تطوع، وهو قول الثوري، وعبيد الله بن الحسن.
قال الحسن بن صالح: الحج في كل خمسة أعوام أفضل؛ لِمَا رُويَ عن العلاء، عن يونس بن خباب، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال الله تعالى: "أي عبد صححت جسمه وأوسعت عليه في الرزق يأتي عليه خمس سنين لا يفد إليَّ لمحروم"، قال: الصدقة منفعة لأهل الإسلام، والحج منفعة مقصورة عليه خاصة، والصدقة أفضل لعموم نفعها] اهـ.
وقال العلامة ابن نجيم الحنفي (ت970هـ) في "البحر الرائق" (2/ 334، ط. دار الكتاب الإسلامي): [(قوله: فقالوا: حج النفل أفضل من الصدقة) قال الرملي: قال المرحوم الشيخ عبد الرحمن العمادي مفتي الشام في "مناسكه": وإذا حج حجة الإسلام فصدقة التطوع بعد ذلك أفضل من حج التطوع عند محمد، والحج أفضل عند أبي يوسف، وكان أبو حنيفة رحمه الله يقول بقول محمد، فلما حج ورأى ما فيه من أنواع المشقات الموجبة لتضاعف الحسنات رجع إلى قول أبي يوسف اهـ] اهـ.
فالتفاضل بين الصدقة ونافلة الحج والعمرة له عند الحنفية جهتان من حيث النظر: جهة المشقة؛ والتطوعُ بالحج والعمرةِ من هذه الجهة أفضل، وجهةُ النفع وكفايةِ المحتاج؛ والصدقة من هذه الجهة أفضل؛ فإذا وُجدت جهةُ النفع والكفاية فلا نظر حينئذ إلى جهة المشقة؛ تقديمًا لما هو مرادٌ بالذات على ما هو حاصل بالتبع؛ لأن المشقة في نفسها ليست مقصودة ولا يُسعَى إليها إذا تمت العبادة بدونها، بخلاف النفع فإنه مراد مقصود لذاته، وإنما شُرِعت الأحكام لِمَا فيها من المنفعة والمصلحة.
كما أن الفاقة التي تدرؤها الصدقة مفسدةٌ، والثواب الذي يجلبه تكرار الحج مصلحةٌ، ودرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، فإذا كانت المفسدة -بتفشي الحاجة وكثرة الفاقة- عامةً، والمصلحة بثواب حج التطوع وعمرته خاصةً، كان تقديم درء المفسدة على جلب المصلحة أشد وجوبًا من جهة أخرى؛ لأن درء المفسدة العامة مصلحة عامة، والمصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة، ولذلك كان المعتمد والمختار عند الحنفية هو أفضلية الصدقة على نافلة الحج والعمرة؛ لأن الصدقة لم تعد تنفك عن حاجة الناس مع ظهور الحاجة والغلاء، بالتزامن مع كثرة الشح بالصدقات وإهمال الفقراء:
قال العلامة برهان الدين البخاري الحنفي (ت616هـ) في "المحيط" (2/ 495، ط. دار الكتب العلمية): [إذا حج الرجل مرة، ثم أراد أن يحج مرة، فالحج مرة أخرى أفضل له أم الصدقة؟ فالمختار: أن الصدقة أفضل له؛ لأن نفع الصدقة يعود إلى الفقير، ونفع الحج يقتصر عليه] اهـ.
وقال العلامة محمد بن محمد بن شهاب بن يوسف الكَرْدَري الحنفي الشهير بالبَزّازي (ت827هـ) في كتابه "الجامع الوجيز" المعروف بـ"الفتاوى البَزّازِيَّة" (3/ 107 بهامش الفتاوى الهندية ط. المطبعة الأميرية ببولاق 1310هـ): [الصدقة أفضل من الحج التطوع، كذا رُوِي عن الإمام رحمه الله، لكنه لَمَّا حج وعرف المشقة أفتى بأن الحج أفضل، ومراده: لو حج نفلًا وأنفق ألفًا، فلو تصدق بهذه الألف على المحاويج فهو أفضل، لا أن يكون صدقة؛ فليس أفضل من إنفاق ألف في سبيل الله تعالى، والمشقة في الحج لَمَّا كانت عائدة إلى المال والبدن جميعًا فضل في المختار على الصدقة] اهـ.
وقال العلامة ابن نجيم الحنفي في "البحر الرائق" (2/ 334): [قلت: قد يقال: إن صدقة التطوع في زماننا أفضل؛ لِمَا يلزم الحاجَّ غالبًا من ارتكاب المحظورات، ومشاهدته لفواحش المنكرات، وشح عامة الناس بالصدقات، وتركهم الفقراء والأيتام في حسرات، ولا سيما في أيام الغلاء وضيق الأوقات، وبتعدي النفع تتضاعف الحسنات، ثم رأيت في "متفرقات اللباب" الجزمَ بأن الصدقة أفضل منه] اهـ.
وقال العلامة شهاب الدين الحموي الحنفي (ت1098هـ) في "غمز عيون البصائر" (2/ 83، ط. دار الكتب العلمية):
[(قوله: الحج تطوعًا أفضل من الصدقة النافلة.. إلخ) قال بعض الفضلاء: أطلق العبارة، ولعل المراد: أن الحج أفضل من التصدق بقدر الدراهم التي تنفق في الحج، وأما أفضليته بالنسبة إلى التصدق ولو بأموال عظيمة مهما بلغت فيحتاج إلى دليل يخصه كما لا يخفى. انتهى. أقول: ما ترجاه بعض الفضلاء مستفاد من كلام البزازي في "جامعه" حيث قال: الصدقة أفضل من الحج تطوعًا، كذا روي عن الإمام، لكنه لما حج وعرف المشقة أفتى بأن الحج أفضل، ومراده: أنه لو حج نفلًا وأنفق ألفًا فلو تصدق بهذه الألف على المحاويج فهو أفضل، إلا أن يكون صدقة، فليس أفضل من إنفاق ألف في سبيل الله تعالى، والمشقة في الحج لَمَّا كانت عائدة إلى المال والبدن جميعًا فضل في المختار على الصدقة. انتهى.
وفي "الولوالجية": المختار أن الصدقة أفضل؛ لأن الصدقة تطوعًا يعود نفعها إلى غيره والحج لا] اهـ.
قال العلامة الحصكفي الحنفي في "الدر المختار" (2/ 621، المطبوع مع حاشية ابن عابدين "رد المحتار" ط. دار الفكر): [واختلف في الصدقة ورجح في "البزازية" أفضلية الحج؛ لمشقته في المال والبدن جميعًا، قال: وبه أفتى أبو حنيفة حين حج وعرف المشقة] اهـ.
قال العلامة ابن عابدين الحنفي معلقًا عليه في حاشيته "رد المحتار":
[(قوله: ورجح في "البزازية" أفضلية الحج)؛ حيث قال: الصدقة أفضل من الحج تطوعًا، كذا روي عن الإمام، لكنه لَمّا حج وعرف المشقة أفتى بأن الحج أفضل، ومراده: أنه لو حج نفلًا وأنفق ألفًا فلو تصدق بهذه الألف على المحاويج فهو أفضل، لا أن يكون صدقة؛ فليس أفضل من إنفاق ألف في سبيل الله تعالى، والمشقة في الحج لَمّا كانت عائدة إلى المال والبدن جميعًا فضل في المختار على الصدقة. اهـ.
قال الرحمتي: والحق التفصيل؛ فما كانت الحاجة فيه أكثر والمنفعة فيه أشمل فهو الأفضل؛ كما ورد: «حَجَّةٌ أَفْضَلُ مِنْ عَشْرِ غَزَوَاتٍ»، وورد عكسه؛ فيحمل على ما كان أنفع، فإذا كان أشجع وأنفع في الحرب فجهاده أفضل من حجه، أو بالعكس فحجه أفضل، وكذا بناء الرباط إن كان محتاجًا إليه كان أفضل من الصدقة وحج النفل، وإذا كان الفقير مضطرًّا أو من أهل الصلاح أو من آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد يكون إكرامه أفضل مِن حَجَّاتٍ وعُمَرٍ وبناءِ رُبُطٍ، كما حكى في المسامرات عن رجل أراد الحج فحمل ألف دينار يتأهب بها، فجاءته امرأة في الطريق وقالت له: إني من آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبي ضرورة، فأفرغ لها ما معه، فلما رجع حُجَّاج بلده صار كلما لقي رجلًا منهم يقول له: تقبل الله منك، فتعجب من قولهم، فرأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نومه وقال له: تعجبتَ من قولهم: تقبل الله منك؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: إن الله خلق ملكًـــا على صورتك حج عنك، وهو يحج عنك إلى يوم القيـــامة؛ بإكرامك لامرأة مضطرة من آل بيتي. فانظر إلى هذا الإكرام الذي ناله لم ينله بحجات ولا ببناء ربط] اهـ.
