الحثُّ على الوصولِ إلى الكمال في الإيمان

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» رواه مسلم.
يكشف هذا الحديث الجليل عن أن هناك تفاوتًا ضمن دائرة الإيمان -التي هي جزء من دائرة الإسلام- بالمعنى الأعم؛ بحيث يؤدي هذا التفاوت إلى حقيقة وجود قسمين من المؤمنين: القسم الأول المؤمنون الأقوياء، والقسم الثاني: المؤمنون الضعفاء.
والحديث هنا رغم الحرص فيه على التطلع لمرتبة المؤمنين الأقوياء إلا أنه لم ينزع الخير -مطلق الخير- من المؤمنين الضعفاء؛ فكما جاء في الحديث: «وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ»، أي: أَصْلُ الْخَيْرِ مَوْجُودٌ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا.
وهذه فلسفةٌ عامَّةٌ في الإسلام نجد تفاصيلَها في القرآن الكريم وأحاديثِ سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم؛ وهي الإرشاد الحثيث للوصول إلى الكمال، مع عدم حرمان من لم يصل وكان دون ذلك من بعض الفضل؛ يقول الدكتور دِرَاز في كتابه "دستور الأخلاق في القرآن": [أما موقف القرآن فجد مختلف عن هذا؛ فهو من ناحية يجعل فكرة "الكمال" ما بين الانهماك غير المعقول، والجهد المتوسط.
وهو من ناحية أخرى، مع تشجيعه الناس على أن يطلبوا الأفضل، يزكي ويستر بلطفه أهل الصلاح الطيبين جميعًا، ضعفاء كانوا أو أقوياء. ومن أجل هذا وجدناه بعد أن يقيس المسافة بين المجاهد الذي يبذل نفسه وماله، والخالف الذي يبقى في المؤخرة، وبعد أن يعلن أفضلية المجاهد في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: 95]، إذ به يستدرك قائلًا: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى﴾.
وهذه المقارنة ذاتها، بل ونفس التقدير، بين منفقَيْن، أحدهما بادر بالإنفاق في الظروف الشَّاقة، على حين جاء الآخر من بعد، عندما تضاءلت المشقات كثيرًا: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: 95].
ومن هنا ينبع قانون عام ذكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ»، ومن هنا نفهم بسهولة لماذا تتغير لهجة القرآن، فهو حين يتحدث عن موقف عُدِمت فيه الطاقة كلية، وسيطر عليه تراخٍ عظيم التفريط، يكون التحريم صريحًا، واللوم عنيفًا، فأما إذ كان الأمر هنا أمر إهمال ضئيل وضعف نسبي بسيط، فإن الرحمة تبدو هنا مشروعة، وملائمة.
وهذا المبدأ في التدرج، الذي انطوت عليه نصوص لا تحصى، قد هدى العلماء والفقهاء المسلمين إلى ترتيب معاني الخير والشر متدرجة، بحيث أدى ذلك إلى تصنيف كل منهما في طائفتين رئيسيتين، وعلى هذا النحو فإن العمل الصالح يمكن أن يكون: إما تكليفيًّا صارمًا، وإما تفضيليًّا جديرًا بالاختيار، وكذلك في حالة العكس أي: العمل الخبيث، إما أن يكون محرمًا صراحة، وأما معيبًا فقط، غير مستحب.
وها نحن أُوْلَاءِ الآن نستطيع أن نجيب عن السؤال المطروح، فنحن باستعمالنا لهذه المصطلحات التي أصبحت مقبولة لدى الجميع نقرر أولًا: أن البحث عن الممكن الأفضل، متى تجاوز منطقة محددة بالنسبة إلى كل واجب، والتي تعتبر تكليفًا مطلقًا فإنه يدخل بذلك في مجموعة الخير النافلة.
ولعلنا نذكر حالة الأعرابي الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثائرَ الرأس، فقال: يا رسول الله، أخبرني ماذا فرض الله عليَّ من الصلاة؟ فقال: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، إِلا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا». فقال: أخبرني بما فرض الله عليَّ من الصيام؟ قال: «صِيَامُ رَمَضَانَ إِلا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا». قال: أخبرني بما فرض الله عليَّ من الزكاة؟ قال: فأخبره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شرائع الإسلام. قال: والذي أكرمك لا أتطوع شيئًا، ولا أنقص مما فرضه الله عليَّ شيئًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « أَفْلَحَ -وَأَبِيهِ- إِنْ صَدَقَ».
