هل يجوز نقل الميت من القبر الذي دُفن فيه إلى قبرٍ آخر للضرورة؟
الأصل أنه يَحرُم شرعًا نبشُ القبر ونقل الميت المدفون فيه إلى مكانٍ آخَر إلا أن يكون ذلك لضرورة أو حاجةٍ أو مصلحةٍ معتبرةٍ شرعًا، فإذا وُجدت الضرورة أو الحاجة أو المصلحة المعتبرة التي لا يمكن تحققها إلا بنقله من قبره فيجوز النقل حينئذٍ، بشرط احترامه وعدم انتهاك حرمته في نقله، فلا يُنقَل على وجهٍ يكون فيه تحقيرٌ له، ويُراعَى استخدام كلِّ الوسائل الممكِنة التي من شأنها أن تحفظ جسده أو ما بقي منه وتستره، مع اللطف في حمله، وبشرط التصريح بذلك من الجهات الرسمية المختصة، والالتزام بجميع اللوائح والقوانين المنظمة لهذا الإجراء.
المحتويات:
مما كرَّم اللهُ تعالى به الإنسانَ وفضَّله على سائر المخلوقات أن شَرَع له بعد مَمَاتِهِ قبرًا يُواريه، وكِنًّا يستتر فيه؛ صيانةً لحرمته، وحفظًا لأمانته؛ حتى لا تنتشر رائحته، أو تنهشه السباع أو الجوارح، أو ينبشه سارق، أو ينتهكه معتدٍ، فقال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: 55]، وقال سبحانه في مَعرِض الِامتِنان: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: 25- 26]، وقال جَلَّ شأنُه: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: 21].
الأصل حرمة نبش قبر الميت قبل البِلَى لنقله إلى مكان آخر لغير ضرورة، أو حاجة طارئة، أو مصلحة معتبرة شرعية، فإذا وُجدت الضرورة أو الحاجة الطارئة أو المصلحة المعتبرة التي لا يمكن تحققها إلا بنبش القبر ونقل الميت بعد دفنه فإنه يجوز حينئذٍ نبشُه ونقل رفاته إلى مكانٍ آخر، كما لو دُفن لغير القبلة، أو بلا غسل، أو بلا كفن، أو في أرضٍ أو ثوبٍ مغصوبين، أو وقع مال في القبر، أو لخوف تضرر قبورهم بالمياه، أو لمصلحةٍ عامةٍ لا يمكن تحقيقُها إلا بتحويل القبر، كشقِّ طريقٍ أو تحويلِ مجرى نهرٍ لا يُستَغنى عن فعله أو غير ذلك.
قال العلامة السَّمَنْقاني الحنفي في "خزانة المفتين" (ص: 830، ط. جامعة الملك خالد) في سياق حديثه عن حكم إخراج الميت من قبره بعد دفنه: [وبعدما دُفن لا يسعُ إخراجه بعد مدة طويلة أو قصيرة إلا بعذرٍ] اهـ.
وقال العلامة الصاوي المالكي في "بلغة السالك" (1/ 577، ط. دار المعارف): [إذا دُفن في مِلك غيره بغير إذنه، فقال ابن رشد: للمالك إخراجه مطلقًا، سواء طال الزمان أم لا] اهـ.
وقال الإمام النووي الشافعي في "منهاج الطالبين" (ص: 62، ط. دار الفكر) عند حديثه عن حكم نقل الميت بعد دفنه: [ونبشه بعد دفنه للنقل وغيره حرام إلَّا لضرورة، بأن دُفِن بلا غسل، أو في أرضٍ أو ثوبٍ مغصوبين] اهـ.
وقال الإمام ابن قُدَامة الحنبلي في "المغني" (2/ 381، ط. مكتبة القاهرة): [سُئِل أحمد عن الميت يخرج من قبره إلى غيره، فقال: إذا كان شيءٌ يؤذيه، قد حَوَّل طلحةُ، وحَوَّلت عائشةُ. وسئل عن قومٍ دُفنوا في بساتين ومواضع رديئة، فقال: قد نَبَش معاذٌ امرأتَه، وقد كانت كُفِّنت في خلقين فكَفَّنها، ولم ير أبو عبد الله بأسًا أن يُحَوَّلوا] اهـ.
