حكم مخالفة المذهب الفقهي المستقر بإلزام ولي الأمر في بلد المستفتي

ما حكم مخالفة المذهب الفقهي المُسْتَقِرّ في بلدٍ مُعيَّن أو في مكانٍ مُعَيَّن؟ خاصة إذا كان هذا بإلزامٍ من ولي الأمر.

اجتماع أهل بلد على مذهبٍ مُعَيَّن فيه الحفاظ على وحدتهم الثقافية، والوقاية من التفرّق، والحدّ من التنازع، وهي مقاصدُ تُقام عليها الدول وتُصانُ بها مقدراتها، ويؤدي إلى استقرار الحقوق وانضباط المعاملات؛ خاصة في الأحكام الخلافية التي يترتب عليها ثبوتُ بعض الحقوق في قول وعدمُها في قول آخر، ولو ترك للناس أنْ يحكم كلٌّ منهم بما يراه، وأن يَتَخَيَّر ما يشتهي من الأقوال؛ لأدَّى ذلك إلى الاضطراب في كثير من الأحيان.

والالتزام بالمذهب الذي ألزمَ به الحاكم المواطنين في إقامة الشعائر الدينية ومزاولة التعاملات الدنيوية في المجتمع هو من الأدب الواجب؛ وذلك ضبطًا للنظام العام، وتوحيدًا للمرجعية، واستقرارًا للحقوق، وجمعًا للكلمة، فدار الإفتاء المصرية تفرق بين ما هو متعلق بالشأن العام ونظام الدول، وبين ما يقع فيه بعض الأفراد من الحاجة الداعية إلى الأخذ بالأيسر أو تقليد مَن يصحّح لهم أفعالهم، فيجوز لهم العمل بذلك، وتُحْمَل تصرفاتهم حينئذٍ على ما صحَّ من مذاهب المجتهدين ممَّن يقول بالحِلِّ والصحة؛ تيسيرًا عليهم ورفعًا للحرج عنهم؛ فإنَّ فقهاء المذاهب قد يتركون مذاهبهم في مسائل معينة ويعملون -في أنفسهم وفي الإفتاء لغيرهم- بالأقوال التي يرون أنها أكثر تحقيقًا لمقصود الحق، وأكثر مراعاة لمصالح الخلق.

التفاصيل ....

المذاهب الفقهية الإسلامية: مدارس علمية متعددة متكاملة، اجتهدت في فهم النصوص الشرعية وفق المقاصد المرعيَّة تحت سقف الإجماع واللغة، وهذه المذاهب هي أعظمُ مظهرٍ من مظاهر الرُّقِيِّ في الحضارة الإسلامية التي قامت على خدمة النصِّ الشرعيّ؛ نقلًا، وإسنادًا، وتوثيقًا، وتدوينًا، وكتابةً، وفهمًا، وتوظيفًا، وتطبيقًا؛ فكان النَّص في هذه الحضارة:

هو المنطلق: الذي منه البدء.

وهو المنتهى: الذي هو الغاية والقصد.

وهو المحور: الذي شُكِّلَت على وفقه الحضارة.

وهو المعيار: الذي به تقويم الحراك البشري والحضاري.

والمذاهب الفقهية تنوعٌ مؤصَّل، واختلافٌ متكامل، بدأ بانتشار الصحابة في البلدان، وإدراكهم لطبائعها وبيئاتها، وتفاعلهم مع أعرافها وعاداتها؛ حتى نتجت من ذلك المدارس الفقهية السُّنّية؛ بدءًا بمدرسة الرأي عند الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان في الكوفة، ثم مدرسة النص وعمل أهل المدينة عند إمام دار الهجرة مالك بن أنس، ثم مدرسة الجمع بينهما عند عالم قريش؛ الإمام الشافعي الذي ملأ الأرض علمًا، وانتهاء بمدرسة الحديث في بغداد عند إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رضي الله عنهم؛ فمذاهبهم إنَّما هي ضوابط لفهم الشريعة، ومسالك لاستنباط الأحكام من الوحي؛ حيث تفاعل كل إمام مع مقتضيات عصره وأعراف مصره، فجاء فقههم مُحقِّقًا لمصالح مجتمعاتهم، ومتلائمًا مع أعراف بيئاتهم في مختلف جوانب حياتهم، وطبَّقوا الأحكام تطبيقًا تَغيَّوْا فيه مقاصد الشرع ومصالح الخلق؛ فرأينا تنوع المذاهب على اختلاف الأقطار، واشتهر أهل كل بلدٍ بمذهبٍ مُعيَّن من المذاهب التي اتفقت الأمة الإسلامية على قبولها والعمل بها جيلًا بعد جيل.

