حكم ضمان مستخدم السيارة المخالفة المرورية التي ارتكبها

تاريخ الفتوى: 23 ديسمبر 2025 م
رقم الفتوى: 8843
من فتاوى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
التصنيف: التعويضات
حكم ضمان مستخدم السيارة المخالفة المرورية التي ارتكبها

ما حكم ضمان مستخدم السيارة المخالفة المرورية التي ارتكبها؟ فإني أترك مفتاح السيارة أسبوعيًّا للبواب كي ينظفها من الداخل، ثم اكتشفت أنه يستعملها قبل أن يعيد لي المفتاح، وقد صنع بها مخالفة مرورية، فهل يجوز لي تضمينه هذه المخالفة وأخذ قيمتها منه، أو لا؟

تسليم السيارة لشخص معين بغرض محدد لا يمنحه الحق في استخدامها فيما يخالف الغرض المصرح به، والاستخدام غير المصرح به يُعد تعديًا على حق المالك، ويتحمل مسؤولية التعويض عن أي ضرر ناتج عن فعله، وفقًا للمبدأ الفقهي وللقوانين المدنية ذات الصلة.

وما دام الشخص المذكور بالسؤال قد انتهز فرصة انفراده بالسيارة لغَسْلها وتنظيفها فقادها خِلسةً دون إذنٍ من صاحبها، ولم يكن راكبًا معه ولا ملتزمًا بالرقابة عليه -فهو المباشر للمخالفة، ويعدُّ ضامنًا لها، تَعَمَّدَهَا أو لا.

المحتويات

 

حفظ الشرع الشريف للحقوق

أرسى الشرع الحنيف قواعد راسخة ودقيقة لحفظ الحقوق وصون المصالح، ونفى الإضرار بالغير نفيًا مطلقًا، فجعل ذلك من أصول الدين الثابتة، ومبدأ أصيلًا في ضبط المعاملات البشرية؛ إذ فرض على كل مسلم أن يبتعد عن كل ما من شأنه إلحاق الضرر بالآخرين، وأن يسعى بكل جهد للتعويض عما وقع من أضرار، سواء بإعادة الشيء إلى حاله الأصلي إن أمكن، أو بتعويضه بما يقابله من قيمة الضرر الواقع، وهو الأصل الشرعي الثابت في رفع الضرر وإزالته في قول الله تعالى: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: 12]، الذي يعد قاعدة شاملة تعمّ كل ما من شأنه وقوع الضرر، ويؤكد أن حفظ الحقوق واجب لا يُترك للصدفة أو التغاضي، بل هو واجب شرعي متى وقع الضرر.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه؛ وهو نص صريح على وجوب التحري في المعاملات والابتعاد عن كل ما يؤدي إلى أذى الغير، سواء كان متعمَّدًا أو ناتجًا عن إهمال.

قال الإمام الإسنوي في "نهاية السول" (ص: 360، ط. دار الكتب العلمية): [ووجه الدلالة أن الحديث يدل على نفي الضرر مطلقًا؛ لأن النكرة المنفية تعم، وهذا النفي ليس واردًا على الإمكان ولا الوقوع قطعًا، بل على الجواز، وإذا انتفى الجواز ثَبت التحريم وهو المدعى] اهـ.

الحوادث الناشئة عن تسيير المركبات عند الفقهاء

مما يقع فيه الضرر والإضرار حوادث السير والمركبات، والتي استقر الفقهاء بخصوصها على أن الحوادث الناشئة عن تسيير المركبات -وهي الدواب وغيرها من وسائل السير التي كانت تستخدم في زمانهم أو المركبات المعاصرة مهما تطورت وسائلها- وتخضع لأحكام الضمان والمباشرة والتسبب، فيتعلق الضمان بالـمُباشِر في الجملة حتى لو كان غير متعدٍّ، وبالمتسبب في حال كونه متعدِّيًا وإن اختلفوا في بعض الجزئيات.

قال العلامة ابن نجيم في "الأشباه والنظائر" (ص: 243، ط. دار الكتب العلمية): [المباشر ضامن وإن لم يتعمد، والمتسبب لا إلا إذا كان متعمدًا] اهـ.

