العناية تشهد بوجود الله

إذا تأمل الإنسان في أطوار حياته عبر العصور، وما صاحب التقدم الزماني من عوامل تغير شملت مناحي حياة الإنسان، فإنه سيلاحظ أن ما يسخر له في الكون في كل مرحلة إنما يلائم احتياجات عصره ويوافقها، وسيعلم أن كل شيء بقدر، وإلا فلينظر إلى منتجات هذا العصر، ويبحث عنها نفسها في القرون الماضية، ويقارن مدى احتياج الناس إليها في كل زمان؛ ليعلم أنها لم تظهر إلا عندما احتيج إليها.

ولو تأمل ما سُخِّر له من مخلوقات على وجه الأرض ينتفع بها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، للاحظ أن كل شيء غالبًا يصب في مصالحه من ضرورات وحاجات، وكذلك في مصالحه التكميلية المتعلقة بسعة العيش ورفاهية النفس، بل إنه سيلاحظ عمومًا:

1- الاتساق الشامل بين أفراد العالم والتناغم بين جزئياته.
2- العناية التامة بكل صغير وكبير، فأسباب الحياة متوفرة لكل مخلوق على نحو معجز.
3- أن غالب ما في الكون مسخر لخدمة الإنسان ومحقق لمنافعه.

وهذه الأمور لا تحتاج إلى استدلال، بل هي أمور مشاهدة داخلة تحت إدراك الحس، يعلمها كل أحد، ونحن في غنًى عن ذكر شواهدها، ولذلك فهي أيضًا مما يلفت القرآن النظر إليه؛ لأنها تمثل طريقًا سهلًا يمكن من خلاله أن يجيب الإنسان عن الأسئلة الكبرى التي تواجهه.
وكلما تحرك العلم للأمام كان في ذلك تأكيدٌ وكشفٌ لما هو خافٍ من مظاهر هذه العناية الإلهية؛ فالحسابات الدقيقة تؤكد أن الأرض التي نعيش عليها لو اختلفت عما هي عليه من صفات كالحجم والمسافة بينها وبين الكواكب والنجوم لاستحالت الحياة.

إن هذا الخلق المحكم المتقن، وهذا النظام البديع الرائع الذي يشمل العالم، وهذه العناية التامة -بكل كبيرة وصغيرة- لا يمكن أن تصنعه الصدفة العمياء، ولا يمكن أن يصدر إلا عن علم وحكمة وتدبير، فإذا نظر الإنسان في ذلك النظام العجيب الموجه توجيهًا خاصًّا، فإنه سرعان ما ينتقل للسؤال عن أسبابه وعن أسباب هذه الأسباب، وحيث إن كل ما يصل إليه الفكر والنظر من أسباب مهما كانت درجة بعدها عن الظاهرة هي حادثة ومتحولة ومحتاجة إلى علة أخرى، فمن الضروري للعقل إذن أن يتحرى أسبابًا أخرى فوق المشهود والمحسوس حتى يصل إلى الْمُسبِّب الأول الموجود بذاته، وهو الله سبحانه وتعالى مُسبب الأسباب.

ومن الخطأ المنهجي أن يسحب العقل العملية البحثية نفسها على الله فيبحث عن علة لوجود الله؛ لأن الذي يطمئن إليه العقل أن مُسبب العالم خارج عن حقيقة العالم مخالف له لا تسري عليه القوانين التي تحكم العالم، ولو سرى عليه ما يسري على العالم لم يستحق أن يكون إلهًا للعالم، وساعتها يعود البحث عن المسبب الأول الخارج عن العالم، ولن يجد العقل مفرًّا من أن يثبت له الأزلية المطلقة التي يستحقها بالفعل من عَظُمَت قدرته حتى أبدع هذا الكون، فالخط الفاصل بين العقل المؤمن والعقل الملحد هو الاقتناع بمخالفة المؤثر للأثر ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، وأنه لا تجري عليه أحكام مصنوعاته، وفقدان هذا الاعتقاد يجر إلى الإنكار؛ لأن سلسلة الحوادث حينئذ لن تتوقف، فنعود مرة أخرى إلى الخلق العجيب في السماء والأرض، الذي لا يحيط به عقل، ليتجدد السؤال عن صانعه.

إن قضية الإيمان يقف خلفها قاعدتان مبناهما على النظر في المخلوقات؛ إحداهما: "أن كل أثر يدل على مؤثر"، والأخرى: "أن المؤثر قطعًا خارجٌ عن الأثر غير محكوم بقوانينه"؛ فليس بعد النظر في المخلوقات إلا الإيمان بالإله الأعظم الله سبحانه وتعالى، والإيمان بأنه ليس كمثله شيء.
المراجع:
• "الدين" للشيخ عبد الله دراز.
• "الدين والعلم" للمشير أحمد عزت.
• "البراهين العقلية والنقلية" لـ أ.د/ عبد العزيز سيف النصر.
 