قال الإمام الشعراني في "الميزان" (1/ 59، ط. عالم الكتب): [الشريعة كالشجرة العظيمة المنتشرة، وأقوال علمائها كالفروع والأغصان] اهـ، وقال (1/ 74): [الشريعة المُطهرة جاءت شريعةً سمحاءَ واسعةً شاملةً قابلةً لسائر أقوال أئمة الهُدى مِن هذه الأمة المُحمَّدية، وأنَّ كُلَّا منهم -فيما هو عليه في نفسه- على بصيرةٍ من أمره وعلى صراطٍ مستقيم، وأنَّ اختلافهم إنَّما هو رحمة بالأمة، نشأ عن تدبير العليم الحكيم] اهـ.

وقال الإمام القرافي في "الذخيرة" (1/ 140-141، ط. دار الغرب الإسلامي): [قال الزناتي: والمذاهبُ كلها مسالكٌ إلى الجنة، وطُرقٌ إلى السعادة، فمن سَلَكَ منها طريقًا وصَّله] اهـ.

وذلك كلّه من التيسير الذي جاءت به الشريعة للمُكلَّفين، وأسباب رفع الحرج عنهم؛ قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78].

وعن أَبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَم تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَۚ» أخرجه الإمام البخاري في "الصحيح".

وكما كان هذا من مظاهر التيسير في الشريعة الإسلامية، فإنه أيضًا من أسباب جمع الكلمة وائتلاف المجتمع ووحدة الصف؛ فإنَّ التزام أهل البلد الواحد بمذهب مُعَيَّن فيه تحقيقُ النظام ولزومُ الجماعة وتوحيدُ المرجعية؛ بالتزام أهله بما يُفْتِي به علماؤه الذين يرجعون إلى أصول مذهبهم وقواعده في تنزيل أحكامه ومسائله على وقائعهم ومستجداتهم، بما تقتضيه مصالح مجتمعاتهم، فصار المذهبُ جزءًا من ثقافة المجتمع الدينية؛ لتعلقه بكافة شؤون الإنسان من شعائر وعبادات، وعقود ومعاملات، وأعراف وعادات.

فاجتماع أهل بلد على مذهبٍ مُعَيَّن فيه الحفاظ على وحدتهم الثقافية، والوقاية من التفرق، والحدّ من التنازع، وهي مقاصدُ تُقام عليها الدول، وتُصانُ بها مقدراتها.

وقد حثَّ الشرع على وحدة الكلمة، وأكَّد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أهمية الوحدة، واجتناب الفُرْقَة في استجلاب عون الله تعالى وتوفيقه؛ فقال: «يَدُ اللهِ مع الجَماعةِ» رواه الترمذي وحسَّنه والنسائي في "سننهما" عن ابن عباس رضي الله عنهما.

وبيَّن صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ الاجتماعَ خيرٌ من الفرقة، وأن الائتلاف خيرٌ من الاختلاف؛ فقال: «فَإِذَا رَأَيْتُمُ اخْتِلَافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ» رواه ابن ماجه في "السنن".

كما أنَّ التزام أهل البلد بمذهب مُعَيَّنٍ ممَّا يؤدي إلى استقرار الحقوق وانضباط المعاملات؛ خاصة في الأحكام الخلافية التي يترتب عليها ثبوتُ بعض الحقوق في قولٍ وعدمُها في قول آخر، ولو ترك للناس أنْ يحكم كلٌّ منهم بما يراه، وأن يتخير ما يشتهي من الأقوال؛ لأدَّى ذلك إلى الاضطراب في كثير من الأحيان.

