حكم تهذيب المرأة لحاجبيها وعلاقته بالنمص المنهي عنه شرعا

 ما حكم تهذيب المرأة لحاجبيها؟ وهل يختلف الحكم بين المتزوجة وغير المتزوجة؟ وهل يدخل ذلك في النهي عن النَّمص ولعنِ مَن تفعل ذلك أو ترضاه كما ورد في الحديث الشريف؟

 يجوز للمرأة شرعًا تهذيبُ حاجبيها بأخذِ الزائد عليهما، خصوصًا إذا كانا مُنَفِّرَين أو غير مألوفَين؛ كأن يكون الشعر خارجًا عن حدود الجزء الذي ينبت فيه، أو ممَّا يطولُ فيؤذي العين، ولا يختلف الحكم بالنسبة للمتزوجة عن غير المتزوجة، بشرط ألَّا يكون ذلك بغرض التدليس والتغرير بالخاطب، ولا يدخل ذلك تحت النهي الوارد في النَّمص ولعنِ مَن تفعله أو ترضى به.

التفاصيل ....

 نَصَّتْ الشريعةُ على إباحة الوسائل التي تتخذها المرأة للتزين وتحسين مظهرها فيما أُبِيحَ لها إظهارُه من جسدِها، وهو الوجه والكفان والقدمان؛ مراعاة لأنوثتها وتمشِّيًا مع طبيعتها، وأخبر اللهُ تعالى أنه خلق المرأة مُحبَّةً للزينة، ووصفها بالتنشئة في الحلية؛ فقال سبحانه: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: 18]، توجيهًا إلى رعاية هذا الطبع الجِبلِّي المُنشَّأِ على الحُسن والجمال، وتحذيرًا للناس من أن يقعنَ في التشَبُّهِ بالرجال؛ حتى ورد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يكره للمرأة أن تكون مرهاء أو سلتاء أو عطلاء؛ أخرجه عبد الملك بن حبيب في "أدب النساء" (1/ 280، ط. دار الغرب الإسلامي)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ثم قال: و(المرهاء) من النساء: غير المكتحلة، و(السلتاء): غير المختضبة، و(العطلاء): غير المتحلية.
فجعلت مِن الزينة الظاهرة المشروعة: كلُّ ما يَظهر في وجه المرأة وكفَّيْها؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31]، مما جرت به أعرافُ النساء وعاداتُهنّ؛ كحُمرة الوجه وصفرته، وكحل العينين، وسواد الحاجبين، ونحو ذلك؛ لِما في تستُّره من الحَرج والضِّيق النفسي.
قال العلامة أبو حيان الأندلسي في "البحر المحيط" (8/ 33، ط. دار الفكر): [ما تتزينَّ به المرأة من حُليٍّ أو كحلٍ أو خضاب: فما كان ظاهرًا منها.. فلا بأس بإبدائه للأجانب.. وسومح في الزينة الظاهرة؛ لأن سترها فيه حرجٌ؛ فإن المرأة لا تجد بُدًّا من مزاولة الأشياء بيدها ومن الحاجة إلى كشف وجهها، خصوصًا في الشهادة والمحاكمة والنكاح، وتَضْطَرُّ إلى المشي في الطرقات وظهور قدميها الفقيرات منهن، وهذا معنى قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يعني: إلا ما جرت العادة والجِبِلَّةُ على ظهوره والأصل فيه الظهور] اهـ.
فالزينة في أصلها على نوعين: خِلْقية، ومكتسبة. فالخِلْقية: ما كان في أصل خِلْقة المرأة. والمكتسبة: ما تتجمل بها مما زاد على أصل الخِلْقة. وقد نصت الآية على إباحة إبداء الزينة الظاهرة للمرأة على جهة الإطلاق، وهذا يشمل الخِلْقية منها والمكتسبة.
قال الإمام ابن العربي في "أحكام القرآن" (3/ 381، ط. دار الكتب العلمية): [والزينة على قسمين: خلقية، ومكتسبة. فالخِلْقية: وجهُها؛ فإنه أصل الزينة وجمال الخلقة.. وأما الزينة المكتسبة: فهي ما تحاوله المرأة في تحسين خَلْقِها بالتصنع؛ كالثياب، والحُلِيّ، والكحل، والخضاب] اهـ.
وكما أنَّ الشريعة طالبت الإنسان بأن يكون جميلَ الباطنِ حسنَ الطويَّة، طالبته أيضًا أن يكون جميلَ الظاهرِ حسنَ الهيئة، فيتفقُ جمالُ خِلْقَتِهِ (من حُسن الهيئة والنظافة)، مع صفاء جوهره وحُسن سريرته؛ حتى إِن الْحُكَمَاء وَالْعُلَمَاء قد استدلوا بِحسن الْخَلْقِ على حُسنِ الخُلُقِ؛ قَالُوا: اقصدوا بحوائجكم سماح الْوُجُوه فَإِنَّهُ أنجح لَهَا، أَو فَإِنَّهُ أَحْرَى أَن تُقضى، وَأَيْضًا فَإِن الْجمال وَالْحسن مَحْبُوب بالطبع ومرغوب فِيهِ، والقبح منفور عَنهُ؛ كما قال الإمام شمس الدين القرطبي في كتاب "الإعلام" (ص: 293، ط. دار التراث العربي)، وهي مما يشترك فيها الرجال والنساء، و"اتفقت الأُمَّة على استحسانها وأنها من الفطرة والملة"؛ كما قال القاضي أبو بكر بن العربي في "أحكام القرآن" (1/ 56، ط. دار الكتب العلمية)، إلَّا أنَّ جمال الظاهر وحُسنَ الهيئة بالنسبة للمرأة آكد؛ لِما تقتضيه طبيعتُها وأُنوثَتُها -كما ذكرنا- فيما يظهر منها.
قال العلامة النفراوي المالكي في "الفواكه الدواني" (2/ 306، ط. دار الفكر): [وأما النساء فيجب عليهن إزالة ما في إزالته جمالٌ لها] اهـ.
