حكم الرجوع في الهبة بعد وفاة الواهب

تاريخ الفتوى: 21 مايو 2026 م
رقم الفتوى: 9007
من فتاوى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
التصنيف: الهبة
حكم الرجوع في الهبة بعد وفاة الواهب

هل يجوز الرجوع في الهبة بعد وفاة الواهب؟ فإنّ امرأة كانت تمتلك مقدارًا من الذهب، وقامت حال حياتها وصحتها بتقسيم هذا الذهب وتوزيعه بالكامل على أولادها، وقد تسلَّم كل ولد نصيبه منها في حياتها (تم القبض)، وبعد وفاة الأم ظهر من يطالب بجمع هذا الذهب الذي تم توزيعه مرة أخرى بغرض ضمِّه للتركة وإعادة تقسيمه كميراث، فهل يعتبر هذا الذهب هبة ماضية ونافذة لا يجوز الرجوع فيها، أم يُعد من جملة التركة؟ وهل يجوز شرعًا لأي شخص المطالبة باسترداد هذا الذهب بعد وفاة الأم لإعادة توزيعه، أم أنَّ ذلك غير جائز؟

هبة الأم ذهبَها لأولادها حال حياتها وهي في كمال صحتها وتمام أهليتها، مع قبض الأولاد له واستلامهم إياه، يُعد هبة صحيحة نافذة شرعًا، استقر بها أثر التمليك، وانتقلت بموجبها ملكية الذهب إلى الأولاد، فلا يدخل هذا الذهب بعد وفاتها في جملة التركة، ولا يتعلق به حق للورثة، ولا يثبت لهم حق الرجوع في هذه الهبة أو المطالبة بإعادة تقسيمه ضمن أموال الميراث.

المحتويات

 

مشروعية الهبة وفضلها في الإسلام

الهبة من أجلِّ محاسن الشريعة الغرَّاء، وأنبل ما تواطأت عليه من صنوف البر والإحسان ومكارم الأخلاق، إذ يُقصد بها استجلاب المودَّة، وتوثيق عُرى القربى، وبث روح السخاء والتواد والتراحم والألفة بين أفراد المجتمع، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «تَهَادُوا تَحَابُّوا» أخرجه الإمامان: البخاري في "الأدب المفرد"، والبيهقي في "السنن الكبرى".

بيان المراد بالهبة وحكمها الشرعي

إعطاء شخص لآخر شيئًا على جهة التمليك، حال صحته وإدراكه وكمال أهليته، بلا مقابل مالي أو نحوه، يُعدُّ من قبيل الهبة؛ إذ هي في حقيقتها تمليك محض صادر عن تبرع واختيار، وهي أمرٌ جائز شرعًا.

قال الإمام أبو بكر الزَّبيدي في "الجوهرة النيرة" (1/ 324، ط. المطبعة الخيرية): [الهبة في اللغة هي التبرع، وفي الشرع عبارة عن تمليك الأعيان بغير عوض، وهي جائزة] اهـ.

كما نقل الإجماع على استحبابها غير واحد من الأئمة.

قال الإمام الزَّيلعي في "تبيين الحقائق" (5/ 91، ط. المطبعة الكبرى الأميرية): [وهي مشروعة مندوب إليها بالإجماع] اهـ.

أثر قبض العين الموهوبة وشروط تمام الهبة

برضا الطرفين بهذا التصرف، واستلام الموهوب له العين الموهوبة وقبضه إياها من الواهب، وتمكينه منها تمكينًا تامًّا، تكون الهبة قد تمت وانعقدت صحيحة نافذة شرعًا واستقر أثرها الشرعي، فتنفك ملكية الشيء الموهوب عن ملك الواهب وتنتقل إلى ملك الموهوب له، ما دامت الهبة لم يطرأ عليها ما يقتضي فسخها أو إبطالها أو الرجوع فيها.

