مدى تأثير اختلاط اللبن بالدواء في التحريم من الرضاع

تاريخ الفتوى: 22 سبتمبر 2021 م
رقم الفتوى: 5673
من فتاوى: الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام
التصنيف: الرضاع
مدى تأثير اختلاط اللبن بالدواء في التحريم من الرضاع

ما مدى تأثير اختلاط اللبن بالدواء في التحريم من الرضاع؟ فالطفل رضيع ضعيف، ولبن أمه لا يفي بحاجته، فاضطُّرَّتْ إلى الاستعانة بلبن زوجة أخيها مدة؛ فكان الأطباء يأخذون منها اللبن ويضعونه مع الدواء في ببرونة ويعطونه للطفل، وأخبرها الأطباء أنَّ الرضعة الواحدة تحتوي على نسبة دواء وجلوكوز أعلى من نسبة اللبن.
فهل اللبن المأخوذ من المرضعة (زوجة أخي الأم) وتم خلطه مع الدواء في الببرونة يُثْبِتُ الـمَحْرَمِيَّةَ بينها وبين الطفل؛ بحيث تسري بينهما أحكام النَّسب؟ وهل تختلف تلك الرضاعة عن الإرضاع من الثدي مباشرة؟

لا تثبت حرمة النسب من الرضاع المذكور بالسؤال ما دام الدواء أكثر من اللبن بناء على ما قرره الأطباء؛ لأن اللبن إذا اختلط بغيره فالعبرة بالغالب.
ولا يختلف الحكم في كون الرضاع عن طريق الببرونة أو غيرها؛ فلا فرق بينه وبين الرضاع المباشر من المرأة.

المحتويات

مدى تأثير إرضاع الأطفال عن طريق الببرونة في التحريم من الرضاع

مما تقرَّر شرعًا أنّ الرضاعَ يُنَزَّلُ منزلة النَّسَبِ في جملةٍ من الأحكام والآثار؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» متفقٌ عليه، من حديث أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فتثبت به حُرمة النكاح والنظر، والخلوة في السفر والحضر؛ فتصير المرضِعة أُمًّا من الرضاع لِمَن أرضعَته يحرم بها على أصولها وفروعها؛ قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23].
قال الإمام شمس الدين المنهاجي الشافعي [ت: 880هـ] في "جواهر العقود" (2/163، ط. دار الكتب العلمية): [اتّفق الْأَئِمَّة رحمهم الله تعالى على أنه يحرم من الرَّضَاع ما يحرم من النّسَب] اهـ.
وفي حكم الرضاع من ثدي المرأة: إيصالُ اللبن إلى حلق الأطفال عن طريق إفراغه في فم الرضيع أو أنفه، من خلال أُنبوبٍ، وهذه الطريقة تُعرَفُ في الفقه بـ"الإيجار"، و"الوَجُورُ": هو ما سُقِيَه الإنسانُ في وسط فمه"؛ كما قال الإمام أبو بكر بن الأنباري [ت: 328هـ] في "الزاهر في معاني كلمات الناس" (1/305، ط. مؤسسة الرسالة)، أو "ما صُبَّ في الحلق"؛ كما قال الإمام نجم الدين النسفي [ت: 572هـ] في "طلبة الطلبة" (ص:49، ط. المطبعة العامرة)، وهي طريقة صحيحة في الرضاع يتعلق بها حكمه كالرضاع من الثدي، ولا يضر انفصال اللبن عن الثدي حينئذ؛ "لأن اللَّبن لَا يَمُوت" كما قال أبو العالية فيما أخرجه عبد الرزاق في "المصنف".
قال الإمام ابن قُتيبة في "غريب الحديث" (2/45، ط. مطبعة العاني): [أي: لا يبطل عمله بمفارقته.. ومعناه: قول الفقهاء: السعوط والوَجُورُ يحرمان ما يحرمه الرَّضَاع] اهـ باختصار.
قال العلامة ابن نُجيم الحنفي في "البحر الرائق" (3/238، ط. دار الكتاب الإسلامي): [إذا حلبت -أي المرأة- لبنها في قارورة: فإن الحرمة تثبت بإيجار -إرضاع- هذا اللبن صبيًّا، وإن لم يوجد المصُّ، وإنما ذكره لأنه سبب للوصول، فأطلق السبب وأراد الْمُسَبَّبَ، فلا فرق بين المصِّ.. والوَجُورُ] اهـ.
وفي "المدونة" (2/295، ط. دار الكتب العلمية): [قال سحنون: قلت لعبد الرحمن بن القاسم.. أرأيت الوَجُورُ وَالسَّعُوطَ من اللبن أيُحَرِّمُ في قول مالك؟ قال: أما الوَجُورُ: فأراه يُحَرِّمُ] اهـ.
وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي الشافعي في "المهذب" (3/143، ط. دار الكتب العلمية): [ويثبت التحريم بالوَجُورُ؛ لأنه يصل اللبن إلى حيث يصل بالارتضاع، ويحصل به من إنبات اللحم وانتشار العظم ما يحصل بالرضاع] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "الكافي" (3/221، ط. الكتب العلمية): [ويثبت التحريم بالوَجُورُ: وهو أن يُصَبُّ اللبن في حلقه؛ لأنه ينشز العظم وينبت اللحم، فأشبه الارتضاع] اهـ.

