حقيقة رحلة الإسراء والمعراج والرد على من أنكرها

ما هو الإسراء والمعراج؟ وما الذي حدث في تلك الليلة مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ وكيف نرد على المعارضين والمنكرين لهذه الذكرى العطرة وأنها حدثت في اليقظة؟

ذهب جمهور العلماء من المحدثين والمتكلمين والفقهاء إلى أنّ رحلة الإسراء والمعراج حادثة وقعت حقيقةً لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحدثت يقظة بعطاءٍ من ربه جلّ وعلا وقدرته؛ حيث سار به يقظة ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وصلى فيه بالملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم عُرِج به صلى الله عليه وآله وسلم يقظة من المسجد الأقصى إلى السماوات العُلا، ومنها إلى المقام الأعلى.

وعُرِضت عليه صلى الله عليه وآله وسلم في تلك الليلة المباركة آيات مباركة منها:  الجنة؛ ليرى فيها ما أعده الله له ولأحبابه من الثواب والنعيم ليطمئن ويُبَشّر به المتقين، وكذلك عُرِضَتْ عليه صلى الله عليه وآله وسلم النار؛ ليشاهد فيها ما أعده الله تعالى لأعدائه من العذاب الأليم، لينذر به الكافرين والمشركين.

وفَرَضَ الله سبحانه وتعالى عليه وعلى أمته صلى الله عليه وآله وسلم في تلك الليلة المباركة خمسَ صلوات في اليوم والليلة، وخصَّه بمنح عظيمة لم تكن لأحد سواه من إخوانه الأنبياء عليهم جميعًا الصلاة والسلام.

وقد نص على ذلك الكتاب والسنة، وأجمع عليه الصحابة وغيرهم، وهذا مما لا ينبغي لأحد العدول عنه، ولم ينكره إلا المنحرفون المكابرون.

التفاصيل ....

ففي مثل هذه الأيام من كل عام تمر بالمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ذكرى محببة إلى قلوبهم هي: ذكرى الإسراء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المسجد الحرام الذي أمر الله بتطهيره للطائفين والعاكفين والركع السجود إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله، وذكرى العروج من بيت المقدس في فلسطين العزيزة إلى سدرة المنتهى فوق السماوات.

وفي هذا أنزل قول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1].

والإسراء: هو السير ليلًا، وإنما كان الإسراء ليلًا؛ لكمال الشرف، ومزيد الاحتفاء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإن الليل وقت الخلوة والصفاء، ووقت الاختصاص لأهل المودة والمحبة، فهذه الآية الكريمة تدل على إثبات أمرين عظيمين:

الأمر الأول: إثبات اليقظة التامة في مسراه صلى الله عليه وآله وسلم، ففي الآية الكريمة على ذلك ثلاثة أدلة:

الدليل الأول: قوله: ﴿سُبْحَانَ﴾ فهذه الكلمة العظيمة الإلهية تدل على أن الله قد منح رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أمرًا عظيمًا لم يمنح به أحدًا سواه ألا وهو الإسراء يقظة، فلو كان منامًا ما كان أمرًا عظيمًا، وما بُدِئَتْ هذا الآية العظيمة بكلمة التسبيح الذي لا يكون عادة إلا في الأمر العظيم الخطير، وما كان منحةَ خصوصية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فإن الإسراء منامًا يقع لكثير من الناس.

الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾؛ إذ العبد يطلق على الشخص بجزأيه الجسم والروح معًا، ولا يصح إطلاقه على أحد الجزأين، بدليل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: 1]، فالكتاب قد أنزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقظة نجومًا متفرقة، وقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى ۝ عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: 9-10]، فالصلاة وقعت من النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقظة، وأبو جهل نهاه يقظة، فكذلك الإسراء وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم يقظة لا محالة.

الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾، فهذه مسافة حِسِّيَّة مبدوءة بكلمة "مِن" ومنتهية بكلمة "إلى"، والمسافات الحِسِّيَّة لا يقطعها إلا الجسم والروح معًا.

الأمر الثاني: إثبات السرعة، ففي الآية على ذلك دليل وهو قوله تعالى: ﴿لَيْلًا﴾ بلفظ التنكير الدال على تقليل مدة السير الصادقة بأقل جزء من الليل.