وقال العلامة البهوتي في "كشاف القناع" (1/ 82، ط. دار الكتب العلمية): [(و) لها (تحسينه -أي وجهها-).. من كلِّ ما فيه تزيينٌ له] اهـ.
ومِن ذلك: ما تقوم به المرأة من الأخذ من حاجبيها؛ فقد ورد في السُنَّة وأقوال السلف والأئمة مشروعية ذلك لها؛ ضرورةَ إماطة الأذى عن وجهها، وأن ذلك ليس خاصًّا بالزوج؛ فعن امرأة ابن أبي الصَّقْرِ: أَنَّها كانت عند أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فسألتها امرأةٌ فقالت: يا أم المؤمنين، إن في وجهي شعرات؛ أَفَأَنْتِفُهُنَّ أَتَزَيَّنُ بذلك لزوجي؟ فقالت عائشة رضي الله عنها: "أَمِيطِي عَنْكِ الْأَذَى، وَتَصَنَّعِي لِزَوْجِكِ كَمَا تَصَنَّعِينَ لِلزِّيَارَةِ" أخرجه عبد الرزاق في "المصنف". وفي رواية عن أبي إسحاق قال: وسألتْهَا امرأتي عن المرأةِ تحفُّ جبينَهَا؟ فقالت: "أَمِيطِي عَنْكِ الأَذَى مَا اسْتَطَعْتِ" أخرجه ابن الجعد في "المسند". وفي رواية: أنَّ امرأةً سألتها عن الحف؟ فقالت: "أَمِيطِي الْأَذَى عَنْ وَجْهِكِ" رواه القاضي أبو يوسف في "الآثار" وابن الجعد في "المسند".
فإن كان للزوج فهو في الإباحة آكد؛ لما في رواية بَكرَةَ بنت عقبة: "إِنْ كَانَ لَكِ زَوْجٌ فَاسْتَطَعْتِ أَنْ تَنْزِعِي مُقْلَتَيكِ فَتَصْنَعِيهِمَا أَحْسَنَ مِمَّا هُمَا فَافْعَلِي" رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى".
وقد بوَّب على هذا الحديث الإمام محمد بن الحسن الشيباني في "الآثار" (2/ 765، ط. دار النوادر) بابًا أسماه: (باب حف الشعر من الوجه)، وقال بعد ذكر الروايات: [وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى] اهـ.
وعن مهنا بن يحيى قال: سألت أحمد -يعني ابن حنبل- عن الحفِّ؟ فقال: ليس به بأس للنساء. أخرجه الإمام أبو بكر الخلال في "الوقوف والترجُّل من الجامع لمسائل الإمام أحمد بن حنبل" (1/ 124، ط. دار الكتب العلمية).
وقد ورد ذلك في حقِّ الرجال عن جماعة من السلف؛ فعن إسحاق بن إبراهيم قال: "رأيت أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- يأخذُ من حاجبيه بالمقراض"، وقال: قال أبو حمزة: "أرسلْنا إلى امرأةٍ قد سماها أبو عبد الله، فقلنا: أكان الحسن يأخذ من حاجبيه؟ قالت: نعم، رأيته يأخذ من حاجبيه"، وبمثله عن يحيى بن معين عن أبي حمزة. أخرجه الإمام أبو بكر الخلال في "الوقوف والترجُّل" (1/ 123-124). فإذا جازَ ذلك في حق الرجال: ففي حق النساء آكد وأولى؛ لأنه أنسب لفطرتهن وألصق بأُنوثتِهنَّ، كما سبق مِن بيان أصل تنشئتهنّ.
وحفُّ الجبين الوارد في الروايات: هو أخذ الشعر الزائد عن منابت الحاجبين وحدودهما، فيما يعرف بتزجيج الحواجب؛ قال الإمام أبو سليمان الخطابي في "أعلام الحديث" (2/ 1133، ط. جامعة أم القرى): [تَزجيج الحواجب: وهو حذف زوائد الشَّعر، ولَقْط النواجمِ منها، الخارجةِ عن حَدّ منبَتها] اهـ.
ولذلك أجاز الفقهاء إزالة الشعر الزائد عن شعر الحاجبين بالحف أو الحلق -للزوجة ولغيرها- بأن يكون الشعر خارجًا عن الحد المألوف (وهي حدود منابت الشعر)، أو مما يطول فيؤذي العين، أو مما يقبح منظره ويُنفِّر.
قال العلامة ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار" (6/ 373، ط. دار الفكر): [لو كان في وجهها شعرٌ ينفُرُ زوجها عنها بسببه: ففي تحريم إزالته بُعد؛ لأنَّ الزينة للنساء مطلوبةٌ للتحسين] اهـ.
وقال الخطيب الشربيني الشافعي في "مغني المحتاج" (1/ 407، ط. دار الكتب العلمية): [إذا أذن لها الزوج أو السيد في ذلك فإنه يجوز؛ لأن له غرضًا في تزيينها له وقد أذن لها فيه] اهـ.
وقال العلَّامة الشرواني الشافعي في "حاشيته على تحفة المحتاج" (2/ 128، ط. المكتبة التجارية الكبرى): [والتنميص، وهو الأخذ من شعر الوجه والحاجب المحسن، فإن أذن لها زوجها أو سيدها في ذلك: جاز؛ لأن له غرضًا في تزينها له؛ كما في "الروضة"، وهو الأوجه] اهـ.
ورجَّح العلامة ابن مفلح الحنبلي في "الفروع" (1/ 158، ط. مؤسسة الرسالة) جواز تهذيب الحاجبين بإذن الزوج؛ فقال بعد حكاية الخلاف: [فدل كلامهم على جواز تهذيب الحاجبين بإذن الزوج] اهـ.
ومن الفقهاء من أطلقَ ولم يفرق بين المتزوجة وغير المتزوجة.
