ما حكم إخفاء حقيقة المرض عن المريض لمصلحته؟ فزوج أختي مصاب بالسرطان، وقد سأل الطبيبَ عن حالته فلم يُصرِّح له، ولكن الطبيب أخبرني أنا، وبرَّر ذلك بأن حالته ستتدهور بسرعة إذا كشف له حقيقتها. فما حكم ذلك شرعًا؟
الأصل هو تصريح الطبيب للمريض بحقيقة مرضه، إلا أنه متى ظهر للطبيب بمقتضى خبرته ودرايته بحال مريضه أنَّ المصارحة بحقيقة الداء يعقبها تدهور عضوي أو نفسي مؤثر، جاز له عدم الإفصاح عن حقيقة المرض، ولا يُعدُّ ذلك كتمانًا مذمومًا، بل هو من باب التورية المأذون بها شرعًا بقدر الحاجة، ومن التنفيس المندوب؛ تحقيقًا لمصلحة المريض، ودفعًا للضرر عنه، عملًا بالقواعد المقررة في الشريعة.
مع مراعاة أن يقتصر الكتمان على المريض، مع إبلاغ من يلزم من ذويه أو من يحدده هو إن أمكن، أو من تدعو الحاجة إلى إبلاغه؛ حفظًا لحقوقه الدينية والدنيوية، وضمانًا لرعايته، وذلك كله في حدود ما تدعو إليه الضرورة، وبالطريقة الإنسانية اللائقة، ما لم يترتب على ذلك ضررٌ على الغير.
المحتويات:
مِن المقاصد الكلية التي اعتنى بها الشرع الشريف: حفظُ النفس وصَوْنُها عن كلِّ ما يؤذيها ويضرُّها عاجلًا أو آجلًا، فأمَرَ لأجل ذلك باتخاذ كافة الوسائل التي تحقق ذلك المقصد، والتي منها الوقاية مِن الأمراض قبل حصولها، والمسارعة إلى العلاج والتداوي منها إذا ما أصيب الإنسان بها، فهو مأمورٌ باتخاذ الوسائل المتاحة التي تحافظ على نفسه وحياته وصحته وتمنع عنه الضرر، وقد دلَّ على مشروعية التداوي ما رواه أسامة بن شريك رضي الله عنه قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطيرُ، فسَلَّمتُ ثم قعدتُ، فجاء الأعرابُ من هاهنا وهاهنا، فقالوا: يا رسول الله، أنتداوى؟ فقال: تَداوَوا؛ فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لم يَضَع داءً إلَّا وَضَعَ له دَواءً غيرَ داءٍ واحِدٍ: الهَرَمُ»، والهَرَمُ: "الكِبَر" أخرجه أبو داود والتِّرْمِذِي.
والعلاج إذا كان مأذونًا فيه ابتداءً كانت وسائله وما يتوقف عليه مأذونًا فيها أيضًا؛ قال العلامة ابن دقيق العيد في "إحكام الأحكام" (2/ 288، ط. مطبعة السُّنَّة المحمدية): [الإذن في الشيء إذنٌ في مُكَمِّلات مقصوده] اهـ.
ومن المقرر أن طلب العلاج إنما يكون بالرجوع إلى أهل الاختصاص من الأطباء، فهم أهل الذكر في هذا الباب، الذين أمر الله تعالى بسؤالهم والرجوع إليهم، فقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
إذا لجأ المريض إلى الطبيب، فالأصلُ أن له حقَّ معرفة حقيقة حالته الصحية؛ ليتمكن من ترتيب شؤونه الدينية والدنيوية، غير أن هذا الأصل قد يُقيَّد بمصلحةٍ راجحةٍ تعود عليه؛ إذ قد تعرض حالاتٌ يُخشى فيها من إخباره بمرضه وقوعُ ضررٍ معتبرٍ عليه، نفسيًّا أو عضويًّا، يؤثر على مسار المرض أو على استجابته للعلاج، أو يُسرع في تفاقمه.
