حكم اختراق الهواتف وأجهزة الحاسوب الخاصة

تاريخ الفتوى: 27 سبتمبر 2020 م
رقم الفتوى: 5058
من فتاوى: الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام
التصنيف: آداب وأخلاق
حكم اختراق الهواتف وأجهزة الحاسوب الخاصة

ما حكم اختراق الهواتف وأجهزة الحاسوب الخاصة؟ فقد ورد سؤال نصه كالتالي: كَثُر في الفترة السابقة ظهور ما يسمى بقراصنة الهواتف وأجهزة الحاسوب (هاكر)، وهم: الذين يقومون باستغلال معرفتهم لتكنولوجيا المعلومات في اختراق الهواتف الشخصية، وأجهزة الحاسوب الخاصة، وقد ترتب على ذلك ظهور الكثير من المشكلات الاجتماعية، والنفسية، التي ترتبت على إفشاء الأسرار الخاصة الموجودة على تلك الأجهزة الخاصة، فما حكم هذا الفعل؟

اختراق الهواتف وأجهزة الحاسوب الخاصة أمرٌ محرَّمٌ شرعًا ومجرَّمٌ قانونًا؛ لما فيه من الاعتداء على الحقوق الخاصة والإضرار بالغير وانتهاك الخصوصية، ويستثنى من ذلك ما تَعَيَّن الاطلاع عليه للضرورة التي تدفع الضرر الخاص أو العام؛ طبقًا لما تحدده جهةُ الإدارةِ المخوَّلةُ بذلك قانونًا.

المحتويات 

 

حث الشرع على احترام خصوصية الآخرين

حافظت الشريعة الإسلامية الغراء على الخصوصية الشخصية لأفراد المجتمع، وكفلت لهم حقوقهم؛ فنهت عن التدخل في شأن أحد دون موافقته أو إذنه؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: 36].
قال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (10/ 257، ط. دار الكتب المصرية): [﴿وَلا تَقْفُ﴾ أي: لا تتبع ما لا تعلم ولا يعنيك] اهـ. والمقصود: أن الله تعالى نهى نهيًا قطعيًّا عن اتباع عورات الناس، وقص آثارهم لمعرفة ما يخفونه من أمورهم الخاصة التي لم تسمح نفوسهم لأحد بالاطلاع عليها.
وفضح عورات الناس، وكشف أسرارهم الخاصة: هو من الأمور المحرَّمة شرعًا، والمجرَّمة قانونًا، بل هو من كبائر الذنوب، وقبائح العيوب؛ لما يترتب عليه من أضرار شخصية، وأحقاد نفسية، ومشكلات اجتماعية، يسببها هؤلاء المتطفلون (ويسمون بالهكرز "Hackers")، فضلًا عما يترتب على نشر هذه الخصوصيات، وما يتركه من آثار نفسية سيئة ومآلات اجتماعية وخيمة يصعب احتوائها؛ نتيجة لمعرفة الناس بما تحتويه هذه الملفات وما تنطوي عليه من أسرار خاصة حجبها أصحابها لخصوصيتها.
ولا يجوز لمسلم أن يتسبب في أذىً لأخيه بأي وجه من الوجوه؛ حسيًّا كان أو معنويًّا، نفسيًّا كان أو جسديًّا؛ فالله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58].
وكما أن في هذا الفعل هدمًا لترابط المجتمع، وقِيَمهُ، وأخلاقه، ففيه أيضًا تَعْدٍّ واضح على الخصوصية الشخصية التي أُمرنا باحترامها.
فالله تعالى أمر عباده بالستر على أنفسهم وعلى غيرهم، وحفظ أسرارهم، والستر يشمل كل ما يسعى صاحبه لستره عن الناس؛ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» متفق عليه.
قال الإمام المَلَطي الحنفي في "المعتصر من المختصر من مشكل الآثار" (2/ 130، ط. عالم الكتب): [أمر الله تعالى عباده بالستر وأن لا يكشفوا عنهم ستر الذي سترهم به فيما يصيبونه مما قد نهاهم عنه لمن سواهم من الناس] اهـ.

من أجل ذلك جاءت السنة النبوية المطهرة لتبين وتقرر هذا المعنى القرآني الراقي في المعاملات المجتمعية، ووجوب حفظ الخصوصية الشخصية للأفراد جميعًا؛ فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» رواه الترمذي وابن ماجه في "السنن".