والأصل أنَّ العاميَّ لا مذهب له؛ بل مذهبه مذهب مفتيه، في بلده الذي يعيش فيه، والشرع الشريف لم يكلِّف العوامَّ إلّا سؤال أهل العلم؛ لعدم قدرتهم على استنباط الأحكام من أدلة الشريعة، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]، وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]؛ ولذلك أجمع العلماء على أنَّ للعامي تقليد مَا شاء مِن مذاهب العلماء:

قال الإمام القرطبي في تفسيره الـمُسمَّى "الجامع لأحكام القرآن" (11/ 272، ط. دار الكتب المصرية): [لم يختلف العلماء أنَّ العامة عليها تقليد علمائها، وأنهم المراد بقول الله عز وجل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾] اهـ.

وقال الإمام القرافي المالكي في "شرح تنقيح الفصول" (1/ 432-433، ط. الطباعة الفنية المتحدة): [قاعدة: انعقد الإجماعُ على أنَّ مَن أسلم فله أن يُقلِّد من شاء من العلماء بغير حَجْرٍ، وأجمع الصحابة رضوان الله عليهم على أنَّ من استفتى أبا بكر وعمر رضي لله عنهما أو قلدهما: فله أن يستفتي أبا هريرة ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما وغيرهما ويعمل بقولهم من غير نكير، فمَن ادَّعى رفع هذين الإجماعين فعليه الدليل] اهـ.

وتقرَّر عند العلماء فقهًا وأصولًا أنَّ العاميّ لا مذهبَ له؛ وإنَّما هو مُتَّبعٌ لمذهب أهل بلده، ومذهبُه حينئذٍ مذهب مُفتيه؛ إذ إنَّ العاميَّ ليس مؤهَّلًا للنظر في الأدلة، بل شأنه السؤال والاستفتاء، لا البحث والاستقصاء.

قال العلَّامة ابن نُجيم الحنفي في "البحر الرائق" (2/ 90، ط. دار الكتاب الإسلامي): [وإن كان عاميًّا ليس له مذهبٌ معينٌ: فمذهبه فتوى مُفتيه] اهـ.

وقال العلَّامة الشُّرُنبُلالي الحنفي -فيما نقله عنه ابن عابدين في "رد المحتار" عن (1/ 75، ط. دار الفكر)-: [فتحصَّلَ ممَّا ذكرناه: أنَّه ليس على الإنسان التزامُ مذهبٍ معين، وأنه يجوز له العمل بما يخالف ما عَمِلَه على مذهبه مقلدًا فيه غيرَ إمامه، مستجمِعًا شروطه، ويعمل بأمرين متضادين في حادثتين لا تَعلُّقَ لواحدةٍ منهما بالأخرى] اهـ.

وقال الإمام اللخمي المالكي في "التبصرة" (2/ 460، ط. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية): [إن كان بالبلد فقهاء ثلاثة، كل واحد منهم مُتَمَسِّك بقول منها ويرى غير رأي صاحبه وكلهم أهل للفتوى: جاز للعامي أن يُقَلِّد أيهم أحبّ] اهـ.

قال الإمام الزركشي الشافعي في "البحر المحيط" (8/ 380، ط. دار الكتبي): [وحكى الرافعي عن أبي الفتح الهروي أحد أصحاب الإمام أنَّ مذهب عامَّة أصحابنا: أنَّ العامي لا مذهب له] اهـ.

وقال العلَّامة البهوتي الحنبلي في "كشَّاف القناع" (6/ 388، ط. دار الكتب العلمية): [(ويجوزُ تقليد المفضول من المجتهدين) مع وجود الأفضل؛ لأنَّ المفضول من الصحابة والسلف كان يُفْتِي مع الفاضل منهم مع الاشتهار والتكرار، ولم يُنْكِر ذلك أحدٌ، فكان إجماعًا] اهـ.

بل ورد عن العلماء: أنهم عملوا بقول مَن خالفَهم في المذهب ولو لم يعاصِرُوه في زمنه؛ تأدبًا معه حيًّا وميتًا؛ كما فعل الإمام الشافعي رضي الله عنه عندما ترك قنوت الفجر لمَّا صلَّى عند قبر الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه. وإذا كان العمل بقول المخالف في المذهب لمجردِ المجاورة في الصلاة من الأدب، فإنَّ الالتزامَ بالمذهب الذي ألزم به الحاكم المواطنين في إقامة الشعائر الدينية ومزاولة التعاملات الدنيوية في المجتمع هو من الأدب الواجب.