الآية الثانية من سورة الإسراء أيضًا وهي: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاس﴾ [الإسراء: 60]، فالرؤيا بالألف هي: المنامية، وقد تكون بصرية كما في هذه الآية، والرؤية بالتاء هي: البصرية وقد تكون منامية، وعلى هذا: فلا مجاز، وأما على القول بأن الرؤية هي: البصرية، والرؤيا هي: المنامية ففي الآية مجاز؛ لأن ما وقع للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لـمَّا كان أمرًا عظيمًا خارقًا للعادة خصوصًا وقد وقع ليلًا أشبه المنام، فعبر عنه بالرؤيا مجازًا، ولا عيب في استعمال المجاز، وربما كان أبلغ من الحقيقة، ولذا وقع كثيرًا في كلام العرب وفي القرآن للبلاغة والإعجاز، ﴿الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ أي: أريناكها عيانًا ليلة الإسراء والمعراج، فرأى ما رأى من عجائب الأرض والسماوات، ﴿إِلَّا فِتۡنَةً لِّلنَّاسِ﴾ وهم أهل مكة، وقد وقعت الفتنة؛ إذ البعض كَذَّبه ورماه بالسحر، والبعض ارتدَّ عن دينه لـمَّا أخبرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنها رؤية بصرية، فيستدل بهذه الآية الكريمة على يقظته في مسراه وعروجه، إذ لو كانت منامية لأخبرهم بذلك وصدقوه وما قال الله تعالى: ﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاس﴾، وما افتتن بها أحد، وما كانت معجزة؛ فإن الفاسق يرى في المنام أنه طائر في الهواء أو أنه اخترق السماء أو غير ذلك مما هو خارق للعادة، وفي الصباح يخبر إخوانه بما رأى فلا يجد منهم إلا تصديقًا، ولم ينكر عليه أحد، فمن باب أولى تصديق مَن اشتهر بالصدق، فتكذيبهم هذا الخبر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كفرٌ وعنادٌ ودليلٌ واضح على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبرهم بأنها رؤية بصرية وإلا ما كذبه أهله صلى الله عليه وآله وسلم.

الآية الثالثة: من سورة النجم قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ۝ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ۝ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ۝ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ۝ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: 11-15].

﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾: فؤاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

﴿مَا رَأَى﴾: الذي رآه ببصره وهو جبريل عليه السلام على صورته التي خلق عليها وهو في السماء الرابعة، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم في الأرض.

﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾: أفتجادلونه.

﴿عَلَى مَا يَرَى﴾: والخطاب للمشركين المنكرين للرؤية ولا قيمة لإنكارهم، وسبب هذه الرؤية هو أنَّ جبريل عليه السلام كان من عادته أن ينزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أحيانًا كصلصلة الجرس، وأحيانًا في صورة دحية الكلبي الصحابي رضي الله عنه، فتاقت نفسه صلى الله عليه وآله وسلم أن يراه على صورته التي خُلِقَ عليها، فطلب منه ذلك فوعده بحراء -اسم جبل بمكة-، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتعبد فيه، فلما أنجز وعده ورآه قد سدّ الأفق، أفق الشمس المعبَّر عنه في سورة [النجم: 7]: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾، وفي سورة [التكوير: 20]: ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ خرَّ مغشيًّا عليه، فنزل عليه جبريل وجسمه يتنقل شيئًا فشيئًا إلى أن صار كدحية الكلبي.

﴿ثُمَّ دَنَا﴾: قرب منه.

﴿فَتَدَلَّى﴾: هبط وزاد في القرب فكان منه على مسافة كان قدرها: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾، وفي مساحة قليلة يكنى بها عن شدة القرب وكمال الاتصال، أي: صار جبريل يتقرب منه شيئًا إلى أن كان منه على قدر هذه المسافة ﴿أَوْ أَدْنَى﴾، أي: بل أقرب منه قربًا يزيل الالتباس، ويحقق اجتماعه بحضرة جبريل عليه السلام؛ حتى استأنس به وأفاق من غشيته، ولقد أقسم الرب جلَّ جلاله، على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى جبريل رؤية بصرية على صورته الأصلية مرة ثانية بقوله سبحانه: في سورة النجم أيضًا فقال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ۝ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ۝ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ أي: رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم جبريل عليه السلام على صورته التي خلق عليها رؤية بصرية مرة ثانية عند سدرة المنتهى لما عرج به إلى السماوات العلى، عند جنة المأوى: التي تأوي إليها أرواح الأنبياء والمتقين والشهداء والصالحين، ولقد أقسم الله جلَّ جلاله في المرة الثانية دون الأولى اهتمامًا بشأنها. ويستدل بهذه الآية العظيمة على إثبات أمرين عظيمين:

الأول: إثبات اليقظة التامة في عروجه صلى الله عليه وآله وسلم، ففي الآية على ذلك دليل وهو قوله تعالى: ﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾؛ إذ لو لم تكن الرؤية الثانية بصرية مثل الأولى ما صحّ قوله: ﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾؛ لاختلاف جهة الرؤية.