حكم اختراق الهواتف وأجهزة الحاسوب الخاصة

من المعتاد في هذه الأجهزة الشخصية أن يحتفظ أصحابها فيها بملفاتهم الخاصة بهم وبعائلاتهم؛ من صور ومقاطع فيديو شخصية، ومناسبات عائلية، وغير ذلك من الأمور التي لها طابعها الخاص، ولا يقبل أصحابها لأحدٍ غريب أن يطلع عليها أو يعاينها، وقد تكون مما لا يجوز الاطلاع عليه إلا لذي محرم.
وقد نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن تتبع عورات المسلمين، وبيَّن أن العقوبة على فاعل ذلك مغلَّظةٌ؛ تنبيهًا على كِبر هذا الجرم وفداحته؛ فتوعد من يقوم بذلك بأن وبال فعله سيرجع عليه، وأنه كما فضح غيرَه سيفضحُه غيرُه، وأن ذلك سيصل إليه ولو في قعر داره؛ فعن أبي برزة الأسلميّ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ! لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ» أخرجه الإمام أحمد وأبو يعلى في "المسند"، والترمذي في "السنن" وحسنه، والبيهقي في "شعب الإيمان".
وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن للتصنت على الغير عقوبةً أخروية أيضًا؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «َمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ، وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ، صُبَّ فِي أُذُنِهِ الآنُكُ يَوْمَ القِيَامَةِ» رواه البخاري.
والتصنت على الهواتف والحواسب الخاصة ومعرفة ما تحتويه من معلومات شخصية هو بمثابة دخول البيوت بغير إذن أصحابها؛ فالمنازل ساترة لعورات أهلها، وحرَّم الشرع على غيرهم دخولها وتتبع من فيها ولو بالنظر بغير إذنهم؛ فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: 27].
ونص العلماء على أن التجسس كما يكون على الدور والبيوت، فإنه يكون كذلك على ما يخفيه الإنسان في يده أو ثوبه، ويدخل تحت ذلك: الهواتف وأجهزة الحاسوب الخاصة؛ فكل ذلك يُنَزَّل منزلة الدور في خصوصيتها وحجب ما تحتويه؛ قال الإمام التنوخي المالكي في "شرحه على متن الرسالة" (2/ 249، ط. دار الكتب العلمية): [ولا يسرق سماعًا، ولا يستنشق رائحة يتوصل بذلك إلى المنكر، ولا يبحث عما أخفى في يده أو ثوبه أو دكانه أو داره؛ فإن السعي في ذلك حرام؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12] اهـ.
كما أن هناك من تستدعي وظيفته الاحتفاظ ببعض الملفات الخاصة، لسرعة تنفيذ الأعمال المكلف بها، وهذه الملفات تحتوي على معلومات مهمة عن العمل، وقد يترتب على معرفة غيره بها ضرر كبير، وقد حرمت الشريعة إلحاق الضرر بالآخرين؛ فلا ضرر ولا ضرار.
قال شيخ الإسلام العز بن عبد السلام الشافعي في "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" (2/ 2023، ط. مكتبة الكليات الأزهرية): [وأمَّا السؤال عن عورات الناس لغير مصلحة شرعية فمحرم داخل في قوله: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾] اهـ.
وقوله "لغير مصلحة شرعية": قيد يخرج به جواز ذلك للمصلحة الشرعية؛ كما يفعل ولي الأمر مع المفسدين والخارجين عن القانون حفاظًا على الدولة، وأمن أبنائها، وحمايةً لمقدراتها، وقوة بنيانها وصلابة مؤسساتها الداخلية، والخارجية.

موقف القانون من التعدي على  الحياة الخاصة للآخرين

قد نظم القانون المصري ذلك؛ فنص على معاقبة كل من يعتدي على حرمة الحياة الخاصة للآخرين، سواء كان ذلك بالتصنت عليهم، أو التسجيل لمحادثاتهم، أو تصويرهم، أو نقل صورهم الخاصة بأي وسيلة من الوسائل.
فجاء في قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937م، المادة (309) مكررًا (1) والمعدلة بالقانون 93 لسنة 1995 والذي تم تعديلهما بالقانون رقم 95 لسنة 1996: [يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة كل من اعتدى على حرمة الحياة الخاصة للمواطن، وذلك بأن ارتكب أحد الأفعال الآتية في غير الأحوال المصرح بها قانونًا، أو بغير رضاء المجني عليه:
أ‌- استرق السمع، أو سجل، أو نقل، عن طريق جهاز من الأجهزة أيًّا كان نوعه: محادثات جرت في مكان خاص، أو عن طريق التليفون.
ب‌- التقط، أو نقل بجهاز من الأجهزة أيًّا كان نوعه: صورة شخص في مكان خاص.
فإذا صدرت الأفعال المشار إليها في الفقرتين السابقتين أثناء اجتماع على مسمع أو مرأى من الحاضرين في ذلك الاجتماع، فإن رضاء هؤلاء يكون مفترضًا. ويحكم في جميع الأحوال بمصادرة الأجهزة وغيرها مما يكون قد استخدم في الجريمة، أو تحصل عليه، كما يحكم بمحو التسجيلات المتحصلة عن الجريمة أو إعدامها] اهـ.
ونصت المادة (309) مكررًا (أ) على أنه: [يعاقب بالحبس كل من أذاع، أو سهل إذاعة، أو استعمل ولو في غير علانية، تسجيلًا، أو مستندًا، متحصلًا عليه بإحدى الطرق المبينة بالمادة السابقة أو كان ذلك بغير رضاء صاحب الشأن. ويعاقب بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنوات كل من هدد بإفشاء أمر من الأمور التي تم التحصل عليها بإحدى الطرق المشار إليها لحمل شخص على القيام بعمل أو الامتناع عنه] اهـ.

