هل يجوز الرجوع في الهبة بعد وفاة الواهب؟ فإنّ امرأة كانت تمتلك مقدارًا من الذهب، وقامت حال حياتها وصحتها بتقسيم هذا الذهب وتوزيعه بالكامل على أولادها، وقد تسلَّم كل ولد نصيبه منها في حياتها (تم القبض)، وبعد وفاة الأم ظهر من يطالب بجمع هذا الذهب الذي تم توزيعه مرة أخرى بغرض ضمِّه للتركة وإعادة تقسيمه كميراث، فهل يعتبر هذا الذهب هبة ماضية ونافذة لا يجوز الرجوع فيها، أم يُعد من جملة التركة؟ وهل يجوز شرعًا لأي شخص المطالبة باسترداد هذا الذهب بعد وفاة الأم لإعادة توزيعه، أم أنَّ ذلك غير جائز؟
هبة الأم ذهبَها لأولادها حال حياتها وهي في كمال صحتها وتمام أهليتها، مع قبض الأولاد له واستلامهم إياه، يُعد هبة صحيحة نافذة شرعًا، استقر بها أثر التمليك، وانتقلت بموجبها ملكية الذهب إلى الأولاد، فلا يدخل هذا الذهب بعد وفاتها في جملة التركة، ولا يتعلق به حق للورثة، ولا يثبت لهم حق الرجوع في هذه الهبة أو المطالبة بإعادة تقسيمه ضمن أموال الميراث.
المحتويات
الهبة من أجلِّ محاسن الشريعة الغرَّاء، وأنبل ما تواطأت عليه من صنوف البر والإحسان ومكارم الأخلاق، إذ يُقصد بها استجلاب المودَّة، وتوثيق عُرى القربى، وبث روح السخاء والتواد والتراحم والألفة بين أفراد المجتمع، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «تَهَادُوا تَحَابُّوا» أخرجه الإمامان: البخاري في "الأدب المفرد"، والبيهقي في "السنن الكبرى".
إعطاء شخص لآخر شيئًا على جهة التمليك، حال صحته وإدراكه وكمال أهليته، بلا مقابل مالي أو نحوه، يُعدُّ من قبيل الهبة؛ إذ هي في حقيقتها تمليك محض صادر عن تبرع واختيار، وهي أمرٌ جائز شرعًا.
قال الإمام أبو بكر الزَّبيدي في "الجوهرة النيرة" (1/ 324، ط. المطبعة الخيرية): [الهبة في اللغة هي التبرع، وفي الشرع عبارة عن تمليك الأعيان بغير عوض، وهي جائزة] اهـ.
كما نقل الإجماع على استحبابها غير واحد من الأئمة.
قال الإمام الزَّيلعي في "تبيين الحقائق" (5/ 91، ط. المطبعة الكبرى الأميرية): [وهي مشروعة مندوب إليها بالإجماع] اهـ.
برضا الطرفين بهذا التصرف، واستلام الموهوب له العين الموهوبة وقبضه إياها من الواهب، وتمكينه منها تمكينًا تامًّا، تكون الهبة قد تمت وانعقدت صحيحة نافذة شرعًا واستقر أثرها الشرعي، فتنفك ملكية الشيء الموهوب عن ملك الواهب وتنتقل إلى ملك الموهوب له، ما دامت الهبة لم يطرأ عليها ما يقتضي فسخها أو إبطالها أو الرجوع فيها.
والأصل في اعتبار القبض هو الفاصل في ثبوت الملك واستقراره: ما ورد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «إِنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ نَحَلَهَا جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْعَالِيَةِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، قَالَ: وَاللهِ يَا بُنَيَّةُ، مَا مِنَ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْكِ، وَلا أَعَزُّ عَلَيَّ فَقْرًا مِنْكِ، وَإِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ مِنْ مَالِي جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا، فَلَوْ كُنْتِ جَذَذْتِيهِ، وَاحْتَزْتِيهِ كَانَ لَكِ، فَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ وَارِثٍ، وَإِنَّمَا هُوَ أَخُوكِ وَأُخْتَاكِ، فَاقْسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَتْ: يَا أَبَتِ، وَاللهِ لَوْ كَانَ كَذَا وَكَذَا لَتَرَكْتُهُ، إِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءُ، فَمَنِ الأُخْرَى؟ قَالَ: ذُو بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ أُرَاهَا جَارِيَةً، فَوَلَدَتْ جَارِيَةً» أخرجه الإمام مالك في "الموطأ".
وما ورد عن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَنْحِلُونَ أَوْلَادَهُمْ نُحْلًا، فَإِذَا مَاتَ ابْنُ أَحَدِهِمْ قَالَ: مَالِي فِي يَدِي، وَإِذَا مَاتَ هُوَ قَالَ: كُنْتُ نَحَلْتُهُ وَلَدِي، لَا نِحْلَةَ لَكَ إِلَّا نِحْلَةً يَحُوزُهَا الْوَلَدُ دُونَ الْوَالِدِ، فَإِنْ مَاتَ وَرِثَهُ» أخرجه الإمام البيهقي "السنن الصغرى".
