ما يستحب من القصد في الكلام وترك التطويل


عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ السُّوَائِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ لَا يُطِيلُ الْمَوْعِظَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِنَّمَا هُنَّ كَلِمَاتٌ يَسِيرَاتٌ".

إن القصد في الكلام من الأدب الإسلامي الرفيع، وسمة الشخصية المعتدلة التي يتخلق صاحبها بالخلق الإسلامي النبيل، فيبدو رزينًا في مجلسه هادئًا في تصرفاته يكسوه الوقار وتعلوه الهيبة، فلا ينطلق لسانه بالقول في كلِّ مجال، ولا يقحم نفسه في أحاديث الناس حتى لا يقع في الموبقات.

ولقد عني الإسلام في بناء الشخصية على القصد في الكلام، والمؤاخذة على ما يتكلم الإنسان به؛ فقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 180]، واستقامة الشخصية تنبع من إيمان صاحبها وإخلاص قلبه واستقامة لسانه، والقصد في الكلام من أهم ما يستقيم به اللسان، فلا يتكلم الإنسان إلا عن تفكير ورويَّة، وفيما رواه الإمام أحمد يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ»، والإنسان اذا وطَّن نفسه على القصد في الكلام قلَّت أخطاؤه وحسن قوله، واتَّسم بالرويَّة وعدم الاندفاع في الكلام، فهو إما أن يقول الخير أو يؤثر السكوت ويلوذ بالصمت، وفي هذا ما يجعله مرموق الشخصية محبوب الحديث، لا يمل الناس مجلسه أو حديثه، وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: رَحِمَ اللهُ امْرَءًا تَكَلَّمَ فَغَنِمَ، أَوْ سَكَتَ فَسَلِمَ» ويقول الإمام علي رضي الله عنه: "الْمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ".

ومما اشتهر من الأمثال: "خير الكلام ما قلَّ ودل".
ويأتي الحديث هنا ليتحدث عن القصد في الكلام في خطبة الجمعة؛ حيث المجال متاح لكثير الكلام وقليله، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يختار الإيجاز والقصد وعدم التطويل، وكما جاء في الحديث: «إِنَّمَا هُنَّ كَلِمَاتٌ يَسِيرَاتٌ»، وفي "صحيح مسلم" عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: "كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا».

فلقد أوتي صلى الله عليه وآله وسلم جوامع الكلم، فلا يحتاج إلى الكثرة من الكلام كما يحتاج البشر.
ولقد أرشد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخطباء إلى التأسي بهذا الهدي النبوي، بل واستعمل صيغة الأمر، فقد جاء في "صحيح مسلم" من حديث أبي وائل قال: خَطَبَنَا عَمَّارٌ، فَأَوْجَزَ وَأَبْلَغَ، فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ لَقَدْ أَبْلَغْتَ وَأَوْجَزْتَ، فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ، مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا»، وأخرج أبو داود في "سننه" عن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رجلًا قام يومًا، فأكثر القول، فَقَالَ عَمْرٌو: لَوْ قَصَدَ فِي قَوْلِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ يَقُولُ: «لَقَدْ رَأَيْتُ -أَوْ أُمِرْتُ- أَنْ أَتَجَوَّزَ فِي الْقَوْلِ، فَإِنَّ الْجَوَازَ هُوَ خَيْرٌ».

وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود، من حديث الحكم بن حزن رضي الله عنه قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجمعة، فقام متوكِّئًا على عصا أو قوس، فحمد الله، وأثنى عليه، كلمات خفيفات طيبات مباركات.

وقد صنِّف الإسراف في الكلام والقول ضمن الشهوات التي تستبد بالإنسان وتجعله يقع في الأخطاء وزلات اللسان وما يغضب الله تعالى.
ورفع الإسلام من قيمة الأدب في الحديث والقصد في الكلام حين جعل ذلك آية على الإيمان بالله واليوم الآخر عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خيْراً أَو لِيَصْمِتْ»، وتكلم رجل عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأكثر، فقال له: « كَمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ لِسَانِكَ مِنْ حِجَابٍ؟»، قَالَ: شَفَتَايَ وَأَسْنَانِي، قَالَ: «أَمَا كَانَ فِيهِمَا مَا يَرُدُّ فَضْلَ قَوْلِكَ عَنَّا مُنْذُ الْيَوْمِ؟»، وفي رواية أنه قال ذلك لرجل أثنى عليه فاستهتر في الكلام ثم قال: «مَا أُوتِيَ رَجُلٌ شَرًّا مِنْ فَضْلٍ فِي لِسَانٍ».
بمعنى الزيادة في الثرثرة في القول.
وقد حذر الإسلام من الإسراف في القول وكثرة المدح للإنسان بما ليس فيه، أو المدح على سبيل القطع؛ ففيما رواه الإمام البخاري بسنده عن أبي بكرة قال: أثنى رجل على رجل عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبكَ ويْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صاحبك» -يَقولُهُ مِرارًا- ثم قال: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لَا مَحَالَةَ، فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلَانًا، وَاللهُ حَسِيبُهُ، وَلاَ أُزَكِّي عَلَى اللهِ أَحَدًا، أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا؛ إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ»
ويعد الإعراض عن اللغو والترفع عن الاسترسال فيه من القصد في القول؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: 55].