وقال العلامة ابن عابدين أيضًا في "منحة الخالق" (2/ 334، ط. دار الكتاب الإسلامي):
[(قوله: فقالوا: حج النفل أفضل من الصدقة) قال الرملي: قال المرحوم الشيخ عبد الرحمن العمادي مفتي الشام في "مناسكه": وإذا حج حجة الإسلام فصدقة التطوع بعد ذلك أفضل من حج التطوع عند محمد، والحج أفضل عند أبي يوسف، وكان أبو حنيفة رحمه الله يقول بقول محمد، فلما حج ورأى ما فيه من المشقات الموجبة لتضاعف الحسنات رجع إلى قول أبي يوسف اهـ.
قلت: قد يقال: إن صدقة التطوع في زماننا أفضل؛ لِمَا يلزم الحاجَّ غالبًا من ارتكاب المحظورات، ومشاهدته لفواحش المنكرات، وشح عامة الناس بالصدقات، وتركهم الفقراء والأيتام في حسرات، ولا سيما في أيام الغلاء وضيق الأوقات، وبتعدي النفع تتضاعف الحسنات.
ثم رأيت في "متفرقات اللباب" الجزمَ بأن الصدقة أفضل منه.
وقال شارحه القاري: أي على ما هو المختار؛ كما في "التجنيس" و"منية المفتي" وغيرهما.
ولعل تلك الصدقة محمولة على إعطاء الفقير الموصوف بغاية الفاقة أو في حال المجاعة، وإلا فالحج مشتمل على النفقة، بل وزاد أن الدرهم الذي ينفق في الحج بسبعمائة إلخ، قلت: قد يقال: ما ورد محمول على الحج الفرض، على أنه لا مانع من كون الصدقة للمحتاج أعظمَ أجرًا من سبعمائة] اهـ.
وعند المالكية:
نص الإمام مالك على أفضلية التطوع بالحج ما لم تكن سنة مجاعة؛ بناءً على أن التوقي من إثم تضييع الفقراء مقدم على تحصيل أجر حج النافلة، كما أن الإمام مالكًا قدَّم الوصية بالصدقة على الوصية بالحج؛ تقديمًا للنفع العام المتعدي على النفع الخاص القاصر.
جاء في كتاب "النوادر والزيادات" (12/ 252، ط. دار الغرب الإسلامي) للإمام ابن أبي زيد القيرواني (ت386هـ): [من "العتبية": روى عيسى، عن ابن القاسم، عن مالك قال: الحج أحب إليَّ من الغزو، إلا أن يكون خوف، قيل: فالحج أو الصدقة؟ قال: الحج، إلا أن تكون سنة مجاعة، قيل: فالصدقة أو العتق؟ قال: الصدقة] اهـ.
قال العلامة ابن رشد المالكي (ت520هـ) في "البيان والتحصيل" (13/ 434، ط. دار الغرب الإسلامي): [وإنما قال: إن الحج أحب إليه من الصدقة، إلا أن تكون سنة مجاعة؛ لأنه إذا كانت سنة مجاعة، كانت عليه المواساة، فالصدقة واجبة، فإذا لم يُواسِ الرجلُ في سنة المجاعة مِن ماله بالقدر الذي يجب عليه المواساةُ في الجملة، فقد أثم، وقدرُ ذلك لا يعلمه حقيقةً؛ فالتوقي من الإثم بالإكثار من الصدقة، أولى من التطوع بالحج الذي لا يأثم بتركه] اهـ.
والوصية بالصدقة عند الإمام مالك أفضل من الوصية بالحج، ولذلك تُقدَّم الوصايا عندهم على الوصية بالحج؛ قال الإمام الباجي المالكي في "المنتقى شرح الموطأ" (6/ 172، ط. مطبعة السعادة): [وهذا الذي ذكروه من تقديم الوصايا على الحج إنما مقتضاه أن مالكًا كره الوصية بالحج، ورأى الوصية بالصدقة أفضلَ منها] اهـ.
بل فرَّع المالكية على القول بوجوب الحج على التراخي تقديمَ الصدقة على حج الفريضة، ونصوا على أنه إذا تعينت المواساةُ على مريد حج الفريضة فإنه يجب عليه تقديمها على الحج؛ للاتفاق على وجوب المواساة على الفور، بخلاف الحج الذي اختلف في كونه واجبًا على الفور أو التراخي.
قال العلامة الحطاب المالكي في "مواهب الجليل" (2/ 537، ط. دار الفكر):
[ويفهم منه أنها -أي الصدقة- لا تُقدَّم على الحج الفرض، وهو كذلك على القول بالفور، وعلى القول بالتراخي فتُقدَّم عليه، وهذا ما لم تتعين المواساة؛ بأن يجد محتاجًا يجب عليه مواساته بالقدر الذي يصرفه في حجه؛ فيُقدَّم ذلك على الحج؛ لوجوبه فورًا من غير خلاف، والحج مختلف فيه.
وقد رُوي أن عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى دخل الكوفة وهو يريد الحج، فإذا بامرأة جالسة على مزبلة تنتف بطة، فوقع في نفسه أنها ميتة، فوقف وقال: يا هذه أميتة أم مذبوحة؟ فقالت: ميتة، وأنا أريد أن آكلها وعيالي، فقال: إن الله حرم أكل الميتة وأنت في هذا البلد، فقالت: يا هذا انصرف عني، فلم يزل يراجعها الكلام حتى عرف منزلها، ثم انصرف فجعل على بغلٍ نفقةً وكسوةً وزادًا، وجاء فطرق الباب، ففتحت، فنزل عن البغل وضربه فدخل البيت، ثم قال للمرأة: هذا البغل وما عليه من النفقة والكسوة والزاد لكم، ثم أقام حتى جاء الحج، فجاءه قوم يهنئونه بالحج فقال: ما حججت السنة، فقال له بعضهم: سبحان الله ألم أودعك نفقتي ونحن ذاهبون إلى عرفات؟! وقال الآخر: ألم تسقني في موضع كذا وكذا؟! وقال الآخر: ألم تشتر لي كذا وكذا؟! فقال: ما أدري ما تقولون! أما أنا فلم أحج العام، فلما كان من الليل أُتِيَ في منامه فقيل له: يا عبد الله بن المبارك، قد قبل الله صدقتك، وأنه بعث ملَكًا على صورتك فحج عنك. انتهى من "مناسك ابن جماعة"] اهـ.
وعند الشافعية:
الأصح تقديم سائر الوصايا -ومنها الوصية بالصدقة على الفقراء- على الوصية بالحج؛ نظرًا إلى أن الحج من حقوق الله تعالى، والصدقة من حقوق الآدميين، وحقوق الله مبنية على المسامحة، وحقوق العباد مبنية على المشاحة، حتى جزموا بأنه لا وجه لتقديم الحج إلا إذا نص الموصي على تقديمه.
قال إمام الحرمين الجويني الشافعي في "نهاية المطلب" (11/ 187، ط. دار المنهاج):
[ثم ذكر طوائف من أئمتنا أنا إذا صححنا الوصية بالحج تطوعًا، فهل تُقدَّم على سائر الوصايا، أم هي مساوية لها في المرتبة؟
فعلى قولين: أحدهما: أنها مقدَّمة، والثاني: أنها مساوية، وهذا ترددٌ وذكر اختلاف قولٍ لستُ أعرف وجهه؛ فإن الوصية بالحج ليست على مرتبة من التأكيد تقتضي تقديمَها، وكيف يُدّعَى ذلك وفي أصل صحتها قولان؛ أحدهما عدمُ الثبوت، والمشهورُ اختلاف القول في تقديم الوصية بالعتق على ما سواه من الوصايا، وذلك لسلطان العتق في نفوذه، كما سيأتي شرح ذلك في مسائل الوصايا بالعتق.
