ما هي الضوابط الشرعية عند إنشاء المقابر؟ حيث إننا بصدد تنفيذ مشروع مقابر، وبصفتنا المالكين للمشروع وقبل الشروع في إجراءات التراخيص والتنفيذ، نرغب في الوقوف على الضوابط الشرعية الواجب مراعاتها عند إنشاء المقابر وتجهيزها بما يضمن توافق المشروع مع أحكام الشريعة الإسلامية وآداب الدفن وأحكام الجنائز.
فضلَّ الشرعُ الشريفُ الإنسانَ وكرَّمه، فشَرَع له بعد مَمَاتِهِ قبرًا يُواريه ويحفظه؛ صيانةً لحرمته وحفظًا لأمانته، والأصل في القبر أن يُعَمَّقَ في الأرض مَحَلِّ الدَّفن، وأقل ذلك أن يكون على قَدْر قامَة الإنسان الذي يَرفع يدَه فوقَه، وأن يكون بطول الميت، وعرضه نصف طوله إن كان في صورة لحد أو شقٍّ، فإن لم تَصلُح الأرضُ لأيٍّ منهما فلا مانِع مِن الدَّفن في الفَسَاقِيِّ والغُرَف ونحوها، بشرط أنْ تُحَقِّق المطلوب شرعًا في القبر، من نحو أن يُوَارِي القبرُ جسدَ الميت فيَستُره ويَكتم رائحتَه عن الأحياء، وأن يكون تصميمُه الهندسي بحيث يوضَع فيه الميت على جنبه الأيمن مُستقبِلًا بوجهه وشِقِّه الأيمن القِبلةَ، وأن يكون مُحكَم الإغلاق؛ ليَحفَظه مِن الاعتِداء عليه بسرقةٍ أو نبشِ سِبَاعٍ أو نحوهما، وأن يكون ممهدًا مستويًا من داخله، ولا بأس بأن توضع عليه علامة تميزه من الخارج حتى يُعرف صاحبه، وهذا كله مع مراعاة اللوائح والقوانين المنظِّمة لذلك.
المحتويات
مما كرَّم اللهُ تعالى به الإنسانَ وفضَّله على سائر المخلوقات أنْ شَرَع له بعد مَمَاتِهِ قبرًا يُواريه، وكِنًّا يستتر فيه؛ صيانةً لحرمته وحفظًا لأمانته، حتَّى لا تنتشر رائحته، أو تنهشه السباع أو الجوارح، أو ينبشه سارق، أو ينتهكه معتدٍ، فقال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: 55]، وقال سبحانه في مَعرِض الِامتِنان: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: 25- 26]، وقال جلَّ شأنه: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُۥ﴾ [عبس: 21].
وقد أَجمَعَ المسلمون على أنَّ دَفن الميت ومُوَارَاةَ بَدَنِهِ فرضُ كِفَايَةٍ على الناس، إذا قام به بَعضٌ مِنهم أو مِن غيرهم سَقَط عن الباقين.
قال الإمام ابن المنذر في "الإجماع" (ص: 44، ط. دار المسلم): [وأجمعوا على أن دفنَ الميت لازمٌ واجبٌ على الناس لا يسَعُهم تركه عند الإمكان، ومن قام به منهم سقط فرض ذلك على سائر المسلمين] اهـ.
وقال الإمام النووي في "المجموع" (5/ 282، ط. دار الفكر): [دفن الميت فرض كفاية بالإجماع، وقد عُلِمَ أن فرضَ الكفاية إذا تَعَطَّلَ أَثِمَ به كل من دخل في ذلك الفرض دون غيرهم] اهـ.
الأصل في القبر أن يُعَمَّقَ في الأرض مَحَلِّ الدَّفن، وأقل ذلك أن يكون على قَدْر قامَة الإنسان العادي الذي يَرفع يدَه فوقَه، أي: مترين وربع المتر تقريبًا، كما يُراعَى في تهيئة القبر وإعداده طولُ الميت، وأن يكون عَرضُه على قَدْرِ نصف طولِه، وإن زادت على ذلك فهو حسن.