ثم إن كلمة "الأفضل" هنا لا ينبغي من ناحية أخرى أن تؤخذ على أساس أنها صيغة الحد الأعلى، بل على أساس المقارنة؛ فإن المستوى الذي يندب جهد كل إنسان إلى أن يبلغه مباشرة ليس هو الدرجة الحدية التي يتعين الوقوف عندها، بل كل الامتداد الذي يقع فوق التكليف، بالمعنى الدقيق للكلمة.
وفي هذا الامتداد المتراحب الذي يتسع لتنافس كل الناس، يدعى كل واحد منهم إلى أن يرتقي بالتدريج، من نقطة إلى أخرى، بحسب قدراته، ومع مراعاة ما بقي من تكاليفه] اهـ.
- وسائل تقوية الإيمان:
لكي نعرف الوسائل لا بد من معرفة ما المراد من القوة هنا في الحديث، يقول الإمام اليافعي: [قَالَ الْعلمَاء: وَالْمرَاد بِالْقُوَّةِ عَزِيمَة النَّفس فِي أُمُور الْآخِرَة وَمَا يتَعَلَّق بِالدّينِ من الْإِقْدَام فِي الْجِهَاد وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَالصَّبْر على الْأَذَى وأنواع الْبلَاء وَاحْتِمَال المشاق فِي الطَّاعَات والنشاط فِي الْعِبَادَات من الْأَذْكَار وَالصَّوْم والصلوات وَغير ذَلِك من الْمُهِمَّات] اهـ.
وأصل الكلام عند الإمام النووي.
بناءً على ذلك، ولما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المؤمن القوي أفضل من المؤمن الضعيف، أراد عليه أفضل الصلاة والسلام -وهو الذي يحرص كل الحرص على بلوغ الدرجات العلى والمنازل العظمى لكل الخلق، فهو الذي أرسل بالرحمة العامة؛ كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، وهو الذي أرسل بالرحمة الخاصة في قوله تعالى: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]- أن يرشد أمته إلى وسائل تقوية الإيمان؛ فعدَّدَها فيما يلي:
- أولًا: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ»: أي: لَا تَعْجَزْ عَنِ الْحِرْصِ وَالِاسْتِعَانَةِ؛ فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُعْطِيكَ قُوَّةً عَلَى طَاعَتِهِ إِذَا اسْتَقَمْتَ عَلَى اسْتِعَانَتِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَعْجِزْ عَنِ الْعَمَلِ بِمَا أُمِرْتَ، وَلَا تَتْرُكْهُ مُقْتَصِرًا عَلَى الِاسْتِعَانَةِ بِهِ، فَإِنَّ كَمَالَ الْإِيمَانِ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا.
- ثانيًا: «إِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»: فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ غَيْرُ سَدِيدٍ، وَمَعَ هَذَا غَيْرُ مُفِيدٍ؛ فَإِنَّهُ قَالَ تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا﴾ [التوبة: 51].
وَقَالَ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ: «مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ»، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [آل عمران: 153] «وَلَكِنْ قُلْ» أَيْ: بِلِسَانِ الْقَالِ أَوْ لِسَانِ الْحَالِ. «قَدَّرَ اللهُ»: بِتَشْدِيدِ الدَّالِ، أَيْ: قُلْ قَدَّرَ اللهُ، وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا. أَيْ: قُلْ قَدَّرَ اللهُ كَذَا وَكَذَا. أَيْ: وَقَعَ ذَلِكَ بِمُقْتَضَى قَضَائِهِ وَعَلَى وَفْقِ قَدَريِهِ. «وَمَا شَاءَ» أَيِ: اللهُ فِعْلَهُ «فَعَلَ»: فَإِنَّهُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ وَلَا رَادَّ لِقَضَائِهِ وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، «فَإِنَّ لَوْ» أَيْ: كَلِمَةَ الشَّرْطِ أَوْ إِنَّ «تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ».