وكل ذلك بشرط التعامل بإكرام واحترام مع الميت أو ما تبقى منه؛ لأن حُرمة المسلم ميتًا كحُرمته حيًّا، وبشرط احترامه في نقله، فلا يُنقَل على وجهٍ يكون فيه تحقيرٌ له، وبشرط عدم انتهاك حرمته، فتُستخدَم كل الوسائل الممكنة التي من شأنها أن تحفظ جسده وتستره، مع اللطف في حمله، ويراعى بعد نقله أن يكون دفنه بالطريقة الشرعية.
والأصل في جواز استخراج الميت من قبره بعد دفنه ونقله ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: أَتَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَبدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ بَعدَمَا أُدخِلَ حُفرَتَهُ، «فَأَمَرَ بِهِ فَأُخرِجَ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكبَتَيهِ، وَنَفَثَ عَلَيهِ مِن رِيقِهِ، وَأَلبَسَهُ قَمِيصَهُ»، فَاللهُ أَعلَمُ، وَكَانَ كَسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا. قَالَ سُفيَانُ: وَقَالَ أَبُو هَارُونَ: وَكَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَمِيصَانِ، فَقَالَ لَهُ ابنُ عَبدِ اللهِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلبِس أَبِي قَمِيصَكَ الَّذِي يَلِي جِلدَكَ، قَالَ سُفيَانُ: «فَيُرَونَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَلبَسَ عَبدَ اللهِ قَمِيصَهُ مُكَافَأَةً لِمَا صَنَعَ» أخرجه الإمامان: البخاري واللفظ له، ومسلم.
وعنه أيضًا رضي الله عنه قال: «لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيلِ، فَقَالَ: مَا أُرَانِي إِلَّا مَقتُولًا فِي أَوَّلِ مَن يُقتَلُ مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَإِنِّي لَا أَترُكُ بَعدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنكَ غَيرَ نَفسِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ عَلَيَّ دَينًا فَاقضِ، وَاستَوصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيرًا، فَأَصبَحنَا، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ، وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ فِي قَبرٍ، ثُمَّ لَم تَطِب نَفسِي أَن أَترُكَهُ مَعَ الآخَرِ، فَاستَخرَجتُهُ بَعدَ سِتَّةِ أَشهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كَيَومَ وَضَعتُهُ هُنَيَّةً غَيرَ أُذُنِهِ» أخرجه الإمام البخاري.
وعنه أيضًا رضي الله عنه قال: «دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ، فَلَم تَطِب نَفسِي حَتَّى أَخرَجتُهُ، فَجَعَلتُهُ فِي قَبرٍ عَلَى حِدَةٍ» أخرجه الإمام البخاري.
وقد بوَّب الإمام البخاري في "صحيحه" على هذه الأحاديث الثلاثة بقوله: (باب: هَل يُخرَجُ المَيِّتُ مِنَ القبر وَاللَّحدِ لِعِلَّةٍ).
قال الحافظ ابن حَجَرٍ العَسقَلَانِي في "فتح الباري" (3/ 215، ط. دار المعرفة) معلِّقًا على تبويب الإمام البخاري: [أشار بذلك إلى الرد على مَن منع إخراج الميت مِن قبره مطلقًا أو لسببٍ دون سببٍ، كمَن خَصَّ الجواز بما لو دُفِن بغير غُسل أو بغير صلاة؛ فإن في حديثِ جابرٍ الأولِ دلالةً على الجواز إذا كان في نبشِه مصلحةٌ تتعلق به من زيادة البركة له، وعليه يتنزل قوله في الترجمة: «مِنَ القَبرِ»، وفي حديثِ جابرٍ الثاني دلالة على جواز الإخراج لأمر يتعلق بالحي؛ لأنه لا ضرر على الميت في دفن ميتٍ آخَر معه، وقد بيَّن ذلك جابرٌ بقوله: «فَلَم تَطِب نَفسِي»، وعليه يتنزل قوله: «وَاللَّحدِ»؛ لأن والدَ جابرٍ كان في لَحدٍ، وإنما أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام لأن قصة عبد الله بن أُبَيٍّ قابلة للتخصيص، وقصة والدِ جابرٍ ليس فيها تصريح بالرفع، قاله الزَّينُ بنُ المُنَيِّر] اهـ.