قال العلامة شيخي زاده في "مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر" (1/ 186، ط. دار إحياء التراث العربي): [(ويحفر القبر) وهو مقر الميت طوله على قدر طول الميت، وعرضه على قدر نصف طوله، وعمقه إلى السرة. وقيل: إلى الصدر، وإن زاد عليه فهو أفضل، فلو كان على قدر قامته فهو أحسن] اهـ.
وقال العلامة ابن عابدين في "رد المحتار" (2/ 234، ط. دار الفكر): [(قوله: مقدار نصف قامة إلخ) أو إلى حَدِّ الصدر، وإن زاد إلى مقدار قامةٍ فهو أَحْسَنُ، كما في "الذخيرة". فعُلِمَ أنَّ الأدنى نصفُ القامة، والأعلى القامةُ وما بينهما، "شرح المُنية". وهذا حَدُّ العُمق، والمقصود منه: المبالغة في مَنْعِ الرائحة ونَبْشِ السِّباع. وفي القُهُسْتَاني: وطولُه على قَدْرِ طولِ الميتِ، وعَرْضُه على قَدْرِ نصفِ طولِه] اهـ.
وقال العلامة أبو عبد الله المواق في "التاج والإكليل" (3/ 38، ط. دار الكتب العلمية): [ابن حبيب: يستحب ألا يعمق القبر جدًّا، بل قدر عظم الذراع فقبله ابن أبي زيد. وقال الباجي: لعله أراد الشق الذي هو نفس اللحد وأما نفس القبر فيكون أكثر. ابن عات: من رأى تعميقه القامة والقامتين رآه في أرض الوحش أو توقع النبش] اهـ.
وقال الإمام النووي في "المجموع" (5/ 287): [يستحب أن يعمَّق القبر؛ لحديث هشام بن عامر الذي ذكرناه، ويستحب أن يكون عُمقُه قامةً وبسطة؛ لما ذكره المصنف. هذا هو المشهور الذي قطع به الأصحاب في كل طرقهم، إلا وجهًا حكاه الرافعي وغيره: أنه قامة بلا بسطة، وهذا شاذ ضعيف. ومعنى القامة والبسطة: أن يقف فيه رجل معتدل القامة ويرفع يديه إلى فوق رأسه ما أمكنه. وقدَّر أصحابنا القامة والبسطة بأربع أذرع ونصف، هذا هو المشهور في قدرهما، وبه قطع الجمهور] اهـ.
وقال العلامة البُهُوتِيُّ في "شرح منتهى الإرادات" (1/ 372، ط. عالم الكتب): [(وسُنَّ أن يُعَمَّق) قبرٌ (ويوسَّع قبرٌ بلا حَدّ)؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في قتلى أحد: «احفِرُوا وَأَوسِعُوا وَأَعمِقُوا»، قال الترمذي: حسن صحيح. لأنَّ التعميقَ أَبعَدُ لظهور الرائحة، وأَمنَعُ للوحوش. والتوسيع: الزيادة في الطول والعرض. والتعميق -بالعين المهملة-: الزيادة في النزول (ويكفي ما) أي: تعميقٌ (يمنع السباع والرائحة) لأنه يحصل به المقصود، وسواء الرجل والمرأة] اهـ.
وذلك إذا كان نظام الدفن المتَّبَع على صورة "الشَّق"، فيكون بتعميق في الأرض مَحَلِّ الدَّفن على قَدْر قامَة الإنسان العادي الذي يَرفع يدَه فوقَه -أي مترين وربع المتر تقريبًا-، ثم يُحفَر في أرضها على قَدْر وضع الميت على جَنبه بِطُوله، بحيث يكون على جَنبه الأيمن وصَدرُه إلى القِبلة، ثم يُوَسَّد في قبره ويَدُه لِجَنْبِهِ، ثم تُوضَعُ اللَّبِناتُ أو الحِجارة فوق الشَّقِّ، ثم يَخرج الحافِر، ثم يُهالُ عليه التراب.
