هل يجوز للمُزكِّي أن يدفع زكاة ماله إلى مطلَّقته لتُجري بها عمليةً جراحيةً ضرورية، لعجزها عن تحمُّل تكاليف العلاج؟
إذا كان الطلاق رجعيًّا فلا يجزئ المُزكِّي دفع زكاة ماله إلى مطلَّقته من سهم الفقراء والمساكين، فإن استحقت الزكاة بغير وصف الفقر أو المسكنة، كأن كانت من الغارمين، جاز له أن يدفع إليها من زكاة ماله.
أمَّا إذا كان الطلاق بائنًا -بينونة صغرى كان أو كبرى-، فيجوز له أن يدفع إليها من زكاة ماله لمساعدتها في إجراء عملية جراحية عند عجزها عن تحمُّل تكاليفها.
المحتويات:
شَرَع الإسلامُ الزكاةَ وأوجَبَها على مَن مَلَك النِّصاب من الأغنياء، إذا خَلَت ذمتُه مِن الدَّين، وكان المال فائضًا عن حاجته ومَن يعول، ومضى عليه الحول؛ قصدًا لسدِّ حاجة المصارف الثمانية المنصوص عليها في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60].
وذِكر الفقراء والمساكين في مَطلَع الآية يؤكد أولويتهم في استحقاق الزكاة، وأنَّ الأصل فيها تحقيق كفايتهم في معاشهم مِن المطعمِ والمشربِ، والمسكنِ والتعليمِ والعلاجِ، وسائرِ أمورِ حياتِهم؛ تحقيقًا لحكمة الزكاة الأساسية، وهي سَدُّ خَلَّةِ المُسلِمِينَ، التي أشار إليها النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم -من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما- بقوله: «تُؤخَذُ مِن أَغنِيَائِهِم فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِم.. الحديث» متفق عليه.
المطلَّقة إمَّا أنها طُلِّقت طلاقًا رجعيًّا، وهي من طُلِّقت بعد الدخول طلاقًا دون الثلاث في غير مقابلة مال، وإمَّا أنها طُلِّقت طلاقًا بائنًا، والطلاق البائن ينقسم إلى بائن بينونة كبرى، وبائن بينونة صغرى، أمَّا الطلاق البائن بينونة صغرى فهو ما كان دون الثلاث وكان على مال، أو كان قبل الدخول، أو كان بحكم القاضي، والطلاقُ الرجعيُّ إذا انقضت عدَّةُ المطلَّقة دون أن يُراجعها زوجُها، صار بائنًا بينونةً صغرى، وأمَّا الطلاق البائن بينونة كبرى فهو المكمِّل للثلاث.
فأمَّا المطلَّقة طلاقًا رجعيًّا فهي في حكم الزوجة ما دامت في العدَّة، فيثبت لها سائر أحكام الزوجية؛ من احتباسها لحقِّ زوجها، وتحريمها على غيره، وبقاء عصمتها في يده، واستحقاقها الإرث منه إن مات وهي في العدَّة.
قال إمام الحرمين الجُوَينِي في "نهاية المطلب" (14/ 48، ط. دار المنهاج): [الرجعية زوجة ما دامت في العدَّة] اهـ.
ولمَّا كانت المطلَّقة طلاقًا رجعيًّا في حكم الزوجة من حيث بقاء آثار الزوجية، فإنَّه لا يجوز للزوج أن يدفع إليها الزكاة من سهم الفقراء والمساكين؛ لوجوب نفقتها عليه، فتصير غنيَّة بذلك.
قال الإمام ابن المنذر في "الإشراف" (3/ 104، ط. مكتبة مكة): [أجمع أهل العلم على أنَّ الرجل لا يُعطِي زوجته من الزكاة] اهـ.
ويدخل في النفقة الواجبة على الزوج نفقةُ العلاج، وهو ما قرَّره بعض العلماء، واستقرَّت عليه الفتوى.
قال الشيخ عليش في "منح الجليل" (4/ 392، ط. دار الفكر) في سياق حديثه عن النفقة الواجبة على الزوج: [عن ابن عبد الحكم: عليه أجرُ الطبيب والمداواة] اهـ.
وقال العلامة الشوكاني في "السيل الجرار" (1/ 459- 460، ط. دار ابن حزم): [وأما قوله: (كفايتها كسوةً ونفقةً وإدامًا) فصحيحٌ، مع التقييد بقوله عز وجل: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ ٱللَّهُ﴾ [الطلاق: 7]. وأما إيجاب الدواء فوجهه: أن وجوب النفقة عليه هي لحفظ صحتها، والدواء من جملة ما يحفظ به صحتها] اهـ.
وهو ما نصَّت عليه المادة (1) من قانون الأحوال الشخصية المصري رقم (25) لسنة 1920م، حيث جاء فيها: [تجب النفقة للزوجة على زوجها من تاريخ العقد الصحيح إذا سلَّمت نفسها إليه ولو حُكمًا حتى لو كانت موسرةً أو مختلفةً معه في الدين، ولا يَمنعُ مرضُ الزوجةِ مِن استحقاقها للنفقة، وتشملُ النفقةُ الغذاءَ والكسوةَ والسكنَ ومصاريفَ العلاج وغيرَ ذلك بما يقضي به الشرع] اهـ.