وسائق السيارة وقت الحادث "البواب" -محل السؤال- يوصف فقهًا بـ "الـمُباشِر"؛ نظرًا لحصول الحادث بفعله من غير أن يتخلل بينهما فِعلُ فاعلٍ مختار.

قال العلامة الحموي في "غمز العيون والبصائر" (1/ 466، ط. دار الكتب العلمية): [حد المباشر أن يحصل التلف بفعله من غير أن يتخلل بين فعله والتلف فعل مختار. كذا في "الولوالجية" من كتاب القسمة] اهـ؛ وهو تعريف دقيق يعين حدود المسؤولية بين المباشر والمتسبب، ويقرر أن الضمان قائم على مَن يتحكم فعليًّا في الوسيلة التي أدى استعمالها إلى الضرر مهما اختلفت الوسيلة، سواء كانت مركبة حديثة أو دابة في زمن سابق.

وقد تناول الفقهاء مسألة جناية الدابة، فقالوا: إن صاحب الدابة إذا لم يكن معها ولم يكن له يد فيها، فإن الجناية لا تقع عليه، وإنما يقع الضمان على مَن يقودها أو يتحكم فيها، وهو المقياس الذي يُستأنس به في المركبات الحديثة، مع حفظ الفارق بينهما وكون الأخيرة آلة لا تسير إلا بفعل.

وقد فرق الفقهاء بين وجود صاحب الدابة معها حال الجناية نفيًا أو إثباتًا عِلةً للحكم بالضمان عليه أو عدمه، وحاصل كلامهم أنهم قد اتفقوا على أن جناية الدابة لا تكون مضمونة على صاحبها في حالة ما إذا لم يكن معها ولم تكن له يد عليها، سواء كانت واقفة أو سائرة، وإنما يكون الضمان حينئذٍ على القائد أو الراكب أو السائق -وهو الذي يقدم الدابة أَمَامه فِي السّير- على اختلاف بينهم وتفصيل.

قال شمس الدين البابرتي الحنفي في "العناية شرح الهداية" (10/ 325، ط. دار الفكر): [واعلم أن جناية الدابة لا تخلو من أوجه ثلاثة: لأنها إما أن تكون في ملك صاحبها، أو في ملك غيره، أو في طريق المسلمين... وإن كانت في طريق المسلمين... سائرة، فإما أن يكون صاحبها معها أو لم يكن... وإن كان الثاني فلا ضمان عليه في الوجوه كلها] اهـ.

وقال العلامة الزرقاني المالكي في "شرحه على مختصر خليل" (8/ 208، ط. دار الكتب العلمية): [والسائق والقائد والراكب ضامنون لما وطئت الدابة؛ أي: كل واحد ضامن، معناه إن جاء العطب من فعل المذكورين، فيوافق ما مر عن "المدونة" من أن ما ضربته بيدها أو رجلها يضمنه مُسَيِّرُها إن كان مِن فعله] اهـ.

وقال الخطيب الشربيني الشافعي في "مغني المحتاج" (5/ 542، ط. دار الكتب العلمية): [(مَن كان مع دابة أو دواب) سواء أكان مالكًا أم مستأجرًا أم مودعًا أم مستعيرًا أم غاصبًا (ضمن إتلافها) بيدها أو رجلها أو غير ذلك (نفسًا ومالًا ليلًا ونهارًا) لأنها في يده، وعليه تعهدها وحفظها، ولأنه إذا كان معها كان فعلها منسوبًا إليه] اهـ.

وقال شمس الدين ابن قدامة الحنبلي في "الشرح الكبير" (5/ 454، ط. دار الكتاب العربي): [فأما إن كانت جنايتها بفعله مثل أن كبحها أو ضربها في وجهها ونحو ذلك، فإنه يضمن جناية رجلها؛ لأنه السبب في جنايتها، فكان عليه ضمانها] اهـ.

ومنه: يتضح أن الضمان مرتبط بالسيطرة الفعلية على الوسيلة، وأن مجرد التسليم لغرض محدد لا ينقل معه أي حق في استعمالها بما يخالف الغرض المصرح به.