فجاء في "الفتاوى الهنديَّة" (5/ 385، ط. دار الفكر): [وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى.. ولا بأس بأخذ الحاجبين] اهـ.
ونصَّ المالكية على أنَّ المعتمد هو موافقة مذهب السيدة عائشة رضي الله عنها بجواز إزالة الشعر من الحاجب والوجه؛ فجوَّزوا حلق جميع شعر المرأة ما عدا شعر رأسها.
قال العلامة النفراوي المالكي في "الفواكه الدواني" (2/ 314): [ويفهم من النهي عن وصل الشعر: عدم حرمة إزالة شعر بعض الحاجب أو الحاجب، وهو المسمى بالترجيح -هكذا في المخطوط، ولَعَلَّها "بالتزجيج"- والتدقيق والتحفيف.. والتنميص: هو نتف شعر الحاجب حتى يصير دقيقًا حسنًا، ولكن روي عن عائشة رضي الله عنها جواز إزالة الشعر من الحاجب والوجه، وهو الموافق لما مرَّ من أن المعتمدَ جوازُ حلق جميع شعر المرأة ما عدا شعر رأسها] اهـ.
وما فرق به الفقهاء بين المتزوجة وغير المتزوجة إنَّما كان باعتبار الداعي لأخذ المرأة من الحاجبين؛ بأن كان لزوجها غرضٌ في تَزَيُّنِها له، أو ينفُرُ عنها بسببه، ولذلك جعلوه في حقِّ المتزوجة بإذن الزوج، وهو في غير المتزوجة أو مَنْ أرادت الزواج أولى وآكَدُ؛ لأنَّ زينتها أدعى لنكاحها، ومُرَغِّبًا للخُطّاب فيها.
قال القاضي عياض في "إكمال المعلم" (5/ 67، ط. دار الوفاء): [الزينة والطيب يدعوان إلى النكاح ويوقعان فيه] اهـ.
وهو ما جاءت السُّنَّةُ التقريريَّة به لمن أرادت الزواج بعد انتهاء عدتها؛ فعن سُبَيْعةَ بنتِ الحارث الأسلمية رضي الله عنها، أنها كانت تحت سعد بن خولة رضي الله عنه، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تَعَلَّتْ مِن نفاسها تجمَّلَتْ للخُطَّابِ، فدخل عليها أبو السنابل فقال لها: "ما لي أراكِ متجملةً! لعلك ترجين النكاحَ! إنكِ -والله- ما أنتِ بنَاكِحٍ حتى تمر عليكِ أربعةُ أشهر وعَشرٌ"، قالت سُبَيْعَةُ: "فلما قال لي ذلك، جمعتُ عليَّ ثيابي حين أمسيتُ، فأتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسألتُه عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللتُ حين وضعتُ حملي، وأمرني بالتزوج إن بَدَا لي" متفق عليه.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (9/ 475، ط. دار المعرفة): [وفيه: جواز تجمُّلِ المرأة بعد انقضاء عدتها لمن يخطبها؛ لأن في رواية الزهري التي في "المغازي" فقال: "مالي أراك تجملتِ للخُطّاب!" وفي رواية ابن إسحاق: "فتهيأَتْ للنكاح واختضبَتْ"] اهـ.
فأمَّا ما ذهب إليه بعض العلماء من مَنْعِ الأخذ من الحاجبين استنادًا إلى نَهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم من نَتْفِ المرأة لحاجبيها: فهو محمولٌ على ما إذا كان الأخذ من الحاجِبَينِ لغير حاجة، أو قصدت به المرأةُ الفجور، أو أرادت به التمويه على الرجال والتدليس عليهم، ونحو ذلك مما نصَّ عليه العلماء بما فهموه من معنى النهي الوارد في الحديث، فإذا انتفَت هذه المعاني انتفَى القولُ بالمنع، وقد تقرَّر في أصول الشريعة أنَّ "الحكم يدور مع علته وسببه وجودًا وعدمًا"، ولهذا إذا علَّق الشارع حكمًا بسببٍ أو علةٍ زال ذلك الحكم بزوالها، والشريعة مبنيةٌ على هذه القاعدة؛ كما قال الشيخ ابن القيم الحنبلي في "إعلام الموقعين" (5/ 528، ط. دار ابن الجوزي).
فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «لَعَنَ اللهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالنَّامِصَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ» متفق عليه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهو مرويٌّ عن السيدة عائشة رضي الله عنها، وقد سبق أن بيَّنا مذهبها رضي الله عنها في جواز الأخذ من الحاجبين، بل واستحبابه إن كان مُنفِّرًا مؤذيًا.
قال الإمام أبو الفرج ابن الجوزي في "كشف المشكل" (1/ 273، ط. دار الوطن): [وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ المتصنعات من النِّسَاء للفجور؛ لِأَن مثل هَذَا التحسن دأبهن، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهن المموهات على الرِّجَال بِمثل هَذِه الْأَفْعَال لتغرِ المتزوج] اهـ.
وقال الإمام أبو العبَّاس القرطبي في "المفهم" (5/ 444، ط. دار ابن كثير): [واختُلف في المعنى الذي لأجله نهى عنها؛ فقيل: لأنَّها من باب التدليس، وقيل: من باب تغيير خلق الله الذي يحمل الشيطان عليه ويأمر به؛ كما قال تعالى مخبرًا عنه: ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾ [النساء: 119]] اهـ.
وقال الإمام الكرماني في "الكواكب الدراري" (21/ 130، ط. دار إحياء التراث): [وسبب لعنة المذكورات: أن فعلهن تغيير لخلق الله وتزوير وتدليس، قال الخطابي: إنما نهى عن ذلك لما فيه من الغش والخداع، ولو رُخِّصَ في ذلك لاتخذه الناس وسيلة إلى أنواع من الفساد] اهـ.