وفي هذه الحال يتعين على الطبيب مراعاةُ مآل الإخبار والكتمان، والعملُ بفقه الموازنات، فيقدِّر الأمر بقدره، ويرجِّح ما فيه حفظُ نفس المريض؛ إذ إن حفظ النفس من المقاصد الشرعية الكلية.
فإن غلب على ظن الطبيب بناءً على خبرته ومعرفته بحال المريض أن إخباره لا يترتب عليه ضرر، وجب عليه بيان الحقيقة له، ولا يسوغ كتمانها.
أما إذا غلب على ظنه أن في إخباره ضررًا محققًا أو غالبًا، جاز له عدمُ التصريح بحقيقة حالته، بل قد يتعين عليه ذلك؛ ولا يُعدُّ هذا من الكتمان المذموم، بل هو من قبيل التورية المأذون فيها شرعًا بقدر الحاجة؛ تحقيقًا لمصلحة المريض، ودفعًا للضرر عنه، وذلك تأسيسًا على ما يلي:
أولًا: أن واجب الطبيب تجاه مريضه هو دفع المرض عنه ما أمكن، فإن تعذر دفعه جملةً دفع أعظمه بقدر المستطاع، وقد يكون كتمان الحقيقة في بعض الحالات أخفَّ ضررًا من التصريح بها إذا ترتب على الإخبار تدهور حالته النفسية أو الصحية، خاصة في الأمراض الشديدة؛ فيختار الطبيب المسلك الذي يحقق أعظم النفع وأقل الضرر.
قال سلطان العلماء العز بن عبد السلام في "قواعد الأحكام" (1/ 6، ط. مكتبة الكليات الأزهرية): [الأطباء يدفعون أعظم المرضين بالتزام بقاء أدناهما، ويجلبون أعلى السلامتين والصحتين ولا يبالون بفوات أدناهما، ويتوقفون عند الحيرة في التساوي والتفاوت؛ فإن الطب كالشرع وضع لجلب مصالح السلامة والعافية، ولدرء مفاسد المعاطب والأسقام، ولدرء ما أمكن درؤه من ذلك، ولجلب ما أمكن جلبه من ذلك، فإن تعذر درء الجميع أو جلب الجميع فإن تساوت الرتب تخير، وإن تفاوتت استعمل الترجيح عند عرفانه والتوقف عند الجهل به] اهـ.
فيستقرئُ الطبيب تفاصيلَ الحالة الصحية والنفسية للمريض، ويختار من القول ما يليق بظرفها وزمانها، وبما تقتضيهِ رحلة العلاج.
قال الإمام السيوطي في "الحاوي للفتاوي" (1/ 392، ط. دار الفكر) في سياق بيان وجه الشبه بين المفتي والطبيب وأن كلا منهما يراعي مقتضى الحال والشخص والزمان: [لا شك أن المفتي حكمه حكم الطبيب، ينظر في الواقعة ويذكر فيها ما يليق بها بحسب مقتضى الحال والشخص والزمان، فالمفتي طبيب الأديان، وذلك طبيب الأبدان] اهـ.
ثانيًا: استحباب التلطُّف مع المريض ورفع معنوياته، وإيهامه بما يُحسِّن حالته النفسية؛ لما في ذلك من أثرٍ على تقوية تحمُّله واستجابته للعلاج، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى المَرِيضِ فَنَفِّسُوا لَهُ فِي أَجَلِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَيُطَيِّبُ نَفْسَهُ» رواه التِّرْمِذِي وابن ماجه.