وكما جعل الشرع للحاكم تقييدَ المباح؛ بحيث لا تسوغ مخالفته فيما ألزم به من آراء مُخْتَلَفٌ فيها، فكذلك إذا ألزم بمذهب مُعَيَّن لا يسوغ الإفتاء أو القضاء بخلافه؛ ضبطًا للنظام العام، وجمعًا للكلمة؛ فقد نص الفقهاء على أنَّ قضاء القاضي بخلاف ما اشترطه عليه ولي الأمر في توليته؛ لفظًا أو عرفًا لا يصحّ؛ لأنَّ التولية حينئذٍ لا تشمله؛ كما في "الأشباه والنظائر" للإمام السيوطي (ص: 104-105، ط. دار الكتب العلمية).

ونقل الإمام القرطبي في "أحكام القرآن" (5/ 259) عن الإمام سهل بن عبد الله التُّستَري رحمه الله تعالى أنه قال: [أطيعوا السلطان في سبعة: ضرب الدراهم والدنانير، والمكاييل والأوزان، والأحكام، والحج، والجمعة، والعيدين، والجهاد] اهـ. فإلزامه بمذهب معين إفتاءً أو قضاءً هو من جملة الأحكام.

وتنبه دار الإفتاء المصرية على أنَّ اتِّباع مذهبٍ بعينه لا يجوز أن يكون مبعثًا على التعصب في مجال الفتوى والعمل؛ فإنَّ فقهاء المذاهب وأئمتها كانوا ربما تركوا مذاهبهم في مسائل معينة وعملوا -في أنفسهم وفي الإفتاء لغيرهم- بالأقوال التي كانوا يرون أنها أكثر تحقيقًا لمقصود الشريعة، وأكثر مراعاة لمصالح الناس، وإنما فعلوا ذلك لأنَّ هناك فارقًا بين التعلُّم والإفتاء؛ ولذلك راعى العلماء المسائل الخلافية بين المذاهب من جهات متعددة؛ فأداروا الأقوال الخلافية بين الرُّخص والعزائم، وأجازوا العمل بقول مَن أباح تخلصًا من الإثم، ونَصُّوا على مشروعية طلب الأيسر والفتوى به، وجعلوا من قواعدهم الإمساكَ عن الإنكار على المخالف وحرَّموا تفسيقه، ونَصُّوا على وجوب تصحيح تصرفات المكلفين وحملها على الصحة ما دام أنَّ لها وجهًا صحيحًا في مذهب مُعْتَبَرٍ، ونَصُّوا أيضًا على أنَّ للمفتي أن يحيل المستفتيَ إلى مفتٍ غيره ما دام يرى أنَّ مذهب المحال عليه أنفع له أو أيسر عليه.

كما أنَّ هناك فارقًا بين تحرير المعتمد في منقول المذاهب وتحديد ما عليه العمل والفتوى التي تعتمد على تَغَيّر الأعراف والأحوال والزمان والمكان، وتستند إلى القواعد الفقهية التي تُنَظِّم التعامل مع الأقوال المختلفة؛ كقاعدة: "لا يُنكَر المختلف فيه، وإنما ينكر المتفق عليه".

ولذلك: فمع ضرورة الالتزام بما تقيَّدت بها بلدٌ معينٌ باتباع مذهب واحدٍ من المذاهب الفقهية المعتمدة؛ لما فيه من اتباع الحاكم فيما ألزم به من الآراء المختلف فيها؛ ضبطًا للنظام العام، وتوحيدًا للمرجعية، واستقرارًا للحقوق، وجمعًا للكلمة، فإنَّ دار الإفتاء المصرية تُفَرِّق بين ما هو متعلق الشأن العام ونظام الدول، وبين ما يقع فيه بعض الأفراد من الحاجة الداعية إلى الأخذ بالأيسر أو تقليد مَن يُصَحِّح لهم أفعالهم، فيجوز لهم العمل بذلك، وتُحْمَل تصرفاتهم حينئذٍ على ما صحَّ من مذاهب المجتهدين ممَّن يقول بالحِلِّ والصحة؛ تيسيرًا عليهم ورفعًا للحرج عنهم. فيُرَاعى الفرق بين الشأن العام وما يطبق على مستوى الدولة والمجتمع، وبين ما يمكن استثناؤه على مستـوى الأفراد.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

حكم مخالفة المذهب الفقهي المستقر بإلزام ولي الأمر في بلد المستفتي

ما حكم مخالفة المذهب الفقهي المُسْتَقِرّ في بلدٍ مُعيَّن أو في مكانٍ مُعَيَّن؟ خاصة إذا كان هذا بإلزامٍ من ولي الأمر.