الأمر الثاني: إثبات العروج: ففي الآية دليل على ذلك وهو قوله تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾، فكلمة "عند" ظرف يفيد أن الرائي والمرئي في مكان واحد، وإلا لقال تعالى: بسدرة المنتهى، مثل ما قال في الرؤية الأولى: ﴿بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾، و﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾، ويُعَزِّزُ العروج قوله تعالى: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾.

ولقد وردت في الإسراء والمعراج أحاديث كثيرة منها: ما ورد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «لَمَّا كَذَّبَتْنِى قُرَيْشٌ قُمْتُ في الْحِجْرِ فَجَلاَ اللهُ لي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ»، هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، ومعنى هذا الحديث أن قريشًا لما كذَّبت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وطلبوا منه وصف بيت المقدس، وَصِفَةَ المقدس، ولم يكن الرسول قد رآه من قبل، فشرع يصفه لهم واشتبه عليه باقي الوصف، وسألوه عن أشياء لم يثبتها، وكَرُبَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك كربًا لم يره قط، فرفع الله له بيت المقدس ونقله إليه ووضعه بين يديه، فأخذ يخبرهم عن آياته وعلاماته وأوضاعه وأوصافه وهو ينظر إليه بعيني رأسه، وسألوه عن أبوابه؟ فأخذ يَعُدُّهَا بابًا بابًا، ولم ينظره أحد سواه. فيستدل بهذا الحديث الشريف على يقظة؛ إذ لو كان نائمًا ما أخبر النبي بهذا الحديث وما كذبه أحد قط.

والحديث الثاني: عند الشيخين البخاري ومسلم -وزيادة بمسند البزار-: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، فَرَكِبْتُهُ، فَسَارَ بِي حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَرَبَطْتُ الدَّابَّةَ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الأَنْبِيَاءُ، قَالَ: ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجْتُ، فَجَاءَني جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ. فَقَالَ جِبْرِيلُ صلى الله عليه وسلم: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. قيل: مرحبًا به وأهلًا حيَّاه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ عليه السلام..» إلى آخر الحديث، فقد ذكرت فيه القصة الشريفة مختصرة، وقد تكررت فيه كلمات الاستفتاح والترحيب في كل سماء.

ورد هذا الحديث أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنهما، ويستدل بهذا على أن الإسراء والمعراج حَدَثَا معًا؛ بدليل إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنهما في حديث واحد، إذ لو كانا على انفراد لكان لكلّ منهما حديث مستقل، ويستدل به على يقظته فيها بدليل الاستفتاح والترحيب في كل سماء.

ويتضح من هذا أن الإسراء والمعراج وقعا يقظة مرة واحدة في عمره صلى الله عليه وآله وسلم في ليلة واحدة، وفيها فرضت الصلاة، وحيث إن القرآن العظيم قد نصَّ على الإسراء يقظة نصًّا صريحًا فإنكاره كفر وعناد، ونصَّ على المعراج بالتأويل -التفسير- فإنكاره فسق وضلال.

والحكمة في إسرائه صلى الله عليه وآله وسلم إلى المسجد الأقصى -ولم يكن العروج من مكة- هي:

أولًا: لإظهار الحق على من عاند؛ لأنه لو عرج به من مكة لم يجد لمعاندة الأعداء سبيلًا إلى البيان والإيضاح.

ثانيًا: لأن بيت المقدس هو أقرب موضوع من الأرض إلى باب السماء الدنيا وليكون العروج عموديًّا لا اعوجاج فيه؛ لِمَا روي أن باب السماء الدنيا الذي هو مصعد الملائكة مُحَاذٍ لبيت المقدس.

ثالثًا: لِيُرِيَهُ رَبُّهُ سبحانه وتعالى القبلة التي يصلي إليها -صخرة بيت المقدس-؛ كما عرف الكعبة التي ستحول إليها القبلة.

رابعًا: لأنَّ بيت المقدس مجمع أرواح الأنبياء فأراد الله سبحانه وتعالى أن يشرفهم بزيارته لهم صلى الله عليه وآله وسلم.

خامسًا: لأن أرض الشام هي أرض المحشر، فأراد الله تعالى أن يطأها قدمه الشريف؛ ليسهل على أمته الوقوف يوم الحشر ببركة أثر قدمه الشريف صلى الله عليه وآله وسلم.