وبصدد هذا الحديث طرح البعض من الشراح قضية التداوي، وهل التداوي يتعارض مع قوة الإيمان؟
ويجيب على هذا السؤال الإمام الحكيم الترمذي؛ فيقول: [النَّاس فِي التَّدَاوِي على ثَلَاث طَبَقَات:
فالطبقة الأولى: هم الْأَنْبِيَاء والأولياء عَلَيْهِم السَّلَام، أهل يَقِين ومشاهدة يتداوون وَقُلُوبهمْ مَعَ خَالق الدَّوَاء، الَّذِي جعل الشِّفَاء فِي ذَلِك الدَّوَاء، فهم يتداوون على مَا هيأ لَهُم من التَّدْبِير، وينتظرون الشِّفَاء من الله تَعَالَى، وَقُلُوبهمْ خَالِيَة عَن فتْنَة الدَّوَاء.
والطبقة الثَّانِيَة: هم أهل الْيَقِين، لم يأمنوا خِيَانَة نُفُوسهم أَن تطمئِن إِلَى الدَّوَاء وتركن إِلَيْهِ فيفروا من ذَلِك، فَكلما عرض لَهُم دَاء فَوضُوا الْأَمر فِي ذَلِك إلى الله تَعَالَى، وتوكلوا عَلَيْهِ وَلم يتكلفوا تداويًا وَتركُوا التَّدَاوِي من ضعف يقينهم خوفًا على قُلُوبهم أَن تطمئِن نُفُوسهم إلى الدُّنْيَا فَيصير سَببًا يتَعَلَّق بِهِ قُلُوبهم، وَالْأول أَعلَى وَأقوى.
والطبقة الثَّالِثَة: أهل تَخْلِيط وَقُلُوبهمْ مَعَ الْأَسْبَاب لَا ينفكون مِنْهَا فهم محتاجون إلى التَّدَاوِي وَلَا يصبرون على تَركهَا وهم الْعَامَّة] اهـ.
المصادر:
- "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح".
- "شرح النووي على مسلم".
- "مرهم العلل المعضلة في الرد على أئمة المعتزلة" للإمام اليافعي.
- "نوادر الأصول في أحاديث الرسول" للحكيم الترمذي.
- "دستور الأخلاق في القرآن" للشيخ محمد عبد الله دراز.

 

اقرأ أيضا

الحثُّ على الوصولِ إلى الكمال في الإيمان

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» رواه مسلم.
يكشف هذا الحديث الجليل عن أن هناك تفاوتًا ضمن دائرة الإيمان -التي هي جزء من دائرة الإسلام- بالمعنى الأعم؛ بحيث يؤدي هذا التفاوت إلى حقيقة وجود قسمين من المؤمنين: القسم الأول المؤمنون الأقوياء، والقسم الثاني: المؤمنون الضعفاء.
والحديث هنا رغم الحرص فيه على التطلع لمرتبة المؤمنين الأقوياء إلا أنه لم ينزع الخير -مطلق الخير- من المؤمنين الضعفاء؛ فكما جاء في الحديث: «وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ»، أي: أَصْلُ الْخَيْرِ مَوْجُودٌ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا.
وهذه فلسفةٌ عامَّةٌ في الإسلام نجد تفاصيلَها في القرآن الكريم وأحاديثِ سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم؛ وهي الإرشاد الحثيث للوصول إلى الكمال، مع عدم حرمان من لم يصل وكان دون ذلك من بعض الفضل؛ يقول الدكتور دِرَاز في كتابه "دستور الأخلاق في القرآن": [أما موقف القرآن فجد مختلف عن هذا؛ فهو من ناحية يجعل فكرة "الكمال" ما بين الانهماك غير المعقول، والجهد المتوسط.
وهو من ناحية أخرى، مع تشجيعه الناس على أن يطلبوا الأفضل، يزكي ويستر بلطفه أهل الصلاح الطيبين جميعًا، ضعفاء كانوا أو أقوياء. ومن أجل هذا وجدناه بعد أن يقيس المسافة بين المجاهد الذي يبذل نفسه وماله، والخالف الذي يبقى في المؤخرة، وبعد أن يعلن أفضلية المجاهد في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: 95]، إذ به يستدرك قائلًا: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى﴾.
وهذه المقارنة ذاتها، بل ونفس التقدير، بين منفقَيْن، أحدهما بادر بالإنفاق في الظروف الشَّاقة، على حين جاء الآخر من بعد، عندما تضاءلت المشقات كثيرًا: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: 95].