اجتماع أهل بلد على مذهبٍ مُعَيَّن فيه الحفاظ على وحدتهم الثقافية، والوقاية من التفرّق، والحدّ من التنازع، وهي مقاصدُ تُقام عليها الدول وتُصانُ بها مقدراتها، ويؤدي إلى استقرار الحقوق وانضباط المعاملات؛ خاصة في الأحكام الخلافية التي يترتب عليها ثبوتُ بعض الحقوق في قول وعدمُها في قول آخر، ولو ترك للناس أنْ يحكم كلٌّ منهم بما يراه، وأن يَتَخَيَّر ما يشتهي من الأقوال؛ لأدَّى ذلك إلى الاضطراب في كثير من الأحيان.

والالتزام بالمذهب الذي ألزمَ به الحاكم المواطنين في إقامة الشعائر الدينية ومزاولة التعاملات الدنيوية في المجتمع هو من الأدب الواجب؛ وذلك ضبطًا للنظام العام، وتوحيدًا للمرجعية، واستقرارًا للحقوق، وجمعًا للكلمة، فدار الإفتاء المصرية تفرق بين ما هو متعلق بالشأن العام ونظام الدول، وبين ما يقع فيه بعض الأفراد من الحاجة الداعية إلى الأخذ بالأيسر أو تقليد مَن يصحّح لهم أفعالهم، فيجوز لهم العمل بذلك، وتُحْمَل تصرفاتهم حينئذٍ على ما صحَّ من مذاهب المجتهدين ممَّن يقول بالحِلِّ والصحة؛ تيسيرًا عليهم ورفعًا للحرج عنهم؛ فإنَّ فقهاء المذاهب قد يتركون مذاهبهم في مسائل معينة ويعملون -في أنفسهم وفي الإفتاء لغيرهم- بالأقوال التي يرون أنها أكثر تحقيقًا لمقصود الحق، وأكثر مراعاة لمصالح الخلق.

التفاصيل ....

المذاهب الفقهية الإسلامية: مدارس علمية متعددة متكاملة، اجتهدت في فهم النصوص الشرعية وفق المقاصد المرعيَّة تحت سقف الإجماع واللغة، وهذه المذاهب هي أعظمُ مظهرٍ من مظاهر الرُّقِيِّ في الحضارة الإسلامية التي قامت على خدمة النصِّ الشرعيّ؛ نقلًا، وإسنادًا، وتوثيقًا، وتدوينًا، وكتابةً، وفهمًا، وتوظيفًا، وتطبيقًا؛ فكان النَّص في هذه الحضارة:

هو المنطلق: الذي منه البدء.

وهو المنتهى: الذي هو الغاية والقصد.

وهو المحور: الذي شُكِّلَت على وفقه الحضارة.

وهو المعيار: الذي به تقويم الحراك البشري والحضاري.

والمذاهب الفقهية تنوعٌ مؤصَّل، واختلافٌ متكامل، بدأ بانتشار الصحابة في البلدان، وإدراكهم لطبائعها وبيئاتها، وتفاعلهم مع أعرافها وعاداتها؛ حتى نتجت من ذلك المدارس الفقهية السُّنّية؛ بدءًا بمدرسة الرأي عند الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان في الكوفة، ثم مدرسة النص وعمل أهل المدينة عند إمام دار الهجرة مالك بن أنس، ثم مدرسة الجمع بينهما عند عالم قريش؛ الإمام الشافعي الذي ملأ الأرض علمًا، وانتهاء بمدرسة الحديث في بغداد عند إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رضي الله عنهم؛ فمذاهبهم إنَّما هي ضوابط لفهم الشريعة، ومسالك لاستنباط الأحكام من الوحي؛ حيث تفاعل كل إمام مع مقتضيات عصره وأعراف مصره، فجاء فقههم مُحقِّقًا لمصالح مجتمعاتهم، ومتلائمًا مع أعراف بيئاتهم في مختلف جوانب حياتهم، وطبَّقوا الأحكام تطبيقًا تَغيَّوْا فيه مقاصد الشرع ومصالح الخلق؛ فرأينا تنوع المذاهب على اختلاف الأقطار، واشتهر أهل كل بلدٍ بمذهبٍ مُعيَّن من المذاهب التي اتفقت الأمة الإسلامية على قبولها والعمل بها جيلًا بعد جيل.

