إتمام النعمة بإرسال الرسل

 إن كل شيء في الكون يهدي إلى الله تعالى، ولو أن الإنسان تُرك وفطرته التي يولد بها لاهتدى إلى الحق من أقرب طريق.
وقد ميز الله تعالى النوع الإنساني بالعقل المفكر والنفس الملهمة التي هي الفطرة السليمة. وإن العقل الواعي مع الفطرة السليمة عند عدم العوائق لديهما القدرة على الوصول إلى الله تعالى والتسليم له والإيمان به.
ولكن الواقع أن العقل انحرف في طريق الإيمان؛ فاتجه بعض الناس إلى عبادة الأوثان والأصنام، واتجه بعضهم إلى عبادة النجوم والكواكب، وعبَدَ بعضُهم الحيوانات والأشجارَ وكثيرًا من مظاهر الطبيعة، وكان هذا أكبر انحراف وقعت فيه الإنسانية.
من أجل هذا كان من تمام نعمة الله على الإنسان أن أرسل الأنبياء والرسل ليأخذوا بيد الإنسان إلى الله تعالى من غير عناء فكر ولا تكلف نظر، ولم يكن هذا الإرسال واجبًا أبدًا على الله، بل هو جائزٌ في حقه سبحانه وتعالى كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة، وبخاصة بعدما نصب الأدلة العقلية على وجوده، ولأنه الإله الأعظم والرب الحكيم فالكون بأسره مُلْكه يفعل فيه ما يشاء، ولا يجب عليه شيء.
أرسل الله الرسل وأيدهم بقدرته المطلقة حتى لا يتجاسر أحد من الأدعياء على هذا المقام. وكان التأييد لهم بالمعجزات الحسية والمعنوية إظهارًا لصدقهم.
وأن يختار الله تعالى رجلًا من خلقه ويجعله واسطة بينه وبينهم ليس أمرًا بعيدًا عن القبول العقلي، ولن يخرق الله العادة ويقلب النظام الكوني المطرد لرجل يدعي كذبًا أنه رسول الله، إن ذلك لا يكون إلا للصادقين.
نعم، لقد أيد الله تعالى الرسل بالمعجزات حينما تحداهم أقوامهم، فقلب الله تعالى نظام العادة في بعض جزئياته تأييدًا لرسله؛ وذلك لأن المنكرين للرسل صنفان: صنف يكذب وجود الله وينكره بالكلية، وصنف آخر -وهو الأكثر- يصدق بوجود الله لكن يكذب الرسل.
فإذا كان المنكرون يكذبون وجود الله أصلًا، ويقولون إن الكون يسير بنظام ذاتي لا يتخلف ولا وجود فيه للإله ولا تدعو حاجة إلى وجوده، فإن التأييد للرسل يكون بقلب النظام؛ ليعلم المنكرون أن النظام مخلوق، واقع تحت تأثير إرادة الله، لا حول له ولا قوة.
وإذا كان المنكرون يكذبون الرسول في دعواه، فالتأييد من الله يكون بشيء لا يقدر عليه إلا الله، حتى يصدقوا أن هذا الرجل رسول لله عز وجل.
لقد خرق الله تعالى العادة للنبي إبراهيم عليه السلام؛ فأُدخل ظلمًا النار ولم يحترق، وخرقها للنبي موسى عليه السلام؛ فانفلق له البحر وانفجر الحجر وارتفع الجبل وانقلبت العصا حية تسعى، وخرق الله العادة للنبي عيسى عليه السلام؛ فأحيا له الموتى وأبرأ له ذوي العاهات، وكانت كلها معجزات حسية وقتية تنتهي بانتهاء دعوة النبي، وكل نبي من هؤلاء وغيرهم قد أقام على قومه -قبل المعجزة- من الحجج العقلية والمعنوية ما يكفي لإقناعهم لو صدقوا.
وكذلك خرق الله تعالى العادة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فأنزل عليه القرآن بكل ما فيه من وجوه الإعجاز، وحفظ له القرآن في زمنه وفي الأزمان التي تليه حتى عصرنا هذا؛ لا يأتيه الباطل ولا يناله التحريف. فكانت معجزة حسية ومعنوية مناسبة لشمول دعوته واستمرارها إلى نهاية الدنيا. فلا يوجد كتاب على وجه الأرض حوى ما حواه القرآن ولا حُفِظ مثلما حفظ القرآن. فلا يزال كما أنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ليس في صحته أدنى شك، ولم يستطع أحد أن يناظره أو يأتي بشي من مثله. واليوم هناك مئات الكليات والمراكز البحثية والعلمية والتعليمية في العالم لا هَمَّ لها إلا دراسة القرآن وخدمته من جميع النواحي الممكنة. بل إن المسلمين -صغيرهم قبل كبيرهم- يتقربون إلى الله بحفظه. إنه محور حضارة الإسلام.
إن هذا التأييد الإلهي بخرق العادات ينزل منزلة ما جاء في الأثر: "صدق عبدي في كل ما يبلغ عني؛ فاتبعوه"، وإلا فأيُّ عقل يُجَوِّزُ أن يؤيد الله تعالى من ادعى النبوة كذبًا ويصدقه في ادعائه ويحفظ كتابه ويُكَثِّر تابعيه يومًا بعد يوم عبر القرون المتطاولة!!
المراجع:
- "البراهين العقلية والنقلية على العقائد الإيمانية" لفضيلة أ.د/ عبد العزيز سيف النصر.
- "تحفة النبلاء من قصص الأنبياء" للحافظ ابن حجر العسقلاني.
- "المعجزة الكبرى القرآن" للإمام الشيخ محمد أبو زهرة.
- "الدين والعلم" للمشير أحمد عزت.