حكم الضمان على مستخدم السيارة بغير إذن صاحبها

بالنظر إلى محل السؤال: فإن "البواب" الذي يُسلَّم إليه مفتاح السيارة أسبوعيًّا لغسلها وتنظيفها، ثم استغل هذه الفرصة واستعمل السيارة في غير الغرض المحدد، يُعد المباشر لما يحدث نتيجة فعله؛ إذ إن مجرد تسليمه المفتاح لغرض محدد لا يمنحه حق استعمال السيارة بأي شكل آخر، والاستخدام غير المصرح به يُعد تعديًا صريحًا على حق المالك، ويقع تحت قاعدة: "المباشر ضامن وإن لم يتعمد"، وهو حكم ينسجم مع المبادئ القرآنية والنبوية في حفظ الحقوق ومنع الإضرار بالآخرين، ويؤكد أن الضرر المترتب على فعل غير مصرح به يقع على فاعله ولا يعفيه التسليم أو التفويض الجزئي.

وهذا يتوافق مع ما قام به المشرع المصري في تنظيم السير والمخالفات؛ حيث أخذ على عاتقه ضبط حركة المركبات حفاظًا على الأمن العام وسلامة الأفراد، فجاء في القانون المصري عددٌ من الأحكام والعقوبات التي تهدف إلى تحقيق السلامة وردع كل مَن يستخدم المركبة بغير ترخيص أو يستخدمها في غرض غير مرخَّص له، كما لو قادها شخص غير صاحبها أو غير مفوَّض بذلك.

وفيه: أنه إذا أتلف مميزٌ مالًا بسبب قيادته سيارةً غير مملوكة له ولم يكن تابعًا لمالك السيارة، أو لم يكن مالك السيارة ملتزمًا بالرقابة عليه قانونًا أو اتفاقًا، فيلتزم بالضمان دون المالك؛ لأنَّه المباشر للخطأ؛ وذلك طبقًا لما قررته المادة 163 من القانون المدني المصري رقم 131 لسنة 1948م؛ حيث نصت على أنَّ:  [كل خطأ سبب ضررًا للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض] اهـ.

وما قررته الفقرة الأولى من المادة 164 من القانون ذاته؛ حيث نصت على أنَّه: [يكون الشخص مسؤولًا عن أعماله غير المشروعة متى صدرت وهو مميز] اهـ.

ومن هنا يظهر أن المطالبة بتعويض قيمة المخالفة من "البواب" هي حق مشروع، وواجب شرعي على من تسبّب في الضرر، وهي من مقتضيات حماية الحقوق وحفظ الأموال، بما يتوافق مع المقاصد الشرعية في حفظ النفس والمال وتحقيق المصلحة العامة والخاصة.

وينبغي في مثل هذه الحالات الحرص على توثيق الواقعة بما يفيد المطالبة بالحق، واتخاذ التدابير الاحترازية لمنع تكرار الفعل الضار؛ إذ إن حرص المالك على حماية حقوقه والتصرف بحكمة وحزم يتوافق مع الشرع، ويحقق التوازن بين حفظ الحقوق الفردية وصيانة النظام العام، فالضرر مدفوع مرفوع، والحق ثابت، والمطلوب من المالك أن يسعى لإزالة أثر الفعل الضار بما يكفل استقرار الحقوق ويحقق العدالة بين الناس، ويظل هذا الحق مشروعًا لا مراء فيه، ويعكس الالتزام الصارم بمقتضيات الشرع في حفظ الحقوق المادية والمعنوية، مع مراعاة الدقة في التمييز بين من له سيطرة فعلية على الوسيلة ومن سلمها لغرض محدد، وهو ما يعزز مبدأ المسؤولية الفردية، ويضمن عدم تكرار الضرر، ويحفظ الحقوق والواجبات على السواء، ويجعل التعامل مع هذه الحوادث مقرونًا بالوعي الشرعي، والفهم الدقيق للمسؤوليات المترتبة على كل طرف.

الخلاصة

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن تسليم السيارة لشخص معين بغرض محدد لا يمنحه الحق في استخدامها فيما يخالف الغرض المصرح به، والاستخدام غير المصرح به يُعد تعديًا على حق المالك، ويتحمل مسؤولية التعويض عن أي ضرر ناتج عن فعله، وفقًا للمبدأ الفقهي وللقوانين المدنية ذات الصلة.