وإذا كان على صورة "اللَّحْد"، فيتحقق بأنْ يَقوم الواقفُ داخلَ الحُفرة المُعَمَّقة في الأرض بحَفرِ مكانٍ في جانِبِ القبر مِن جهة القِبلة على بُعد ثُلُثَي طُولِه مِن الأرض يَسمح بدَفن الميت فيه، ويُعَمِّقه بحيث يُمكِن إرقادُ الميت فيه على الهيئة السابقة، ثم يُغطِّي الجانبَ المفتوح باللَّبِن أو الحِجارة، ثم يَخرج الحافِر ويُهِيل التراب، مع التنويه على أن هاتين الطريقتين إنما تَصلُحان في الأرض الصَّلْبة.
قال الإمام النووي في "المجموع" (5/ 287): [أجمع العلماء أن الدفن في اللحد وفي الشق جائزان، لكن إن كانت الأرض صلبة لا ينهار ترابها فاللحد أفضل؛ لما سبق من الأدلة. وإن كانت رخوة تنهار فالشق أفضل] اهـ.
فإن لم تَصلُح الأرضُ لأيٍّ منهما فلا مانع مِن أن يَكون الدَّفنُ بأيِّ طريقةٍ أخرى بشرط أنْ تُحَقِّق المطلوب شرعًا في القبر، كما سبق بيانه؛ لتحقق المطلوب به مِن الدفن الشرعي وحِكمته مِن مُوَارَاةِ جسد الميت والحفاظِ عليه مِن أن يَتعرض للأذى والامتِهان، وهذا هو المفتَى به، وعليه العمل في الديار المصرية منذ زمنٍ بعيد، حيث أجازوا الدفن في الفَسَاقِيّ -جمع فَسْقِيَّة، وهي حجرةٌ صغيرةٌ مبنيةٌ تَسَعُ الميت، سواء كانت تحت الأرض أو فوقها- نظرًا لرطوبة الأرض ورخاوتها بسبب مجاورة الأنهار وكثرة المياه الجوفية.
وهذا مأخوذ من تعامل الفقهاء مع دفن الموتى في الأراضي الرِّخوة أو النَّدِيَّة تعاملًا مصلحيًّا، حيث نظروا فيه إلى المصلحة بفعل ما يدفع الأذى عن الميت؛ فجوَّزوا اتِّخاذ الوسائل وعمل الإجراءات التي تزيد إحكام القبر وإغلاقه، فقالوا بجواز الدفن في تابوتٍ، سواء كان حجرًا أو خشبًا أو حديدًا، وبجواز وضع القصب أو البلاط بدلًا عن الطين، وبجواز وضع الأحجار التي تحفظ القبر من الاندراس والنبش، وبجواز توسيع القبر أو تعميقه أو رفع بنائه كلما احتيج إلى ذلك، ومع اختلافهم في المفاضلة بين الشَّقِّ والَّلحد فقد أجازوهما جميعًا.
قال الإمام الزيلعي الحنفي في "تبيين الحقائق" (1/ 245، ط. الأميرية): [وإذا كانت الأرض رخوة: فلا بأس بالشَّق واتخاذ التابوت من حجرٍ أو حديدٍ، ويفرش فيه التراب] اهـ.
وقال العلَّامة بدر الدين العيني الحنفي في "البناية" (3/ 248، ط. دار الكتب العلمية): [وقال صاحب "المنافع" اختاروا الشق في ديارنا لرخاوة الأرض، فيتخذ اللحد فيها، حتى أجازوا الآجر، ودفون الخشب، واتخاذ التابوت، ولو كان من حديد] اهـ.
وقال العلَّامة الطحطاوي الحنفي في "حاشيته على مراقي الفلاح" (ص: 619، ط. دار الكتب العلمية): [قال في "الشرح" وقد اعتاد أهل مصر وضع الأحجار؛ حفظا للقبور عن الاندارس والنبش، ولا بأس به] اهـ.
وقال الإمام ابن الحاج المالكي في "المدخل" (3/ 264، ط. دار التراث): [والدفن في التابوت جائزٌ، لا سيَّما في الأرض الرخوة] اهـ.