تواردت نصوص فقهاء المذاهب الأربعة المتبوعة على أن الهبة متى قُبضت بإذن الواهب فإنها تكون تامة شرعًا وتترتب عليها آثارها من نحو ثبوت ملك الموهوب للموهوب له، فيكون له حق التَّصرف فيها بجميع وجوه التصرفات المشروعة.
قال الإمام المرغيناني الحنفي في "الهداية" (3/ 222، ط. دار إحياء التراث العربي) في بيان أحكام الهبة: [(وتصح بالإيجاب والقبول والقبض) أما الإيجاب والقبول فلأنه عقد، والعقد ينعقد بالإيجاب والقبول، والقبضُ لا بد منه لثبوت الملك] اهـ.
وقال العلامة خليل المالكي في "التوضيح" (7/ 329، ط. مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث): [الهبة والصدقة يلزمان بالقول، ولا يتمان إلا بالقبض] اهـ.
وقال الإمام النَّووي الشافعي في "روضة الطالبين" (5/ 375، ط. المكتب الإسلامي): [أمَّا شرط لزوم الهبة، فهو القبض، فلا يحصل الملك في الموهوب والهدية إلا بقبضهما، هذا هو المشهور] اهـ.
وقال العلامة البهوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (4/ 301، ط. عالم الكتب): [(وتلزم) الهبة (بقبضها بإذن واهب)] اهـ.
بوفاة الواهب ينقطع حق الرجوع في الهبة انقطاعًا باتًّا، ولا يكون للورثة ولا لأحدهم حق المطالبة بفسخها واسترداد العين الموهوبة لإدخالها ضمن التركة وتوزيعها وفق القسمة الشرعية للميراث؛ لأن حق الرجوع في الهبة إنما هو حق شخصي محض يختص بالواهب وحده باعتباره مَن صدر عنه التمليك ابتداءً للموهوب له، فلا يتعدَّاه إلى غيره، ولا ينتقل للورثة بعد وفاته، إذ لم يباشروا إنشاء التمليك، وإنما صدر التصرف من مورّثهم حال حياته على وجهٍ صحيحٍ نافذٍ، فاستقر به الملك للموهوب له، ومن ثمَّ كانت العين الموهوبة حال وفاة الواهب في ملك الموهوب له، ما دام لم يرجع عنها في حياته، ولم تعد من جملة أموال التركة التي تتعلق بها حقوق الورثة، إذ لا تركة إلَّا فيما بقي مملوكًا للمورث عند وفاته.
قال شمس الأئمة السَّرخسي في "المبسوط" (12/ 56، ط. دار المعرفة) مُعدِّدًا موانِع الرجوع في الهبة: [أن يموت الواهب فليس لوارثه أن يرجع فيه؛ لأن التمليك بعقد الهبة لم يكن منه، فلا يخلف مورثه فيما لم يكن على ملكه عند موته] اهـ.
وقال الإمام بدر الدين العيني في "البناية" (10/ 193، ط. دار الكتب العلمية): [(وإذا مات الواهب فوارثه أجنبيٌّ عن العقد؛ إذ هو ما أوجبه) ش: أي: ما أوجب الملكَ للموهوب له، فلا يكون له حق الرجوع بالنص؛ لأنه أوجَبَ الرجوع للواهب، وهو ليس بواهب] اهـ.
وقال الإمام شهاب الدين النَّفراوي في "الفواكه الدواني" (2/ 155، ط. دار الفكر) موضحًا ما يترتب على موت الواهب بعد قبض الموهوب له العين الموهوبة: [المذهب ما عليه العلامة خليل من أنه إن جَدَّ وسارع في حَوزها فمات لم تبطُل] اهـ.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "الغرر البهية" (3/ 391، ط. المطبعة الميمنية): [إن أقبضه الواهب أو وارثه فلا ينفسخ العقد بالموت] اهـ.
وقال العلامة ابن مفلح في "المبدع" (5/ 201، ط. دار الكتب العلمية) مبينًا حكم وفاة الواهب قبل التسوية بين أولاده في الهبة: [(فإن مات) الواهب (قبل ذلك ثبت للمعطي) ولزم، وليس لبقية الورثة الرجوع، نص عليه، واختاره الخلَّالُ وصاحبُه والخِرَقِيُّ وأكثرُ العلماء؛ لقول أبي بكر لعائشة رضي الله عنهما: وددتُ أنك حُزتيه. فدل أنها لو كانت حازته لم يكن له الرجوع، ولقول عمر، ولأنها عطية لولده فلزمت بالموت] اهـ.
وعلى هذا المعنى جرى القانون المدني المصري الصادر برقم (131) لسنة 1948م؛ إذ نصَّت المادة (502) منه على تعداد موانع الرجوع في الهبة، وعدَّ منها: [إذا مات أحدُ طرفي عقدِ الهبة] اهـ.
