طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه

 «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى شَهِيدٍ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ»، هكذا وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيدنا طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، مبينًا مكانته في الإسلام وفضله، فتعالوا معًا لنتعرف أكثر على فضل هذا الصَّحابي، الذي هو ضمن العشرة المبشرين بالجنة.
- نشأته وحياته قبل وبعد الإسلام:
وُلِد طلحة رضي الله عنه في مكة، قبل البعثة بخمسة عشر عامًا، في بيئة قرشيَّة؛ فهو يجتمع في النَّسب مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كعب بن لؤي، ونشأ كمعظم أهل قريش يعمل بالتجارة؛ حيث يذهب إلى الشام لشراء البضائع من هناك، ليتَّجر فيها عند عودته لمكة، التي تعتبر مقصدًا للعرب، لوجود الكعبة فيها، وذلك قبل الإسلام.
وفي إحدى أسفاره إلى الشام حصلت له قصة عجيبة يقصها هو بنفسه؛ قال: حضرت سوق بُصرى، فإذا راهب في صومعته يقول: سلوا أهل الموسم، أفيهم أحدٌ من أهل الحرم؟ قال طلحة: قلت: نعم أنا. فقال: هل ظهر أحمد بعد؟ قلت: ومن أحمد؟ قال: ابن عبد الله بن عبد المطلب، هذا شهره الذي يخرج فيه، وهو آخر الأنبياء، مخرجه من الحرم، ومهاجره إلى أرض ذات نخلٍ، فإياك أن تُسبق إليه.
قال طلحة: فوقع في قلبي، فأسرعت إلى مكة، فقلت: هل من حدثٍ؟ قالوا: نعم، محمد بن عبد الله الأمين، يقول إنه نبي، وقد تبعه أبو بكر، فدخلت عليه فقلت: اتبعت هذا الرجل؟ قال: نعم، فانطلق فاتبعه. فأخبره طلحة بما قال الراهب، فخرج به حتى دخلا عَلَى رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، فأسلم طلحة، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقصته مع الراهب.
وصار سيدنا طلحة رضي الله عنه من ذلك اليوم واحدًا من ثمانية، تشرفوا بالسبق للإسلام فور دعوة سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وهاجر طلحة رضي الله عنه إلى المدينة، حين أُمر المسلمون بالهجرة، ثم شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عدا غزوة بدر، فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان قد ندبه -ومعه سعيد بن زيد رضي الله عنه- لمهمةٍ خارج المدينة.
ولما أنجزاها، ورجعا قافلين إلى المدينة، كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وصحبه عائدين من غزوة بدر، فآلم نفسيهما أن يفوتهما أجر مشاركة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالجهاد في أولى غزواته، لكن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أهدى إليهما خبرًا لتطمينهما، حين أنبأهما أن لهما من المثوبة والأجر مثل ما للمقاتلين تمامًا، بل وقسم لهما من غنائم المعركة مثل من شهدوها.
- مواقف وبطولات:
عاش طلحة رضي الله عنه وسط الجماعة المسلمة، يعبد الله مع العابدين، ويجاهد في سبيله مع المجاهدين، ويرسي بساعديه مع سواعد إخوانه قواعد الدين الجديد، الذي جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور.
و في جميع المشاهد والغزوات، كان طلحة رضي الله عنه في مقدِّمة الصفوف يبتغي وجه الله، ويفتدي راية رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان سيدنا طلحة رضي الله عنه في مقدمة الصفوف في غزوة أحدٍ، التي شهدت كل جبروت قريشٍ، وكل بأسها؛ حيث جاءت تثأر ليوم بدر وتؤمِّن مصيرها، وتريد إلحاق هزيمةٍ بالمسلمين، ودارت حرب طاحنة سرعان ما غطّت الأرض بحصادها الأليم، وأبصر طلحة جانب المعركة التي يقف فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فألفاه قد صار هدفًا لقوى الشرك والوثنية، فسارع نحو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بعيد يسيل من وجنته الدم، و ويتحامل على نفسه، فجنَّ جنونه، وقطع طريق الهول في قفزة أو قفزتين، وأمام الرسول وجد ما يخشاه! سيوف المشركين تلهث نحوه، وتحيط به تريد أن تناله بسوء، فأخذ يصدُّ المشركين عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويتلقى الضربات هو بنفسه حتى أصيب في ذراعه وقطعت أصبعه وهو يدافع عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حتى كان سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول عن يوم أحد: ذاك يوم طلحة بين عبيد الله؛ لكثرة ما بذله، حتى وجدوا في جسده بضعًا وسبعين طعنة أو رمية!