وما دام هذا الشخص المذكور قد انتهز فرصة انفراده بالسيارة لغَسْلها وتنظيفها فقادها خِلسةً دون إذنٍ من صاحبها، ولم يكن راكبًا معه ولا ملتزمًا بالرقابة عليه -فهو المباشر للمخالفة، ويعدُّ ضامنًا لها، تَعَمَّدَهَا أو لا.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

ما حكم أخذ التعويض عن حوادث السير؛ ففي أحد الأيام وأثناء قيام قطار السكة الحديد بإحدى المحطات حاول الركوبَ طالبٌ بالمدرسة الثانوية الصناعية، فانزلقت إحدى قدميه بسبب وجود فراغ بين الرصيف وعربات القطار وانخفاض الرصيف عن مستوى النزول من القطار، فسقط بين الرصيف والقطار مما أدى إلى بتر كامل من أعلى الفخذ في الساق اليسرى وتهتك المثانة والحوض وفشل كلوي حاد يحتاج إلى غسيل يومًا بعد يوم، نقل على أثرها إلى المستشفى ومكث بها أحد عشر يوما عاشت فيها الأسرة ظروفًا صعبةً جدًّا تناول فيها العلاج ومن خارجها على نفقتنا الخاصة من مستلزمات طبية وتحاليل وعلاج وخلافه، وقد أكرمه الله تعالى وتوفي إلى رحمة الله تعالى بعد تدهور حالته الصحية. اختلطت الأمور علينا واختلفت الآراء؛ فمنهم من يقول: لكم الحق في صرف تأمين ركاب من هيئة السكك الحديدية. وآخر يقول: لكم الحق في التعويض. وآخر يقول: يتم عمل مصالحة مع الهيئة بدون رفع قضايا وأخذ حقكم. والله نسأل أن يهدينا إلى أحسن الأعمال، ونحن أسرة تتكون من ثلاثة شباب منهم متزوج ويعول والاثنان ليس بعد، وثلاث إناث متزوجات والأم.


ما حكم الاشتراك في صندوق الزمالة بالشركات؟ وهل هذا تبرعٌ أو يُعَدّ من الربا؟


هل التعويض عن الضرر الأدبي جائز في الإسلام أم غير جائز؛ أي أن يطالب شخص بتعويض مالي من شخص آخر سبَّه مثلًا أو أهان كرامته فقط دون أن يترتب على ذلك ضرر مادي؟ ويطلب الإفادة عن ذلك شرعًا.


هل رعاية أهالي الجنود لها أصل في الشريعة الإسلامية؟ وما ثواب ذلك الأمر؟


ماحكم ضمان البائع إذا تلفت السلعة عنده بعد تمام البيع؛فأنا اشتريت شاشة تلفزيونية من أحد المتاجر، ودفعت ثمنها، وبعد استلامها تركتها عند البائع لشراء حاجة من محل قريب والعودة سريعًا، وعند عودتي وجدتها مكسورة، وأخبر الشهودُ من الزبائن أنها سقطت من يد البائع رغمًا عنه أثناء حملها لوضعها في مكان آمن. وقد عرض عليَّ أن يتحمل الثمن أو جزءًا منه على اعتبار أنه كان مسؤولًا عن حفظها، وأنا رفضت ذلك.

وسؤالي: هل كان يجب على البائع أن يتحمّل شيئًا من ثمنها كما عرض عليَّ؟


ما حكم ضمان ما يُتلفه الحيوان؟ فقد كان للسائل حمار مربوط بالحقل، فمر أحد المارة وهو يركب حمارًا آخر، فصاح عند مروره بحمار السائل، وإن حمار السائل حينئذ قطع الحبل المقيد به وانفلت وجرى وراء الحمار الآخر واشتبك معه، وسقط الراكب من على دابته وكسرت ساقه اليسرى، وادعى أن حمار السائل رفسه في ساقه فكسرها، وقد طالب المصاب السائل بتعويض عن إصابته. ويطلب السائل بيان الحكم الشرعي في هذه الواقعة.


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 09 أبريل 2026 م
الفجر
4 :6
الشروق
5 :35
الظهر
11 : 56
العصر
3:30
المغرب
6 : 18
العشاء
7 :38