والأصل في اعتبار القبض هو الفاصل في ثبوت الملك واستقراره: ما ورد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «إِنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ نَحَلَهَا جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْعَالِيَةِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، قَالَ: وَاللهِ يَا بُنَيَّةُ، مَا مِنَ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْكِ، وَلا أَعَزُّ عَلَيَّ فَقْرًا مِنْكِ، وَإِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ مِنْ مَالِي جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا، فَلَوْ كُنْتِ جَذَذْتِيهِ، وَاحْتَزْتِيهِ كَانَ لَكِ، فَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ وَارِثٍ، وَإِنَّمَا هُوَ أَخُوكِ وَأُخْتَاكِ، فَاقْسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَتْ: يَا أَبَتِ، وَاللهِ لَوْ كَانَ كَذَا وَكَذَا لَتَرَكْتُهُ، إِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءُ، فَمَنِ الأُخْرَى؟ قَالَ: ذُو بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ أُرَاهَا جَارِيَةً، فَوَلَدَتْ جَارِيَةً» أخرجه الإمام مالك في "الموطأ".

وما ورد عن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَنْحِلُونَ أَوْلَادَهُمْ نُحْلًا، فَإِذَا مَاتَ ابْنُ أَحَدِهِمْ قَالَ: مَالِي فِي يَدِي، وَإِذَا مَاتَ هُوَ قَالَ: كُنْتُ نَحَلْتُهُ وَلَدِي، لَا نِحْلَةَ لَكَ إِلَّا نِحْلَةً يَحُوزُهَا الْوَلَدُ دُونَ الْوَالِدِ، فَإِنْ مَاتَ وَرِثَهُ» أخرجه الإمام البيهقي "السنن الصغرى".

موقف المذاهب الفقهية الأربعة من لزوم الهبة بالقبض

تواردت نصوص فقهاء المذاهب الأربعة المتبوعة على أن الهبة متى قُبضت بإذن الواهب فإنها تكون تامة شرعًا وتترتب عليها آثارها من نحو ثبوت ملك الموهوب للموهوب له، فيكون له حق التَّصرف فيها بجميع وجوه التصرفات المشروعة.

قال الإمام المرغيناني الحنفي في "الهداية" (3/ 222، ط. دار إحياء التراث العربي) في بيان أحكام الهبة: [(وتصح بالإيجاب والقبول والقبض) أما الإيجاب والقبول فلأنه عقد، والعقد ينعقد بالإيجاب والقبول، والقبضُ لا بد منه لثبوت الملك] اهـ.

وقال العلامة خليل المالكي في "التوضيح" (7/ 329، ط. مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث): [الهبة والصدقة يلزمان بالقول، ولا يتمان إلا بالقبض] اهـ.

وقال الإمام النَّووي الشافعي في "روضة الطالبين" (5/ 375، ط. المكتب الإسلامي): [أمَّا شرط لزوم الهبة، فهو القبض، فلا يحصل الملك في الموهوب والهدية إلا بقبضهما، هذا هو المشهور] اهـ.

وقال العلامة البهوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (4/ 301، ط. عالم الكتب): [(وتلزم) الهبة (بقبضها بإذن واهب)] اهـ.

حكم الرجوع في الهبة بعد وفاة الواهب

بوفاة الواهب ينقطع حق الرجوع في الهبة انقطاعًا باتًّا، ولا يكون للورثة ولا لأحدهم حق المطالبة بفسخها واسترداد العين الموهوبة لإدخالها ضمن التركة وتوزيعها وفق القسمة الشرعية للميراث؛ لأن حق الرجوع في الهبة إنما هو حق شخصي محض يختص بالواهب وحده باعتباره مَن صدر عنه التمليك ابتداءً للموهوب له، فلا يتعدَّاه إلى غيره، ولا ينتقل للورثة بعد وفاته، إذ لم يباشروا إنشاء التمليك، وإنما صدر  التصرف من مورّثهم حال حياته على وجهٍ صحيحٍ نافذٍ، فاستقر به الملك للموهوب له، ومن ثمَّ كانت العين الموهوبة حال وفاة الواهب في ملك الموهوب له، ما دام لم يرجع عنها في حياته، ولم تعد من جملة أموال التركة التي تتعلق بها حقوق الورثة، إذ لا تركة إلَّا فيما بقي مملوكًا للمورث عند وفاته.