وذكر الشيخ أبو علي طريقة ناصَّةً على الحقيقة تشفي الغليل، وعليها التعويل عندي؛ قال رضي الله عنه: الوصية بحج التطوع لا تُقدَّم على غيرها من الوصايا، إلا أن ينص الموصي على تقديمها، فتقدم حينئذ بحكم الإيصاء] اهـ.
وقال حجة الإسلام الغزالي في "الوسيط" (4/ 462، ط. دار السلام): [هل تقدم الوصية بحج التطوع على سائر الوصايا؟ حُكيَ فيه قولان، ولا وجه للتقديم؛ إلا أن حق الله تعالى على رأيٍ يُقدَّم على حق الآدمي، حتى إن أوصى بالصدقة مع حج التطوع لم يحتمل التقديم] اهـ.
وقال الإمام الرافعي في "فتح العزيز" (7/ 121، ط. دار الكتب العلمية): [وهل يقدم حجُّ التطوُّع في الثلث على سائر الوصايا؟ عن القفَّال: أنه على القولين في تقديم العتق على سائر الوصايا؛ لأن الحج قربةٌ كالعتق، قال الشيخ أبو علي رحمه الله: ولم أرَ هذا لأحد من أصحابنا، وجعلوا الوصية به مع سائر الوصايا على الخلاف فيما إذا اجتمع حق الله تعالى وحقوق الآدميين] اهـ.
وأفتى الشافعية بأفضلية الصدقة على حج التطوع في زمانهم؛ كما صنع الإمام أبو عاصم العبّادي الشافعي (ت458هـ)؛ أخذًا بقول الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه في ذلك.
قال الإمام الزركشي الشافعي في "البحر المحيط" (1/ 221، ط. دار الكتبي): [قال العبادي في "فتاويه": الصدقة أفضل من حج التطوع في قول أبي حنيفة، وهي تُحتَمَل في هذا الزمان] اهـ.
وذكر الفقهاء فَضْلَ مَن فَضَّل إعطاء أهل الفاقة على الحج؛ كما صنع الإمام عز الدين بن جماعة الشافعي؛ حيث عقد بابًا سمّاه: "ما حُكِيَ في فضل مَن آثرَ أهل فاقةٍ بنفقةٍ الحج ولم يحج"، وذلك في "مناسكه" (1/ 138، ت. الخزيم).
وعند الحنابلة:
نص الإمام أحمد على أن إطعام الجائع وإعطاء المحتاجين أحب إليه من حج النفل، وما نُقل عنه من تفضيل الحج على الصدقة فالمقصود: إما مطلق الصدقة من غير نظر إلى الآخذ، أو الصدقة على غير المحتاج؛ والصواب عندهم أن الصدقة عند الحاجة لا يعدلها شيء؛ لأن نفعها عامٌّ ومتعدٍّ، بخلاف الحج التطوع فإنه قاصر على صاحبه. ونصوا كذلك على أن الوصية بالصدقة أفضل من الوصية بحج التطوع.
قال العلامة ابن مفلح الحنبلي في "الفروع" (4/ 385-386، ط. مؤسسة الرسالة):
[وهل حج التطوع أفضل من صدقة التطوع؟ سأل حرب لأحمد: أيحج نفلًا أم يصل قرابته؟ قال: إن كانوا محتاجين يصلهم أحب إلي، قيل: فإن لم يكونوا قرابة؟ قال: الحج. وذكر أبو بكر بعد هذه الرواية رواية أخرى عن أحمد أنه سئل عن هذه المسألة فقال: من الناس من يقول: لا أعدل بالمشاهد شيئًا. وترجم أبو بكر: فضل صلة القرابة بعد فرض الحج. ونقل ابن هانئ في هذه المسألة: وإن قرابته فقراء؟ فقال أحمد: يضعها في أكباد جائعة أحب إلي. فظاهره العموم، وذكر شيخنا أن الحج أفضل، وأنه مذهب أحمد.
فظهر من هذا: هل الحج أفضل أم الصدقة مع الحاجة أم مع الحاجة على القريب أم على القريب مطلقًا؟ فيه روايات أربع، وفي "المستوعب": وصيته بالصدقة أفضل من وصيته بحج التطوع؛ فيؤخذ منه أن الصدقة أفضل بلا حاجة "م". وليس المراد الضرورة؛ لأن الفرض أنها تطوع] اهـ.
وقال العلامة المرداوي الحنبلي في "تصحيح الفروع" (4/ 386، ط. مؤسسة الرسالة):
[مسألة: قوله: وهل حج التطوع أفضل من الصدقة مطلقًا أم الصدقة مع الحاجة أم مع الحاجة على القريب أم على القريب مطلقا؟ روايات أربع. وفي المستوعب: وصيته بالصدقة أفضل من وصيته بحج التطوع، فيؤخذ منه أن الصدقة أفضل بلا حاجة.
قال الشيخ تقي الدين: الحج أفضل من الصدقة، وإنه مذهب أحمد.
وقال ابن الجوزي في كتاب "الصفوة": الصدقة أفضل من الحج ومن الجهاد، انتهى.
قلت: الصواب: أن الصدقة زمن المجاعة على المحاويج أفضل، لا سيما الجار، خصوصًا صاحب العائلة، وأخص من ذلك القرابة، فهذا فيما يظهر لا يَعْدِلُه الحجُّ التطوع، بل النفس تقطع بهذا، وهذا نفع عام، وهو متعد، وهو قاصر، وهو ظاهر كلام المجد في "شرحه" وغيره. وأما الصدقة مطلقًا، أو على القريب غير المحتاج: فالحج التطوع أفضل منه] اهـ.
وقال العلامة البهوتي في "شرح منتهى الإرادات" (1/ 236، ط. عالم الكتب): [(ثم) أفضل تطوع البدن بعد الصلاة (ما تعدى نفعه) من صدقة وعيادة مريض، وقضاء حاجة مسلم ونحوها (ويتفاوت) ما يتعدى نفعه في الفضل (فصدقة على قريب محتاج أفضل من عتق) أجنبي؛ لأنها صدقة وصلة (وهو) أي: العتق أفضل (منها) أي: من صدقة (على أجنبي)؛ لعظم نفعه بتخليصه من أسر الرق (إلا زمن غلاء وحاجة) فالصدقة مطلقًا أفضل منه؛ لدعاء الحاجة إليها إذن (ثم حج) لقصور نفعه عليه] اهـ.
وقال العلامة اللبدي الحنبلي في حاشيته على "نيل المآرب" (1/ 132، ط. دار البشائر): [وهل حج التطوع أفضل من الصدقة؟ فيه أربع روايات، واختار الشيخ أن الحج أفضل مطلقًا. قال في "الإنصاف": قلت: الصدقة زمن المجاعة لا يعدِلُها شيء] اهـ.
ومن هذا العرض لمذاهب الفقهاء يتبين أنهم متفقون على تقديم الصدقة وأفضليتها على تكرار الحج والعمرة في أزمنة الحاجات وأوقات الفاقات، وفي كفاية المحاويج وأحوال المواساة؛ وإنما كان ذلك متفقًا عليه لأن دفع الضرر عن المسلمين وإزالة فاقتهم فرض كفاية على المسلمين بإجماع المسلمين، بل وعن أهل الذمة والمستأمنين من غير المسلمين أيضًا؛ كما نص عليه غير واحد من الفقهاء؛ حيث إن كفاية الفقراء ورعايا الدولة الإسلامية واجبة في أموال الأغنياء إذا لم تَفِ الزكاةُ ولا بيت المال ولا الأوقاف والصدقات الجارية ولا الكفارات والنذور بذلك، فقد جعلت الشريعة لهم في مال الأغنياء حينئذ من الحق الواجب ما يقوم بحاجتهم ويسد خلتهم ويدفع فاقتهم.
فقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إِنَّ في المالِ لَحَقًّا سِوى الزَّكاةِ»، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177]. رواه الترمذي وغيره من حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها، وفيه ضعفٌ، إلا أنه قد صَحَّ مِن قول كثير من الصحابة الكرام والسلف الصالح من غير نكير؛ كأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وأمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب، وابنه الحسن، وأم المؤمنين عائشة، وأبي ذر، وأبي هريرة رضي الله عنهم، والحسن البصري وعطاء والشعبي ومجاهد وطاوس وإبراهيم النخعي رحمهم الله تعالى، ونقله الإمام النخعي عن السلف الصالح؛ فقال: "كانوا يرون في أموالهم حقًّا سوى الزكاة" أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف".
وقد حفلت النصوص الشرعية بالتحذير من التغافل عن حاجات الفقراء وعدم السعي فيها، وجزاء من يبخل بماله عليهم:
فأخبر الله تعالى أن العقبة الكأداء إنما تُقتَحَم بالإطعام في المجاعات، وكفاية أصحاب الحاجات؛ فقال سبحانه: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ۞ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ۞ فَكُّ رَقَبَةٍ ۞ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ۞ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ۞ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ۞ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: 11-17].
وأخبر سبحانه أن من أسباب دخول أهل النار فيها: عدمَ إطعام المسكين؛ فقال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ۞ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ۞ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: 42-44]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ ۞ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الحاقة: 33-34].
وجعل سبحانه من الصفات السيئة: ترك إكرام اليتيم، وترك الحض على إطعام المسكين؛ فقال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ۞ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الفجر: 17-18].
وأخبر أن من صفات المكذب بالدين: أنه يقهر اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين؛ فقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ۞ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ۞ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون: 1-3].
وعن معاوية بن حيدة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، ما حق جاري عليَّ؟ قال: «إِنْ مَرِضَ عُدْتَهُ، وَإِنْ مَاتَ شَيَّعْتَهُ، وَإِنِ اسْتَقْرَضَكَ أَقْرَضْتَهُ، وَإِنْ أَعْوَزَ سَتَرْتَهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ هَنَّأْتَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ عَزَّيْتَهُ، وَلَا تَرْفَعْ بِنَاءَكَ فَوْقَ بِنَائِهِ فَتَسُدَّ عَلَيْهِ الرِّيحَ، وَلَا تُؤْذِهِ بِرِيحِ قِدْرِكَ إِلَّا أَنْ تَغْرِفَ لَهُ مِنْهَا» رواه الطبراني في "المعجم الكبير".
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قلنا: يا رسول الله، ما حق الجوار؟ قال: «إِن استَقْرَضَكَ أَقْرَضتَه، وَإِن استَعَانَكَ أعَنْتَه، وَإِن احْتَاجَ أَعْطيتَه، وَإِن مرض عُدْتَه» رواه الحافظ ابن حبان في كتاب "التوبيخ".
وعن أنس بن مالك رَضِي الله عَنْهُ قال: قال رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وآله وسلم: «مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَانًا وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ» رواه الطبراني في "المعجم الكبير"، والبزار في "مسنده".
قال الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب": إسناده حسن.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا هُوَ بِمُؤْمِنٍ مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ، وَجَارُهُ طَاوٍ إِلَى جَانِبِهِ» أخرجه الإمام البخاري في "الأدب المفرد"، وابن أبي شيبة في "المصنف" وفي كتاب "الإيمان"، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا.
وبوَّب الإمام البخاري في "الأدب المفرد" بابًا سمَّاه: "باب المواساة في السَّنَة والمجاعة"، وأخرج فيه عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «ضَحَايَاكُمْ، لَا يُصْبِحُ أَحَدُكُمْ بَعْدَ ثَالِثَةٍ، وَفِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ»، فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله، نفعل كما فعلنا العام الماضي؟ قال: «كُلُوا وَادَّخِرُوا، فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ كَانُوا فِي جَهْدٍ فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا».
وأخرج فيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "يكون في آخر الزمان مجاعة، من أدركته فلا يعدلن بالأكباد الجائعة".
وأخرج فيه أيضًا عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال عام الرمادة -وكانت سنة شديدة ملمة، بعدما اجتهد عمر رضي الله عنه في إمداد الأعراب بالإبل والقمح والزيت من الأرياف كلها، حتى بلحت الأرياف كلها مما جهدها ذلك- فقام عمر رضي الله عنه يدعو فقال: "اللهم اجعل رزقهم على رؤوس الجبال"، فاستجاب الله له وللمسلمين، فقال حين نزل به الغيث: "الحمد لله، فوالله لو أن الله لم يفرجها ما تركتُ بأهل بيت من المسلمين لهم سعةٌ إلا أدخلتُ معهم أعدادَهم مِن الفقراء، فلم يكن اثنان يهلكان مِن الطعام على ما يقيم واحدًا".
وروى الإمام الطبراني في "المعجم الأوسط" عن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَى أَغْنِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ قَدْرَ الَّذِي يَسَعُ فُقَرَاءَهُمْ، وَلَنْ يُجْهَدَ الْفُقَرَاءُ إِلَّا إِذَا جَاعُوا وَعروا مِمَّا يَصْنَعُ أَغْنِيَاؤُهُمْ، أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ مُحَاسِبُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِسَابًا شَدِيدًا، وَمُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا نُكْرًا».
وروى الإمام البيهقي في "السنن الكبرى" عن محمد ابن الحنفية رضي الله عنهما: أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: "إِنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ فِي أَمْوَالِهِمْ بِقَدْرِ مَا يَكْفِي فُقَرَاءَهُمْ، فَإِنْ جَاعُوا وَعَرُوا جَهَدُوا فِي مَنْعِ الْأَغْنِيَاءِ، فَحَقٌّ عَلَى اللهِ أَنْ يُحَاسِبَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُعَذِّبَهُمْ عَلَيْهِ".
وروى ابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" عن محمد ابن الحنفية رضي الله عنهما عن شيخ من قريش قال: بَيْنَا أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهم جَالِسَانِ إِذْ وَقَفَ عَلَيْهِمَا أَعْرَابِيٌّ فَسَأَلَهُمَا، فَلَمْ يُعْطِيَاهُ شَيْئًا، وَقَالَا: اذْهَبْ إِلَى ذَيْنِكَ الْفَتَيَيْنِ، وَأَشَارَا إِلَى الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمَا وَهُمَا جَالِسَانِ، فَجَاءَ الْأَعْرَابِيُّ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِمَا فَسَأَلَهُمَا، فَقَالَا: "إِنْ كُنْتَ تَسْأَلُ فِي دَمٍ مُوجِعٍ، أَوْ فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ أَمْرٍ مُفْظِعٍ، فَقَدْ وَجَبَ حَقُّكَ".
وهذا ما نص عليه أرباب المذاهب الفقهية كلها:
فنص الحنفية على وجوب المواساة في الضرورة، وأن الصدقة لازمة في المال عند الحاجة إليها:
قال الإمام الجصاص الحنفي في "أحكام القرآن" (4/ 301، ط. دار إحياء التراث العربي): [المفروض إخراجه هو الزكاة، إلا أن تحدث أمورٌ توجب المواساةَ والإعطاءَ؛ نحو الجائع المضطر، والعاري المضطر، أو ميت ليس له مَن يُكفِّنه أو يُواريه] اهـ.
وقال الإمام العيني الحنفي في "عمدة القاري" (8/ 237، ط. دار إحياء التراث العربي): [وقد تأول سفيان بن عيينة في المواساة في المسغبة قولَه تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: 111]، ومعناه: أن المؤمنين يلزمهم القربة في أموالهم لله تعالى عند توجه الحاجة إليهم، ولهذا قال كثير من العلماء: إن في المال حقًّا سوى الزكاة، وورد في الترمذي مرفوعًا] اهـ.
ونص المالكية على وجوب صرف المال إلى الحاجات عند نزولها، ونقلوا إجماع العلماء على ذلك، وأن للحاكم المسلم أن يفرض على الأغنياء ما يراه كافيًا لسد حاجات الدولة:
قال الإمام أبو بكر بن العربي المالكي في "أحكام القرآن" (1/ 88، ط. دار الكتب العلمية): [وليس في المال حق سوى الزكاة، وإذا وقع أداء الزكاة ونزلت بعد ذلك حاجة فإنه يجب صرف المال إليها باتفاق من العلماء. وقد قال مالك: يجب على كافة المسلمين فداء أسراهم، وإن استغرق ذلك أموالهم، وكذا إذا منع الوالي الزكاة، فهل يجب على الأغنياء إغناء الفقراء؟ مسألة فيها نظر، أصحها عندي وجوب ذلك عليهم] اهـ.