سادسًا: لأن المسجد الأقصى من المساجد الثلاثة التي لا تُشَدُّ الرحال شرعًا إلا إليها، وهي: المسجد الحرام؛ لأنه موضع ولادته وتربيته ونبوته صلى الله عليه وآله وسلم، ومسجد المدينة؛ لأنه موضع هجرته وتربته صلى الله عليه وآله وسلم، والمسجد الأقصى؛ لأنه ثالث الحرمين وأولى القبلتين، وإليه الإسراء، ومنه العروج إلى السماء.

والحكمة في إسرائه صلى الله عليه وآله وسلم على البراق ولم يكن الإسراء على جناح الملائكة؛ كما كانت الأنبياء قبله أو على الريح كما كانت تحمل سيدنا سليمان عليه السلام أو الخطوة كطي الزمان والمكان كما يقع من الأولياء، وكان على البراق؛ ليطلع صلى الله عليه وآله وسلم على الآيات التي مُثِّلَت له في الطريق، وليتضمن أمرًا عجيبًا، ولا عجب في حمل الملائكة أو الريح أو الخطوة بالنسبة إلى قطع هذه المسافة بخلاف قطعها على دابة صغيرة؛ كالبراق، خصوصًا وقد عَظَّمَتْهُ الملائكة بما هو أعظم من حمله على أجنحتها؛ إذ كان الآخذ بالركاب هو جبريل عليه السلام، والآخذ بالزمام ميكائيل عليه السلام وهما أكبر الملائكة، فاجتمع له صلى الله عليه وآله وسلم حمل البراق، وما هو كحمل البراق من الملائكة، وهذا أتم في الحفاوة وأبلغ في الشرف.

والحكمة في صعوده صلى الله عليه وآله وسلم على المعراج لم يكن العروج على أجنحة الملائكة كغيره من الأنبياء وكان على المعراج؛ لتضمنه أمرًا عجيبًا وهو سقوط مراقيه الواحدة بعد الأخرى ليضع النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدمه عليها فترتفع به إلى محلّها، فيقطع تلك المسافة في أقرب من طرفة عين، ولقد رافقه في المعراج جبريل عليه السلام؛ ليستأنس به، وليكون ذلك أتمّ وأبلغ في الحفاوة والشرف.

وبعد هذا الاستعراض: يظهر جليًّا أنه صلى الله عليه وآله وسلم أُسْرِيَ به يقظة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وصلَّى فيه بالملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم عَرَجَ به صلى الله عليه وآله وسلم يقظة من المسجد الأقصى إلى الرفيق الأعلى، وعُرِضَت عليه صلى الله عليه وآله وسلم في تلك الليلة المباركة الجنة؛ ليرى فيها ما أعدَّه الله له ولأحبابه من الثواب والنعيم ليطمئن ويبشر به المتقين، وكذلك عُرِضَتْ عليه صلى الله عليه وآله وسلم النار؛ ليشاهد فيها ما أعده الله تعالى لأعدائه من العذاب الأليم لينذرَ به الكافرين والمشركين، ليزداد طمأنينة وسرورًا، ورأى ما رأى من آياته ربه الكبرى؛ كصورة جبريل التي خلق عليها وله (600) جناح، والسدرة وما غشيها من أمر الله ما غشيها، وشاهد ربه جل وعلا عيانًا بغير ارتسام ولا اتصال شعاع، وكلَّمه شِفَاهًا بلا واسطة ولا حجاب: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ۝ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: 10-11].

ولقد فرض الله سبحانه وتعالى عليه وعلى أمته صلى الله عليه وآله وسلم في تلك الليلة المباركة خمس صلوات في اليوم والليلة كلّ صلاة بعشر أي: بثواب خمسين صلاة في اليوم والليلة، وخصَّه بمنح عظيمة لم تكن لأحد سواه من إخوانه الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء المحدثين والمتكلمين والفقهاء، وتواردت عليه ظواهر الأنباء الصحيحة، فلا ينبغي لأحد العدول عنه خصوصًا وقد نص على ذلك الكتاب والسنة، وأجمع عليه الصحابة وغيرهم، ولم يُنكِرْهُ إلا الملحدون المعارضون الذين ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: 8].