وقد قرَّر العلامة السنهوري هذا المعنى في "الوسيط" (5/ 189، ط. دار إحياء التراث العربي) حيث قسَّم موانِع الرجوع في الهبة إلى موانِع قائمةٍ وقت صدورها، وأخرى طارئةٍ بعد انعقادها، وعدَّ من جملتها "موت الواهب"، فقال: [موانع تطرأ بعد صدور الهبة فتحول دون الرجوع لقيام حق أقوى، وهذه الموانع إمَّا أن ترجع إلى أحد المتعاقدين، وإمَّا أن ترجع إلى الشيء الموهوب، فالذي يرجع إلى أحد المتعاقدين هو أن يموت الواهب، فلا ينتقل حق الرجوع إلى ورثته] اهـ.
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فهبة الأم ذهبَها لأولادها حال حياتها وهي في كمال صحتها وتمام أهليتها، مع قبض الأولاد له واستلامهم إياه، يُعد هبة صحيحة نافذة شرعًا، استقر بها أثر التمليك، وانتقلت بموجبها ملكية الذهب إلى الأولاد، فلا يدخل هذا الذهب بعد وفاتها في جملة التركة، ولا يتعلق به حق للورثة، ولا يثبت لهم حق الرجوع في هذه الهبة أو المطالبة بإعادة تقسيمه ضمن أموال الميراث.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم بيع الرجل لأولاده بنفسه وقبوله البيع بصفته وليًّا عليهم ؟فهناك رجل باع لابنيه القاصرين فدانًا ونصفًا، كان ذلك القدر مملوكًا له، وقد وقع منه البيع وهو في حال صحته ونفاذ تصرفاته الشرعية، وأقرَّ بتسلم الثمن في صلب العقد، وقد حدد القطعة بحدودها الأربعة، وصار العقد مستوفيًا شرائطه الشرعية، وقد أوجب لهما البيع عن نفسه، وقَبِله عنهما بصفته وليهما لقصرهما.
فهل يجوز شرعًا أن يوجب البيع عن نفسه ويقبله عنهما بصفته وليهما؛ لقصرهما؟ وهل يجوز أن يتنازل لهما عن الثمن؟ أرجو الجواب، ولفضيلتكم الثواب.
ما حكم كتابة الشقة باسم الزوجة؟ فقد اشتريتُ مع زوجي شقة مناصفةً بيننا، ثم قام بكتابة ورقة في حياته بأنه باع لي في حياته نصيبه منها، وأن ثمنها خالص، وله إخوة وأخوات، فما الحكم في هذا البيع؟ وهل هو آثم؟
هل يجوز أن ينقلب التبرع إلى دين؟ حيث يقول السائل: لي أخ شقيق ميسور الحال والحمد لله تعالى، كان يعطيني على مدار سنوات وأثناء الإجازات الصيفية بعض الأموال ويقول: خذ يا أخي، وسَّع على نفسك، أو هات شيئًا لبيتك، دون أن يذكر صراحة أنه دَين عليَّ، والآن يريد ورقة مكتوبة بهذا الدَّين، على أن أسدده عند خروجي على المعاش من مكافأة نهاية الخدمة، مع العلم كنت أكافئه على إحسانه بإحسانٍ على شكل هدايا له ولابنته الوحيدة من آنٍ لآخر، وكنت أظنُّ أن ما يعطيني إياه هو مجرَّد هدية أو حتى زكاة مال. فهل ما يريده مني حقٌّ له؟
ما حكم تصرف الرجل في ثروته حال حياته؟ فهناك رجلٌ متزوجٌ، وليس له أولاد، وله أختٌ شقيقةٌ، وولدا أخٍ شقيقٍ متوفى: ذكر وأنثى، ويرغب في توزيع ثروته حال حياته على زوجته وأولاد أخيه المتوفى بيعًا وشراءً، مع العلم أن الأخت الشقيقة موافقة على ذلك.
هل يجوز للشخص أن يتنازل عن حقه في الميراث قبل القسمة؟ وهل يتعارض التنازل عن الحق في الميراث مع كتاب الله تعالى في قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: 229]؟ وهل يشترط لتنازل الشخص عن حقه أن يكون قد قَبَضَهُ وصار في مِلْكِه قبل التنازل؟
ما حكم التنازل عن حق الانتفاع للابن دون أخواته؟ فأنا في نهاية العقد السادس من عمري، ولي بنت كبيرة أنفقت عليها حتى صارت في العمل التدريسي بالجامعة، وأعطيتها مالًا ليساعدها في زواجها، ولي ابن في التعليم الثانوي، وبنت في التعليم الإعدادي، ولم يعد لي القدرة على الإنفاق عليهما بنفس المستوى الذي كنت أنفق به على البنت الكبيرة، مما أشعر معه بالاحتياج لتعويضهما عن ذلك وبخاصة الابن، ولي حق انتفاع من الدولة في شقة متواضعة، فهل يجوز لي أن أتنازل عن حق الانتفاع هذا لابني؟