وقال الإمام القرطبي في تفسيره "الجامع لأحكام القرآن" (2/ 242، ط. دار الكتب المصرية): [واتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال إليها. قال مالك رحمه الله: يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم. وهذا إجماع أيضًا، وهو يقوي ما اخترناه، والموفق الإله] اهـ.
وقال الإمام الشاطبي في "الاعتصام" (2/ 619، ط. دار ابن عفان): [إذا قرَّرنا إمامًا مُطاعًا مفتقرًا إلى تكثير الجنود لسد الثغور وحماية الملك المتسع الأقطار، وخلا بيت المال وارتفعت حاجات الجند إلى ما لا يكفيهم، فللإمام -إذا كان عدلًا- أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافيًا لهم في الحال، إلى أن يظهر مال بيت المال] اهـ.
ونص الشافعية على أن الصدقات في حال الحاجات ولإزالة الفاقات هي من فروض الكفايات، وأن ذلك واجب في الأصح عندهم إلى تمام الكفاية لا إلى مجرد سد الرمق ودفع الضرورة؛ بما يشمل السكنى، والكسوة، والعلاج، وغير ذلك من أمور المعاش، وأن المواساةَ واجبة على كل من زاد مالُه على كفاية سنة، أو كان له من الوظائف ما يُدِرُّ عليه بانتظام ويزيد على كفايته، وأن التزام الأغنياء بكفاية الفقراء بمنزلة التزام الآباء بكفاية الأبناء.
قال إمام الحرمين الجويني الشافعي في كتابه "غياث الأمم في التياث الظلم" (ص: 278، ط. مكتبة إمام الحرمين): [ولا أعرف خلافًا أن سدَّ خلّات المضطرين في شتى المجاعات، محتوم على الموسرين، ثم لا يرجعون عليهم إذا انسلُّوا مِن تحت كلاكل الفتن. وفقراء المسلمين بالإضافة إلى متوسليهم كالابن الفقير في حق أبيه؛ ليس للأب الموسر أن يلزم ابنه الاستقراض منه إلى أن يستغني يومًا من الدهر، ولو كان لولده مال غائب أقرض ولده أو استقرض له إن كان موليًا عليه.
والذي يكشف الغطاء فيه أن من رأى مسلمًا مشرفًا على حريق أو غريق، واحتاج إنقاذه إلى إنقاذ سببه، وإكداد حدبه لم يجد في مقابلة سعيه] اهـ.
وقال أيضًا في (ص: 359-360): [ومن عثر على بعض المضطرين وانتهى إلى ذي مخمصة من المسلمين، واستمكن من سد جوعته، وكفاية حاجته ولو تعداه، ووكله إلى من عداه، لأوشك أن يهلك في ضيعته، فيتعين على العاثر عليه القيام بكفايته] اهـ.
وقال أيضًا في "نهاية المطلب" (17/ 394، ط. دار المنهاج): [وما يتعلَّق بالأبدان -أي: من فروض الكفاية- سترُ العراة وإطعام الجائعين، وكفُّ الأذى عن المغبونين، وإغاثة المستغيثين، فكل ما ينتهي إلى الضرورة، ففرضٌ على الكافة القيام به.
ثم اختلف أرباب الأموال فيما فوق سدِّ الضرورة إلى تمام الكفاية التي يجب نفقته على من يلتزم النفقة؛ فقال قائلون: يتحتم الكفاية في ذلك حتى لا يبقى ذو حاجة. وقال آخرون: المفروض على الكفاية إزالة الضرورة. وما ذكرناه بعد تفريق الصدقات على المستحقين، وبعد أن يشغر بيتُ المال عن السهم المُرْصد للمصالح العامة، فإذ ذاك يثبت فرضُ الكفاية على أصحاب الثروة والمقدرة] اهـ.
وقال الإمام الرافعي في "فتح العزيز" (11/ 354، ط. دار الكتب العلمية):
[وفروض الكفايات أقسام.. منها: ما يتعلَّقُ بمصالح المعَاشِ وانتظام أمور الناس؛ كدفع الضرر عن المسلمين، وإِزالَةِ فاقتهم؛ كستر العارين، وإطْعَامِ الجائعين، وإِعَانَةِ المستَغِيثِين في النائبات، وكل ذلك فرضُ كفاية في حق أَصْحَاب الثروة والقُدرة إذا لم تفِ الصدقات الواجبة بِسَدِّ الحاجات ولم يكن في بيتِ المال مِنْ سَهْم المصالح ما يُصرف إليها.
فإذا انسدت الضرورةُ، فيكفي ذلك أم تَجِبُ الزيادَةُ إلى تمام الكفاية التي يقوم بها مَنْ تلزمه النفقَة؟ حَكَى الإمامُ فِيه وَجْهين لِأَصْحابِ الأصول] اهـ.
زاد الإمام النووي في "روضة الطالبين" (10/ 222، ط. المكتب الإسلامي): [قلت: قال الإمام في كتابه "الغياثي": يجب على الموسر المواساة بما زاد على كفاية سنة] اهـ.
وقال أيضًا في "منهاج الطالبين" (ص: 307، ط. دار الفكر): [ومن فروض الكفاية.. ودفع ضرر المسلمين؛ ككسوة عار، وإطعام جائع، إذا لم يندفع بزكاة وبيت مال] اهـ.
قال الإمام الإسنوي في "المهمات" (8/ 391، ط. دار ابن حزم): [تخصيصه بالمسلمين باطل؛ فإن أهل الذمة والمستأمنين يجب أيضًا دفع ضررهم بالستر والإطعام وغيرهما كما يجب للمسلم، وقد صرح الرافعي بالمسألة في باب الأطعمة في الكلام على المضطر] اهـ.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في تعداد فروض الكفاية في "فتح الوهاب" (2/ 208، ط. دار الفكر): [(ودفع ضرر معصوم) من مسلم وغيره؛ ككسوة عار، وإطعام جائع، إذا لم يندفع ضررهما بنحو وصية ونذر ووقف وزكاة وبيت مال من سهم المصالح، وهذا في حق الأغنياء، وتعبيري بالمعصوم أولى من تعبيره بالمسلمين] اهـ.
قال العلامة سليمان الجمل الشافعي في حاشيته عليه "فتوحات الوهاب" (5/ 183، ط. دار الفكر):
[(قوله: ودفع ضرر معصوم) وهل المراد بدفع ضرر من ذكر ما يسد الرمق أم الكفاية؟ قولان؛ أصحهما: ثانيهما؛ فيجب في الكسوة ما يستر كل البدن على حسب ما يليق بالحال من شتاء وصيف، ويلحق بالطعام والكسوة ما في معناهما؛ كأجرة طبيب، وثمن دواء، وخادم منقطع، كما هو واضح.
ولا ينافي ما تقرر قولُهم: لا يلزم المالكَ بذلُ طعامه لمضطر إلا ببدله؛ لحمل ذاك على غير غني تلزمه المواساة، ومما يندفع به ضرر المسلمين والذميين: فكُّ أسراهم على التفصيل الآتي في الهدنة، وعمارةُ نحو سور البلد وكفايةُ القائمين بحفظها؛ فمؤنة ذلك على بيت المال ثم على القادرين المذكورين، ولو تعذر استيعابهم خص به الوالي من شاء اهـ. "شرح م ر"، (وقوله: القائمين بحفظها): أي البلد، ومنه يؤخذ أن ما تأخذه الجند الآن من الجوامك يستحقونه ولو زائدًا على قدر الكفاية، حيث احتيج إليه في إظهار شوكتهم، ومن ذلك: ما تأخذه أمراؤهم من الخيول والمماليك التي لا يتم نظامهم أو شوكتهم إلا بها؛ لقيامهم بحفظ حوادث المسلمين اهـ. "ع ش" عليه.
(قوله: إذا لم يندفع ضررهما.. إلخ) منه يؤخذ أنه لو سئل قادر في دفع الضرر لم يجز له الامتناع وإن كان هناك قادرٌ آخر، وهو متجه؛ لئلا يؤدي إلى التواكل، بخلاف المفتي؛ له الامتناع إذا كان ثَمَّ غيرُه، ويفرق بأن النفس جُبِلَتْ على محبة العلم وإفادتِه؛ فالتواكل فيه بعيد جدًّا، بخلاف المال اهـ. "شرح م ر".