وقال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (5/ 287): [وسائر الأصحاب يَكرَه أن يُدفَنَ الميتُ في تابوتٍ إلا إذا كانت رخوة أو ندية] اهـ.
وقال العلامة البهوتي الحنبلي في "شرح منتهى الإرادات" (2/ 134): [(ويجوز) تغطية اللحد (ببلاط)؛ لأنه في معنى اللَّبِن فيما سبق] اهـ.
وسواء كان القبر على أي صورة من هذه الصور المذكورة، فلابد من مراعاة جملة من الضوابط والأحكام والآداب الشرعية التي معها يصلح القبر لدفن الميت فيه، ومن ذلك:
أولًا: أن يُوَارِي جسدَ الميت ويَحفَظه مِن الاعتِداء عليه ويَستُره ويَكتم رائحتَه؛ لأن الحكمة من القبر هي صون الجسم عن الانتهاك، أو انتشارِ ريحه المستلزِم للتأذي منها من قبل الأحياء، واستقذارِ جيفته، فكان لا بد مِن قبر يَمنَع ذلك.
قال العلامة ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار" (2/ 234): [المقصود منه: المبالغة في مَنعِ الرائحة ونَبْشِ السِّباع] اهـ.
وقال العلامة خليل المالكي في "المختصر" (ص: 52، ط. دار الحديث): [وأقلُّه: ما مَنَعَ رائِحَتَهُ وحَرَسَهُ] اهـ.
وقال العلامة الرملي الشافعي في "نهاية المحتاج" (3/ 3، ط. دار الفكر): [(أقلُّ القبر) المحصِّل للواجب (حفرةٌ تمنع) بعد رَدْمها (الرائحةَ) أنْ تَظهر منه فتؤذي الحيَّ، (و) تمنع (السَّبُعَ) عن نَبْشِها لِأكل الميت؛ إذ حِكمةُ الدفن صَوْنُه عن انتهاكِ جسمه، وانتشارِ ريحه المستلزِم للتأذي بها، واستقذارِ جيفته، فلا بد مِن حفرة تَمنَع ذَيْنِكَ] اهـ.
وقال العلامة البُهُوتِي الحنبلي في "شرح منتهى الإرادات" (1/ 372): [(ويكفي ما) أي: تعميقٌ (يمنع السباع والرائحة) لأنه يحصل به المقصود، وسواء الرجل والمرأة] اهـ.
ثانيًا: أن يُراعَى في الرسم التخطيطي والهندسي لمنطقة القبور أن يكون ضِلعُ القبر المقابلُ لوجه الميت مستقبلًا القِبلة، بحيث إذا وُضع الميت على جَنبه الأيمن بِطُوله يكون صَدرُه مُتَّجهًا لِلقِبلة، مع العلم بأن الانحرافَ المسموح به في ذلك عن سَمْتِ الكعبة المشرَّفة شرعًا عند الضرورة أو الحاجة هو ما يكون في حدود ربع الدائرة مِن جهتها، وهو 45 درجةً يمينًا، ومِثلُها شِمالًا، وما دام الميتُ المدفونُ متوجهًا إلى القبلة في حدود ذلك غير مجاوِزٍ له، فإنه يكون مستقبلًا القبلة، ولا يُعَدُّ منحرفًا عنها.
وتوجيه الميت إلى القبلة هو ما عليه عمل المسلمين من لدن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى يومنا هذا.
قال الإمام ابن حزم في "المحلى" (3/ 404، ط. دار الفكر): [ويجعل الميت في قبره على جنبه اليمين، ووجهه قبالة القبلة، ورأسه ورجلاه إلى يمين القبلة ويسارها، على هذا جرى عمل أهل الإسلام من عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى يومنا هذا، وهكذا كل مقبرة على ظهر الأرض] اهـ.