قال الإمام الشعراني في "الميزان" (1/ 59، ط. عالم الكتب): [الشريعة كالشجرة العظيمة المنتشرة، وأقوال علمائها كالفروع والأغصان] اهـ، وقال (1/ 74): [الشريعة المُطهرة جاءت شريعةً سمحاءَ واسعةً شاملةً قابلةً لسائر أقوال أئمة الهُدى مِن هذه الأمة المُحمَّدية، وأنَّ كُلَّا منهم -فيما هو عليه في نفسه- على بصيرةٍ من أمره وعلى صراطٍ مستقيم، وأنَّ اختلافهم إنَّما هو رحمة بالأمة، نشأ عن تدبير العليم الحكيم] اهـ.

وقال الإمام القرافي في "الذخيرة" (1/ 140-141، ط. دار الغرب الإسلامي): [قال الزناتي: والمذاهبُ كلها مسالكٌ إلى الجنة، وطُرقٌ إلى السعادة، فمن سَلَكَ منها طريقًا وصَّله] اهـ.

وذلك كلّه من التيسير الذي جاءت به الشريعة للمُكلَّفين، وأسباب رفع الحرج عنهم؛ قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78].

وعن أَبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَم تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَۚ» أخرجه الإمام البخاري في "الصحيح".

وكما كان هذا من مظاهر التيسير في الشريعة الإسلامية، فإنه أيضًا من أسباب جمع الكلمة وائتلاف المجتمع ووحدة الصف؛ فإنَّ التزام أهل البلد الواحد بمذهب مُعَيَّن فيه تحقيقُ النظام ولزومُ الجماعة وتوحيدُ المرجعية؛ بالتزام أهله بما يُفْتِي به علماؤه الذين يرجعون إلى أصول مذهبهم وقواعده في تنزيل أحكامه ومسائله على وقائعهم ومستجداتهم، بما تقتضيه مصالح مجتمعاتهم، فصار المذهبُ جزءًا من ثقافة المجتمع الدينية؛ لتعلقه بكافة شؤون الإنسان من شعائر وعبادات، وعقود ومعاملات، وأعراف وعادات.

فاجتماع أهل بلد على مذهبٍ مُعَيَّن فيه الحفاظ على وحدتهم الثقافية، والوقاية من التفرق، والحدّ من التنازع، وهي مقاصدُ تُقام عليها الدول، وتُصانُ بها مقدراتها.

وقد حثَّ الشرع على وحدة الكلمة، وأكَّد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أهمية الوحدة، واجتناب الفُرْقَة في استجلاب عون الله تعالى وتوفيقه؛ فقال: «يَدُ اللهِ مع الجَماعةِ» رواه الترمذي وحسَّنه والنسائي في "سننهما" عن ابن عباس رضي الله عنهما.

وبيَّن صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ الاجتماعَ خيرٌ من الفرقة، وأن الائتلاف خيرٌ من الاختلاف؛ فقال: «فَإِذَا رَأَيْتُمُ اخْتِلَافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ» رواه ابن ماجه في "السنن".

كما أنَّ التزام أهل البلد بمذهب مُعَيَّنٍ ممَّا يؤدي إلى استقرار الحقوق وانضباط المعاملات؛ خاصة في الأحكام الخلافية التي يترتب عليها ثبوتُ بعض الحقوق في قولٍ وعدمُها في قول آخر، ولو ترك للناس أنْ يحكم كلٌّ منهم بما يراه، وأن يتخير ما يشتهي من الأقوال؛ لأدَّى ذلك إلى الاضطراب في كثير من الأحيان.