(قوله: وبيت مال) أي لعدم شيء فيه، أو لمنع مُتَوَلِّيهِ ولو ظلمًا اهـ. "شرح م ر".
(قوله: وهذا في حق الأغنياء) وهم: مَن عنده زيادة على كفاية سنة لهم وَلِمُمَوَّنِهِمْ؛ كما في "الروضة"، وإن نازع فيه البلقيني اهـ. "شرح م ر"، وينبغي أنه لا يُشترَط في الغنيِّ أن يكون عنده مالٌ يكفيه لنفسه وَلِمُمَوَّنِهِ جميعَ السنة، بل يكفي في وجوب المواساة أن يكون له نحوُ وظائفَ يتحصل منها ما يكفيه عادة جميعَ السنة، ويتحصل عنده زيادةٌ على ذلك ما تمكن المواساة به، وقوله كما في "الروضة" الذي اعتمده الشارح في الكفارة كفاية العمر الغالب والقياس مجيئه هنا اهـ. "ع ش" عليه] اهـ.
ونص الحنابلة على وجوب الإعطاء في النوائب، وأن الصدقة زمن المجاعة لا يعدِلُها شيء:
قال الشيخ ابن تيمية الحنبلي في "مجموع الفتاوى" (7/ 316، ط. مجمع الملك فهد): [ولهذا يقال: "ليس في المال حق سوى الزكاة"؛ أي ليس فيه حق يجب بسبب المال سوى الزكاة، وإلا ففيه واجبات بغير سبب المال؛ كما تجب النفقات للأقارب والزوجة والرقيق والبهائم، ويجب حمل العاقلة، ويجب قضاء الديون، ويجب الإعطاء في النائبة، ويجب إطعام الجائع وكسوة العاري؛ فرضًا على الكفاية، إلى غير ذلك من الواجبات المالية] اهـ.
وقال أيضًا في "الفتاوى الكبرى" (5/ 382): [والحج على الوجه المشروع أفضل من الصدقة التي ليست واجبة. وأما إن كان له أقارب محاويج فالصدقة عليهم أفضل، وكذلك إن كان هناك قوم مضطرون إلى نفقته، فأما إذا كان كلاهما تطوعًا فالحج أفضل؛ لأنه عبادة بدنية مالية، وكذلك الأضحية والعقيقة أفضل من الصدقة بقيمة ذلك] اهـ.
وقد انتصر لذلك الإمام ابن حزم الظاهري واستدلَّ له أتم ما يكون الاستدلال؛ فقال في "المحلَّى" (4/ 281، ط. دار الفكر):
[وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك، إن لم تَقُم الزكواتُ بهم، ولا في سائر أموال المسلمين، فيُقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنهم من المطر، والصيف والشمس، وعيون المارة.
وبرهان ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: 26]، وقال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 36]، فأوجب تعالى حق المساكين، وابن السبيل، وما ملكت اليمين مع حق ذي القربى، وافترض الإحسان إلى الأبوين، وذي القربى، والمساكين، والجار، وما ملكت اليمين، والإحسان يقتضي كل ما ذكرنا، ومنعه إساءة بلا شك.
وقال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ۞ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ۞ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: 42-44]؛ فقرن الله تعالى إطعام المسكين بوجوب الصلاة.
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من طرق كثيرة في غاية الصحة أنه قال: «مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ لَا يَرْحَمُهُ اللهُ» رواه مسلم وأحمد والترمذي. قال أبو محمد: ومن كان على فضلة ورأى المسلم أخاه جائعًا عريانَ ضائعًا فلم يُغِثْهُ: فما رحمه بلا شك.
وهذا خبر رواه نافع بن جبير بن مطعم، وقيس بن أبي حاتم، وأبو ظبيان وزيد بن وهب، وكلهم عن جرير بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
روى أيضًا معناه الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وساق عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق أن أصحاب الصفة كانوا ناسًا فقراء، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَن كانَ عندَه طعامُ اثنينِ فلْيَذْهَبْ بثالِثٍ، ومَن كانَ عندَهُ طعامُ أربعةٍ فلْيَذْهَبْ بخامِس، أو سادِسٍ» أو كما قال. رواه أحمد، فهذا هو نفس قولنا.
وساق عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ» قال أبو محمد: من تركه يجوع ويعرى وهو قادر على إطعامه وكسوته فقد أسلمه.
وساق عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ»، قال: فذكر مِن أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل. قال أبو محمد: وهذا إجماع الصحابة رضي الله عنهم يخبر بذلك أبو سعيد، وبكل ما في هذا الخبر نقول.
ومن طريق أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَطْعِمُوا الْجَائِعَ وَفُكُّوا الْعَانِيَ».
والنصوص من القرآن، والأحاديث الصحاح في هذا تكثر جدًّا.
وروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "لو استقبلتُ مِن أمري ما استدبرتُ لأخذُت فضولَ أموال الأغنياء فقسمتُها على فقراء المهاجرين"؛ هذا إسناد في غاية الصحة والجلالة.
وروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: "إن الله تعالى فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم، فإن جاعوا أو عروا وجهدوا فمنع الأغنياء، وحق على الله تعالى أن يحاسبهم يوم القيامة، ويعذبهم عليه".
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: في مالك حقٌّ سوى الزكاة.
وعن عائشة أم المؤمنين، والحسن بن علي، وابن عمر رضي الله عنهم، أنهم قالوا كلُّهم لمن سألهم: "إنْ كنتَ تَسألُ في دَمٍ مُوجِعٍ، أو غُرم مُفْظِعٍ، أو فقرٍ مُدقِعٍ، فقد وجب حقُّك".
وصح عن أبي عبيدة بن الجراح وثلاثمائة من الصحابة رضي الله عنهم: أنَّ زادَهم فَنِيَ، فأمرهم أبو عبيدة رضي الله عنه فجمعوا أزوادهم في مزودين، وجعل يقوتهم إياها على السواء.
فهذا إجماع مقطوع به من الصحابة رضي الله عنهم، لا مخالف لهم منهم.
وصح عن الشعبي، ومجاهد، وطاوس، وغيرهم، كلهم يقول: في المال حق سوى الزكاة.
قال أبو محمد: وما نعلم عن أحد منهم خلاف هذا] اهـ باختصار.
وقد بلغ من أهمية الصدقة على الفقراء وكفاية المحتاجين أن كانت هي أُولَى أولويات بناء الدولة في المدينة المنورة؛ حيث جعلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم منظومةً مجتمعية متكاملة؛ فآخى بين المهاجرين والأنصار في السنة الأولى من الهجرة، لتصبح المواساةُ بهذه المؤاخاة حقًّا أخويًّا ونظامًا متكاملًا بين المتآخيَيْن؛ للتعاون على تكاليف الحياة المادية والمعنوية، وقد امتثل الأنصار لذلك خيرَ امتثال؛ حتى وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما قدم النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم المدينة أتاه المهاجرون فقالوا: يا رسول الله، ما رأينا قومًا أبذلَ مِن كثيرٍ ولا أحسنَ مواساةً مِن قليلٍ: مِن قومٍ نزلنا بين أظهرهم؛ لقد كفَوْنا المؤنة وأشركونا في المهنأ؛ حتى لقد خفنا أن يذهبوا بالأجر كله. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا، مَا دَعَوْتُمُ اللهَ لَهُمْ وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ» أخرجه الإمام أحمد وأبو يعلى في "مسنديهما"، والترمذي في "الجامع" وحسَّنه.
وما ورد في الشرع الشريف من الترغيب في مواساة الفقراء وكفاية المحتاجين وتفريج كُرَب المكروبين وإعطاء الأقارب المعوزين، ومن الترهيب من منع ذلك والوعيد على الشح به، لم يرد مثلُه في نافلة الحج والعمرة؛ فإن الصدقة قد تصل إلى حد الوجوب الكفائي أو العيني بالنظر إلى الحاجة على مستوى الأفراد والمجتمعات، أما التطوع بالحج والعمرة فهو مستحبٌّ في ذاته ولا يكون واجبًا إلا في حالة الخوف من خلو المناسك وتعطيل شعيرة الحج والعمرة، وهذا بعيد التصور والحدوث؛ فالتوقي من إثم منع الصدقة لمحتاجها مقدَّم على السعي في تحصيل ثواب التطوع بالحج والعمرة، فإنَّ تعارض نوافل العبادات مع تبرئة الذمم من حقوق ذوي الحاجات موجب لتقديمها.