وفقنا الله لما فيه الخير والنفع العميم، وهدانا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، آمين، وصلاة وسلامًا على نبينا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين، من حَبَاه الله وأكرمه بالإسراء والمعراج وسلم تسليمًا كثيرًا.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

حقيقة رحلة الإسراء والمعراج والرد على من أنكرها

ما هو الإسراء والمعراج؟ وما الذي حدث في تلك الليلة مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ وكيف نرد على المعارضين والمنكرين لهذه الذكرى العطرة وأنها حدثت في اليقظة؟

ذهب جمهور العلماء من المحدثين والمتكلمين والفقهاء إلى أنّ رحلة الإسراء والمعراج حادثة وقعت حقيقةً لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحدثت يقظة بعطاءٍ من ربه جلّ وعلا وقدرته؛ حيث سار به يقظة ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وصلى فيه بالملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم عُرِج به صلى الله عليه وآله وسلم يقظة من المسجد الأقصى إلى السماوات العُلا، ومنها إلى المقام الأعلى.

وعُرِضت عليه صلى الله عليه وآله وسلم في تلك الليلة المباركة آيات مباركة منها:  الجنة؛ ليرى فيها ما أعده الله له ولأحبابه من الثواب والنعيم ليطمئن ويُبَشّر به المتقين، وكذلك عُرِضَتْ عليه صلى الله عليه وآله وسلم النار؛ ليشاهد فيها ما أعده الله تعالى لأعدائه من العذاب الأليم، لينذر به الكافرين والمشركين.

وفَرَضَ الله سبحانه وتعالى عليه وعلى أمته صلى الله عليه وآله وسلم في تلك الليلة المباركة خمسَ صلوات في اليوم والليلة، وخصَّه بمنح عظيمة لم تكن لأحد سواه من إخوانه الأنبياء عليهم جميعًا الصلاة والسلام.

وقد نص على ذلك الكتاب والسنة، وأجمع عليه الصحابة وغيرهم، وهذا مما لا ينبغي لأحد العدول عنه، ولم ينكره إلا المنحرفون المكابرون.

التفاصيل ....

ففي مثل هذه الأيام من كل عام تمر بالمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ذكرى محببة إلى قلوبهم هي: ذكرى الإسراء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المسجد الحرام الذي أمر الله بتطهيره للطائفين والعاكفين والركع السجود إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله، وذكرى العروج من بيت المقدس في فلسطين العزيزة إلى سدرة المنتهى فوق السماوات.

وفي هذا أنزل قول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1].

والإسراء: هو السير ليلًا، وإنما كان الإسراء ليلًا؛ لكمال الشرف، ومزيد الاحتفاء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإن الليل وقت الخلوة والصفاء، ووقت الاختصاص لأهل المودة والمحبة، فهذه الآية الكريمة تدل على إثبات أمرين عظيمين:

الأمر الأول: إثبات اليقظة التامة في مسراه صلى الله عليه وآله وسلم، ففي الآية الكريمة على ذلك ثلاثة أدلة:

الدليل الأول: قوله: ﴿سُبْحَانَ﴾ فهذه الكلمة العظيمة الإلهية تدل على أن الله قد منح رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أمرًا عظيمًا لم يمنح به أحدًا سواه ألا وهو الإسراء يقظة، فلو كان منامًا ما كان أمرًا عظيمًا، وما بُدِئَتْ هذا الآية العظيمة بكلمة التسبيح الذي لا يكون عادة إلا في الأمر العظيم الخطير، وما كان منحةَ خصوصية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فإن الإسراء منامًا يقع لكثير من الناس.

الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾؛ إذ العبد يطلق على الشخص بجزأيه الجسم والروح معًا، ولا يصح إطلاقه على أحد الجزأين، بدليل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: 1]، فالكتاب قد أنزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقظة نجومًا متفرقة، وقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى ۝ عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: 9-10]، فالصلاة وقعت من النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقظة، وأبو جهل نهاه يقظة، فكذلك الإسراء وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم يقظة لا محالة.

الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾، فهذه مسافة حِسِّيَّة مبدوءة بكلمة "مِن" ومنتهية بكلمة "إلى"، والمسافات الحِسِّيَّة لا يقطعها إلا الجسم والروح معًا.

الأمر الثاني: إثبات السرعة، ففي الآية على ذلك دليل وهو قوله تعالى: ﴿لَيْلًا﴾ بلفظ التنكير الدال على تقليل مدة السير الصادقة بأقل جزء من الليل.