مدى تأثير اختلاط اللبن بالدواء في التحريم من الرضاع

الحالة المسؤول عنها والتي يختلط فيها لبن الـمُرضعةِ بالدواء والجلوكوز بنسبةٍ يغلب فيها السائلُ الدوائيُّ اللبنَ، لا تثبت بها حرمة الرضاع؛ لما يترتب عليها من تغيُّرٍ في صفات اللبن بما يرفع عنه وصف اللبنيَّة التي تثبت بها الحرمة الشرعية.
ومن المقرر أنّ الشيء إذا تغيرت حقيقته وتبدل وصفه إلى شيء آخر تغير حكمه تبعًا لذلك؛ كالكحول إذا مزج بمواد التعقيم أو العطر أو الدواء أو المنظفات، والخمرة التي استحالت بنفسها وصارت خلًّا، والخنزير والميتة إذا وقعت في الـمَمْلَحَةِ فتصير مِلْحًا بالاستحالة، والسِّرقين والعَذِرَة إذا احترقت فتصير ترابًا أو رمادًا، ونحو ذلك مما نصَّ عليه الفقهاء.
قال الإمام عز الدين بن عبد السلام الشافعي [ت: 660هـ] في "قواعد الأحكام" (2/164، ط. المكتبات الأزهرية): [ولذلك إذا صار العصير خمرًا تنجس للاستخباث الشرعي، وكذلك إذا صار خلًّا طَهُرَ؛ للتطيب الشرعي والحسي، وكذلك ألبان الحيوان المأكول لَمَّا تبدلت أوصافها إلى الاستطابة طهرت، فكذا المخاط والبصاق والدمع والعرق واللعاب، وكذلك الحيوان المخلوق من النجاسات، وكذلك الثمار المسقية بالمياه النجسة طاهرة مُحَلَّلَة لاستحالتها إلى صفات مُستطابة، وكذلك بيض الحيوان المأكول والمسك وَالْإِنْفَحَة] اهـ.
وقال الإمام القرافي المالكي [ت: 684هـ] في "الذخيرة" (1/188، ط. دار الغرب الإسلامي): [قاعدة تبين ما تقدم.. الأجسام كلها متماثلة، واختلافها إنما وقع بالأعراض، فإذا ذهبت تلك الأعراض ذهابًا كليًّا ارتفع الحكم بالنجاسة إجماعًا، كالدم يصير منيًّا ثم آدميًّا] اهـ.
ولذلك نَصَّ جماهير الفقهاء على أنَّ لبن المرأة إذا اختلط بالماء أو بالدواء فالعبرة بالغالب، فإذا جعل في لبن المرأة دواء فغيَّر غالبَ أوصافهِ: لم تثبت به الحُرمة؛ لأن منفعة المغلوب لا تظهر في مقابلة الغالب: قال العلامة برهان الدين بن مَازَه الحنفي في "المحيط البرهاني" (3/71، ط. دار الكتب العلمية): [ولو خلط لبن المرأة بالماء أو بالدواء أو بلبن البهيمة: فالعبرة للغالب. في "المنتقى": فسَّر الغلبة في رواية ابن سماعة