حكم قصر الصلاة لمن غيّر محلّ إقامته حال سفره إلى بيته في البلد

تاريخ الفتوى: 15 مارس 2026 م
رقم الفتوى: 8895
من فتاوى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
التصنيف: الصلاة
حكم قصر الصلاة لمن غيّر محلّ إقامته حال سفره إلى بيته في البلد

ما حكم قصر الصلاة لمن غيّر محلّ إقامته حال سفره إلى بيته في البلد؟ فقد انتقل رجل بشكل دائم مع زوجته وأولاده لمحافظة أخرى نظرًا لظروف عمله، وأحيانًا يذهب إلى شقته في البلد لقضاءِ يومٍ أو يومين مع أبويه، فهل له أن يترخَّص بقصر الصلاة فيها باعتباره مسافرًا؟

سفرُ الرجل المذكور من محل إقامته الحالي الذي انتقل إليه مع وزوجته وأولاده، إلى بلده القديم الذي تركه وانتقل عنه وقطع استيطانه إياه وإن بقيت له فيه روابط من نحو شقة أو لا يزال والداه يقيمان فيه -لا يُخرجه عن وصف السَّفر؛ إذ العِبرة في سقوط أحكام السفر بالاستقرار الفعلي في المكان الجديد، أو وجود نيةِ إقامةٍ تثبت حالة الاستقرار وتلغي حكم الارتحال، أما مجرّد بقاء الروابط في بلده القديم، أو زيارته لفترةٍ قصيرةٍ لا تُفيد استيطانًا ولا إقامةً مُعتبرة، فلا يُعيد للوطن المنقضي حكمَه، ولا يُسقط أثر الانتقال عنه، ومن ثم فلا مانع حينئذٍ من ترخُّصه بقصرِ الصَّلاةِ الرباعية في اليوم أو اليومين اللذين يمكثهما في شقته وعند أبويه في البلد، ولا حرج عليه في ذلك؛ لبقاء وصف السفر قائمًا في حقه، وثبوت أحكامه عليه.

المحتويات

 

مشروعية قصر الصلاة في السفر

شرع اللهُ تعالى قصرَ الصلاة المكتوبة تخفيفًا عن المكلفين، ورفعًا للحرج عن المسافرين، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: 101]، وقد ورد عن يعلى بن أمية رضي الله عنه قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فقد أمِن الناس، فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، فقال: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيكُم، فَاقبَلُوا صَدَقَتَهُ» أخرجه الإمام مسلم.

فقد اقتضت حكمةُ الشَّارع أن يُخفِّف عن المكلفين حال السفر بعض ما أوجبه عليهم، مع بقاء أصل الفريضة، وتقليلِ كلفتها، ليظلَّ التكليف قائمًا على سنن الاعتدال، غير مفضٍ إلى ضيق أو حرج؛ تحقيقًا لمقصد الرحمة والتيسير الذي جاءت به الشريعة الغراء.

حكم قصر الصلاة لمن غير محل إقامته حال سفره إلى بيته في البلد

الموضع الذي استقرت فيه قدم الإنسان، واطمأنت إليه نفسه، واتَّخذه مقرًّا دائمًا لمعاشه مع زوجه وولده، ومجتمعًا لشمله وسكنه، بحيث تنتظم فيه شؤونه، وتستقر به أحواله، وتقوم به مصالحه على وجه يفيد دوام العيش واستقرار الحال، فإنه يعد محل إقامة ووطنًا له -وإن لم يكن موطن ميلاده أو نشأته-، تسري عليه فيه أحكام الإقامة.

فإذا انتقل الإنسان بأسرته من بلدٍ إلى آخر متخذًا إياه مقرًّا له -على جهة التأبيد- بدلًا عن الأول، وانتفت نية الارتحال عنه أو الانتقال منه أو الرجوع إلى المحل السابق، انعقدت له أحكام الإقامة في محل إقامته الجديد، وزالت عنه في المحل السابق، ومتى ثبت وصف الإقامة فيه لزمه إتمام الصلاة.

قال الإمام ابن عبد البر في "الاستذكار" (2/ 249) مبينًا هيئة صلاة المهاجرين حال دخولهم مكة بعد استقرارهم بالمدينة: [إن أهل مكة لما أمروا بالهجرة عنها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يتخذها أحد منهم بعد ذلك دار إقامة، فكان مَن قَدِم منهم إلى الحج لا ينوي إقامةً، وكان يصلي صلاة المسافر حتى يخرج] اهـ.

وقال الإمام ابن نُجيم في "البحر الرائق" (2/ 147، ط. دار الكتاب الإسلامي): [وطن الإنسان في بلدته أو بلدة أخرى اتخذها دارًا وتوطَّن بها مع أهله وولده، وليس من قصده الارتحال عنها بل التَّعيش بها] اهـ.