- مواقف سيدنا طلحة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
تولى سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه الخلافة بعد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسار على نهجه وهديه، وكان سيدنا طلحة رضي الله عنه في مقدمة معاوني أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان كذلك مع سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان مشهورًا عنه البذل والعطاء، ويصف سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنه جود طلحة فيقول: "ما رأيت أحدًا أعطى لجزيل مالٍ من غير مسألة، من طلحة بن عبيد الله" وكان أكثر الناس برًّا بأهله وبأقربائه، فكان يعولهم جميعًا -على كثرتهم- وقد قيل عنه في ذلك: " كان لا يدع أحدًا من بني تيم عائلًا إلا كفاه مؤنته، ومؤنة عياله، وكان يزوج أيامهم، ويخدم عائلهم، ويقضي دين غارمهم".
ولا عجب في ذلك كله فقد وصفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بـ«طلحة الخير» و«طلحة الفياض».
- استشهاده رضي الله عنه:
عاش سيدنا طلحة رضي الله عنه إلى زمن خلافة سيدنا علي بن أبي طالب، ولما حدث ذلك الخلاف بين الصحابة حول أيهما أولى: استقرار الأمور وبيعة أمير المؤمنين رضي الله عنه، أم القصاص لسيدنا عثمان رضي الله عنه. كان طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه مع الرأي الثاني، الذي كان يميل إلى تقديم القصاص، ولكن ورغم ذلك جاء سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وناشد طلحة رضي الله عنه أن يرجع عن قتاله، وألَّا يؤذيه بذلك، فرجع سيدنا طلحة رضي الله عنه، وقرَّرَ أن ينسحب عن المعركة، فلحقه سهمٌ غادرٌ، ممن يريدون إشعال الفتن، ويضرهم أن يتَّحدَ صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكان استشهاده ذلك اليوم ليلحق بحبيبه، رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه الأبرار.
وحين كان عليٌّ رضي الله عنه يستعرض شهداء المعركة، راح يصلي عليهم جميعًا، الذين كانوا معه، والذين كانوا ضدَّه، ولما فرغ من دفن طلحة رضي الله عنه، والزبير رضي الله عنه، وقف يودعهما بكلمات جليلة، اختتمها قائلًا: "إني لأرجو أن أكون أنا، وطلحة والزبير وعثمان من الذين قال الله فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: 47]، ثم ضمَّ قبريهما بنظراته الحانية الصافية وقال: "سمعت أذناي هاتان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ جَارَايَ فِي الجَنَّةِ». فرضي الله عنهم أجمعين.

اقرأ أيضا

طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه

 «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى شَهِيدٍ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ»، هكذا وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيدنا طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، مبينًا مكانته في الإسلام وفضله، فتعالوا معًا لنتعرف أكثر على فضل هذا الصَّحابي، الذي هو ضمن العشرة المبشرين بالجنة.
- نشأته وحياته قبل وبعد الإسلام:
وُلِد طلحة رضي الله عنه في مكة، قبل البعثة بخمسة عشر عامًا، في بيئة قرشيَّة؛ فهو يجتمع في النَّسب مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كعب بن لؤي، ونشأ كمعظم أهل قريش يعمل بالتجارة؛ حيث يذهب إلى الشام لشراء البضائع من هناك، ليتَّجر فيها عند عودته لمكة، التي تعتبر مقصدًا للعرب، لوجود الكعبة فيها، وذلك قبل الإسلام.
وفي إحدى أسفاره إلى الشام حصلت له قصة عجيبة يقصها هو بنفسه؛ قال: حضرت سوق بُصرى، فإذا راهب في صومعته يقول: سلوا أهل الموسم، أفيهم أحدٌ من أهل الحرم؟ قال طلحة: قلت: نعم أنا. فقال: هل ظهر أحمد بعد؟ قلت: ومن أحمد؟ قال: ابن عبد الله بن عبد المطلب، هذا شهره الذي يخرج فيه، وهو آخر الأنبياء، مخرجه من الحرم، ومهاجره إلى أرض ذات نخلٍ، فإياك أن تُسبق إليه.
قال طلحة: فوقع في قلبي، فأسرعت إلى مكة، فقلت: هل من حدثٍ؟ قالوا: نعم، محمد بن عبد الله الأمين، يقول إنه نبي، وقد تبعه أبو بكر، فدخلت عليه فقلت: اتبعت هذا الرجل؟ قال: نعم، فانطلق فاتبعه. فأخبره طلحة بما قال الراهب، فخرج به حتى دخلا عَلَى رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، فأسلم طلحة، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقصته مع الراهب.
وصار سيدنا طلحة رضي الله عنه من ذلك اليوم واحدًا من ثمانية، تشرفوا بالسبق للإسلام فور دعوة سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وهاجر طلحة رضي الله عنه إلى المدينة، حين أُمر المسلمون بالهجرة، ثم شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عدا غزوة بدر، فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان قد ندبه -ومعه سعيد بن زيد رضي الله عنه- لمهمةٍ خارج المدينة.