الآية الثانية من سورة الإسراء أيضًا وهي: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاس﴾ [الإسراء: 60]، فالرؤيا بالألف هي: المنامية، وقد تكون بصرية كما في هذه الآية، والرؤية بالتاء هي: البصرية وقد تكون منامية، وعلى هذا: فلا مجاز، وأما على القول بأن الرؤية هي: البصرية، والرؤيا هي: المنامية ففي الآية مجاز؛ لأن ما وقع للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لـمَّا كان أمرًا عظيمًا خارقًا للعادة خصوصًا وقد وقع ليلًا أشبه المنام، فعبر عنه بالرؤيا مجازًا، ولا عيب في استعمال المجاز، وربما كان أبلغ من الحقيقة، ولذا وقع كثيرًا في كلام العرب وفي القرآن للبلاغة والإعجاز، ﴿الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ أي: أريناكها عيانًا ليلة الإسراء والمعراج، فرأى ما رأى من عجائب الأرض والسماوات، ﴿إِلَّا فِتۡنَةً لِّلنَّاسِ﴾ وهم أهل مكة، وقد وقعت الفتنة؛ إذ البعض كَذَّبه ورماه بالسحر، والبعض ارتدَّ عن دينه لـمَّا أخبرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنها رؤية بصرية، فيستدل بهذه الآية الكريمة على يقظته في مسراه وعروجه، إذ لو كانت منامية لأخبرهم بذلك وصدقوه وما قال الله تعالى: ﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاس﴾، وما افتتن بها أحد، وما كانت معجزة؛ فإن الفاسق يرى في المنام أنه طائر في الهواء أو أنه اخترق السماء أو غير ذلك مما هو خارق للعادة، وفي الصباح يخبر إخوانه بما رأى فلا يجد منهم إلا تصديقًا، ولم ينكر عليه أحد، فمن باب أولى تصديق مَن اشتهر بالصدق، فتكذيبهم هذا الخبر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كفرٌ وعنادٌ ودليلٌ واضح على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبرهم بأنها رؤية بصرية وإلا ما كذبه أهله صلى الله عليه وآله وسلم.

الآية الثالثة: من سورة النجم قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ۝ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ۝ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ۝ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ۝ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: 11-15].

﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾: فؤاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

﴿مَا رَأَى﴾: الذي رآه ببصره وهو جبريل عليه السلام على صورته التي خلق عليها وهو في السماء الرابعة، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم في الأرض.

﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾: أفتجادلونه.

﴿عَلَى مَا يَرَى﴾: والخطاب للمشركين المنكرين للرؤية ولا قيمة لإنكارهم، وسبب هذه الرؤية هو أنَّ جبريل عليه السلام كان من عادته أن ينزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أحيانًا كصلصلة الجرس، وأحيانًا في صورة دحية الكلبي الصحابي رضي الله عنه، فتاقت نفسه صلى الله عليه وآله وسلم أن يراه على صورته التي خُلِقَ عليها، فطلب منه ذلك فوعده بحراء -اسم جبل بمكة-، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتعبد فيه، فلما أنجز وعده ورآه قد سدّ الأفق، أفق الشمس المعبَّر عنه في سورة [النجم: 7]: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾، وفي سورة [التكوير: 20]: ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ خرَّ مغشيًّا عليه، فنزل عليه جبريل وجسمه يتنقل شيئًا فشيئًا إلى أن صار كدحية الكلبي.

﴿ثُمَّ دَنَا﴾: قرب منه.

﴿فَتَدَلَّى﴾: هبط وزاد في القرب فكان منه على مسافة كان قدرها: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾، وفي مساحة قليلة يكنى بها عن شدة القرب وكمال الاتصال، أي: صار جبريل يتقرب منه شيئًا إلى أن كان منه على قدر هذه المسافة ﴿أَوْ أَدْنَى﴾، أي: بل أقرب منه قربًا يزيل الالتباس، ويحقق اجتماعه بحضرة جبريل عليه السلام؛ حتى استأنس به وأفاق من غشيته، ولقد أقسم الرب جلَّ جلاله، على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى جبريل رؤية بصرية على صورته الأصلية مرة ثانية بقوله سبحانه: في سورة النجم أيضًا فقال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ۝ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ۝ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ أي: رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم جبريل عليه السلام على صورته التي خلق عليها رؤية بصرية مرة ثانية عند سدرة المنتهى لما عرج به إلى السماوات العلى، عند جنة المأوى: التي تأوي إليها أرواح الأنبياء والمتقين والشهداء والصالحين، ولقد أقسم الله جلَّ جلاله في المرة الثانية دون الأولى اهتمامًا بشأنها. ويستدل بهذه الآية العظيمة على إثبات أمرين عظيمين:

الأول: إثبات اليقظة التامة في عروجه صلى الله عليه وآله وسلم، ففي الآية على ذلك دليل وهو قوله تعالى: ﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾؛ إذ لو لم تكن الرؤية الثانية بصرية مثل الأولى ما صحّ قوله: ﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾؛ لاختلاف جهة الرؤية.