وعلى ذلك الفهم في توجيه النهي الوارد في الحديث جاءت نصوص الفقهاء على اختلاف مذاهبهم:
- فنصَّ الحنفية على أنَّ النهي عن الأخذ من الحاجبين قد يكون محمولًا على ما إذا فعلته المرأة لتتزين به للأجانب.
قال العلامة ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار" (6/ 373، ط. دار الفكر): [النمص: نتف الشعر، ومنه المنماص المنقاش.. ولعله محمولٌ على ما إذا فعلته لتتزين للأجانب] اهـ.
- ونصَّ المالكية على أنه إذا انتفت علة التدليس وتغيير خلق الله، أو ما يجعله باقيًا أبدًا أو يظهر وكأنَّه من أصلِ الخِلقة: انتفى معنى النهي الوارد في الحديث:
قال القاضي عياض المالكي في "إِكمَال المُعْلِمِ" (6/ 655): [وقد روي عن عائشة رضي الله عنها.. رخصةٌ في جواز النمص وحفِّ المرأة جبينَها لزوجها، وقالت: "أَمِيطِي عَنْكِ الأَذَى".. قال بعض علمائنا: وهذا المنهي عنه المتوعد على فعله فيما يكون باقيًا؛ فإنه من تغيير خلق الله، فأما ما لا يكون باقيًا.. فلا بأس به للنساء والتزين به عند أهل العلم] اهـ.
بل نصَّ بعض المالكية على أنَّ النهي عن الأخذ من الحاجبين إنَّما هو محمولٌ على مَن نُهيَت عن استعمال الزينة امتثالًا للشرع؛ كمَن تُوفي عنها زوجها أو فُقِدَ؛ لأن ذلك منافٍ لمعنى الحِداد عليه.
قال الشيخ أبو الحسن العدوي المالكي في "حاشيته على شرح كفاية الطالب الرباني" (2/ 459، ط. دار الفكر): [النهي محمولٌ على المرأة المنهية عن استعمال ما هو زينةٌ لها؛ كالمُتَوفَّى عنها والمفقود زوجها، فلا يُنافي ما ورد عن عائشة رضي الله عنها من جواز إزالة الشعر من الحاجب والوجه] اهـ.
أي أنَّ الحكم بالمنع في الأحاديث ليس على إطلاقه، بل هو مخصوصٌ بالمرأة المنهية عن الزينة، وقد تقرر أنَّ "جميع عمومات الشرع مخصَّصة بشروط في الأصل والمحل والسبب؛ إما بدليل العقل أو السمع أو غيرهما، وقلَّما يوجد عامٌّ لا يُخصَّص"؛ كما قال حجة الإسلام الغزالي في "المستصفى" (ص: 245، ط. دار الكتب العلمية).
- وأمَّا الشافعية: فهم وإن ذهبوا إلى القول بالكراهة في معنًى من معاني الحديث، إلَّا أنهم نَصُّوا على جواز نفس المعنى عند الحاجة؛ كالعلاج، أو وجود عيبٍ، أو تشويهٍ، أو نحو ذلك، وهذه الأشياء قد تكون ضرورية أو حاجيَّة أو تحسينيَّة:
قال الإمام النووي الشافعي في "شرح مسلم" (14/ 106، ط. دار إحياء التراث العربي) في بيان معنى المُتَفَلِّجَات: [أما لو احتاجت إليه لعلاجٍ أو عيبٍ.. ونحوه: فلا بأس] اهـ.
وكونُ حاجبي المرأة غير مألوفَين أو مُنَفِّرَين لا يخرج عن جملة العيوب المستثناة من الكراهة؛ سواء كان لها زوجٌ أو فعلته رغبةً في النكاح، فيدخل ذلك ضمنَ ما أجازوه للحاجة، وتنتفي الكراهة إن كان تهذيبهما لحاجة معتبرة؛ لما تقرّر في قواعد الفقه أن "الكراهة تزول بأدنى حاجة"، فقد يكون الشيء مكروهًا في أصله، فإذا اقتضته الحاجة انتفت كراهته؛ كما نص عليه الإمامُ ابن مازه الحنفي [ت: 616هـ] في "المحيط البرهاني" (2/ 192، 5/ 403، ط. دار الكتب العلمية)، ونقله العلامة أبو عبد الله المواق في "التاج والإكليل" (6/ 153، ط. دار الكتب العلمية) عن الإمام مالك، والإمامُ النووي في "المجموع" (1/ 486، ط. دار الطباعة المنيرية)، والعلامةُ السفاريني الحنبلي في "غذاء الألباب" (2/ 22، ط. مؤسسة قرطبة).
- وأمَّا الحنابلة: فقد وجَّهوا النهي الوارد في الحديث على معنى النتف، لا على مجرد إزالة الشعر، فإذا أزالت المرأة الشعرَ بطريقةٍ غير النتف جازَ لها ذلك، على أنَّ من العلماء من جعل معنى النِّمَاص: إزالة الشعر منِ الوجه، لا اختصاصه بالحاجبَين.
قال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (1/ 107، دار الفكر): [فأما النامصة: فهي التي تنتف الشعر من الوجه، والمتنمصة: المنتوف شعرها بأمرها؛ فلا يجوز؛ للخبر، وإن حلقت الشعر فلا بأس؛ لأن الخبر إنما ورد في النتف، نصَّ على هذا أحمد] اهـ.
وبناءً على ذلك: فيجوز للمرأة شرعًا تهذيبُ حاجبيها بأخذِ الزائد عليهما، خصوصًا إذا كانا مُنَفِّرَين أو غير مألوفَين؛ كأن يكون الشعر خارجًا عن حدود منابته، أو ممَّا يطول فيؤذي العين، ولا يختلف الحكم بالنسبة للمتزوجة عن غير المتزوجة، بشرط ألَّا يكون ذلك بغرض التدليس والتغرير بالخاطب، ولا يدخل ذلك تحت النهي الوارد في النَّمص ولعنِ مَن تفعله أو ترضى به.