والتنفيس: هو التفريج عن المريض، وتطميعه في طول أجله، قال الإمام السندي في "حاشيته على سنن ابن ماجه" (1/ 439، ط. دار الجيل) في معنى "التنفيس": [قوله: (فَنَفِّسُوا) من التنفيس، وأصله التفريج، يقال: نفَّس الله عنه كربته، أي: فرَّجها، وتعديته بـ"في": لتضمين معنى التطمع، أي: طمعوه في طول أجله] اهـ. ويدخل في ذلك حجبُ ما يُضعف نفس المريض ويكسر أمله إذا كان في إظهاره ضررٌ عليه.
وقد أكد ذلك قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي رقم: 67 (7/5) بالدورة السابعة بجدة في المملكة العربية السعودية، بشأن العلاج الطبي، حيث جاء فيه: [وعلى الأطباء وذوي المرضى تقوية معنويات المريض، والدأب في رعايته وتخفيف آلامه النفسية والبدنية بصرف النظر عن توقع الشفاء أو عدمه] اهـ.
ثالثًا: تحقيق مبدأ المصلحة، ودفع الضرر ما أمكن عن المريض، عملًا بالقواعد المقررة: أن "الضرر يُزال"، وأنه "إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما"، وأن "درء المفاسد مُقدَّم على جلب المصالح".
فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» رواه ابن ماجه، وأحمد.
قال الإمام السيوطي في "الأشباه والنظائر" (ص: 7، ط. دار الكتب العلمية) في تعداد القواعد الخمس الكبرى: [الثالثة: الضرر يُزال. وأصلها قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»] اهـ.
وقال سلطان العلماء العز بن عبد السلام في "قواعد الأحكام" (1/ 98): [اجتمعت مصالح ومفاسد، فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك؛ امتثالًا لأمر الله تعالى فيهما؛ لقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وإن تعذر الدرء والتحصيل فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة] اهـ.
وقال الإمام ابن نُجَيْم في "الأشباه والنظائر" (ص: 75، ط. دار الكتب العلمية): [الضرر الأشد يُزال بالأخف]، وقال أيضًا في (ص: 76): [(إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما)، قال الزَّيْلَعِي في باب شروط الصلاة: ثم الأصل في جنس هذه المسائل أن من ابتلي ببليتين، وهما متساويتان يأخذ بأيتهما شاء، وإن اختلفا يختار أهونهما؛ لأن مباشرة الحرام لا تجوز إلا للضرورة ولا ضرورة في حق الزيادة] اهـ.
فإذا كان في إخبار المريض ضررٌ أعظم، وكان في كتمان ذلك ضررٌ أخف، جاز ارتكاب الأخف لدفع الأشد.
على أن يُراعى في ذلك: أن يقتصر الكتمان على المريض، مع إبلاغ من يلزم من ذويه أو من يحدده هو إن أمكن، أو من تدعو الحاجة إلى إبلاغه؛ حفظًا لحقوقه الدينية والدنيوية، وضمانًا لرعايته، وذلك كله في حدود ما تدعو إليه الضرورة، وبالطريقة الإنسانية اللائقة، ما لم يترتب على ذلك ضررٌ على الغير.
وقد نصت اللائحة التنفيذية لآداب مهنة الطب، الصادرة بقرار وزير الصحة رقم 238 لسنة 2003 في المادة رقم (21) على أنه: [على الطبيب أن يوفر لمريضه المعلومات المتعلقة بحالته المرضية بطريقة مبسطة ومفهومة، ويجوز للطبيب لأسباب إنسانية عدم إطلاع المريض على عواقب المرض الخطيرة، وفي هذه الحالة عليه أن ينهي إلى أهل المريض بطريقة إنسانية لائقة خطورة المرض وعواقبه الخطيرة إلا إذا أبدى المريض رغبته في عدم إطلاع أحد على حالته، أو حدد أشخاصًا معينين لإطلاعهم عليها، ولم تكن هناك خطورة على من حوله] اهـ.