قال شمس الأئمة السَّرخسي في "المبسوط" (12/ 56، ط. دار المعرفة) مُعدِّدًا موانِع الرجوع في الهبة: [أن يموت الواهب فليس لوارثه أن يرجع فيه؛ لأن التمليك بعقد الهبة لم يكن منه، فلا يخلف مورثه فيما لم يكن على ملكه عند موته] اهـ.

وقال الإمام بدر الدين العيني في "البناية" (10/ 193، ط. دار الكتب العلمية): [(وإذا مات الواهب فوارثه أجنبيٌّ عن العقد؛ إذ هو ما أوجبه) ش: أي: ما أوجب الملكَ للموهوب له، فلا يكون له حق الرجوع بالنص؛ لأنه أوجَبَ الرجوع للواهب، وهو ليس بواهب] اهـ.

وقال الإمام شهاب الدين النَّفراوي في "الفواكه الدواني" (2/ 155، ط. دار الفكر) موضحًا ما يترتب على موت الواهب بعد قبض الموهوب له العين الموهوبة: [المذهب ما عليه العلامة خليل من أنه إن جَدَّ وسارع في حَوزها فمات لم تبطُل] اهـ.

وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "الغرر البهية" (3/ 391، ط. المطبعة الميمنية): [إن أقبضه الواهب أو وارثه فلا ينفسخ العقد بالموت] اهـ.

وقال العلامة ابن مفلح في "المبدع" (5/ 201، ط. دار الكتب العلمية) مبينًا حكم وفاة الواهب قبل التسوية بين أولاده في الهبة: [(فإن مات) الواهب (قبل ذلك ثبت للمعطي) ولزم، وليس لبقية الورثة الرجوع، نص عليه، واختاره الخلَّالُ وصاحبُه والخِرَقِيُّ وأكثرُ العلماء؛ لقول أبي بكر لعائشة رضي الله عنهما: وددتُ أنك حُزتيه. فدل أنها لو كانت حازته لم يكن له الرجوع، ولقول عمر، ولأنها عطية لولده فلزمت بالموت] اهـ.

وعلى هذا المعنى جرى القانون المدني المصري الصادر برقم (131) لسنة 1948م؛ إذ نصَّت المادة (502) منه على تعداد موانع الرجوع في الهبة، وعدَّ منها: [إذا مات أحدُ طرفي عقدِ الهبة] اهـ.

وقد قرَّر العلامة السنهوري هذا المعنى في "الوسيط" (5/ 189، ط. دار إحياء التراث العربي) حيث قسَّم موانِع الرجوع في الهبة إلى موانِع قائمةٍ وقت صدورها، وأخرى طارئةٍ بعد انعقادها، وعدَّ من جملتها "موت الواهب"، فقال: [موانع تطرأ بعد صدور الهبة فتحول دون الرجوع لقيام حق أقوى، وهذه الموانع إمَّا أن ترجع إلى أحد المتعاقدين، وإمَّا أن ترجع إلى الشيء الموهوب، فالذي يرجع إلى أحد المتعاقدين هو أن يموت الواهب، فلا ينتقل حق الرجوع إلى ورثته] اهـ.

الخلاصة

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فهبة الأم ذهبَها لأولادها حال حياتها وهي في كمال صحتها وتمام أهليتها، مع قبض الأولاد له واستلامهم إياه، يُعد هبة صحيحة نافذة شرعًا، استقر بها أثر التمليك، وانتقلت بموجبها ملكية الذهب إلى الأولاد، فلا يدخل هذا الذهب بعد وفاتها في جملة التركة، ولا يتعلق به حق للورثة، ولا يثبت لهم حق الرجوع في هذه الهبة أو المطالبة بإعادة تقسيمه ضمن أموال الميراث.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