والله سبحانه وتعالى أعلم

اقرأ أيضا

حكم تهذيب المرأة لحاجبيها وعلاقته بالنمص المنهي عنه شرعا

 ما حكم تهذيب المرأة لحاجبيها؟ وهل يختلف الحكم بين المتزوجة وغير المتزوجة؟ وهل يدخل ذلك في النهي عن النَّمص ولعنِ مَن تفعل ذلك أو ترضاه كما ورد في الحديث الشريف؟

 يجوز للمرأة شرعًا تهذيبُ حاجبيها بأخذِ الزائد عليهما، خصوصًا إذا كانا مُنَفِّرَين أو غير مألوفَين؛ كأن يكون الشعر خارجًا عن حدود الجزء الذي ينبت فيه، أو ممَّا يطولُ فيؤذي العين، ولا يختلف الحكم بالنسبة للمتزوجة عن غير المتزوجة، بشرط ألَّا يكون ذلك بغرض التدليس والتغرير بالخاطب، ولا يدخل ذلك تحت النهي الوارد في النَّمص ولعنِ مَن تفعله أو ترضى به.

التفاصيل ....

 نَصَّتْ الشريعةُ على إباحة الوسائل التي تتخذها المرأة للتزين وتحسين مظهرها فيما أُبِيحَ لها إظهارُه من جسدِها، وهو الوجه والكفان والقدمان؛ مراعاة لأنوثتها وتمشِّيًا مع طبيعتها، وأخبر اللهُ تعالى أنه خلق المرأة مُحبَّةً للزينة، ووصفها بالتنشئة في الحلية؛ فقال سبحانه: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: 18]، توجيهًا إلى رعاية هذا الطبع الجِبلِّي المُنشَّأِ على الحُسن والجمال، وتحذيرًا للناس من أن يقعنَ في التشَبُّهِ بالرجال؛ حتى ورد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يكره للمرأة أن تكون مرهاء أو سلتاء أو عطلاء؛ أخرجه عبد الملك بن حبيب في "أدب النساء" (1/ 280، ط. دار الغرب الإسلامي)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ثم قال: و(المرهاء) من النساء: غير المكتحلة، و(السلتاء): غير المختضبة، و(العطلاء): غير المتحلية.
فجعلت مِن الزينة الظاهرة المشروعة: كلُّ ما يَظهر في وجه المرأة وكفَّيْها؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31]، مما جرت به أعرافُ النساء وعاداتُهنّ؛ كحُمرة الوجه وصفرته، وكحل العينين، وسواد الحاجبين، ونحو ذلك؛ لِما في تستُّره من الحَرج والضِّيق النفسي.
قال العلامة أبو حيان الأندلسي في "البحر المحيط" (8/ 33، ط. دار الفكر): [ما تتزينَّ به المرأة من حُليٍّ أو كحلٍ أو خضاب: فما كان ظاهرًا منها.. فلا بأس بإبدائه للأجانب.. وسومح في الزينة الظاهرة؛ لأن سترها فيه حرجٌ؛ فإن المرأة لا تجد بُدًّا من مزاولة الأشياء بيدها ومن الحاجة إلى كشف وجهها، خصوصًا في الشهادة والمحاكمة والنكاح، وتَضْطَرُّ إلى المشي في الطرقات وظهور قدميها الفقيرات منهن، وهذا معنى قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يعني: إلا ما جرت العادة والجِبِلَّةُ على ظهوره والأصل فيه الظهور] اهـ.
فالزينة في أصلها على نوعين: خِلْقية، ومكتسبة. فالخِلْقية: ما كان في أصل خِلْقة المرأة. والمكتسبة: ما تتجمل بها مما زاد على أصل الخِلْقة. وقد نصت الآية على إباحة إبداء الزينة الظاهرة للمرأة على جهة الإطلاق، وهذا يشمل الخِلْقية منها والمكتسبة.
قال الإمام ابن العربي في "أحكام القرآن" (3/ 381، ط. دار الكتب العلمية): [والزينة على قسمين: خلقية، ومكتسبة. فالخِلْقية: وجهُها؛ فإنه أصل الزينة وجمال الخلقة.. وأما الزينة المكتسبة: فهي ما تحاوله المرأة في تحسين خَلْقِها بالتصنع؛ كالثياب، والحُلِيّ، والكحل، والخضاب] اهـ.
وكما أنَّ الشريعة طالبت الإنسان بأن يكون جميلَ الباطنِ حسنَ الطويَّة، طالبته أيضًا أن يكون جميلَ الظاهرِ حسنَ الهيئة، فيتفقُ جمالُ خِلْقَتِهِ (من حُسن الهيئة والنظافة)، مع صفاء جوهره وحُسن سريرته؛ حتى إِن الْحُكَمَاء وَالْعُلَمَاء قد استدلوا بِحسن الْخَلْقِ على حُسنِ الخُلُقِ؛ قَالُوا: اقصدوا بحوائجكم سماح الْوُجُوه فَإِنَّهُ أنجح لَهَا، أَو فَإِنَّهُ أَحْرَى أَن تُقضى، وَأَيْضًا فَإِن الْجمال وَالْحسن مَحْبُوب بالطبع ومرغوب فِيهِ، والقبح منفور عَنهُ؛ كما قال الإمام شمس الدين القرطبي في كتاب "الإعلام" (ص: 293، ط. دار التراث العربي)، وهي مما يشترك فيها الرجال والنساء، و"اتفقت الأُمَّة على استحسانها وأنها من الفطرة والملة"؛ كما قال القاضي أبو بكر بن العربي في "أحكام القرآن" (1/ 56، ط. دار الكتب العلمية)، إلَّا أنَّ جمال الظاهر وحُسنَ الهيئة بالنسبة للمرأة آكد؛ لِما تقتضيه طبيعتُها وأُنوثَتُها -كما ذكرنا- فيما يظهر منها.
