الخلقُ يشهد بوجود الله

 كلما تقدم الزمان بالإنسان واتسعت إمكاناته البحثية وقدراته الاستكشافية وقف على ما لا يحصى من العجائب في نفسه وفي العالم من حوله، وليس ازدياد المراكز البحثية والمختبرات الكشفية والتخصصات العلمية والأجهزة التقنية والتنافس الدولي في هذا كله إلا دليلًا على إعجاز خارق في تكوين كل فرد من أفراد هذا العالم.
ولسنا هنا بصدد تَعداد ما في العالم من مخلوقات أو ذكر عجائبها التي لا تحصر؛ فإن هذا مما لا يخفى على ذي بصر ونظر، وإنما السؤال الْمُلِحُّ الذي يطرحه كل عقل على صاحبه: مَن وراء هذه الكائنات؟ ومن هو صانعُ عجائبها التي لا زالت الإنسانية تتبارى في الوقوف على أسرارها؟
إن مما اتفق عليه العقلاء -وهو من البدهيات- أن الأثر يدل على وجود المؤثر، وأن وراء كل حادث عللًا وأسبابًا ظاهرةً أو خفيةً.. وهو شيء فطري مركوز في عقل الأعرابي الأمي الذي يقول: "البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماءٌ ذات أبراج، وأرضٌ ذات فِجَاج؛ أفلا تدل على العلي الخبير"، كما هو مركوز في عقل أرسطو كبير فلاسفة اليونان الذي يقول: "إنه يوجد حتمًا ذاتٌ أزليةٌ قادرةٌ على إحداث التغييرات. إنه لا شيء يتحرك مصادفة، بل لابد من وجود سبب معين لحركته. إن الخشبة الغُفْل التي لم تدخلها صنعة لا تتحرك بنفسها، ولكن بصنعة النجار"، وكذلك في عقل سقراط الذي قال: "من أين نشأ هذا النظام الكامل في تفرعاته، المحفوف بالعظمة والجلال؟ ليس من الممكن أن يحمل ذلك على المصادفة، فلو أمكننا أن نقول إنه نشأ من تلقاء نفسه لصح لنا أن نقول إن ألواح "بولكليت" و"زونكريس" حدثت من تلقاء نفسها".
لقد تضمن القرآن الكريم -وهو في عقيدتنا كتاب رب العالمين إلى الناس أجمعين- آياتٍ تدعو الناسَ إلى النظر في هذا الكون وعجائبه، يقف عليها الناظر بأدنى بحث وتأمل. وبالإضافة إلى ذلك كشف القرآن عن أمور كانت بالنسبة للناس في زمن نزوله غيبٌ لم تصل البشرية إلى إدراكه على النحو الذي تيسر للناس في هذا الزمان بما امتلكوا من آلاتٍ رَصَدت أفلاكَ الفضاء كما رَصَدت الذرةَ. ولقد رأينا القرآن يتحدث عن السماوات والأرض والليل والنهار والرياح والسحاب مما هو مشاهد ظاهر، ووجدناه أيضًا يتحدث عن تكون الأمطار وأطوار تكون الجنين وغير ذلك مما هو خاف مستتر. وما ذاك إلا لينبه الناس أن ما خفي عنهم أكثر مما ظهر لهم، وأنه يجب أن يكون وراء ذلك كله إله قادر لا يعجزه شيء، حتى نطق بها صراحة: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53]، وصرح بلازم ذلك: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85].
والقرآن صادق في هذا حق الصدق؛ إذ لو قيس ما وصل إليه الناس من العلم في كل قرن بما وصلوا إليه في سابقه، وقيس نتاج اليوم من العلم بما كان منذ عشرة قرون لتبين صدق هذه الآية في أن ما لدى الإنسان من علم بالكون قليل، وإن كان في ذاته أضعافًا مضاعفةً مما توصل إليه السابقون، وفي هذا استفزاز صريح للإنسان لطلب المزيد.
وهذا الطرح القرآني لضرورة النظر في الكون وطلب المزيد من العلم يُسلمه كل عاقل ولو لم يكن مؤمنًا بالقرآن، فإن الأمر صريح في لفت القوة الناطقة المفكرة في الإنسان إلى الطريق الذي تُحَصَّلُ به الإجابة عن الأسئلة الكبرى الْمُلِحَّة؛ من أنا ومن أين وإلى أين؟
المراجع:
• "الدين" للشيخ عبد الله دراز.
• "الدين والعلم" للمشير أحمد عزت.
• "البراهين العقلية والنقلية" أ.د/ عبد العزيز سيف النصر.

