الفطرة السليمة تشهد بوجود الله

التدين أصيل في النفس الإنسانية، قديم قدم البشرية، وقد كشفت بعض الدراسات التي أجريت في مجال علم النفس وعلم الأديان وغيرهما أنه ما من جماعة إنسانية عاشت على هذه الأرض إلا وكان لها دين ومعبود تتجه إليه بالعبادة والتقديس، وتضافرت هذه البحوث لتثبت أن عقيدة الإيمان بوجود "الإله الأعلى" كانت موجودة عند القبائل البدائية في أستراليا وإفريقيا وأمريكا، وكذلك عند الأجناس الآرية القديمة، وعند الساميين قبل الإسلام، وأنها امتدت لتشمل أقزام أواسط إفريقيا، حتى انتهت هذه البحوث إلى أن فكرة "الإله الأعلى" سادت عند جميع الشعوب الذين يعدون من أقدم الأجناس الإنسانية، مما دفع جمهورًا من علماء الأجناس وعلماء الأديان وعلماء النفس لصياغة ما يسمى بنظرية "فطرية التوحيد وأصالته".
وإن الناظر كذلك في تاريخ الحضارات في العالم عبر العصور كالحضارة الفرعونية واليونانية والرومانية وحضارة بابل وآشور وغيرها لَيَجِدُ التدين مَلْمَحًا بارزًا من ملامح هذه الحضارات.
إن الفطرة هي المحرك الأساسي الذي دفع الإنسان عبر العصور للبحث عن خالقه ورازقه، فالتدين الذي عاشته تلك الشعوب هو مظهر من مظاهر هذه الفطرة التي ولَّدَت في الإنسان دائمًا الشعور بالقوة العليا التي خلقته وخلقت العالم كله، ولا زالت تدبر شئونه وفق الحكمة والإرادة، فتعلق الإنسان بها لكي تدفع عنه عوادي الزمن وتجلب له الخير في الحياة. وما حدث للإنسان من ابتعاد عن الله تعالى أو إشراك به فهو انحراف في الطريق وخطأ في الأسباب راجع إلى عوامل كثيرة؛ ولذلك مَنَّ الله تعالى على الناس بإرسال الرسل لتوجيههم إلى الطريق المستقيم.
إن معنى الفطرة أن الإنسان يُولَدُ مُلْهَمًا طريقَي الخير والشر؛ كما قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۞ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 7-8]، مستعدًا لقبول الحق، ينسَاق إليه بأدنى تأمل، ويصل إليه بأقرب نظر، فيهفُو إلى خالقه، ويتعلق به، ويتقرب إليه. وهذا شيء مركوز في الإنسان، نظام عقلي أوجده الله في كل مخلوق وجبله عليه كما جبله على نظام جسدي مماثل. فَمَشْيُ الإنسان برجليه فطرة جسدية، ومحاولته أن يتناول الأشياء برجليه خلاف الفطرة الجسدية، واستنتاج المسببات من أسبابها والنتائج من مقدماتها فطرة عقلية لا ينكرها أحد.
ولذا كان هذا البحث الدؤوب عبر التاريخ من الفلاسفة وغيرهم في مبدأ هذا الكون ومصيره والسبب الذي وراءه، استجابة للأسئلة التي تفرضها عليهم الفطرة من أن هذا العالم لا يمكن أن يوجد نفسه، وأن هناك صانعًا قادرًا هو المدبر لهذا الكون، حتى قال الفيلسوف أرسطو بعد نظر وفكر كبيرين: "إنه يوجد حتما ذات أزلية قادرة على إحداث التغييرات. إن الخشبة الغُفْل التي لم تدخلها صنعة لا تتحرك بنفسها، ولكن بصنعة النجار". ونحن نأخذ من كلامه ما يؤكد فطرية التدين بقطع النظر عن خصوص عقيدته.
والقرآن الكريم يأخذ بيد الإنسان لكي يعود به إلى الفطرة السليمة التي خُلق عليها؛ قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30]، وفي "صحيح الإمام مسلم" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ»، والأصح أن معناه أن كل مولود يولد متهيئًا للإسلام إذا لم تدخل عوامل الإفساد في حجبه عن فطرته.
وليس أبدع من تصوير القرآن الكريم أثر الفطرة السليمة في الاهتداء إلى الحق بهذا البيان الرائع في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام مع قومه، وهو يوقظ في نفوسهم هذه الفطرة؛ قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ۞ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ۞ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ۞ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ۞ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 75-79].
المراجع:
• "البراهين العقلية والنقلية على العقائد الإيمانية" لفضيلة أ.د/ عبد العزيز سيف النصر.
• "تفسير التحرير والتنوير" للشيخ الطاهر بن عاشور.
• "الدين" لفضيلة الشيخ عبد الله دراز رحمه الله تعالى.
• "الرسالة الخالدة" لعبد الرحمن عزام.
• "شرح الإمام النووي على صحيح الإمام مسلم".
• "المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز" لابن عطية.
 