الأمر الثاني: إثبات العروج: ففي الآية دليل على ذلك وهو قوله تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾، فكلمة "عند" ظرف يفيد أن الرائي والمرئي في مكان واحد، وإلا لقال تعالى: بسدرة المنتهى، مثل ما قال في الرؤية الأولى: ﴿بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾، و﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾، ويُعَزِّزُ العروج قوله تعالى: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾.

ولقد وردت في الإسراء والمعراج أحاديث كثيرة منها: ما ورد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «لَمَّا كَذَّبَتْنِى قُرَيْشٌ قُمْتُ في الْحِجْرِ فَجَلاَ اللهُ لي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ»، هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، ومعنى هذا الحديث أن قريشًا لما كذَّبت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وطلبوا منه وصف بيت المقدس، وَصِفَةَ المقدس، ولم يكن الرسول قد رآه من قبل، فشرع يصفه لهم واشتبه عليه باقي الوصف، وسألوه عن أشياء لم يثبتها، وكَرُبَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك كربًا لم يره قط، فرفع الله له بيت المقدس ونقله إليه ووضعه بين يديه، فأخذ يخبرهم عن آياته وعلاماته وأوضاعه وأوصافه وهو ينظر إليه بعيني رأسه، وسألوه عن أبوابه؟ فأخذ يَعُدُّهَا بابًا بابًا، ولم ينظره أحد سواه. فيستدل بهذا الحديث الشريف على يقظة؛ إذ لو كان نائمًا ما أخبر النبي بهذا الحديث وما كذبه أحد قط.

والحديث الثاني: عند الشيخين البخاري ومسلم -وزيادة بمسند البزار-: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، فَرَكِبْتُهُ، فَسَارَ بِي حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَرَبَطْتُ الدَّابَّةَ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الأَنْبِيَاءُ، قَالَ: ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجْتُ، فَجَاءَني جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ. فَقَالَ جِبْرِيلُ صلى الله عليه وسلم: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. قيل: مرحبًا به وأهلًا حيَّاه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ عليه السلام..» إلى آخر الحديث، فقد ذكرت فيه القصة الشريفة مختصرة، وقد تكررت فيه كلمات الاستفتاح والترحيب في كل سماء.

ورد هذا الحديث أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنهما، ويستدل بهذا على أن الإسراء والمعراج حَدَثَا معًا؛ بدليل إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنهما في حديث واحد، إذ لو كانا على انفراد لكان لكلّ منهما حديث مستقل، ويستدل به على يقظته فيها بدليل الاستفتاح والترحيب في كل سماء.

ويتضح من هذا أن الإسراء والمعراج وقعا يقظة مرة واحدة في عمره صلى الله عليه وآله وسلم في ليلة واحدة، وفيها فرضت الصلاة، وحيث إن القرآن العظيم قد نصَّ على الإسراء يقظة نصًّا صريحًا فإنكاره كفر وعناد، ونصَّ على المعراج بالتأويل -التفسير- فإنكاره فسق وضلال.

والحكمة في إسرائه صلى الله عليه وآله وسلم إلى المسجد الأقصى -ولم يكن العروج من مكة- هي:

أولًا: لإظهار الحق على من عاند؛ لأنه لو عرج به من مكة لم يجد لمعاندة الأعداء سبيلًا إلى البيان والإيضاح.

ثانيًا: لأن بيت المقدس هو أقرب موضوع من الأرض إلى باب السماء الدنيا وليكون العروج عموديًّا لا اعوجاج فيه؛ لِمَا روي أن باب السماء الدنيا الذي هو مصعد الملائكة مُحَاذٍ لبيت المقدس.

ثالثًا: لِيُرِيَهُ رَبُّهُ سبحانه وتعالى القبلة التي يصلي إليها -صخرة بيت المقدس-؛ كما عرف الكعبة التي ستحول إليها القبلة.

رابعًا: لأنَّ بيت المقدس مجمع أرواح الأنبياء فأراد الله سبحانه وتعالى أن يشرفهم بزيارته لهم صلى الله عليه وآله وسلم.

خامسًا: لأن أرض الشام هي أرض المحشر، فأراد الله تعالى أن يطأها قدمه الشريف؛ ليسهل على أمته الوقوف يوم الحشر ببركة أثر قدمه الشريف صلى الله عليه وآله وسلم.