عن أبي يوسف رحمه الله فقال: إذا جُعِلَ في لبن المرأة دواءٌ فغيَّر اللون ولم يتغير الطعم أو على العكس فأوجرته صبيًّا: حرَّم، وإن غير اللون والطعم فلم يوجد طعم اللبن وذهب لونه: لم يُحَرِّم، وفسر الغلبة في رواية ابن الوليد عن محمد رحمه الله فقال: إذا لم يتغير الدواء من أن يكون لبنًا تثبت به الحرمة] اهـ.
وقال العلامة الموصلي الحنفي في "الاختيار لتعليل المختار" (3/119، ط. الحلبي): [(وإذا اختلط اللبن بخلاف جنسه؛ كالماء، والدهن، والنبيذ، والدواء، ولبن البهائم: فالحكم للغالب)، فإن غلب اللبن: تثبت الحرمة، وإلَّا: فلا] اهـ.
وقال العلامة العمراني الشافعي في "البيان" (11/154، ط. دار المنهاج): [إذا خلط لبن المرأة بالماء أو بالعسل أو بغيرهما، وسقي منه الطفل خمس دفعات في خمسة أوقات متفرقة: فإن كانت الغلبة للبن بأن يكون أكثر مما خالطه: نشر الحرمة، وإن كانت الغلبة للماء أو للعسل بأن يكون أكثر من اللبن: فإن كان اللبن مستهلكًا فيما خالطه بحيث إذا وصل شيء مما خلط فيه ذلك اللبن إلى جوف الطفل لم يتحقق أن جزءًا من اللبن حصل في جوف: لم ينشر الحرمة] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (8/175، ط. القاهرة): [قال أبو بكر: قياسُ قول أحمد: أنه لا يحرم؛ لأنه وجور. وحكي عن ابن حامد أنه قال: إن كان الغالب اللبن: حرم، وإلَّا: فلا، وهو قول أبي ثور، والمزني؛ لأن الحكم للأغلب، ولأنه يزول بذلك الاسم والمعنى المراد به، ونحو هذا قول أصحاب الرأي، وزادوا فقالوا: إن كانت النار قد مست اللبن حتى أنضجت الطعام، أو حتى تغير: فليس برضاع.
ووجه الأول: أن اللبن متى كان ظاهرًا فقد حصل شربه، ويحصل منه إنبات اللحم وإنشاز العظم فحرم، كما لو كان غالبًا، وهذا فيما إذا كانت صفات اللبن باقية، فأما إن صب في ماء كثير لم يتغير به: لم يثبت به التحريم؛ لأن هذا ليس بلبن مشوب، ولا يحصل به التغذي، ولا إنبات اللحم، ولا إنشاز العظم.
وحكي عن القاضي: أن التحريم يثبت به، وهو قول الشافعي؛ لأن أجزاء اللبن حصلت في بطنه، فأشبه ما لو كان لونه ظاهرًا.
ولنا: أن هذا ليس برضاع، ولا في معناه، فوجب أن لا يثبت حكمه فيه] اهـ.