ومن هنا ينبع قانون عام ذكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ»، ومن هنا نفهم بسهولة لماذا تتغير لهجة القرآن، فهو حين يتحدث عن موقف عُدِمت فيه الطاقة كلية، وسيطر عليه تراخٍ عظيم التفريط، يكون التحريم صريحًا، واللوم عنيفًا، فأما إذ كان الأمر هنا أمر إهمال ضئيل وضعف نسبي بسيط، فإن الرحمة تبدو هنا مشروعة، وملائمة.
وهذا المبدأ في التدرج، الذي انطوت عليه نصوص لا تحصى، قد هدى العلماء والفقهاء المسلمين إلى ترتيب معاني الخير والشر متدرجة، بحيث أدى ذلك إلى تصنيف كل منهما في طائفتين رئيسيتين، وعلى هذا النحو فإن العمل الصالح يمكن أن يكون: إما تكليفيًّا صارمًا، وإما تفضيليًّا جديرًا بالاختيار، وكذلك في حالة العكس أي: العمل الخبيث، إما أن يكون محرمًا صراحة، وأما معيبًا فقط، غير مستحب.
وها نحن أُوْلَاءِ الآن نستطيع أن نجيب عن السؤال المطروح، فنحن باستعمالنا لهذه المصطلحات التي أصبحت مقبولة لدى الجميع نقرر أولًا: أن البحث عن الممكن الأفضل، متى تجاوز منطقة محددة بالنسبة إلى كل واجب، والتي تعتبر تكليفًا مطلقًا فإنه يدخل بذلك في مجموعة الخير النافلة.
ولعلنا نذكر حالة الأعرابي الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثائرَ الرأس، فقال: يا رسول الله، أخبرني ماذا فرض الله عليَّ من الصلاة؟ فقال: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، إِلا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا». فقال: أخبرني بما فرض الله عليَّ من الصيام؟ قال: «صِيَامُ رَمَضَانَ إِلا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا». قال: أخبرني بما فرض الله عليَّ من الزكاة؟ قال: فأخبره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شرائع الإسلام. قال: والذي أكرمك لا أتطوع شيئًا، ولا أنقص مما فرضه الله عليَّ شيئًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « أَفْلَحَ -وَأَبِيهِ- إِنْ صَدَقَ».
ثم إن كلمة "الأفضل" هنا لا ينبغي من ناحية أخرى أن تؤخذ على أساس أنها صيغة الحد الأعلى، بل على أساس المقارنة؛ فإن المستوى الذي يندب جهد كل إنسان إلى أن يبلغه مباشرة ليس هو الدرجة الحدية التي يتعين الوقوف عندها، بل كل الامتداد الذي يقع فوق التكليف، بالمعنى الدقيق للكلمة.
وفي هذا الامتداد المتراحب الذي يتسع لتنافس كل الناس، يدعى كل واحد منهم إلى أن يرتقي بالتدريج، من نقطة إلى أخرى، بحسب قدراته، ومع مراعاة ما بقي من تكاليفه] اهـ.
- وسائل تقوية الإيمان:
لكي نعرف الوسائل لا بد من معرفة ما المراد من القوة هنا في الحديث، يقول الإمام اليافعي: [قَالَ الْعلمَاء: وَالْمرَاد بِالْقُوَّةِ عَزِيمَة النَّفس فِي أُمُور الْآخِرَة وَمَا يتَعَلَّق بِالدّينِ من الْإِقْدَام فِي الْجِهَاد وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَالصَّبْر على الْأَذَى وأنواع الْبلَاء وَاحْتِمَال المشاق فِي الطَّاعَات والنشاط فِي الْعِبَادَات من الْأَذْكَار وَالصَّوْم والصلوات وَغير ذَلِك من الْمُهِمَّات] اهـ.
وأصل الكلام عند الإمام النووي.