ويترتب على ذلك أنَّه إذا سافر الإنسان من محل إقامته الحالي المُستقر به -باتِّخاذه دار إقامة ومعاشٍ- والقاطن فيه مع أسرته من زوجته وأولاده، والمنعقد فيه مصالحه وشؤون معايشه، إلى البلد الذي ولد فيه ونشأ وترعرع وتزوج، وله فيه بعض العلائق، من شقة سكنية قائمة وبعض الأهل -وهما الأبوان-، مع كونه قد تركها كموطنٍ للإقامة والاستقرار، واتخذ غيرها دار إقامة له، ولم يَعُد قصده متعلِّقًا ببلده إلا تعلُّقَ زيارةٍ عارضةٍ -للاطمئنان على والديه أو نحو ذلك- لا السُّكنى الدائمة، ولا الإقامة القاطعة لحكم السفر، فإنَّ مجرد وجود تلك العلائق لا يُخرجه عن وصف السفر، ولا يقطع أحكامه، ولا يرفع عنه رخصه، ولا يُنزله منزلة المقيم، فيكون له قصرُ الصَّلاةِ الرُّباعيَّة -متى استوفى شرائط القصر وانتفت موانعه-، ونحو ذلك من رُخصِ السَّفر الأخرى.

والأصل في ذلك: ما ورد من آثار تفيد أنَّ دخول المُسافر بلدًا له فيه أهل أو منزل أو نحو ذلك لا يترتب عليه سريان أحكام الإقامة عليه، ولا يُسقط عنه وصف السَّفر ما دام قد انتقل استيطانه إلى غيره؛ لفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما جرى عليه عمل الصحابة من بعده كأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه.

فعن عِمران بن حُصين رضي الله عنه قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وشهدت معه الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين ويقول: «يَا أَهلَ البَلَدِ، صَلُّوا أَربَعًا، فَإِنَّا قَومٌ سَفْرٌ» أخرجه الإمام أبو داود.

وعن سالم بن عبد الله عن أبيه رضي الله عنهما أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قَدِم مكة صلَّى بهم ركعتين، ثم يقول: «يَا أَهلَ مَكَّةَ، أَتِمُّوا صَلَاتَكُم، فَإِنَّا قَومٌ سَفْرٌ» أخرجه الإمام مالك، والطبراني في "المعجم الكبير".

وقد تواردت على ذلك نصوص الفقهاء، وتتابعت عليه عباراتهم.

قال الإمام الحطاب في "مواهب الجليل" (2/ 149، ط. دار الفكر): مبينًا ما يستثنى من أحكام تقطع حكم القصر، كدخول موضع زوجة مدخول بها: [احترز به مما لو كان له بقرية ولد أو مال، فإنها لا تكون وطنًا] اهـ.

وقال الإمام الدردير في "الشرح الكبير" ومعه "حاشية الشيخ الدسوقي" (1/ 363، ط. دار الفكر): [(وقطعه) أيضًا (دخول وطنه) المار عليه، بأن كان بمحل غير وطنه، وسافر منه إلى بلد آخر، ووطنه في أثناء الطريق، فلما مر عليه دخله: فإنه يتم ولو لم ينو إقامة أربعة أيام، وحينئذ فلا يتكرر مع قوله: "وقطعه دخول بلده". ثالثها: قوله: (أو) دخول (مكان زوجةٍ دخل بها فقط) قيدٌ في "دخل"؛ إذ ما به سريةٌ أو أمُّ ولدٍ كذلك، ويحتمل أنه قيدٌ في "زوجةٍ" أيضًا، يحترز به عن الأقارب، كأم أو أب، وإنما كان مكان الزوجة قاطعًا لأنه في حكم الوطن] اهـ.

قال الشيخ الدسوقي محشيًا: [والحاصل أن دخول بلده أو وطنه يقطع القصر ولو كان ناويًا للسفر حيث لم يرفض سكناها، فإن رفض سكناها فلا يكون دخوله موجبًا للإتمام إلا إذا نوى إقامة أربعة أيام، ومحل اعتبار الرفض: إذا لم يكن له بها أهل حين الرفض، فإن كان بها له أهلٌ -أي: زوجة- فلا عبرة به] اهـ.

وقال الإمام العُمرَانيُّ في "البيان" (2/ 472، ط. دار المنهاج): [فإن دخلَ المسافرُ في طريقه بلدًا له فيها أهلٌ ومالٌ، ولم ينو الإقامةَ فيها، فإنَّ له أن يَقْصُرَ فيها؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حجَّ معه خلقٌ كثير من المهاجرين، وكذلك حجَّ أبو بكرٍ رضي الله عنه بالناسِ في زمانِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك عمر وعثمان رضي الله عنهما حجَّا بالناسِ، وكان لهم بمكة دُورٌ، وأهلٌ، وقرابةٌ، ولم يُنقَل أنَّ أحدًا منهم أتمَّ الصَّلاة، بل نُقِلَ أنَّهم قصروا فيها] اهـ.

