كيف تكون التسويةُ بين الأولادِ عند الهبة لهم في العطايا؟ وهل تكون على قواعدِ الميراث أو لا؟
التسوية بين الأولاد في العطية مستحبةٌ وليست واجبةً، والمختار للفتوى أن صفة التسوية لا تكون على قواعد الميراث، وإنما تكون بإعطاء كل واحد من الأولاد مثل ما أُعطي الآخر، لا فَرق في هذا بين ذكر وأنثى.
المحتويات
الأصلُ المقرر شرعًا أن الإنسان حرُّ التصرف فيما يدخل تحت ملكه؛ ببيعه أو هبته أو وقفه أو إجارته أو غير ذلك من التصرفات الشرعية التي هي فرع عن الملك؛ وقد روى الدارقطني والبيهقي عن حِبَّان بن أبي جَبَلَة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «كُلُّ أَحَدٍ أَحَقُّ بِمَالِهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»، فهذا الحديث يقرِّر أصل إطلاق تصرف الإنسان في ماله.
ومع ذلك فقد طلب الشرع الشريف من المُكلَّف أن يُسَوِّي في خصوص هبته لأولاده فيما بينهم؛ فروى سعيد بن منصور في "سننه" عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «سَاوُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ، وَلَوْ كُنْتُ مُؤْثِرًا أَحَدًا لَآثَرْتُ النِّسَاءَ عَلَى الرِّجَالِ»، ولكن المختار أن هذا الطلب من الشرع محمول على الندب والاستحباب لا على الحتم والإيجاب؛ فإذا وهب الوالد أحد أولاده هبة وخصَّه بها دون باقي إخوته، كان هذا الوالد حينئذٍ تاركًا للمستحب وليس تاركًا للواجب، وترك المستحب لا يترتب عليه إثم.
اختلف العلماء في التسوية المطلوبة بين الأولاد في الهبات والعطايا؛ فذهب الحنفية والشافعية وغيرهم إلى أن التسوية المطلوبة بين الأولاد تكون بإعطاء كل واحد من الأولاد مثل ما أُعطي الآخر، لا فَرق في هذا بين ذكر وأنثى، فتُعطَى الأنثى مثل ما يُعطَى الذَّكَر. انظر: "بدائع الصنائع" (6/ 127، ط. دار الكتاب الإسلامي)، و"روضة الطالبين" (5/ 379، ط. المكتب الإسلامي)، و"الإنصاف" (7/ 136).
وذهب المالكية والحنابلة إلى أن التسوية المطلوبة تكون بقسمة الهبة بين الأولاد على حسب القسمة الشرعية للميراث، فيُجعل للذَّكَر مثل حظ الأنثيين. انظر: "شرح العلامة الخرشي على خليل" (7/ 82)، و"كشاف القناع" (4/ 310، ط. دار الكتب العلمية).
المختار عندنا هو الأول؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم طلب من بَشِير رضي الله عنه أن يهب كلَّ أولاده مثل ما وهب النُّعمان رضي الله عنه؛ وقال له: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَ مَا نَحَلْتَهُ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَلَا أَشْهَدُ عَلَى شَيْءٍ، أَلَيْسَ يَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟» قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَلَا إِذنْ» رواه النسائي، ولم يَستَفصِل منه عن بقية أولاده، أذكور هم أم إناث؟ فدلَّ هذا على أنه لا فَرق بين الذكور والإناث في التسوية المطلوبة بين الأولاد في العطية.
والقاعدة الأصولية أن: "ترك الاستفصال في وقائع الأحوال مع قيام الاحتمال يُنَزَّل مَنزِلة العموم في المقال". انظر: "حاشية العطار على شرح جمع الجوامع" (2/ 24-25، ط. دار الكتب العلمية).
ومعنى القاعدة: أن قضايا الأعيان إذا عُرِضَت على الشارع وهي مُحتَمَلة الوقوع على أحد وجهين أو وجوه، وتَرَك الشارع الاستفصال فيها، فتركُه الاستفصال فيها دليلٌ أن الحُكم فيها مُتَّحِدٌ في الوجهين أو الوجوه. انظر: "حاشية ابن الشاط على الفروق" للإمام القرافي (2/ 88، ط. عالم الكتب).
وقد استدل أصحاب المذهب الثاني بأن أَولَى ما اقتُدِيَ به قِسمةُ الله، والله تعالى قد قَسَم بينهم؛ فجعل للذَّكَر مثل حظ الأنثيين. انظر: "الاستذكار" (7/ 228، ط. دار الكتب العلمية)، و"المغني" (5/ 388، ط. دار إحياء التراث العربي).
ولكن يجاب عنه بقيام الفارق بين الميراث من جهة وبين الهبة حال الحياة من جهة أخرى؛ من حيث إن الميراث مختص بما بعد الموت، ولكل حالٍ أحكام، ومن حيث إن الهبة تطوعٌ وليست فرضًا كالميراث، كما أن الذَّكَر والأنثى إنما يختلفان في الميراث بالعُصوبة، أما بالرحم المجردة فهما فيه سواء؛ كالإخوة والأخوات من الأم.