والأصل أنَّ العاميَّ لا مذهب له؛ بل مذهبه مذهب مفتيه، في بلده الذي يعيش فيه، والشرع الشريف لم يكلِّف العوامَّ إلّا سؤال أهل العلم؛ لعدم قدرتهم على استنباط الأحكام من أدلة الشريعة، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]، وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]؛ ولذلك أجمع العلماء على أنَّ للعامي تقليد مَا شاء مِن مذاهب العلماء:

قال الإمام القرطبي في تفسيره الـمُسمَّى "الجامع لأحكام القرآن" (11/ 272، ط. دار الكتب المصرية): [لم يختلف العلماء أنَّ العامة عليها تقليد علمائها، وأنهم المراد بقول الله عز وجل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾] اهـ.

وقال الإمام القرافي المالكي في "شرح تنقيح الفصول" (1/ 432-433، ط. الطباعة الفنية المتحدة): [قاعدة: انعقد الإجماعُ على أنَّ مَن أسلم فله أن يُقلِّد من شاء من العلماء بغير حَجْرٍ، وأجمع الصحابة رضوان الله عليهم على أنَّ من استفتى أبا بكر وعمر رضي لله عنهما أو قلدهما: فله أن يستفتي أبا هريرة ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما وغيرهما ويعمل بقولهم من غير نكير، فمَن ادَّعى رفع هذين الإجماعين فعليه الدليل] اهـ.

وتقرَّر عند العلماء فقهًا وأصولًا أنَّ العاميّ لا مذهبَ له؛ وإنَّما هو مُتَّبعٌ لمذهب أهل بلده، ومذهبُه حينئذٍ مذهب مُفتيه؛ إذ إنَّ العاميَّ ليس مؤهَّلًا للنظر في الأدلة، بل شأنه السؤال والاستفتاء، لا البحث والاستقصاء.

قال العلَّامة ابن نُجيم الحنفي في "البحر الرائق" (2/ 90، ط. دار الكتاب الإسلامي): [وإن كان عاميًّا ليس له مذهبٌ معينٌ: فمذهبه فتوى مُفتيه] اهـ.

وقال العلَّامة الشُّرُنبُلالي الحنفي -فيما نقله عنه ابن عابدين في "رد المحتار" عن (1/ 75، ط. دار الفكر)-: [فتحصَّلَ ممَّا ذكرناه: أنَّه ليس على الإنسان التزامُ مذهبٍ معين، وأنه يجوز له العمل بما يخالف ما عَمِلَه على مذهبه مقلدًا فيه غيرَ إمامه، مستجمِعًا شروطه، ويعمل بأمرين متضادين في حادثتين لا تَعلُّقَ لواحدةٍ منهما بالأخرى] اهـ.

وقال الإمام اللخمي المالكي في "التبصرة" (2/ 460، ط. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية): [إن كان بالبلد فقهاء ثلاثة، كل واحد منهم مُتَمَسِّك بقول منها ويرى غير رأي صاحبه وكلهم أهل للفتوى: جاز للعامي أن يُقَلِّد أيهم أحبّ] اهـ.

قال الإمام الزركشي الشافعي في "البحر المحيط" (8/ 380، ط. دار الكتبي): [وحكى الرافعي عن أبي الفتح الهروي أحد أصحاب الإمام أنَّ مذهب عامَّة أصحابنا: أنَّ العامي لا مذهب له] اهـ.

وقال العلَّامة البهوتي الحنبلي في "كشَّاف القناع" (6/ 388، ط. دار الكتب العلمية): [(ويجوزُ تقليد المفضول من المجتهدين) مع وجود الأفضل؛ لأنَّ المفضول من الصحابة والسلف كان يُفْتِي مع الفاضل منهم مع الاشتهار والتكرار، ولم يُنْكِر ذلك أحدٌ، فكان إجماعًا] اهـ.

بل ورد عن العلماء: أنهم عملوا بقول مَن خالفَهم في المذهب ولو لم يعاصِرُوه في زمنه؛ تأدبًا معه حيًّا وميتًا؛ كما فعل الإمام الشافعي رضي الله عنه عندما ترك قنوت الفجر لمَّا صلَّى عند قبر الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه. وإذا كان العمل بقول المخالف في المذهب لمجردِ المجاورة في الصلاة من الأدب، فإنَّ الالتزامَ بالمذهب الذي ألزم به الحاكم المواطنين في إقامة الشعائر الدينية ومزاولة التعاملات الدنيوية في المجتمع هو من الأدب الواجب.