اقرأ أيضا

إتمام النعمة بإرسال الرسل

 إن كل شيء في الكون يهدي إلى الله تعالى، ولو أن الإنسان تُرك وفطرته التي يولد بها لاهتدى إلى الحق من أقرب طريق.
وقد ميز الله تعالى النوع الإنساني بالعقل المفكر والنفس الملهمة التي هي الفطرة السليمة. وإن العقل الواعي مع الفطرة السليمة عند عدم العوائق لديهما القدرة على الوصول إلى الله تعالى والتسليم له والإيمان به.
ولكن الواقع أن العقل انحرف في طريق الإيمان؛ فاتجه بعض الناس إلى عبادة الأوثان والأصنام، واتجه بعضهم إلى عبادة النجوم والكواكب، وعبَدَ بعضُهم الحيوانات والأشجارَ وكثيرًا من مظاهر الطبيعة، وكان هذا أكبر انحراف وقعت فيه الإنسانية.
من أجل هذا كان من تمام نعمة الله على الإنسان أن أرسل الأنبياء والرسل ليأخذوا بيد الإنسان إلى الله تعالى من غير عناء فكر ولا تكلف نظر، ولم يكن هذا الإرسال واجبًا أبدًا على الله، بل هو جائزٌ في حقه سبحانه وتعالى كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة، وبخاصة بعدما نصب الأدلة العقلية على وجوده، ولأنه الإله الأعظم والرب الحكيم فالكون بأسره مُلْكه يفعل فيه ما يشاء، ولا يجب عليه شيء.
أرسل الله الرسل وأيدهم بقدرته المطلقة حتى لا يتجاسر أحد من الأدعياء على هذا المقام. وكان التأييد لهم بالمعجزات الحسية والمعنوية إظهارًا لصدقهم.
وأن يختار الله تعالى رجلًا من خلقه ويجعله واسطة بينه وبينهم ليس أمرًا بعيدًا عن القبول العقلي، ولن يخرق الله العادة ويقلب النظام الكوني المطرد لرجل يدعي كذبًا أنه رسول الله، إن ذلك لا يكون إلا للصادقين.
نعم، لقد أيد الله تعالى الرسل بالمعجزات حينما تحداهم أقوامهم، فقلب الله تعالى نظام العادة في بعض جزئياته تأييدًا لرسله؛ وذلك لأن المنكرين للرسل صنفان: صنف يكذب وجود الله وينكره بالكلية، وصنف آخر -وهو الأكثر- يصدق بوجود الله لكن يكذب الرسل.
فإذا كان المنكرون يكذبون وجود الله أصلًا، ويقولون إن الكون يسير بنظام ذاتي لا يتخلف ولا وجود فيه للإله ولا تدعو حاجة إلى وجوده، فإن التأييد للرسل يكون بقلب النظام؛ ليعلم المنكرون أن النظام مخلوق، واقع تحت تأثير إرادة الله، لا حول له ولا قوة.
وإذا كان المنكرون يكذبون الرسول في دعواه، فالتأييد من الله يكون بشيء لا يقدر عليه إلا الله، حتى يصدقوا أن هذا الرجل رسول لله عز وجل.
لقد خرق الله تعالى العادة للنبي إبراهيم عليه السلام؛ فأُدخل ظلمًا النار ولم يحترق، وخرقها للنبي موسى عليه السلام؛ فانفلق له البحر وانفجر الحجر وارتفع الجبل وانقلبت العصا حية تسعى، وخرق الله العادة للنبي عيسى عليه السلام؛ فأحيا له الموتى وأبرأ له ذوي العاهات، وكانت كلها معجزات حسية وقتية تنتهي بانتهاء دعوة النبي، وكل نبي من هؤلاء وغيرهم قد أقام على قومه -قبل المعجزة- من الحجج العقلية والمعنوية ما يكفي لإقناعهم لو صدقوا.
وكذلك خرق الله تعالى العادة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فأنزل عليه القرآن بكل ما فيه من وجوه الإعجاز، وحفظ له القرآن في زمنه وفي الأزمان التي تليه حتى عصرنا هذا؛ لا يأتيه الباطل ولا يناله التحريف. فكانت معجزة حسية ومعنوية مناسبة لشمول دعوته واستمرارها إلى نهاية الدنيا. فلا يوجد كتاب على وجه الأرض حوى ما حواه القرآن ولا حُفِظ مثلما حفظ القرآن. فلا يزال كما أنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ليس في صحته أدنى شك، ولم يستطع أحد أن يناظره أو يأتي بشي من مثله. واليوم هناك مئات الكليات والمراكز البحثية والعلمية والتعليمية في العالم لا هَمَّ لها إلا دراسة القرآن وخدمته من جميع النواحي الممكنة. بل إن المسلمين -صغيرهم قبل كبيرهم- يتقربون إلى الله بحفظه. إنه محور حضارة الإسلام.
إن هذا التأييد الإلهي بخرق العادات ينزل منزلة ما جاء في الأثر: "صدق عبدي في كل ما يبلغ عني؛ فاتبعوه"، وإلا فأيُّ عقل يُجَوِّزُ أن يؤيد الله تعالى من ادعى النبوة كذبًا ويصدقه في ادعائه ويحفظ كتابه ويُكَثِّر تابعيه يومًا بعد يوم عبر القرون المتطاولة!!
المراجع:
- "البراهين العقلية والنقلية على العقائد الإيمانية" لفضيلة أ.د/ عبد العزيز سيف النصر.
- "تحفة النبلاء من قصص الأنبياء" للحافظ ابن حجر العسقلاني.
- "المعجزة الكبرى القرآن" للإمام الشيخ محمد أبو زهرة.
- "الدين والعلم" للمشير أحمد عزت.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;