يقول السائل: وهبتُ قطعةَ أرضٍ ليُقَام عليها مسجدٌ لله سبحانه وتعالى، يتمّ بناؤه على ثلاثة أدوار، وتمَّ جمع التبرعات من الأهالي، وَبُنِيَ المسجد فعلًا عدا الدور الأخير، فهل يحقُّ لي أن أبني فوق المسجد مسكنًا خاصًّا بي؟


اشترى السائل لوالدته التي كانت تقيم معه مصاغًا من ماله الخاص بعِلم جميع إخوته، وظلَّت تتمتَّع به، وعند مرضها الأخير ردَّتْه إليه بحضور جميع إخوته، وأخذه منها فعلًا ولم يعترض أحدٌ من إخوته، ثم تُوُفِّيَتْ والدته.
وبعد الوفاة بثلاثة أشهر بدأ بعض إخوته يطالبونه بحقهم في هذا المصاغ مع مراعاة أنه قام بمصاريف الوفاةِ والدفنِ من ماله الخاص. وطلب السائلُ الإفادةَ عما إذا كان هذا المصاغُ من حقه أو من حق جميع الورثة.


ما حكم رد الهدية من دون سبب شرعي؟ فأنا أهديت صديق لي بعض الهدايا ولكنه رفض قبولها، وقد سبَّب هذا لي حزنًا شديدًا، فهل يجوز شرعًا رفض الهدية وعدم قبولها من دون سبب؟ وهل هذا يتفق مع سنة النبي عليه الصلاة والسلام؟


ما حكم التصرف في المال حال الحياة بإعطائه بعض الورثة؟ فهناك رجل له خمس بنات صغيرات، وله أخت ظروفها المادية مستقرة، ويريد أن يكتب كلَّ مالَهُ لبناته الخمس، وحرمان أخته من الميراث بعد وفاته؛ لوجود مشكلات بينهما. فما الحكم؟


ما حكم التسوية بين الأولاد في العطايا والهبات؟ فأنا لي أخ وأربع أخوات، وقد كتب والدنا للذكرين منّا نصف ممتلكاته في حياته، وترك الباقي نرثه جميعًا؛ فهل ما فعله أبي فيه ظلم للبنات؟ أليس ذلك يزرع الأحقاد والكراهية وقطيعة الرحم بيننا؟

وماذا عن هبة النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما لأحد أبنائه بستانًا؛ فَقَالَ له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَعْطَيْتَ كُلَّ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ»؟ وماذا عن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّكَ أَنْ تَتْرُكَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَتْرُكَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ»، وقوله: «لا وَصِيةَ لوارِثٍ»؟

وأعتقد أنّ الذي يباح تمييزه عن إخوته هو الابن من ذوي الهمم، والابن الذي ساعد والده في زيادة ثروته، والذي ليس له حظ من التعليم بأن كان فلاحًا مثلًا، وأن ذلك في مذهب الإمام أحمد بن حنبل فقط دون بقية المجتهدين. فما قولكم؟


سأل أحد الشيوخ قال: سيدة توفيت بعد صدور قانون الوصية الواجبة عن ابنين وبنتين، وعن بنت ابنها المتوفى قبلها، وتلك البنت قاصرة في وصاية والدتها.
وقد توفيت السيدة المذكورة في 25 فبراير سنة 1949م بعد أن وقفت على بنت ابنها القاصرة اثني عشر قيراطًا بمنزلٍ عوضًا عما كان يأخذه والدها، وذلك الوقف قبل صدور قانون الوصية الواجبة؛ حرصًا على هذه القاصرة ألا تحرم من ميراثها، فوقفت عليها ما يوازي ربع تركتها. فهل لوصيتها حق المطالبة بالوصية الواجبة؛ أي بقيمة ربع تركتها بعد وفاتها، أو أن ما وقف عليها بعد وفاة والدها بلا عوضٍ يعتبر وفاءً لحقها في الوصية الوجبة؟


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 16 يوليو 2026 م
الفجر
4 :22
الشروق
6 :4
الظهر
1 : 1
العصر
4:37
المغرب
7 : 57
العشاء
9 :28