وقد سلك بعض السلف في تفضيل الصدقة على التطوع بالحج والعمرة مسلكًا آخر، نظر فيه إلى تزكية النفس وترويضها على الإخلاص؛ فإن الصدقة أبعد عن الرياء والسمعة.
فأخرج الحافظ أبو نعيم في "حلية الأولياء" عن الإمام بشر بن الحارث الحافي رحمه الله تعالى أنه قال: "الصدقة أفضل من الحج والعمرة والجهاد"، ثم قال: "ذاك يركب ويرجع ويراه الناس، وهذا يعطي سرًّا لا يراه إلا الله عز وجل".
وقال الحافظ ابن الجوزي في "تلبيس إبليس" (ص: 350، ط. دار الفكر): [قال رجل لبشر الحافي: أعددت ألفي درهم للحج، فقال: أحججتَ؟ قال: نعم، قال: اقض دين مدين، قال: ما تميل نفسي إلّا إلى الحج، قال: مرادك أن تركب وتجيء، ويقال: فلان حاجي] اهـ.
وقال الإمام الشاطبي في "الموافقات" (1/ 310، ط. دار ابن عفان): [العُبَّاد مِن هذه الأمة أخذوا أنفسهم بتخليص الأعمال عن شوائب الحظوظ، حتى عدُّوا ميل النفوس إلى بعض الأعمال الصالحة من جملة مكائدها، وأسسوها قاعدة بنوا عليها -في تعارض الأعمال وتقديم بعضها على بعض- أن يُقدِّموا ما لا حظَّ للنفس فيه، أو ما ثقل عليها؛ حتى لا يكون لهم عمل إلا على مخالفة ميل النفس، وهم الحُجّة فيما انتحلوا؛ لأن إجماعَهم إجماعٌ] اهـ.
وتكلم العلماء عن تقديم واجب الوقت وضرورة مراعاة الحال، وبينوا أن لكل وقت عبادة ووظيفة، وأن الواجب المضيق مقدم على الواجب الموسع، وأن لكل حالٍ عملًا يناسبه هو فيه أَوْلَى من غيره، وأن ذلك كما يختلف من حال إلى غيره فقد يختلف أيضًا من شخص لآخر؛ فكما أن أداء المكتوبة مقدم على غيرها إذا دخل وقتها، فالصدقة كذلك أفضل من غيرها في وقت المجاعات وقلة الطعام، والجهاد أفضل من غيره في وقت النفير العام، وإنقاذ الغريق مقدم على كل ما يمكن تأخيره.
قال الإمام القفال الشاشي: [ولا شك في أن الصلاة أفضل من الصدقة، ثم قد يحدث حالٌ يُحتاج فيها إلى مواساةِ مضطرٍّ وإصلاح ذات بينٍ، فتكون الصدقة أفضلَ من الصلاة] اهـ نقله عنه الإمام الحليمي في "شعب الإيمان" (2/ 472، ط. دار الفكر).
وقال العلامة ابن دقيق العيد في "إحكام الأحكام" (1/ 163، ط. مطبعة السنة المحمدية): [وقد اختلفت الأحاديث في فضائل الأعمال، وتقديم بعضها على بعض، والذي قيل في هذا أنها أجوبة مخصوصة لسائل مخصوص، أو من هو في مثل حاله، أو هي مخصوصة ببعض الأحوال التي ترشد القرائن إلى أنها المراد. ومثال ذلك: أن يحمل ما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ؟» -رواه أحمد- وفسره بذكر الله تعالى، على أن يكون ذلك أفضل الأعمال بالنسبة إلى المخاطبين بذلك، أو من هو في مثل حالهم، أو من هو في صفاتهم، ولو خوطب بذلك الشجاع الباسل المتأهل للنفع الأكبر في القتال لقيل له "الجهاد"، ولو خوطب به من لا يقوم مقامه في القتال ولا يتمحض حاله لصلاحية التبتل لذكر الله تعالى، وكان غنيًّا يُنتَفَعُ بصدقة ماله لقيل له "الصدقة"، وهكذا في بقية أحوال الناس، قد يكون الأفضل في حق هذا مخالفًا للأفضل في حق ذاك، بحسب ترجيح المصلحة التي تليق به] اهـ.
وقال العلامة السفاريني الحنبلي في "كشف اللثام" (1/ 542، ط. وزارة الأوقاف الكويتية): [ومحصل ما أجاب به العلماء عن ما اختلفتْ فيه الأجوبةُ بأنه أفضلُ الأعمال بأن الجواب إنما اختلف لاختلاف السائلين؛ فأعلمَ كلَّ قومٍ بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبةٌ، أو بما هو لائقٌ بهم، أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات؛ بأن يكون العملُ في ذلك الوقت أفضلَ منه في غيره، فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضلَ الأعمال.. وقد تظافرت النصوص على أن الصلاة أفضلُ من الصدقة، ومع ذلك، ففي وقت مواساة المضطر تكون الصدقة أفضلَ] اهـ.
والشرع الشريف لم يترك الترتيب بين العبادات والواجبات الحياتية والمجتمعية دون قواعد وضوابط؛ بل نظَّمها من خلال فقه الأولويات، وفقه المآلات، وفقه فروض الكفايات، وفقه الضرورات والحاجات، وفقه الموازنات، وقواعد تقديم دفع المفسدة على جلب المصلحة، والترتيب بين درجات الضرر بتقديم الضرر الأخف على الضرر الأعظم، وتقديم الحاصل من المصالح أو المفاسد على المحتمل أو المتوقع، وتقديم مصلحة المجموع على مصلحة الفرد، والمصلحة العامة والمتعدية على المصلحة الخاصة والقاصرة.
وتطبيق هذه القواعد وغيرها على واقع الناس المعيش يقتضي بلا نزاع تقديم الصدقة على حج التطوع وعمرته؛ فإن المال في الأصل قوام الحياة وزينتها، ووظيفته الأساسية بقاء الحياة واستمرارها؛ من إحياء الأرواح، واستبقاء المُهَج، وحفظ الأعراض، وكفاية الإنسان وإكرامه، وسد حاجته، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: 5]؛ ولذلك كان إنفاق الأموال وصرف الأوقات في تفريج الكربات ودفع الفاقات عن أصحاب الحاجات مقدَّمًا في الشرع على نوافل العبادات، وفضول الطاعات، خاصةً في هذا العصر الذي كثرت فيه الحاجات، واشتدت الفاقات. وأصحاب الأموال ما هم إلا وُكلاء استخلَفهم الله فيها لإنفاقها فيما أراد لا فيما أرادوا؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِير﴾ [الحديد: 7]، وقد دلت الشريعة على تقديم كفاية الحاجات ودفع الفاقات وتفريج الكربات على نوافل الطاعات عند التعارض، فوجب امتثال أمر الشرع وعدم العدول عنه.
كما أن الحاجة إلى الصدقة في الماضي لم تكن بالقدر الذي يحتاج إليه الآن؛ وذلك لوجود وجوه أخرى من التكافل الاجتماعي التي كانت تغني الناس عن الحاجة إلى الصدقات؛ كعطايا بيت المال، والأوقاف والصدقات الجارية، وغيرها من وجوه البر الكثيرة، التي لم يكن في حسبان الفقهاء السابقين ذهابُها وخلوُّ مجتمعات المسلمين منها، ولذلك فلا يجوز أن ينسب إلى شيء من مذاهبهم أو أقوالهم تفضيل تكرار الحج والعمرة في أزمنة الحاجة والمجتمعات الفقيرة على الصدقة المحتاج إليها؛ بل كان كلامهم منصبًّا على نوافل الصدقات وما لا تشتد إليه الحاجات، فلما ذهبت هذه الوجوه أو كادت ضعُف التكافل الاجتماعي وكثر الاحتياج إلى الصدقات، بعد أن زادت البطالة، وقلت الموارد، وضعف الإنتاج، وارتفعت الأسعار، وظهر في المجتمع أطفال الشوارع وأصحاب الحاجات الذين لا يجدون من يفرج كروبهم ويدفع فاقتهم ويكفي حاجتهم من السكن والطعام والشراب والكساء والدواء والتعليم والزواج مع زيادة متطلبات الحياة وغلاء المعيشة؛ فكثرت الأمهات الغارمات اللائي سُجِنَّ في ديونهن، والشباب العاطلون الذين لا يجدون ما يتزوجون به، والبنات العانسات اللائي لا يجدن ما يتجهزن به، والعائلون الذين لا يجدون ما ينفقون على من يعولون، والمرضى الذين لا يجدون ما يعالجون به أنفسهم وأُسَرهم، والطلاب الذين لا يجدون ما يقوم بنفقات تعليمهم، والأيتام الذين ليس لهم من يكفلهم، والأرامل اللائي لا يجدن ما ينفقنه على أبنائهن وأنفسهن ليتقين بها الامتهان والاستغلال.