اقرأ أيضا

الفطرة السليمة تشهد بوجود الله

التدين أصيل في النفس الإنسانية، قديم قدم البشرية، وقد كشفت بعض الدراسات التي أجريت في مجال علم النفس وعلم الأديان وغيرهما أنه ما من جماعة إنسانية عاشت على هذه الأرض إلا وكان لها دين ومعبود تتجه إليه بالعبادة والتقديس، وتضافرت هذه البحوث لتثبت أن عقيدة الإيمان بوجود "الإله الأعلى" كانت موجودة عند القبائل البدائية في أستراليا وإفريقيا وأمريكا، وكذلك عند الأجناس الآرية القديمة، وعند الساميين قبل الإسلام، وأنها امتدت لتشمل أقزام أواسط إفريقيا، حتى انتهت هذه البحوث إلى أن فكرة "الإله الأعلى" سادت عند جميع الشعوب الذين يعدون من أقدم الأجناس الإنسانية، مما دفع جمهورًا من علماء الأجناس وعلماء الأديان وعلماء النفس لصياغة ما يسمى بنظرية "فطرية التوحيد وأصالته".
وإن الناظر كذلك في تاريخ الحضارات في العالم عبر العصور كالحضارة الفرعونية واليونانية والرومانية وحضارة بابل وآشور وغيرها لَيَجِدُ التدين مَلْمَحًا بارزًا من ملامح هذه الحضارات.
إن الفطرة هي المحرك الأساسي الذي دفع الإنسان عبر العصور للبحث عن خالقه ورازقه، فالتدين الذي عاشته تلك الشعوب هو مظهر من مظاهر هذه الفطرة التي ولَّدَت في الإنسان دائمًا الشعور بالقوة العليا التي خلقته وخلقت العالم كله، ولا زالت تدبر شئونه وفق الحكمة والإرادة، فتعلق الإنسان بها لكي تدفع عنه عوادي الزمن وتجلب له الخير في الحياة. وما حدث للإنسان من ابتعاد عن الله تعالى أو إشراك به فهو انحراف في الطريق وخطأ في الأسباب راجع إلى عوامل كثيرة؛ ولذلك مَنَّ الله تعالى على الناس بإرسال الرسل لتوجيههم إلى الطريق المستقيم.
إن معنى الفطرة أن الإنسان يُولَدُ مُلْهَمًا طريقَي الخير والشر؛ كما قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۞ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 7-8]، مستعدًا لقبول الحق، ينسَاق إليه بأدنى تأمل، ويصل إليه بأقرب نظر، فيهفُو إلى خالقه، ويتعلق به، ويتقرب إليه. وهذا شيء مركوز في الإنسان، نظام عقلي أوجده الله في كل مخلوق وجبله عليه كما جبله على نظام جسدي مماثل. فَمَشْيُ الإنسان برجليه فطرة جسدية، ومحاولته أن يتناول الأشياء برجليه خلاف الفطرة الجسدية، واستنتاج المسببات من أسبابها والنتائج من مقدماتها فطرة عقلية لا ينكرها أحد.
ولذا كان هذا البحث الدؤوب عبر التاريخ من الفلاسفة وغيرهم في مبدأ هذا الكون ومصيره والسبب الذي وراءه، استجابة للأسئلة التي تفرضها عليهم الفطرة من أن هذا العالم لا يمكن أن يوجد نفسه، وأن هناك صانعًا قادرًا هو المدبر لهذا الكون، حتى قال الفيلسوف أرسطو بعد نظر وفكر كبيرين: "إنه يوجد حتما ذات أزلية قادرة على إحداث التغييرات. إن الخشبة الغُفْل التي لم تدخلها صنعة لا تتحرك بنفسها، ولكن بصنعة النجار". ونحن نأخذ من كلامه ما يؤكد فطرية التدين بقطع النظر عن خصوص عقيدته.
والقرآن الكريم يأخذ بيد الإنسان لكي يعود به إلى الفطرة السليمة التي خُلق عليها؛ قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30]، وفي "صحيح الإمام مسلم" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ»، والأصح أن معناه أن كل مولود يولد متهيئًا للإسلام إذا لم تدخل عوامل الإفساد في حجبه عن فطرته.
وليس أبدع من تصوير القرآن الكريم أثر الفطرة السليمة في الاهتداء إلى الحق بهذا البيان الرائع في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام مع قومه، وهو يوقظ في نفوسهم هذه الفطرة؛ قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ۞ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ۞ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ۞ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ۞ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 75-79].
المراجع:
• "البراهين العقلية والنقلية على العقائد الإيمانية" لفضيلة أ.د/ عبد العزيز سيف النصر.
• "تفسير التحرير والتنوير" للشيخ الطاهر بن عاشور.
• "الدين" لفضيلة الشيخ عبد الله دراز رحمه الله تعالى.
• "الرسالة الخالدة" لعبد الرحمن عزام.
• "شرح الإمام النووي على صحيح الإمام مسلم".
• "المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز" لابن عطية.
 

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;