الخلاصة

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فلبن الـمُرضعة(زوجة أخي الأم) المخلوط بالدواء والجلوكوز: لا تثبت به المحرمية الشرعية بين صاحبته وبين الطفل الرضيع، ولا تسري بينهما أحكام النَّسب؛ ما دام أنَّ السائل الدوائي يغلب اللبن؛ لأن أثر المغلوب لا يظهر مع الغالب، وهذا لا يُسَّمى رضاعًا، ولا يأخذ حكمه، وليس هذا مبنيًّا على كون الرضاع عن طريق الببرونة؛ فإنه لا فرق بينه وبين الرضاع المباشر من ثدي المرأة إذا توفرت شروط الرضاع المحرم، ولكن لأن اللبن مستهلَكٌ؛ قد غلبه ما خُلِط معه من جلوكوز ودواء.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

الطلب الـوارد مِن إحدى النيابات العامة، بمناسبة التحقيقات التي تجريها في إحدى القضايا، لاستطلاع الرأي الشرعي من دار الإفتاء المصرية، بشأن الشكوى المقدمة من رجل قرر أنه قد فقد بطاقة الرقم القومي الخاصة به، وعثر عليها أحد الأشخاص (مجهول الهوية)، وقام الأخير باستخدامها في الزواج من امرأة بواسطة مأذون شرعي، بقسيمة زواج على غير الحقيقة.
لذلك نرجو إفادتنا بالإفتاء عن مدى صحة عقد الزواج المبرم محل الواقعة؛ لبيان عما إذا كان الزواج باطلًا بطلانًا مطلقًا، أم أن هناك فسادًا في عقد الزواج، وبيان ما إذا كانت الواقعة المذكورة تشكل مواقعة أنثى بغير رضاها من عدمه، أم أن العلاقة الزوجية التي نشأت بين طرفي الزواج هي علاقة شرعية؟


حدث أيام أن كنت صغيرًا أني رضعت من جدتي أم والدتي لمدة يوم أو يومين، ولا أذكر عدد مرات الرضاعة، وأنا الآن أرغب في الزواج من ابنة خالتي، مع العلم بأنني لم أرضع مع خالتي أو ابنتها. فهل هذا جائز شرعًا أم لا؟


ما الحكم الشرعي في كتابة عقد الزواج في منزل أحد العروسين أمام أسرتَيهما وعددٍ محصور من الناس بحضور المأذون وبالصيغة المتعارف عليها، وبعد شهر أو شهرين مثلًا يكون الإشهار في مكان عام، حيث نقوم بإجراء العقد من قبول وإيجاب مرة أخرى أمام جمهور الناس والمدعوين؟


السائل يرغب في الزواج من بنت خاله، وقد أخبرته والدته ووالدة الفتاة التي يرغب الزواج منها بأن الفتاة المذكورة رضعت من والدته رضعتين غير مشبعتين في الأسبوع الأول من ولادتها، ويقرر السائل أنه لم يرضع من والدتها، كما أنهما لم يجتمعا على ثدي امرأة أخرى. ويطلب السائل بيان الحكم الشرعي في هذا الموضوع، وبيان ما إذا كان يحل له الزواج من هذه الفتاة، أم لا؟


امرأةٌ أنجبت ولدين، وامرأةٌ أخرى أنجبت بنتين، أحد الولدين وإحدى البنتين قد رضع كل منهما على الآخر رضاعة كاملة، أما الولد الآخر وهو السائل وكذلك البنت الأخرى فلم يرضع أحد منهما من والدة الآخر، ولم يجتمعا على ثدي مرضعة واحدة. وطلب السائل بيان الحكم الشرعي فيما إذا كان يحل له شرعًا أن يتزوج بالبنت التي لم ترضع من أمه ولم يَرضع من أمها، أم لا يحل هذا الزواج شرعًا.


زوجةُ السائل أرضعت ابن أخته أربع رضعات في الأسبوع الأول لولادته، ثم أنجبت زوجته خمسة أولاد ذكور، وبعدهم وضعت بنتًا، والآن يريد ابن أخته الذي رضع من زوجته أن يتزوج البنت التي أنجبتها أخيرًا. وطلب السائل بيان الحكم الشرعي في ذلك هل يجوز له زواجها أم لا؟


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 01 مايو 2025 م
الفجر
4 :37
الشروق
6 :12
الظهر
12 : 52
العصر
4:29
المغرب
7 : 33
العشاء
8 :57