اقرأ أيضا

الخلقُ يشهد بوجود الله

 كلما تقدم الزمان بالإنسان واتسعت إمكاناته البحثية وقدراته الاستكشافية وقف على ما لا يحصى من العجائب في نفسه وفي العالم من حوله، وليس ازدياد المراكز البحثية والمختبرات الكشفية والتخصصات العلمية والأجهزة التقنية والتنافس الدولي في هذا كله إلا دليلًا على إعجاز خارق في تكوين كل فرد من أفراد هذا العالم.
ولسنا هنا بصدد تَعداد ما في العالم من مخلوقات أو ذكر عجائبها التي لا تحصر؛ فإن هذا مما لا يخفى على ذي بصر ونظر، وإنما السؤال الْمُلِحُّ الذي يطرحه كل عقل على صاحبه: مَن وراء هذه الكائنات؟ ومن هو صانعُ عجائبها التي لا زالت الإنسانية تتبارى في الوقوف على أسرارها؟
إن مما اتفق عليه العقلاء -وهو من البدهيات- أن الأثر يدل على وجود المؤثر، وأن وراء كل حادث عللًا وأسبابًا ظاهرةً أو خفيةً.. وهو شيء فطري مركوز في عقل الأعرابي الأمي الذي يقول: "البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماءٌ ذات أبراج، وأرضٌ ذات فِجَاج؛ أفلا تدل على العلي الخبير"، كما هو مركوز في عقل أرسطو كبير فلاسفة اليونان الذي يقول: "إنه يوجد حتمًا ذاتٌ أزليةٌ قادرةٌ على إحداث التغييرات. إنه لا شيء يتحرك مصادفة، بل لابد من وجود سبب معين لحركته. إن الخشبة الغُفْل التي لم تدخلها صنعة لا تتحرك بنفسها، ولكن بصنعة النجار"، وكذلك في عقل سقراط الذي قال: "من أين نشأ هذا النظام الكامل في تفرعاته، المحفوف بالعظمة والجلال؟ ليس من الممكن أن يحمل ذلك على المصادفة، فلو أمكننا أن نقول إنه نشأ من تلقاء نفسه لصح لنا أن نقول إن ألواح "بولكليت" و"زونكريس" حدثت من تلقاء نفسها".
لقد تضمن القرآن الكريم -وهو في عقيدتنا كتاب رب العالمين إلى الناس أجمعين- آياتٍ تدعو الناسَ إلى النظر في هذا الكون وعجائبه، يقف عليها الناظر بأدنى بحث وتأمل. وبالإضافة إلى ذلك كشف القرآن عن أمور كانت بالنسبة للناس في زمن نزوله غيبٌ لم تصل البشرية إلى إدراكه على النحو الذي تيسر للناس في هذا الزمان بما امتلكوا من آلاتٍ رَصَدت أفلاكَ الفضاء كما رَصَدت الذرةَ. ولقد رأينا القرآن يتحدث عن السماوات والأرض والليل والنهار والرياح والسحاب مما هو مشاهد ظاهر، ووجدناه أيضًا يتحدث عن تكون الأمطار وأطوار تكون الجنين وغير ذلك مما هو خاف مستتر. وما ذاك إلا لينبه الناس أن ما خفي عنهم أكثر مما ظهر لهم، وأنه يجب أن يكون وراء ذلك كله إله قادر لا يعجزه شيء، حتى نطق بها صراحة: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53]، وصرح بلازم ذلك: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85].
والقرآن صادق في هذا حق الصدق؛ إذ لو قيس ما وصل إليه الناس من العلم في كل قرن بما وصلوا إليه في سابقه، وقيس نتاج اليوم من العلم بما كان منذ عشرة قرون لتبين صدق هذه الآية في أن ما لدى الإنسان من علم بالكون قليل، وإن كان في ذاته أضعافًا مضاعفةً مما توصل إليه السابقون، وفي هذا استفزاز صريح للإنسان لطلب المزيد.
وهذا الطرح القرآني لضرورة النظر في الكون وطلب المزيد من العلم يُسلمه كل عاقل ولو لم يكن مؤمنًا بالقرآن، فإن الأمر صريح في لفت القوة الناطقة المفكرة في الإنسان إلى الطريق الذي تُحَصَّلُ به الإجابة عن الأسئلة الكبرى الْمُلِحَّة؛ من أنا ومن أين وإلى أين؟
المراجع:
• "الدين" للشيخ عبد الله دراز.
• "الدين والعلم" للمشير أحمد عزت.
• "البراهين العقلية والنقلية" أ.د/ عبد العزيز سيف النصر.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;