بناءً على ما سبق وفي واقعة السؤال: فالأصل هو تصريح الطبيب للمريض بحقيقة مرضه، إلا أنه متى ظهر للطبيب بمقتضى خبرته ودرايته بحال مريضه أنَّ المصارحة بحقيقة الداء يعقبها تدهور عضوي أو نفسي مؤثر، جاز له عدم الإفصاح عن حقيقة المرض، ولا يُعدُّ ذلك كتمانًا مذمومًا، بل هو من باب التورية المأذون بها شرعًا بقدر الحاجة، ومن التنفيس المندوب؛ تحقيقًا لمصلحة المريض، ودفعًا للضرر عنه، عملًا بالقواعد المقررة في الشريعة.
على أن يُراعى في ذلك: أن يقتصر الكتمان على المريض، مع إبلاغ من يلزم من ذويه أو من يحدده هو إن أمكن، أو من تدعو الحاجة إلى إبلاغه؛ حفظًا لحقوقه الدينية والدنيوية، وضمانًا لرعايته، وذلك كله في حدود ما تدعو إليه الضرورة، وبالطريقة الإنسانية اللائقة، ما لم يترتب على ذلك ضررٌ على الغير.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ما حكم الشرع في إنسان يريد أن يتبرع بعضو من أعضاء جسده بعد موته (مثل العين) للمرضى الذين في حاجة إلى هذه الأعضاء، فهل هذا يجوز؟
ما حكم إجراء عملية طبية لفتاة من ذوي الهمم لقطع الدورة الشهرية عنها؟ فإن السائلة تقول: ابنتي من ذوي الهمم وأريد إجراء عملية طبية لها لمنع نزول الدورة الشهرية؛ لأنها لا تدرك شيئًا، ولدفع الضرر؛ كما أنني مريضة بالسكر، وعمري 60 عامًا، ولا أعرف من سوف يرعاها بعدي. فأرجو إعطائي الحكم الشرعي في ذلك؟
ما حكمُ استخدام المريض لأنظمة الذكاء الاصطناعي في القطع بتشخيص الأمراضِ دون كشف حقيقي وتحديد الأدوية دون تدخل طبيبٍ مختصٍّ؟
ما هي بيان كيفية طهارة الأطقم الطبية المعالجين لمرضى كورونا، حيث أننا مجموعة أطباء نعمل في إحدى مستشفيات عزل مرضى "فيروس كورونا المستجد"، ويستمر عملنا لساعات طويلة، ويَدخُل في ساعات عملنا الطويلة أكثر من وقت صلاة مفروضة، ويتعذَّر علينا خَلْعُ الأوقية التي علينا للوضوء؛ فهل يجوز لنا ترك الوضوء في هذه الحالة، وهل يجوز لنا أيضًا جمع الصلوات أثناء وقت العمل؟
يوجد شابةٌ مسلمةٌ في العشرينيات من عمرها، ولديها بروز عظمي على شكل تقوس في عظمة الأنف؛ بحيث لو تم التدخل جراحيًّا لتحسَّن شكلها عما هو حاليًّا إلى حدٍّ كبير، علمًا بأن هذا العيب ليس له أي تأثير سلبي من الناحية الصحية.
السؤال: هل يجوز لها أن تخضع للتدخل الطبي في هذه الحالة، والذي سيكون له عظيم الأثر إيجابيًّا على معنوياتها، وكذا من زاوية زيادة فرص زواجها؟ نرجو الإفادة وجزاكم الله خيرًا.
ما حكم تحديد الجهات المنظمة للحج لأعداد الحجيج وسنِّهم واشتراط حصولهم على اللقاحات؟ فمع اقتراب موسم الحج وفي ظل تزايد أعداد مريدي الحج، نجد أن الجهات المعنية بشئون الحج والعمرة تقوم بإِصْدار قرارات تنظيمية لفريضة الحج، نحو: تحديد أعداد الحجيج وأعمارهم، واشتراط حصولهم على بعض اللقاحات، فهل هذا متفق مع أحكام الشريعة ومقاصدها الإسلامية؟