اقرأ أيضا

العناية تشهد بوجود الله

إذا تأمل الإنسان في أطوار حياته عبر العصور، وما صاحب التقدم الزماني من عوامل تغير شملت مناحي حياة الإنسان، فإنه سيلاحظ أن ما يسخر له في الكون في كل مرحلة إنما يلائم احتياجات عصره ويوافقها، وسيعلم أن كل شيء بقدر، وإلا فلينظر إلى منتجات هذا العصر، ويبحث عنها نفسها في القرون الماضية، ويقارن مدى احتياج الناس إليها في كل زمان؛ ليعلم أنها لم تظهر إلا عندما احتيج إليها.

ولو تأمل ما سُخِّر له من مخلوقات على وجه الأرض ينتفع بها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، للاحظ أن كل شيء غالبًا يصب في مصالحه من ضرورات وحاجات، وكذلك في مصالحه التكميلية المتعلقة بسعة العيش ورفاهية النفس، بل إنه سيلاحظ عمومًا:

1- الاتساق الشامل بين أفراد العالم والتناغم بين جزئياته.
2- العناية التامة بكل صغير وكبير، فأسباب الحياة متوفرة لكل مخلوق على نحو معجز.
3- أن غالب ما في الكون مسخر لخدمة الإنسان ومحقق لمنافعه.

وهذه الأمور لا تحتاج إلى استدلال، بل هي أمور مشاهدة داخلة تحت إدراك الحس، يعلمها كل أحد، ونحن في غنًى عن ذكر شواهدها، ولذلك فهي أيضًا مما يلفت القرآن النظر إليه؛ لأنها تمثل طريقًا سهلًا يمكن من خلاله أن يجيب الإنسان عن الأسئلة الكبرى التي تواجهه.
وكلما تحرك العلم للأمام كان في ذلك تأكيدٌ وكشفٌ لما هو خافٍ من مظاهر هذه العناية الإلهية؛ فالحسابات الدقيقة تؤكد أن الأرض التي نعيش عليها لو اختلفت عما هي عليه من صفات كالحجم والمسافة بينها وبين الكواكب والنجوم لاستحالت الحياة.

إن هذا الخلق المحكم المتقن، وهذا النظام البديع الرائع الذي يشمل العالم، وهذه العناية التامة -بكل كبيرة وصغيرة- لا يمكن أن تصنعه الصدفة العمياء، ولا يمكن أن يصدر إلا عن علم وحكمة وتدبير، فإذا نظر الإنسان في ذلك النظام العجيب الموجه توجيهًا خاصًّا، فإنه سرعان ما ينتقل للسؤال عن أسبابه وعن أسباب هذه الأسباب، وحيث إن كل ما يصل إليه الفكر والنظر من أسباب مهما كانت درجة بعدها عن الظاهرة هي حادثة ومتحولة ومحتاجة إلى علة أخرى، فمن الضروري للعقل إذن أن يتحرى أسبابًا أخرى فوق المشهود والمحسوس حتى يصل إلى الْمُسبِّب الأول الموجود بذاته، وهو الله سبحانه وتعالى مُسبب الأسباب.

ومن الخطأ المنهجي أن يسحب العقل العملية البحثية نفسها على الله فيبحث عن علة لوجود الله؛ لأن الذي يطمئن إليه العقل أن مُسبب العالم خارج عن حقيقة العالم مخالف له لا تسري عليه القوانين التي تحكم العالم، ولو سرى عليه ما يسري على العالم لم يستحق أن يكون إلهًا للعالم، وساعتها يعود البحث عن المسبب الأول الخارج عن العالم، ولن يجد العقل مفرًّا من أن يثبت له الأزلية المطلقة التي يستحقها بالفعل من عَظُمَت قدرته حتى أبدع هذا الكون، فالخط الفاصل بين العقل المؤمن والعقل الملحد هو الاقتناع بمخالفة المؤثر للأثر ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، وأنه لا تجري عليه أحكام مصنوعاته، وفقدان هذا الاعتقاد يجر إلى الإنكار؛ لأن سلسلة الحوادث حينئذ لن تتوقف، فنعود مرة أخرى إلى الخلق العجيب في السماء والأرض، الذي لا يحيط به عقل، ليتجدد السؤال عن صانعه.

إن قضية الإيمان يقف خلفها قاعدتان مبناهما على النظر في المخلوقات؛ إحداهما: "أن كل أثر يدل على مؤثر"، والأخرى: "أن المؤثر قطعًا خارجٌ عن الأثر غير محكوم بقوانينه"؛ فليس بعد النظر في المخلوقات إلا الإيمان بالإله الأعظم الله سبحانه وتعالى، والإيمان بأنه ليس كمثله شيء.
المراجع:
• "الدين" للشيخ عبد الله دراز.
• "الدين والعلم" للمشير أحمد عزت.
• "البراهين العقلية والنقلية" لـ أ.د/ عبد العزيز سيف النصر.
 

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;