ثالثًا: أن يكون القبر مُحكَمَ الإغلاق (مُصْمَتًا)، بحيث يصان الميت عن كافة أنواع السرقات والانتهاكات التي يمكن أن يتعرض لها بعد دفنه، فهي جريمة في حق الأحياء، وفي حق الأموات من باب أولى.
قال الإمام ابن الحاج في "المدخل" (3/ 270): [والسرقة معصية كبرى إذا كانت في حق الأحياء، فما بالك بها في حق الموتى؟!] اهـ.
رابعًا: أن يكون القبر من الداخل ممهدًا مستويًا نظيفًا، لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد: «احفِرُوا، وَأَوسِعُوا، وَأَحسِنُوا» أخرجه الأئمة: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه واللفظ له.
قال الشيخ عبيد الله الرحماني المباركفوري في "مرعاة المفاتيح" (5/ 437، ط. إدارة البحوث العلمية بالهند): [«وَأَحسِنُوا» أي: إلى الميت في الدفن، قاله في "الأزهار". وقال زين العرب تبعًا للمظهر: أي: اجعلوا القبر حسنًا بتسوية قعره ارتفاعًا وانخفاضًا، وتنقيته من التراب والقذاة وغيرهما] اهـ.
خامسًا: لا بأس بوضع علامة تميز القبر كالألواح والرخام المكتوب عليه ونحو ذلك مما يميز القبور ليسهل الاستدلال عليها ويُعرَف أصحابها ويتيسر الوصول إليها؛ لما روي عن المُطلب بن عبد الله بن حنطب، في قصة موت عثمان بن مظعون رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حمل حجارة، فوضعها عند رأسه، وقال: «لِنَعلَمَ بِهَا قَبرَ أَخِي، وَأَدفِنَ إِلَيهِ مَن مَاتَ مِن أَهلِي» أخرجه الإمامان: أبو داود، والبيهقي في السنن الصغرى واللفظ له.
قال الإمام بدر الدين العيني في "شرح سنن أبي داود" (6/ 157، ط. مكتبة الرشد): [وفي الحديث من الفقه: جواز وضع الحجارة ونحوها عند القبر للعَلَامة، وجواز جمع الرجل موتاه في حظيرة واحدة، وفي هذا المعنى ما يفعله الناس من وضع الألواح على القبور ونصبها عند رؤوس الموتى للعلامة] اهـ.
وقال الشيخ عميرة في "حاشيته على شرح المنهاج للجلال المحلي" (1/ 410، ط. دار الفكر): [قال السُّبكي: ينبغي عدمُ الكراهة إذا كُتِبَ قدرُ الحاجة للإعلام؛ لِمَا سيأتي أنه يُستَحَبُّ وضعُ شيءٍ يُعرَف به الميت] اهـ.
وهذا ما لم يَلِزم وليّ الأمر باتِّباع نَمَطٍ معيِّنٍ في بناء المقابر للمصلحة، وكان هذا النمط مُرَاعًى فيه الضوابطُ الشرعيةُ للقبر السالفُ بيانُها، وجب شرعًا اتِّباع ما ألزم به؛ إذ لِوَلِيِّ الأمرِ أن يُقيِّد المباح بما يراه محقِّقًا للمصلحة العامة؛ إذ القاعدة العامة في تصرفات وليِّ الأمر أنها منوطةٌ بالمصلحة.
قال الإمام السيوطي في "الأشباه والنظائر" (ص: 121، ط. دار الكتب): [تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة، هذه القاعدة نصَّ عليها الشافعي وقال: "منزلة الإمام من الرعية منزلة الولي من اليتيم"] اهـ.
وقال الإمام الماوردي في "الحاوي الكبير" (9/ 132، ط. دار الكتب العلمية): [تصرُّف الولي في حق غيره يعتبر فيه المصلحة] اهـ. والمراد بالمصلحة: أي الشرعية المعتبَرة أو المرسَلة بضوابطها، لا الملغاة، ويكون هذا التقييد ملزِمًا للجميع بمقتضى الصلاحية التي أعطاها الشرع الشريف لولي الأمر.