هذا بالإضافة إلى كثرة المرافق العامة التي تحتاج إلى مساهمات الأغنياء ومؤازرة مؤسسات المجتمع المدني؛ حيث تعيش كثيرٌ من القرى والنجوع تحت خط الفقر، وتخلو من جزء كبير من مقومات الحياة الأساسية؛ كمياه الشرب، والصرف الصحي، وتوصيلات الكهرباء، والمدارس ومعاهد التعليم الأساسي، وأساسيات التداوي والعلاج والإسعاف في الوحدات الصحية التي يؤدي نقصها إلى زيادة أعداد الوفيات، والمعابر الصالحة للمرور عليها على الترع والأنهار والرشاحات والتي هي عرضة للوقوع فيها، إلى غير ذلك من وجوه الخير والبر التي لو صرف الأغنياء أموالهم فيها لأنقذوا أرواحًا وأحيَوْا أُسَرًا وانتشلوا قرًى مما هي فيه من المعاناة والبأساء، والتي لو قدَّمها كلُّ مُريدٍ لتكرار الحج أو العمرة لغيَّر ذلك كثيرًا من الأحوال السيئة التي يعيشها المحتاجون والبؤساء.
وهذه كلها من فروض الكفايات التي يجب على أصحاب الأموال القيام بها، وأن يعملوا بعد أداء الفرائض على تبرئة ذممهم من فروض الكفايات التي يسدون بها خلة أصحاب الحاجات، ويرفعون بها كرب أهل الفاقات، ليرفعوا الإثم عن أنفسهم وعن الأمة، لا أن يشتغلوا بتحصيل نوافل العبادات التي ليس في تركها إثم ولا عقاب، وعلى كل من أراد تكرار الحج أو العمرة أن ينظر في تحصيل فروض الكفايات، فإن وجدها غير مؤدَّاة ووجد نفسه في المخاطبين بتحصيلها فعليه أن يقدمها على التطوع.
وقد بلغ من أهمية القيام بفروض الكفايات أن نص جماعة من الأصوليين على أن القيام بفرض الكفاية أكثر ثوابًا من الاشتغال بفرض العين؛ كما هو قول الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، والإمام أبي محمد الجويني، وولده إمام الحرمين أبي المعالي الجويني، ونقله الشيخ أبو علي السنجي عن المحققين، كما ذكر الإمام الزركشي في "تشنيف المسامع" (1/ 253، ط. مكتبة قرطبة)، فكيف إذا كانت المفاضلة بين فروض الكفايات ونوافل الطاعات.
قال إمام الحرمين الجويني في "غياث الأمم" (ص: 358-359): [ثم الذي أراه أن القيام بما هو مِن فروض الكفايات أحرى بإحراز الدرجات، وأعلى في فنون القربات من فرائض الأعيان؛ فإن ما تعيَّن على المتعبد المكلف لو تركه ولم يقابل أمر الشارع فيه بالارتسام اختص المأثم به، ولو أقامه فهو المثاب. ولو فُرِض تعطيلُ فرضٍ مِن فروض الكفايات لعمَّ المأثمُ على الكافة على اختلاف الرتب والدرجات، فالقائم به كافٍ نفسَه وكافَّةَ المخاطَبين الحرجَ والعقابَ، وآمِلٌ أفضلَ الثواب، ولا يَهُونُ قدرُ مَن يحِلُّ محَلَّ المسلمين أجمعين، في القيام لمهم من مهمات الدين] اهـ.
فإذا أضيف إلى ذلك أن تكرار الجموع الغفيرة المستمر للحج والعمرة يؤدي إلى حصول الزحام الشديد ويتسبب في كثير من الوفيات والإصابات، كان الحد من ذلك أمرًا تنظيميًّا مطلوبًا لضبط الأعداد المتكاثرة والقدرة على السيطرة على سيولة حركتها وسهولة انتقالها، حتى لجأ المنظمون للحج إلى تقنين تكراره بما يعمل على تقليل الحوادث والوفيات، وتيسير تأدية المناسك.
هذا بالإضافة إلى أن الحد من تكرار الحج يساهم في إعطاء الفرصة للحجاج الذين لم يسبق لهم أداء الفريضة؛ تقديمًا لحُجَّاج الفريضة على حُجَّاج النافلة؛ فيؤجر بذلك مَن تركوا تكرار الحج بإفساحهم المجال لإخوانهم الذين لم يحجوا، كي يؤدوا مناسكهم في يسر وأمن وطمأنينة.
وعدول المسلم عن تكرار الحج والعمرة تقديمًا لدفع فاقة الفقراء وإعطاء المحتاجين، أو بقصد إعطاء الفرصة لمن لم يحج أو يعتمر، لا يحرمه ثواب التطوع بالحج والعمرة، بل ينال بذلك الأجر من الله تعالى على كلا الأمرين؛ على صدقته للمحتاجين، وعلى نافلة الحج والعمرة التي منعه منها رعايةُ الفقراء أو إيثار من لم يؤد الفريضة. فروى الإمام البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة، فقال: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا؛ مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا، إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ»، قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة! قال: «وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؛ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ».
وبناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فالمفتى به في هذه الآونة التي انتشر فيها وباء كورونا، وصارت التجمعات مظنة انتقال العدوى، وكثرت بالتالي الفاقات واشتدت الحاجات وضعف اقتصاد كثير من الدول: أن كفاية الفقراء والمحتاجين وعلاج المرضى وسد ديون الغارمين وغيرها من وجوه تفريج كرب الناس وسد حاجاتهم مقدَّمة على نافلة الحج والعمرة بلا خلاف، وأكثر ثوابًا منها، وأقرب قبولًا عند الله تعالى، وهذا هو الذي دلت عليه نصوص الوحيين، واتفق عليه علماء الأمة ومذاهبها المتبوعة، وأنه يجب على أغنياء المسلمين القيام بفرض كفاية دفع الفاقات عن أصحاب الحاجات، والاشتغال بذلك مقدَّم قطعًا على الاشتغال بنافلة الحج والعمرة، والقائم بفرض الكفاية أكثر ثوابًا من القائم بفرض العين؛ لأنه ساعٍ في رفع الإثم عن جميع الأمة، بل نص جماعة من الفقهاء على أنه إذا تعينت المواساةُ في حالة المجاعة وازدياد الحاجة على مريد حج الفريضة فإنه يجب عليه تقديمها على الحج؛ للاتفاق على وجوب المواساة حينئذٍ على الفور، بخلاف الحج الذي اختلف في كونه واجبًا على الفور أو التراخي.
ولا يجوز للواجدين إهمالُ المعوزين تحت مبرر الإكثار من النوافل والطاعات؛ فإنه لا يجوز ترك الواجبات لتحصيل المستحبات، ولا يسوغ التشاغل بالعبادات القاصرة ذات النفع الخاص وبذل الأوقات والأموال فيها على حساب القيام بالعبادات المتعدية ذات المصلحة العامة، وعلى مريد التطوع بالحج والعمرة السعيُ في بذل ماله في كفاية الفقراء وسد حاجات المساكين وقضاء ديون الغارمين قبل بذله في تطوع العبادات، كما أن تقديم سد حاجات المحتاجين وإعطاء المعوزين على التطوع بالحج أو العمرة ينيل فاعلها ثواب الأمرين معًا.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;