سادسًا: لأن المسجد الأقصى من المساجد الثلاثة التي لا تُشَدُّ الرحال شرعًا إلا إليها، وهي: المسجد الحرام؛ لأنه موضع ولادته وتربيته ونبوته صلى الله عليه وآله وسلم، ومسجد المدينة؛ لأنه موضع هجرته وتربته صلى الله عليه وآله وسلم، والمسجد الأقصى؛ لأنه ثالث الحرمين وأولى القبلتين، وإليه الإسراء، ومنه العروج إلى السماء.

والحكمة في إسرائه صلى الله عليه وآله وسلم على البراق ولم يكن الإسراء على جناح الملائكة؛ كما كانت الأنبياء قبله أو على الريح كما كانت تحمل سيدنا سليمان عليه السلام أو الخطوة كطي الزمان والمكان كما يقع من الأولياء، وكان على البراق؛ ليطلع صلى الله عليه وآله وسلم على الآيات التي مُثِّلَت له في الطريق، وليتضمن أمرًا عجيبًا، ولا عجب في حمل الملائكة أو الريح أو الخطوة بالنسبة إلى قطع هذه المسافة بخلاف قطعها على دابة صغيرة؛ كالبراق، خصوصًا وقد عَظَّمَتْهُ الملائكة بما هو أعظم من حمله على أجنحتها؛ إذ كان الآخذ بالركاب هو جبريل عليه السلام، والآخذ بالزمام ميكائيل عليه السلام وهما أكبر الملائكة، فاجتمع له صلى الله عليه وآله وسلم حمل البراق، وما هو كحمل البراق من الملائكة، وهذا أتم في الحفاوة وأبلغ في الشرف.

والحكمة في صعوده صلى الله عليه وآله وسلم على المعراج لم يكن العروج على أجنحة الملائكة كغيره من الأنبياء وكان على المعراج؛ لتضمنه أمرًا عجيبًا وهو سقوط مراقيه الواحدة بعد الأخرى ليضع النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدمه عليها فترتفع به إلى محلّها، فيقطع تلك المسافة في أقرب من طرفة عين، ولقد رافقه في المعراج جبريل عليه السلام؛ ليستأنس به، وليكون ذلك أتمّ وأبلغ في الحفاوة والشرف.

وبعد هذا الاستعراض: يظهر جليًّا أنه صلى الله عليه وآله وسلم أُسْرِيَ به يقظة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وصلَّى فيه بالملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم عَرَجَ به صلى الله عليه وآله وسلم يقظة من المسجد الأقصى إلى الرفيق الأعلى، وعُرِضَت عليه صلى الله عليه وآله وسلم في تلك الليلة المباركة الجنة؛ ليرى فيها ما أعدَّه الله له ولأحبابه من الثواب والنعيم ليطمئن ويبشر به المتقين، وكذلك عُرِضَتْ عليه صلى الله عليه وآله وسلم النار؛ ليشاهد فيها ما أعده الله تعالى لأعدائه من العذاب الأليم لينذرَ به الكافرين والمشركين، ليزداد طمأنينة وسرورًا، ورأى ما رأى من آياته ربه الكبرى؛ كصورة جبريل التي خلق عليها وله (600) جناح، والسدرة وما غشيها من أمر الله ما غشيها، وشاهد ربه جل وعلا عيانًا بغير ارتسام ولا اتصال شعاع، وكلَّمه شِفَاهًا بلا واسطة ولا حجاب: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ۝ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: 10-11].

ولقد فرض الله سبحانه وتعالى عليه وعلى أمته صلى الله عليه وآله وسلم في تلك الليلة المباركة خمس صلوات في اليوم والليلة كلّ صلاة بعشر أي: بثواب خمسين صلاة في اليوم والليلة، وخصَّه بمنح عظيمة لم تكن لأحد سواه من إخوانه الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء المحدثين والمتكلمين والفقهاء، وتواردت عليه ظواهر الأنباء الصحيحة، فلا ينبغي لأحد العدول عنه خصوصًا وقد نص على ذلك الكتاب والسنة، وأجمع عليه الصحابة وغيرهم، ولم يُنكِرْهُ إلا الملحدون المعارضون الذين ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: 8].

وفقنا الله لما فيه الخير والنفع العميم، وهدانا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، آمين، وصلاة وسلامًا على نبينا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين، من حَبَاه الله وأكرمه بالإسراء والمعراج وسلم تسليمًا كثيرًا.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;