وقال الشيخ علي الخفيف في "المِلْكِيَّة في الشريعة الإسلامية" (ص: 90، ط. دار الفكر العربي): [لِوَلِيِّ الأمر في دائرة المباح أنْ يوجِبَ على الناس مِنْهُ ما تَسْتَوْجِبُ مَصلحتُهُم العامةُ إيجابَهُ عليهم لِدَفْعِ ضررٍ عنهم وجَلْبِ منفعةٍ لهم، وأنْ يَحظُر عليهم مِنْهُ ما تقتضي مصلحتُهُم العامةُ حَظْرَهُ عليهم دَفْعًا لضرره عنهم، وإذا فعل ذلك كانت طاعتُه فيما أوجَب مِن ذلك وفيما نَهى عنه واجبةً ظاهرًا وباطنًا] اهـ.
بناءً على ذلك: فقد فضلَّ الشرعُ الشريفُ الإنسانَ وكرَّمه، فشَرَع له بعد مَمَاتِهِ قبرًا يُواريه ويحفظه؛ صيانةً لحرمته وحفظًا لأمانته، والأصل في القبر أن يُعَمَّقَ في الأرض مَحَلِّ الدَّفن، وأقل ذلك أن يكون على قَدْر قامَة الإنسان الذي يَرفع يدَه فوقَه، وأن يكون بطول الميت، وعرضه نصف طوله إن كان في صورة لحد أو شقٍّ، فإن لم تَصلُح الأرضُ لأيٍّ منهما فلا مانِع مِن الدَّفن في الفَسَاقِيِّ والغُرَف ونحوها، بشرط أنْ تُحَقِّق المطلوب شرعًا في القبر، من نحو أن يُوَارِي القبرُ جسدَ الميت فيَستُره ويَكتم رائحتَه عن الأحياء، وأن يكون تصميمُه الهندسي بحيث يوضَع فيه الميت على جنبه الأيمن مُستقبِلًا بوجهه وشِقِّه الأيمن القِبلةَ، وأن يكون مُحكَم الإغلاق؛ ليَحفَظه مِن الاعتِداء عليه بسرقةٍ أو نبشِ سِبَاعٍ أو نحوهما، وأن يكون ممهدًا مستويًا من داخله، ولا بأس بأن توضع عليه علامة تميزه من الخارج حتى يُعرف صاحبه، وهذا كله مع مراعاة اللوائح والقوانين المنظِّمة لذلك.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
سائل يسأل أنه شاهد أن سقط الحمل الذي يحدث بسبب الإجهاض في المستشفيات يتم التخلص منه عن طريق الحرق في أفران إلى أن ينتهي أثرهم من الآدمية. فهل هذا جائز شرعًا أو لا؟
سائل يقول: ورد في بعض الأحاديث النبوية الشريفة أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الجلوس والمشي والاتكاء على المقابر. فنرجو منكم بيان الحكمة من هذا النهي الوارد في هذه الأحاديث ومعناه.
كيف نقوم بترميم مقبرة متهالكة؛ فقد توفيت خالتي وزوجها ودُفِنَا في مقبرة كانا يمتلكانها، وليس لهما وارث إلا إخوة وأخوات أشقاء لخالتي المتوفاة؛ ونظرًا لمُضي أكثر من ثلاثين عامًا على بناء هذه المقبرة، فقد تهالكت ولم يعُد يجدي معها الترميم، ولا يمكن دفن أحد جديد فيها، وللورثة الحق في الدفن فيها. فما الطريقة المناسبة لترميمها دون الوقوع في محظور شرعي؟
ما حكم ما يوزعه أهل الميت بعد مرور خمسة عشر يومًا على وفاته من خبز وفاكهة وهي التي تسمى بالرحمة؟
ما حكم قراءة القرآن في المياتم وسرادقات العزاء؟ وما حكم أخذِ أجرٍ على هذا العمل؟
ما حكم قراءة القرآن في المآتم وسرادقات العزاء؟ وما حكم أخذِ الأجرة على هذا العمل؟ حيث إن هناك بعض الناس يزعم أن ذلك بدعة.