قال العلامة النفراوي المالكي في "الفواكه الدواني" (2/ 306، ط. دار الفكر): [وأما النساء فيجب عليهن إزالة ما في إزالته جمالٌ لها] اهـ.
وقال العلامة البهوتي في "كشاف القناع" (1/ 82، ط. دار الكتب العلمية): [(و) لها (تحسينه -أي وجهها-).. من كلِّ ما فيه تزيينٌ له] اهـ.
ومِن ذلك: ما تقوم به المرأة من الأخذ من حاجبيها؛ فقد ورد في السُنَّة وأقوال السلف والأئمة مشروعية ذلك لها؛ ضرورةَ إماطة الأذى عن وجهها، وأن ذلك ليس خاصًّا بالزوج؛ فعن امرأة ابن أبي الصَّقْرِ: أَنَّها كانت عند أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فسألتها امرأةٌ فقالت: يا أم المؤمنين، إن في وجهي شعرات؛ أَفَأَنْتِفُهُنَّ أَتَزَيَّنُ بذلك لزوجي؟ فقالت عائشة رضي الله عنها: "أَمِيطِي عَنْكِ الْأَذَى، وَتَصَنَّعِي لِزَوْجِكِ كَمَا تَصَنَّعِينَ لِلزِّيَارَةِ" أخرجه عبد الرزاق في "المصنف". وفي رواية عن أبي إسحاق قال: وسألتْهَا امرأتي عن المرأةِ تحفُّ جبينَهَا؟ فقالت: "أَمِيطِي عَنْكِ الأَذَى مَا اسْتَطَعْتِ" أخرجه ابن الجعد في "المسند". وفي رواية: أنَّ امرأةً سألتها عن الحف؟ فقالت: "أَمِيطِي الْأَذَى عَنْ وَجْهِكِ" رواه القاضي أبو يوسف في "الآثار" وابن الجعد في "المسند".
فإن كان للزوج فهو في الإباحة آكد؛ لما في رواية بَكرَةَ بنت عقبة: "إِنْ كَانَ لَكِ زَوْجٌ فَاسْتَطَعْتِ أَنْ تَنْزِعِي مُقْلَتَيكِ فَتَصْنَعِيهِمَا أَحْسَنَ مِمَّا هُمَا فَافْعَلِي" رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى".
وقد بوَّب على هذا الحديث الإمام محمد بن الحسن الشيباني في "الآثار" (2/ 765، ط. دار النوادر) بابًا أسماه: (باب حف الشعر من الوجه)، وقال بعد ذكر الروايات: [وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى] اهـ.
وعن مهنا بن يحيى قال: سألت أحمد -يعني ابن حنبل- عن الحفِّ؟ فقال: ليس به بأس للنساء. أخرجه الإمام أبو بكر الخلال في "الوقوف والترجُّل من الجامع لمسائل الإمام أحمد بن حنبل" (1/ 124، ط. دار الكتب العلمية).
وقد ورد ذلك في حقِّ الرجال عن جماعة من السلف؛ فعن إسحاق بن إبراهيم قال: "رأيت أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- يأخذُ من حاجبيه بالمقراض"، وقال: قال أبو حمزة: "أرسلْنا إلى امرأةٍ قد سماها أبو عبد الله، فقلنا: أكان الحسن يأخذ من حاجبيه؟ قالت: نعم، رأيته يأخذ من حاجبيه"، وبمثله عن يحيى بن معين عن أبي حمزة. أخرجه الإمام أبو بكر الخلال في "الوقوف والترجُّل" (1/ 123-124). فإذا جازَ ذلك في حق الرجال: ففي حق النساء آكد وأولى؛ لأنه أنسب لفطرتهن وألصق بأُنوثتِهنَّ، كما سبق مِن بيان أصل تنشئتهنّ.
وحفُّ الجبين الوارد في الروايات: هو أخذ الشعر الزائد عن منابت الحاجبين وحدودهما، فيما يعرف بتزجيج الحواجب؛ قال الإمام أبو سليمان الخطابي في "أعلام الحديث" (2/ 1133، ط. جامعة أم القرى): [تَزجيج الحواجب: وهو حذف زوائد الشَّعر، ولَقْط النواجمِ منها، الخارجةِ عن حَدّ منبَتها] اهـ.
ولذلك أجاز الفقهاء إزالة الشعر الزائد عن شعر الحاجبين بالحف أو الحلق -للزوجة ولغيرها- بأن يكون الشعر خارجًا عن الحد المألوف (وهي حدود منابت الشعر)، أو مما يطول فيؤذي العين، أو مما يقبح منظره ويُنفِّر.
قال العلامة ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار" (6/ 373، ط. دار الفكر): [لو كان في وجهها شعرٌ ينفُرُ زوجها عنها بسببه: ففي تحريم إزالته بُعد؛ لأنَّ الزينة للنساء مطلوبةٌ للتحسين] اهـ.
وقال الخطيب الشربيني الشافعي في "مغني المحتاج" (1/ 407، ط. دار الكتب العلمية): [إذا أذن لها الزوج أو السيد في ذلك فإنه يجوز؛ لأن له غرضًا في تزيينها له وقد أذن لها فيه] اهـ.
وقال العلَّامة الشرواني الشافعي في "حاشيته على تحفة المحتاج" (2/ 128، ط. المكتبة التجارية الكبرى): [والتنميص، وهو الأخذ من شعر الوجه والحاجب المحسن، فإن أذن لها زوجها أو سيدها في ذلك: جاز؛ لأن له غرضًا في تزينها له؛ كما في "الروضة"، وهو الأوجه] اهـ.
ورجَّح العلامة ابن مفلح الحنبلي في "الفروع" (1/ 158، ط. مؤسسة الرسالة) جواز تهذيب الحاجبين بإذن الزوج؛ فقال بعد حكاية الخلاف: [فدل كلامهم على جواز تهذيب الحاجبين بإذن الزوج] اهـ.
ومن الفقهاء من أطلقَ ولم يفرق بين المتزوجة وغير المتزوجة.