فإن كانت الزوجة مستحقَّةً للزكاة بغير وصف الفقر أو المسكنة، كأن كانت من الغارمين، جاز لزوجها أن يدفع إليها من زكاة ماله حينئذٍ.
قال العلامة الخطيب الشربيني في "الإقناع" (1/ 232، ط. دار الفكر) في سياق تعداده من لا يجوز دفع الزكاة إليهم: [(و) الرابع (من تلزم المزكِّي نفقته) بزوجيَّة أو بعضيَّة (لا يدفعها) إليهم (باسم) أي من سهم (الفقراء) ولا من سهم (المساكين) لغناهم بذلك، وله دفعها إليهم من سهم باقي الأصناف إذا كانوا بتلك الصفة] اهـ.
وأمَّا المطلَّقة طلاقًا بائنًا -بينونة صغرى أو كبرى- فإنها تصير بالبينونة أجنبيَّةً عن الزوج، فيجوز له أن يدفع إليها من زكاة ماله، متى توافر فيها وصفُ الفقر أو المسكنة، أو غيرهما من أوصاف الأصناف الثمانية الواردة في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60].
قال الإمام أبو الحسن بن القطان في "الإقناع" (1/ 222، ط. دار الفاروق): [أجمع أهل العلم أنَّ من فَرَّق صدقته في الأصناف التي ذكرها الله عز وجل في قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، أنه مؤدٍّ لما فُرِضَ عليه] اهـ.
ويتأكد استحقاقها حينئذٍ للزكاة إذا كانت مع احتياجها مريضة، فالزكاة ما شُرعت إلا لبناء الإنسان وكفاية حاجته، وتحقيق قوام حياته وسائر شؤون معيشته، من علاجٍ، وتعليمٍ، وكفاية مؤونة، وغير ذلك من ضروريات الحياة وحاجياتها.
قال الإمام الكاساني في "بدائع الصنائع" (2/ 3، ط. دار الكتب العلمية): [أداء الزكاة من باب إعانة الضعيف، وإغاثة اللهيف، وإقدار العاجز وتقويته على أداء ما افترض الله عز وجل عليه من التوحيد والعبادات، والوسيلةُ إلى أداء المفروضِ مفروضٌ] اهـ.
وقال الإمام الشاطبي في "الموافقات" (2/ 385، ط. دار المعرفة): [إنَّ المقصود بمشروعية الزكاة: رفع رذيلة الشح، ومصلحة إرفاق المساكين، وإحياء النفوس المعرَّضة للتلف] اهـ.
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فلا يجزئ المُزكِّي دفع زكاة ماله إلى مطلَّقته من سهم الفقراء والمساكين إذا كان الطلاق رجعيًّا، فإن استحقت الزكاة بغير وصف الفقر أو المسكنة، كأن كانت من الغارمين، جاز له أن يدفع إليها من زكاة ماله، أمَّا إذا كان الطلاق بائنًا -بينونة صغرى كان أو كبرى-، فيجوز له أن يدفع إليها من زكاة ماله لمساعدتها في إجراء عملية جراحية عند عجزها عن تحمُّل تكاليفها.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم الشرع في التصدق بالأموال الناتجة عن التعامل في المواد المخدرة؟
ما مدى وقوع طلاق مريض الوسواس القهري؟ وهل يشترط لوقوعه التوثيق؟
ما هو نصاب زكاة عروض التجارة؟ فأنا أمتلك عروضًا للتجارة، وأريد أن أعرف ما هو المقدار الذي إذا امتلكته وحال عليه الحول وجب علي إخراج الزكاة فيه.
هل يصح العمل بهذه المقولة: "اللي يحتاجه البيت يحرم على الجامع"؟ فقد دار نقاش بين مجموعة من الأشخاص على إثر دعوة أحد الدعاة في القرية من إكثار الجميع من التبرعات والصدقات؛ لصرفها على توسيع المسجد وترميمه وعلى بعض أعمال النفع العام، وكذلك لمساعدة بعض المحتاجين من الفقراء والمساكين في ظل الظروف الراهنة، فذكر البعض أن ضعيف الحال يجب عليه عدم الإنفاق من ماله في تلك الأحوال وأَنَّ بيته وأهله أولى من ذلك، مسترشدًا بمقولة: "اللي يحتاجه البِيت يحرم على الجامع"، فما صحة ذلك؟
سائل يسأل: عقد رجل زواجه على فتاة، وأثبت بالعقد أن المهر باق لحين زفافه، وتوفي قبل الزفاف. فما صحة هذا العقد؟ وما هي الآثار المترتبة عليه؛ كالميراث مثلًا؟
ما حكم زكاة المال المودع في صندوق التوفير؟ وما هو النصاب؟ وهل تخرج على الأصل فقط أو مضافًا إليه الأرباح؟