وعن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس في أصحابه، وقع رجل بأبي بكر رضي الله عنه، فآذاه فصمت عنه أبوبكر رضي الله عنه ثم آذاه الثانية فصمت أبو بكر رضي الله عنه وفي الثالثة انتصر أبوبكر رضي الله عنه، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال أبو بكر رضي الله عنه: أوجدتَّ عليَّ يا رسول الله؟ قال: «نَزَلَ مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُكَذِّبُهُ بِمَا قَالَ لَكَ، فَلَمَّا انْتَصَرْتَ وَقَعَ الشَّيْطَانُ، فَلَمْ أَكُنْ لِأَجْلِسَ إِذْ وَقَعَ الشَّيْطَانُ».

ويوضح أن الإسلام ربَّى أتباعه على أدب الحديث ووطَّنهم على التجمل بالخير وبنى شخصيتهم على عقيدة راسخة وخلق متين، وجعل الكلمة الطيبة عنوان الشخصية الطيبة وفتح أمامها مجالات الخير والمثوبة والغفران.

يقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ».
فيجب أن يلتزم المسلم بالقصد في الحديث والرويَّة فيه وبما هو خير وأن يصمت عما فيه شرٌّ، بل فوق ذلك يسارع إلى التفوه بالكلمة الطيبة، فالكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: 24].

فاللهم اجعلنا بالقرآن عاملين وبهدي رسوله صلى الله عليه وآله وسلم متأسين وعلى هديه سائرين وارزقنا شفاعته يوم الدين، آمين يا رب العالمين.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
- "سنن أبي داود".
- "ترتيب الأمالي الخميسية" للشجري (1/ 177).
- "مسند الشهاب".
- "شعب الإيمان" للبيهقي.

 

اقرأ أيضا

ما يستحب من القصد في الكلام وترك التطويل


عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ السُّوَائِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ لَا يُطِيلُ الْمَوْعِظَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِنَّمَا هُنَّ كَلِمَاتٌ يَسِيرَاتٌ".

إن القصد في الكلام من الأدب الإسلامي الرفيع، وسمة الشخصية المعتدلة التي يتخلق صاحبها بالخلق الإسلامي النبيل، فيبدو رزينًا في مجلسه هادئًا في تصرفاته يكسوه الوقار وتعلوه الهيبة، فلا ينطلق لسانه بالقول في كلِّ مجال، ولا يقحم نفسه في أحاديث الناس حتى لا يقع في الموبقات.

ولقد عني الإسلام في بناء الشخصية على القصد في الكلام، والمؤاخذة على ما يتكلم الإنسان به؛ فقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 180]، واستقامة الشخصية تنبع من إيمان صاحبها وإخلاص قلبه واستقامة لسانه، والقصد في الكلام من أهم ما يستقيم به اللسان، فلا يتكلم الإنسان إلا عن تفكير ورويَّة، وفيما رواه الإمام أحمد يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ»، والإنسان اذا وطَّن نفسه على القصد في الكلام قلَّت أخطاؤه وحسن قوله، واتَّسم بالرويَّة وعدم الاندفاع في الكلام، فهو إما أن يقول الخير أو يؤثر السكوت ويلوذ بالصمت، وفي هذا ما يجعله مرموق الشخصية محبوب الحديث، لا يمل الناس مجلسه أو حديثه، وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: رَحِمَ اللهُ امْرَءًا تَكَلَّمَ فَغَنِمَ، أَوْ سَكَتَ فَسَلِمَ» ويقول الإمام علي رضي الله عنه: "الْمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ".

ومما اشتهر من الأمثال: "خير الكلام ما قلَّ ودل".
ويأتي الحديث هنا ليتحدث عن القصد في الكلام في خطبة الجمعة؛ حيث المجال متاح لكثير الكلام وقليله، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يختار الإيجاز والقصد وعدم التطويل، وكما جاء في الحديث: «إِنَّمَا هُنَّ كَلِمَاتٌ يَسِيرَاتٌ»، وفي "صحيح مسلم" عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: "كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا».