فجاء في "الفتاوى الهنديَّة" (5/ 385، ط. دار الفكر): [وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى.. ولا بأس بأخذ الحاجبين] اهـ.
ونصَّ المالكية على أنَّ المعتمد هو موافقة مذهب السيدة عائشة رضي الله عنها بجواز إزالة الشعر من الحاجب والوجه؛ فجوَّزوا حلق جميع شعر المرأة ما عدا شعر رأسها.
قال العلامة النفراوي المالكي في "الفواكه الدواني" (2/ 314): [ويفهم من النهي عن وصل الشعر: عدم حرمة إزالة شعر بعض الحاجب أو الحاجب، وهو المسمى بالترجيح -هكذا في المخطوط، ولَعَلَّها "بالتزجيج"- والتدقيق والتحفيف.. والتنميص: هو نتف شعر الحاجب حتى يصير دقيقًا حسنًا، ولكن روي عن عائشة رضي الله عنها جواز إزالة الشعر من الحاجب والوجه، وهو الموافق لما مرَّ من أن المعتمدَ جوازُ حلق جميع شعر المرأة ما عدا شعر رأسها] اهـ.
وما فرق به الفقهاء بين المتزوجة وغير المتزوجة إنَّما كان باعتبار الداعي لأخذ المرأة من الحاجبين؛ بأن كان لزوجها غرضٌ في تَزَيُّنِها له، أو ينفُرُ عنها بسببه، ولذلك جعلوه في حقِّ المتزوجة بإذن الزوج، وهو في غير المتزوجة أو مَنْ أرادت الزواج أولى وآكَدُ؛ لأنَّ زينتها أدعى لنكاحها، ومُرَغِّبًا للخُطّاب فيها.
قال القاضي عياض في "إكمال المعلم" (5/ 67، ط. دار الوفاء): [الزينة والطيب يدعوان إلى النكاح ويوقعان فيه] اهـ.
وهو ما جاءت السُّنَّةُ التقريريَّة به لمن أرادت الزواج بعد انتهاء عدتها؛ فعن سُبَيْعةَ بنتِ الحارث الأسلمية رضي الله عنها، أنها كانت تحت سعد بن خولة رضي الله عنه، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تَعَلَّتْ مِن نفاسها تجمَّلَتْ للخُطَّابِ، فدخل عليها أبو السنابل فقال لها: "ما لي أراكِ متجملةً! لعلك ترجين النكاحَ! إنكِ -والله- ما أنتِ بنَاكِحٍ حتى تمر عليكِ أربعةُ أشهر وعَشرٌ"، قالت سُبَيْعَةُ: "فلما قال لي ذلك، جمعتُ عليَّ ثيابي حين أمسيتُ، فأتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسألتُه عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللتُ حين وضعتُ حملي، وأمرني بالتزوج إن بَدَا لي" متفق عليه.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (9/ 475، ط. دار المعرفة): [وفيه: جواز تجمُّلِ المرأة بعد انقضاء عدتها لمن يخطبها؛ لأن في رواية الزهري التي في "المغازي" فقال: "مالي أراك تجملتِ للخُطّاب!" وفي رواية ابن إسحاق: "فتهيأَتْ للنكاح واختضبَتْ"] اهـ.
فأمَّا ما ذهب إليه بعض العلماء من مَنْعِ الأخذ من الحاجبين استنادًا إلى نَهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم من نَتْفِ المرأة لحاجبيها: فهو محمولٌ على ما إذا كان الأخذ من الحاجِبَينِ لغير حاجة، أو قصدت به المرأةُ الفجور، أو أرادت به التمويه على الرجال والتدليس عليهم، ونحو ذلك مما نصَّ عليه العلماء بما فهموه من معنى النهي الوارد في الحديث، فإذا انتفَت هذه المعاني انتفَى القولُ بالمنع، وقد تقرَّر في أصول الشريعة أنَّ "الحكم يدور مع علته وسببه وجودًا وعدمًا"، ولهذا إذا علَّق الشارع حكمًا بسببٍ أو علةٍ زال ذلك الحكم بزوالها، والشريعة مبنيةٌ على هذه القاعدة؛ كما قال الشيخ ابن القيم الحنبلي في "إعلام الموقعين" (5/ 528، ط. دار ابن الجوزي).
فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «لَعَنَ اللهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالنَّامِصَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ» متفق عليه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهو مرويٌّ عن السيدة عائشة رضي الله عنها، وقد سبق أن بيَّنا مذهبها رضي الله عنها في جواز الأخذ من الحاجبين، بل واستحبابه إن كان مُنفِّرًا مؤذيًا.
قال الإمام أبو الفرج ابن الجوزي في "كشف المشكل" (1/ 273، ط. دار الوطن): [وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ المتصنعات من النِّسَاء للفجور؛ لِأَن مثل هَذَا التحسن دأبهن، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهن المموهات على الرِّجَال بِمثل هَذِه الْأَفْعَال لتغرِ المتزوج] اهـ.
وقال الإمام أبو العبَّاس القرطبي في "المفهم" (5/ 444، ط. دار ابن كثير): [واختُلف في المعنى الذي لأجله نهى عنها؛ فقيل: لأنَّها من باب التدليس، وقيل: من باب تغيير خلق الله الذي يحمل الشيطان عليه ويأمر به؛ كما قال تعالى مخبرًا عنه: ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾ [النساء: 119]] اهـ.
وقال الإمام الكرماني في "الكواكب الدراري" (21/ 130، ط. دار إحياء التراث): [وسبب لعنة المذكورات: أن فعلهن تغيير لخلق الله وتزوير وتدليس، قال الخطابي: إنما نهى عن ذلك لما فيه من الغش والخداع، ولو رُخِّصَ في ذلك لاتخذه الناس وسيلة إلى أنواع من الفساد] اهـ.