ولما أنجزاها، ورجعا قافلين إلى المدينة، كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وصحبه عائدين من غزوة بدر، فآلم نفسيهما أن يفوتهما أجر مشاركة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالجهاد في أولى غزواته، لكن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أهدى إليهما خبرًا لتطمينهما، حين أنبأهما أن لهما من المثوبة والأجر مثل ما للمقاتلين تمامًا، بل وقسم لهما من غنائم المعركة مثل من شهدوها.
- مواقف وبطولات:
عاش طلحة رضي الله عنه وسط الجماعة المسلمة، يعبد الله مع العابدين، ويجاهد في سبيله مع المجاهدين، ويرسي بساعديه مع سواعد إخوانه قواعد الدين الجديد، الذي جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور.
و في جميع المشاهد والغزوات، كان طلحة رضي الله عنه في مقدِّمة الصفوف يبتغي وجه الله، ويفتدي راية رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان سيدنا طلحة رضي الله عنه في مقدمة الصفوف في غزوة أحدٍ، التي شهدت كل جبروت قريشٍ، وكل بأسها؛ حيث جاءت تثأر ليوم بدر وتؤمِّن مصيرها، وتريد إلحاق هزيمةٍ بالمسلمين، ودارت حرب طاحنة سرعان ما غطّت الأرض بحصادها الأليم، وأبصر طلحة جانب المعركة التي يقف فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فألفاه قد صار هدفًا لقوى الشرك والوثنية، فسارع نحو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بعيد يسيل من وجنته الدم، و ويتحامل على نفسه، فجنَّ جنونه، وقطع طريق الهول في قفزة أو قفزتين، وأمام الرسول وجد ما يخشاه! سيوف المشركين تلهث نحوه، وتحيط به تريد أن تناله بسوء، فأخذ يصدُّ المشركين عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويتلقى الضربات هو بنفسه حتى أصيب في ذراعه وقطعت أصبعه وهو يدافع عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حتى كان سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول عن يوم أحد: ذاك يوم طلحة بين عبيد الله؛ لكثرة ما بذله، حتى وجدوا في جسده بضعًا وسبعين طعنة أو رمية!
- مواقف سيدنا طلحة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
تولى سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه الخلافة بعد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسار على نهجه وهديه، وكان سيدنا طلحة رضي الله عنه في مقدمة معاوني أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان كذلك مع سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان مشهورًا عنه البذل والعطاء، ويصف سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنه جود طلحة فيقول: "ما رأيت أحدًا أعطى لجزيل مالٍ من غير مسألة، من طلحة بن عبيد الله" وكان أكثر الناس برًّا بأهله وبأقربائه، فكان يعولهم جميعًا -على كثرتهم- وقد قيل عنه في ذلك: " كان لا يدع أحدًا من بني تيم عائلًا إلا كفاه مؤنته، ومؤنة عياله، وكان يزوج أيامهم، ويخدم عائلهم، ويقضي دين غارمهم".
ولا عجب في ذلك كله فقد وصفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بـ«طلحة الخير» و«طلحة الفياض».
- استشهاده رضي الله عنه:
عاش سيدنا طلحة رضي الله عنه إلى زمن خلافة سيدنا علي بن أبي طالب، ولما حدث ذلك الخلاف بين الصحابة حول أيهما أولى: استقرار الأمور وبيعة أمير المؤمنين رضي الله عنه، أم القصاص لسيدنا عثمان رضي الله عنه. كان طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه مع الرأي الثاني، الذي كان يميل إلى تقديم القصاص، ولكن ورغم ذلك جاء سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وناشد طلحة رضي الله عنه أن يرجع عن قتاله، وألَّا يؤذيه بذلك، فرجع سيدنا طلحة رضي الله عنه، وقرَّرَ أن ينسحب عن المعركة، فلحقه سهمٌ غادرٌ، ممن يريدون إشعال الفتن، ويضرهم أن يتَّحدَ صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكان استشهاده ذلك اليوم ليلحق بحبيبه، رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه الأبرار.
وحين كان عليٌّ رضي الله عنه يستعرض شهداء المعركة، راح يصلي عليهم جميعًا، الذين كانوا معه، والذين كانوا ضدَّه، ولما فرغ من دفن طلحة رضي الله عنه، والزبير رضي الله عنه، وقف يودعهما بكلمات جليلة، اختتمها قائلًا: "إني لأرجو أن أكون أنا، وطلحة والزبير وعثمان من الذين قال الله فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: 47]، ثم ضمَّ قبريهما بنظراته الحانية الصافية وقال: "سمعت أذناي هاتان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ جَارَايَ فِي الجَنَّةِ». فرضي الله عنهم أجمعين.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;