وقال الإمام شمس الدين الرملي في "نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج" ومعه "حاشية العلامة الشبراملسي" (2/ 306، ط. دار الفكر) في بيان الفرق بين المسافر والمستوطِن الذي تنعقد به صلاة الجمعة: [والمستوطِن هنا مَن (لا يظعن شتاءً ولا صيفًا إلا لحاجة) كتجارة وزيارة، فلا تنعقد بغير المتوطِّن، كمن أقام على عزمِ عودِهِ إلى وطنه بعد مدةٍ ولو طويلةً، كالمتفقهة والتجار؛ لعدم التوطن] اهـ.

قال العلامة نور الدين بن علي الشبراملسي محشيًا: [لو سكن ببلدٍ بأهله، عازمًا على أنه إن احتيج إليه في بلده -كموت خطيبها أو إمامها مثلًا- رجع إلى بلده، فلا تنعقد به الجمعة في محل سكنه؛ لعدم التَّوطن، وأفهَمَ قولُه: "على عزم عوده" أنَّ مَن عزم على عدم العود انعقدت منه؛ لأنها صارت وطنه] اهـ. فأفاد ذلك أنَّ مجرد السكنى في بلدٍ لا يكفي في تحقُّق التوطن المعتبر شرعًا، بل لا بدَّ من اقترانها بقصد الاستقرار وانتفاء نية الرجوع إلى غيره، وإلَّا لم تترتب على هذه السُّكنى أحكام الإقامة.

الخلاصة

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإنَّ سفر الرجل المذكور من محل إقامته الحالي الذي انتقل إليه مع وزوجته وأولاده، إلى بلده القديم الذي تركه وانتقل عنه وقطع استيطانه إياه وإن بقيت له فيه روابط من نحو شقة أو لا يزال والداه يقيمان فيه -لا يُخرجه عن وصف السَّفر؛ إذ العِبرة في سقوط أحكام السفر بالاستقرار الفعلي في المكان الجديد، أو وجود نيةِ إقامةٍ تثبت حالة الاستقرار وتلغي حكم الارتحال، أما مجرّد بقاء الروابط في بلده القديم، أو زيارته لفترةٍ قصيرةٍ لا تُفيد استيطانًا ولا إقامةً مُعتبرة، فلا يُعيد للوطن المنقضي حكمَه، ولا يُسقط أثر الانتقال عنه، ومن ثم فلا مانع حينئذٍ من ترخُّصه بقصرِ الصَّلاةِ الرباعية في اليوم أو اليومين اللذين يمكثهما في شقته وعند أبويه في البلد، ولا حرج عليه في ذلك؛ لبقاء وصف السفر قائمًا في حقه، وثبوت أحكامه عليه.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

ما حكم قضاء التكبيرات لمن أدرك الإمام وهو راكع في الركعة الأولى من صلاة العيد؟ فهناك رجلٌ أدرك الإمام في صلاة العيد وهو راكعٌ في الركعة الأولى، ويسأل: هل يقضي ما فاته مِن التكبيرات الزائدة في هذه الركعة؟


هل يأخذ الجورب حكم الخف في المسح عليه؟ وإذا كان كذلك فما صفة المسح؟ وما مدته بالنسبة للمقيم والمسافر؟ وما مبطلات المسح؟


ما حكم الكلام أثناء سماع الأذان؟


ما هي مبطلات المسح على الخفين؟ حيث إن هناك رجلًا يقوم بالمسح على الخفين، ولكنه يكون مقيمًا أحيانًا، ومسافرًا في بعض الأوقات، ويسأل: متى يكون المسح على الخفين باطلًا وغير صحيح؟


ما حكم البيع الإلكتروني بعد الأذان لصلاة الجمعة وقبل الوصول للمسجد؟


أيهما أفضل الصلاة في أول وقتها منفردا أم في آخر وقتها جماعة؟ فهناك مجموعة من الرجال يعملون في مزرعة بعيدة عن العُمران، ويسأل أحدهم: حين يدخل وقت الصلاة وأريد أن أصلي في أول الوقت في جماعة، يطلب مني زملائي في العمل الانتظار لمدة من الزمن حتى يفرَغوا مما في أيديهم ونصلي معًا في جماعة، فأيُّ الأمرين أفضل لي ثوابًا وأقرب امتثالًا لأمر الله عَزَّ وَجَلَّ بإقامة الصلاة والمحافظة عليها: الصلاةُ منفردًا في أول الوقت، أم انتظار الجماعة وإن تأخَّرَت عن أول الوقت؟


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 27 أبريل 2026 م
الفجر
4 :42
الشروق
6 :16
الظهر
12 : 53
العصر
4:29
المغرب
7 : 30
العشاء
8 :53