وعلى ذلك الفهم في توجيه النهي الوارد في الحديث جاءت نصوص الفقهاء على اختلاف مذاهبهم:
- فنصَّ الحنفية على أنَّ النهي عن الأخذ من الحاجبين قد يكون محمولًا على ما إذا فعلته المرأة لتتزين به للأجانب.
قال العلامة ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار" (6/ 373، ط. دار الفكر): [النمص: نتف الشعر، ومنه المنماص المنقاش.. ولعله محمولٌ على ما إذا فعلته لتتزين للأجانب] اهـ.
- ونصَّ المالكية على أنه إذا انتفت علة التدليس وتغيير خلق الله، أو ما يجعله باقيًا أبدًا أو يظهر وكأنَّه من أصلِ الخِلقة: انتفى معنى النهي الوارد في الحديث:
قال القاضي عياض المالكي في "إِكمَال المُعْلِمِ" (6/ 655): [وقد روي عن عائشة رضي الله عنها.. رخصةٌ في جواز النمص وحفِّ المرأة جبينَها لزوجها، وقالت: "أَمِيطِي عَنْكِ الأَذَى".. قال بعض علمائنا: وهذا المنهي عنه المتوعد على فعله فيما يكون باقيًا؛ فإنه من تغيير خلق الله، فأما ما لا يكون باقيًا.. فلا بأس به للنساء والتزين به عند أهل العلم] اهـ.
بل نصَّ بعض المالكية على أنَّ النهي عن الأخذ من الحاجبين إنَّما هو محمولٌ على مَن نُهيَت عن استعمال الزينة امتثالًا للشرع؛ كمَن تُوفي عنها زوجها أو فُقِدَ؛ لأن ذلك منافٍ لمعنى الحِداد عليه.
قال الشيخ أبو الحسن العدوي المالكي في "حاشيته على شرح كفاية الطالب الرباني" (2/ 459، ط. دار الفكر): [النهي محمولٌ على المرأة المنهية عن استعمال ما هو زينةٌ لها؛ كالمُتَوفَّى عنها والمفقود زوجها، فلا يُنافي ما ورد عن عائشة رضي الله عنها من جواز إزالة الشعر من الحاجب والوجه] اهـ.
أي أنَّ الحكم بالمنع في الأحاديث ليس على إطلاقه، بل هو مخصوصٌ بالمرأة المنهية عن الزينة، وقد تقرر أنَّ "جميع عمومات الشرع مخصَّصة بشروط في الأصل والمحل والسبب؛ إما بدليل العقل أو السمع أو غيرهما، وقلَّما يوجد عامٌّ لا يُخصَّص"؛ كما قال حجة الإسلام الغزالي في "المستصفى" (ص: 245، ط. دار الكتب العلمية).
- وأمَّا الشافعية: فهم وإن ذهبوا إلى القول بالكراهة في معنًى من معاني الحديث، إلَّا أنهم نَصُّوا على جواز نفس المعنى عند الحاجة؛ كالعلاج، أو وجود عيبٍ، أو تشويهٍ، أو نحو ذلك، وهذه الأشياء قد تكون ضرورية أو حاجيَّة أو تحسينيَّة:
قال الإمام النووي الشافعي في "شرح مسلم" (14/ 106، ط. دار إحياء التراث العربي) في بيان معنى المُتَفَلِّجَات: [أما لو احتاجت إليه لعلاجٍ أو عيبٍ.. ونحوه: فلا بأس] اهـ.
وكونُ حاجبي المرأة غير مألوفَين أو مُنَفِّرَين لا يخرج عن جملة العيوب المستثناة من الكراهة؛ سواء كان لها زوجٌ أو فعلته رغبةً في النكاح، فيدخل ذلك ضمنَ ما أجازوه للحاجة، وتنتفي الكراهة إن كان تهذيبهما لحاجة معتبرة؛ لما تقرّر في قواعد الفقه أن "الكراهة تزول بأدنى حاجة"، فقد يكون الشيء مكروهًا في أصله، فإذا اقتضته الحاجة انتفت كراهته؛ كما نص عليه الإمامُ ابن مازه الحنفي [ت: 616هـ] في "المحيط البرهاني" (2/ 192، 5/ 403، ط. دار الكتب العلمية)، ونقله العلامة أبو عبد الله المواق في "التاج والإكليل" (6/ 153، ط. دار الكتب العلمية) عن الإمام مالك، والإمامُ النووي في "المجموع" (1/ 486، ط. دار الطباعة المنيرية)، والعلامةُ السفاريني الحنبلي في "غذاء الألباب" (2/ 22، ط. مؤسسة قرطبة).
- وأمَّا الحنابلة: فقد وجَّهوا النهي الوارد في الحديث على معنى النتف، لا على مجرد إزالة الشعر، فإذا أزالت المرأة الشعرَ بطريقةٍ غير النتف جازَ لها ذلك، على أنَّ من العلماء من جعل معنى النِّمَاص: إزالة الشعر منِ الوجه، لا اختصاصه بالحاجبَين.
قال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (1/ 107، دار الفكر): [فأما النامصة: فهي التي تنتف الشعر من الوجه، والمتنمصة: المنتوف شعرها بأمرها؛ فلا يجوز؛ للخبر، وإن حلقت الشعر فلا بأس؛ لأن الخبر إنما ورد في النتف، نصَّ على هذا أحمد] اهـ.
وبناءً على ذلك: فيجوز للمرأة شرعًا تهذيبُ حاجبيها بأخذِ الزائد عليهما، خصوصًا إذا كانا مُنَفِّرَين أو غير مألوفَين؛ كأن يكون الشعر خارجًا عن حدود منابته، أو ممَّا يطول فيؤذي العين، ولا يختلف الحكم بالنسبة للمتزوجة عن غير المتزوجة، بشرط ألَّا يكون ذلك بغرض التدليس والتغرير بالخاطب، ولا يدخل ذلك تحت النهي الوارد في النَّمص ولعنِ مَن تفعله أو ترضى به.
والله سبحانه وتعالى أعلم

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;