فلقد أوتي صلى الله عليه وآله وسلم جوامع الكلم، فلا يحتاج إلى الكثرة من الكلام كما يحتاج البشر.
ولقد أرشد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخطباء إلى التأسي بهذا الهدي النبوي، بل واستعمل صيغة الأمر، فقد جاء في "صحيح مسلم" من حديث أبي وائل قال: خَطَبَنَا عَمَّارٌ، فَأَوْجَزَ وَأَبْلَغَ، فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ لَقَدْ أَبْلَغْتَ وَأَوْجَزْتَ، فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ، مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا»، وأخرج أبو داود في "سننه" عن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رجلًا قام يومًا، فأكثر القول، فَقَالَ عَمْرٌو: لَوْ قَصَدَ فِي قَوْلِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ يَقُولُ: «لَقَدْ رَأَيْتُ -أَوْ أُمِرْتُ- أَنْ أَتَجَوَّزَ فِي الْقَوْلِ، فَإِنَّ الْجَوَازَ هُوَ خَيْرٌ».

وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود، من حديث الحكم بن حزن رضي الله عنه قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجمعة، فقام متوكِّئًا على عصا أو قوس، فحمد الله، وأثنى عليه، كلمات خفيفات طيبات مباركات.

وقد صنِّف الإسراف في الكلام والقول ضمن الشهوات التي تستبد بالإنسان وتجعله يقع في الأخطاء وزلات اللسان وما يغضب الله تعالى.
ورفع الإسلام من قيمة الأدب في الحديث والقصد في الكلام حين جعل ذلك آية على الإيمان بالله واليوم الآخر عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خيْراً أَو لِيَصْمِتْ»، وتكلم رجل عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأكثر، فقال له: « كَمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ لِسَانِكَ مِنْ حِجَابٍ؟»، قَالَ: شَفَتَايَ وَأَسْنَانِي، قَالَ: «أَمَا كَانَ فِيهِمَا مَا يَرُدُّ فَضْلَ قَوْلِكَ عَنَّا مُنْذُ الْيَوْمِ؟»، وفي رواية أنه قال ذلك لرجل أثنى عليه فاستهتر في الكلام ثم قال: «مَا أُوتِيَ رَجُلٌ شَرًّا مِنْ فَضْلٍ فِي لِسَانٍ».
بمعنى الزيادة في الثرثرة في القول.
وقد حذر الإسلام من الإسراف في القول وكثرة المدح للإنسان بما ليس فيه، أو المدح على سبيل القطع؛ ففيما رواه الإمام البخاري بسنده عن أبي بكرة قال: أثنى رجل على رجل عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبكَ ويْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صاحبك» -يَقولُهُ مِرارًا- ثم قال: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لَا مَحَالَةَ، فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلَانًا، وَاللهُ حَسِيبُهُ، وَلاَ أُزَكِّي عَلَى اللهِ أَحَدًا، أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا؛ إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ»
ويعد الإعراض عن اللغو والترفع عن الاسترسال فيه من القصد في القول؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: 55].

وعن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس في أصحابه، وقع رجل بأبي بكر رضي الله عنه، فآذاه فصمت عنه أبوبكر رضي الله عنه ثم آذاه الثانية فصمت أبو بكر رضي الله عنه وفي الثالثة انتصر أبوبكر رضي الله عنه، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال أبو بكر رضي الله عنه: أوجدتَّ عليَّ يا رسول الله؟ قال: «نَزَلَ مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُكَذِّبُهُ بِمَا قَالَ لَكَ، فَلَمَّا انْتَصَرْتَ وَقَعَ الشَّيْطَانُ، فَلَمْ أَكُنْ لِأَجْلِسَ إِذْ وَقَعَ الشَّيْطَانُ».

ويوضح أن الإسلام ربَّى أتباعه على أدب الحديث ووطَّنهم على التجمل بالخير وبنى شخصيتهم على عقيدة راسخة وخلق متين، وجعل الكلمة الطيبة عنوان الشخصية الطيبة وفتح أمامها مجالات الخير والمثوبة والغفران.

يقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ».
فيجب أن يلتزم المسلم بالقصد في الحديث والرويَّة فيه وبما هو خير وأن يصمت عما فيه شرٌّ، بل فوق ذلك يسارع إلى التفوه بالكلمة الطيبة، فالكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: 24].

فاللهم اجعلنا بالقرآن عاملين وبهدي رسوله صلى الله عليه وآله وسلم متأسين وعلى هديه سائرين وارزقنا شفاعته يوم الدين، آمين يا رب العالمين.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
- "سنن أبي داود".
- "ترتيب الأمالي الخميسية" للشجري (1/ 177).
- "مسند الشهاب".
- "شعب الإيمان" للبيهقي.

 

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;