بناءً على ذلك، ولما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المؤمن القوي أفضل من المؤمن الضعيف، أراد عليه أفضل الصلاة والسلام -وهو الذي يحرص كل الحرص على بلوغ الدرجات العلى والمنازل العظمى لكل الخلق، فهو الذي أرسل بالرحمة العامة؛ كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، وهو الذي أرسل بالرحمة الخاصة في قوله تعالى: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]- أن يرشد أمته إلى وسائل تقوية الإيمان؛ فعدَّدَها فيما يلي:
- أولًا: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ»: أي: لَا تَعْجَزْ عَنِ الْحِرْصِ وَالِاسْتِعَانَةِ؛ فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُعْطِيكَ قُوَّةً عَلَى طَاعَتِهِ إِذَا اسْتَقَمْتَ عَلَى اسْتِعَانَتِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَعْجِزْ عَنِ الْعَمَلِ بِمَا أُمِرْتَ، وَلَا تَتْرُكْهُ مُقْتَصِرًا عَلَى الِاسْتِعَانَةِ بِهِ، فَإِنَّ كَمَالَ الْإِيمَانِ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا.
- ثانيًا: «إِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»: فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ غَيْرُ سَدِيدٍ، وَمَعَ هَذَا غَيْرُ مُفِيدٍ؛ فَإِنَّهُ قَالَ تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا﴾ [التوبة: 51].
وَقَالَ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ: «مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ»، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [آل عمران: 153] «وَلَكِنْ قُلْ» أَيْ: بِلِسَانِ الْقَالِ أَوْ لِسَانِ الْحَالِ. «قَدَّرَ اللهُ»: بِتَشْدِيدِ الدَّالِ، أَيْ: قُلْ قَدَّرَ اللهُ، وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا. أَيْ: قُلْ قَدَّرَ اللهُ كَذَا وَكَذَا. أَيْ: وَقَعَ ذَلِكَ بِمُقْتَضَى قَضَائِهِ وَعَلَى وَفْقِ قَدَريِهِ. «وَمَا شَاءَ» أَيِ: اللهُ فِعْلَهُ «فَعَلَ»: فَإِنَّهُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ وَلَا رَادَّ لِقَضَائِهِ وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، «فَإِنَّ لَوْ» أَيْ: كَلِمَةَ الشَّرْطِ أَوْ إِنَّ «تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ».
وبصدد هذا الحديث طرح البعض من الشراح قضية التداوي، وهل التداوي يتعارض مع قوة الإيمان؟
ويجيب على هذا السؤال الإمام الحكيم الترمذي؛ فيقول: [النَّاس فِي التَّدَاوِي على ثَلَاث طَبَقَات:
فالطبقة الأولى: هم الْأَنْبِيَاء والأولياء عَلَيْهِم السَّلَام، أهل يَقِين ومشاهدة يتداوون وَقُلُوبهمْ مَعَ خَالق الدَّوَاء، الَّذِي جعل الشِّفَاء فِي ذَلِك الدَّوَاء، فهم يتداوون على مَا هيأ لَهُم من التَّدْبِير، وينتظرون الشِّفَاء من الله تَعَالَى، وَقُلُوبهمْ خَالِيَة عَن فتْنَة الدَّوَاء.
والطبقة الثَّانِيَة: هم أهل الْيَقِين، لم يأمنوا خِيَانَة نُفُوسهم أَن تطمئِن إِلَى الدَّوَاء وتركن إِلَيْهِ فيفروا من ذَلِك، فَكلما عرض لَهُم دَاء فَوضُوا الْأَمر فِي ذَلِك إلى الله تَعَالَى، وتوكلوا عَلَيْهِ وَلم يتكلفوا تداويًا وَتركُوا التَّدَاوِي من ضعف يقينهم خوفًا على قُلُوبهم أَن تطمئِن نُفُوسهم إلى الدُّنْيَا فَيصير سَببًا يتَعَلَّق بِهِ قُلُوبهم، وَالْأول أَعلَى وَأقوى.
والطبقة الثَّالِثَة: أهل تَخْلِيط وَقُلُوبهمْ مَعَ الْأَسْبَاب لَا ينفكون مِنْهَا فهم محتاجون إلى التَّدَاوِي وَلَا يصبرون على تَركهَا وهم الْعَامَّة] اهـ.
المصادر:
- "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح".
- "شرح النووي على مسلم".
- "مرهم العلل المعضلة في الرد على أئمة المعتزلة" للإمام اليافعي.
- "نوادر الأصول في أحاديث الرسول" للحكيم الترمذي.
- "دستور الأخلاق في القرآن" للشيخ محمد عبد الله دراز.

 

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;