الخلاصة

بناءً على ذلك: فإن اختراق الهواتف وأجهزة الحاسوب الخاصة، أمرٌ محرَّمٌ شرعًا ومجرَّمٌ قانونًا؛ لما فيه من الاعتداء على الحقوق الخاصة والإضرار بالغير وانتهاك الخصوصية، ويستثنى من ذلك ما تَعَيَّن الاطلاع عليه للضرورة التي تدفع الضرر الخاص أو العام؛ طبقًا لما تحدده جهةُ الإدارةِ المخوَّلةُ بذلك قانونًا.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

ساهم بعض المتصدرين للفتوى وهم غير مؤهلين لها في تشويه صورة الإسلام، فأفتوا بغير فهم ولا إدراك، وليس لديهم أيُّ فكرٍ أو علمٍ يتعلق بفقه الموازنات الشرعية، بين المصالح والمفاسد، وكذلك بفقه المآلات.
كيف نعيد الثقة مع الناس بعدما أضعفها هؤلاء؟


ما الحكم في رجل يُحرِّف الأحاديث النبوية الشريفة عمدًا لغرض في نفسه؟


ما حكم رفع الصوت في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم دون قصد؟ فقد وقف بعضنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند الرأس الشريف يسأله أن يدعو له مشتغلًا بالصلاة والسلام عليه متوسلًا به في حق نفسه مستشفعًا به إلى ربه، وبينا هو في ورد صلاةٍ عليه جاءه بعض العسكر فأمروه بالانصراف، فأبى إذ كان موقفه متأخرًا مبعدًا عن الطريق ليس فيه من إيذاء ولا تضييق على أحد، فجذبوه بالعنف حتى كادوا أن يمزقوا ثيابه وهو يقول نحوًا من: دعني، اتركني يا هذا، أنا مشتغلٌ بالصلاة على رسول الله، أنا في حمى رسول الله، ولم يجاوز نحو هذه الألفاظ، ثم تذكر أنه قد رفع صوته ببعضها دون أن يشعر مع شدة وطأة العسكر عليه رغم حرصه على ألا يرفع صوته هناك بشيء. فهل ترونه قد حبط عمله وضاعت حجته وزيارته، أم ترانا نسمع منكم ما يبشره ويسلي الله به قلبه ويفرج كربه؟ علمًا بأنه قد رأى بعدها في المنام أنه قد أصبح الإمام الراتب لمسجد رسول الله وبعض الناس يتربصون به، علمًا بأنه قصد موقفه الأول بعد ذلك مستخفيًا في الناس متنكرًا حتى لا تراه العسكر، فرأوه فجاءوا إليه مغمومين يطلبون العفو والسماح.


ما حكم الشرع في اختلاء المسجون بزوجته؟


أيهما أفضل عند الله تعالى الغِنى أم الفقر؟ حيث دارَ حوارٌ بيني وبين أحد أصدقائي حول المفاضلة الأخروية بين الغنى والفقر، فكان ممَّا احتجَّ به قول النبي عليه السلام: «يدخل الفقراء الجنَّة قبل الأغنياء بخمسمائة عام نصف يوم»، معقِّبًا بأنَّ هذا النصَّ النبوي خير دليلٍ في مدح الفقر وأهله، فوقع في نفسي حينئذٍ أنَّ هذا الحديث قد يحمل بعض الناس على التكاسل وترك العمل والركون إلى الفقر لتحصيل ذاك الثواب، مع أنِّي أعلم تمام العلم أنَّ الشريعة الغراء تدعو دائمًا إلى العمل وتحثُّ على الإنتاج وتحذِّر من التكاسل؛ فما قولكم في ذلك؟


يقول السائل: نرجو منكم بيانًا شافيًا في التحذير من الاحتكار وبيان خطورته على الفرد والمجتمع.


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 07 أبريل 2026 م
الفجر
4 :8
الشروق
5 :37
الظهر
11 : 57
العصر
3:30
المغرب
6 : 17
العشاء
7 :37