عليه: فالمختار للفتوى أن التسوية بين الأولاد في العطية مستحبةٌ، وليست واجبةً، وتكون بإعطاء كل واحد من الأولاد مثل ما أُعطي الآخر، لا فَرق في هذا بين ذكر وأنثى.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم جهاز العروس إذا ماتت قبل الزفاف؛ حيث سأل شيخ في رجل زوج ابنته البالغة لآخر على صداق معلوم سلمه لها، ثم أحضر بعض الصناع لتشغيل بعض الجهاز بمنزل والد الزوج لكونه متسعًا، وصار والدها يصرف من مال نفسه في التشغيل، على أنه متى تم وزفت إلى زوجها يعطيها والدها ذلك تمليكًا بلا عوض، ثم ماتت قبل التشغيل، ولم تزف إلى زوجها، ولم تدخل ذلك المنزل أصلًا، فهل حيث ماتت قبل تمام التشغيل وقبل أن تزف إلى زوجها يكون ما بذلك المنزل بل وجميع ما أعده والدها من الجهاز باقيًا على ملك والدها؛ حيث إنه من ماله؟ الرجاء أن تفيدوا الجواب، ولفضيلتكم الثواب.
ما حكم المساواة بين الأولاد في الهبة والعطاء؛ فقد سمعت أحد المشايخ يقول: إنَّ التسويةَ بين الأولاد في الهبة واجبةٌ، فهل هذا صحيح؟
أحد المواطنين المسلمين قد ورث عقارًا بموجب عقد تقسيم لتركة موقع عليه من جميع الورثة الشرعيين وبموافقتهم ورضاهم، ونص على ذلك في العقد، وعلى أنه لا يجوز لأي منهم الرجوع عن هذه القسمة بأي حال من الأحوال، ثم تنازل هذا المواطن عن عقاره المذكور لإحدى الجهات الحكومية لينفق ريعه صدقة جارية للفقراء، هذا التنازل مصدق عليه من الجهات الرسمية، ووافقت الجهة الحكومية وطلبت منه المستندات اللازمة وأرسل إليها جميع المستندات تمهيدًا لنقل الملكية إليها وتنفيذ ما جاء بالتنازل، ولما علم بعض الورثة بهذا التنازل حاولوا أن يثنوه عن تنازله فلم يوافق، فعرضوا عليه شراء العقار، ولكنه صمم على الرفض، فلجؤوا إلى طرق ملتوية ليستولوا على العقار ويمنعوا الجهة الحكومية من تسلمه، وتمكنوا من ذلك فعلًا عن طريق شهادة زور.
ويسأل عن حكم الشرع بالنسبة لهؤلاء المغتصبين، ومدى حق هذا المواطن في تصرفه وهو تنازله عن نصيبه الشرعي في الميراث لهذه الجهة الحكومية في سبيل الله.
ما حكم تمييز أحد الأولاد بمساعدة مالية بسبب طلب العلم؟ حيث يقول السائل: لي ابن متزوج ويعمل مدرسًا، وترقَّى في دراسته إلى أن حصل على الماجستير، وهو ماضٍ في طريقه لنيلِ الدكتوراه، ولا يقدِرُ على مصاريفها.
فهل يجوزُ لي أن أساعدَهُ من مالي دون أَخَواته البنات: متزوجتين وثالثة لم تتزوج؟
يسأل عن أن خالته تُريد أن تهبه وأشقاءه في حياتها جزءًا بسيطًا أقل من ثُلُث تَرِكتها، واهتدى تفكيرها إلى شراء شهادات هبة تضعها بأسماء من تُريد الهبة لهم في حياتها على أن تعود فائدة هذه الشهادات عليها هي فقط طالما بقيت على قيد الحياة، ولا يمكن لمن كُتبت له هذه الشهادات باسمه أن يصرفها أو يصرف أرباحها إلا بعد وفاتها. فما مدى شرعية هذه الهبة؟
ما حكم التسوية بين الأولاد في العطايا والهبات؟ فأنا لي أخ وأربع أخوات، وقد كتب والدنا للذكرين منّا نصف ممتلكاته في حياته، وترك الباقي نرثه جميعًا؛ فهل ما فعله أبي فيه ظلم للبنات؟ أليس ذلك يزرع الأحقاد والكراهية وقطيعة الرحم بيننا؟
وماذا عن هبة النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما لأحد أبنائه بستانًا؛ فَقَالَ له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَعْطَيْتَ كُلَّ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ»؟ وماذا عن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّكَ أَنْ تَتْرُكَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَتْرُكَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ»، وقوله: «لا وَصِيةَ لوارِثٍ»؟
وأعتقد أنّ الذي يباح تمييزه عن إخوته هو الابن من ذوي الهمم، والابن الذي ساعد والده في زيادة ثروته، والذي ليس له حظ من التعليم بأن كان فلاحًا مثلًا، وأن ذلك في مذهب الإمام أحمد بن حنبل فقط دون بقية المجتهدين. فما قولكم؟