وكما جعل الشرع للحاكم تقييدَ المباح؛ بحيث لا تسوغ مخالفته فيما ألزم به من آراء مُخْتَلَفٌ فيها، فكذلك إذا ألزم بمذهب مُعَيَّن لا يسوغ الإفتاء أو القضاء بخلافه؛ ضبطًا للنظام العام، وجمعًا للكلمة؛ فقد نص الفقهاء على أنَّ قضاء القاضي بخلاف ما اشترطه عليه ولي الأمر في توليته؛ لفظًا أو عرفًا لا يصحّ؛ لأنَّ التولية حينئذٍ لا تشمله؛ كما في "الأشباه والنظائر" للإمام السيوطي (ص: 104-105، ط. دار الكتب العلمية).

ونقل الإمام القرطبي في "أحكام القرآن" (5/ 259) عن الإمام سهل بن عبد الله التُّستَري رحمه الله تعالى أنه قال: [أطيعوا السلطان في سبعة: ضرب الدراهم والدنانير، والمكاييل والأوزان، والأحكام، والحج، والجمعة، والعيدين، والجهاد] اهـ. فإلزامه بمذهب معين إفتاءً أو قضاءً هو من جملة الأحكام.

وتنبه دار الإفتاء المصرية على أنَّ اتِّباع مذهبٍ بعينه لا يجوز أن يكون مبعثًا على التعصب في مجال الفتوى والعمل؛ فإنَّ فقهاء المذاهب وأئمتها كانوا ربما تركوا مذاهبهم في مسائل معينة وعملوا -في أنفسهم وفي الإفتاء لغيرهم- بالأقوال التي كانوا يرون أنها أكثر تحقيقًا لمقصود الشريعة، وأكثر مراعاة لمصالح الناس، وإنما فعلوا ذلك لأنَّ هناك فارقًا بين التعلُّم والإفتاء؛ ولذلك راعى العلماء المسائل الخلافية بين المذاهب من جهات متعددة؛ فأداروا الأقوال الخلافية بين الرُّخص والعزائم، وأجازوا العمل بقول مَن أباح تخلصًا من الإثم، ونَصُّوا على مشروعية طلب الأيسر والفتوى به، وجعلوا من قواعدهم الإمساكَ عن الإنكار على المخالف وحرَّموا تفسيقه، ونَصُّوا على وجوب تصحيح تصرفات المكلفين وحملها على الصحة ما دام أنَّ لها وجهًا صحيحًا في مذهب مُعْتَبَرٍ، ونَصُّوا أيضًا على أنَّ للمفتي أن يحيل المستفتيَ إلى مفتٍ غيره ما دام يرى أنَّ مذهب المحال عليه أنفع له أو أيسر عليه.

كما أنَّ هناك فارقًا بين تحرير المعتمد في منقول المذاهب وتحديد ما عليه العمل والفتوى التي تعتمد على تَغَيّر الأعراف والأحوال والزمان والمكان، وتستند إلى القواعد الفقهية التي تُنَظِّم التعامل مع الأقوال المختلفة؛ كقاعدة: "لا يُنكَر المختلف فيه، وإنما ينكر المتفق عليه".

ولذلك: فمع ضرورة الالتزام بما تقيَّدت بها بلدٌ معينٌ باتباع مذهب واحدٍ من المذاهب الفقهية المعتمدة؛ لما فيه من اتباع الحاكم فيما ألزم به من الآراء المختلف فيها؛ ضبطًا للنظام العام، وتوحيدًا للمرجعية، واستقرارًا للحقوق، وجمعًا للكلمة، فإنَّ دار الإفتاء المصرية تُفَرِّق بين ما هو متعلق الشأن العام ونظام الدول، وبين ما يقع فيه بعض الأفراد من الحاجة الداعية إلى الأخذ بالأيسر أو تقليد مَن يُصَحِّح لهم أفعالهم، فيجوز لهم العمل بذلك، وتُحْمَل تصرفاتهم حينئذٍ على ما صحَّ من مذاهب المجتهدين ممَّن يقول بالحِلِّ والصحة؛ تيسيرًا عليهم ورفعًا للحرج عنهم. فيُرَاعى الفرق بين الشأن العام وما يطبق على مستوى الدولة والمجتمع، وبين ما يمكن استثناؤه على مستـوى الأفراد.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;