هذا وقد توسَّع فقهاء المالكية في جواز نقل الميت، حيث رأَوا جواز نقل الميت من قبره إلى موضِعٍ آخر تُرجَى بركتُه، أو ليُدفن بين أهله، أو لأجل قُرب زيارة أهله، وذلك بشرط حفظ جسده وصيانة حرمته وأن يكون في ذلك مصلحة معتبرة.
قال الإمام الدردير في "الشرح الكبير" ومعه "حاشية العلامة الدسوقي" (1/ 421، ط. دار الفكر): [(و) جاز (نقل) الميت قبل الدفن وكذا بعده من مكان إلى آخر، بشرط ألَّا ينفجر حال نقله، وألَّا تنتهك حرمته، وأن يكون لمصلحة، كأن يخاف عليه أن يأكله البحر، أو ترجى بركة الموضع المنقول إليه، أو ليدفن بين أهله، أو لأجل قرب زيارة أهله] اهـ.
قال العلامة الدسوقي محشيًا عليه: [(قوله: بشرط ألَّا ينفجر.. إلخ): فإن تخلف شرط من هذه الشروط الثلاثة كان النقل حرامًا (قوله: وألَّا تنتهك حرمته) انتهاك حرمته: أن يكون نقله على وجه يكون فيه تحقير له، وعدم الانتهاك يتحقق بقرب المسافة، واعتدال الزمن، وتمام الجفاف، مع اللطف في حمله، قاله شيخنا] اهـ.
وكذلك الحنابلة، حيث يجوِّزون نبش القبر لغرضٍ صحيحٍ كتحسين كفن الميت، ولنقله إلى بقعة خير من بقعته التي دفن فيها، كمجاورة صالح لتعود عليه بركته، أو لإفراده في قبر واحد عمن دُفِن معه.
قال العلامة المَرْدَاوِي في "الإنصاف" (2/ 471، ط. دار إحياء التراث العربي): [ويجوز نبشه لغرض صحيح على الصحيح من المذهب. نص عليه، وهو من المفردات، كتحسين كفنه، ودفنه في بقعة خير من بقعته، ودفنه لعذر بلا غسل ولا حنوط، وكإفراده؛ لإفراد جابر بن عبد الله لأبيه رضي الله عنهما] اهـ.
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فالأصل أنه يَحرُم شرعًا نبشُ القبر ونقل الميت المدفون فيه إلى مكانٍ آخَر إلا أن يكون ذلك لضرورة أو حاجةٍ أو مصلحةٍ معتبرةٍ شرعًا، فإذا وُجدت الضرورة أو الحاجة أو المصلحة المعتبرة التي لا يمكن تحققها إلا بنقله من قبره فيجوز النقل حينئذٍ، بشرط احترامه وعدم انتهاك حرمته في نقله، فلا يُنقَل على وجهٍ يكون فيه تحقيرٌ له، ويُراعَى استخدام كلِّ الوسائل الممكِنة التي من شأنها أن تحفظ جسده أو ما بقي منه وتستره، مع اللطف في حمله، وبشرط التصريح بذلك من الجهات الرسمية المختصة، والالتزام بجميع اللوائح والقوانين المنظمة لهذا الإجراء.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
هل يجوز التيمّم لمَن أراد إدراك صلاة الجنازة، لأن مكان الوضوء بعيد عن مصلى الجنازة، وإذا ذهب ليتوضأ فلن يلحق بالصلاة؟
ما حكم صلاة الجنازة في الشارع بالنعال في زمن الوباء؟ حيث إنه نظرًا لِما تمرُّ به بلدان العالم ومنها مصر جرَّاء فيروس كورونا المستجد، والقرارات التي اتخذتها السلطات للحدِّ من انتشار هذا الوباء من غلق المساجد ونحوها من دُور العبادات، يقومُ المسلمون بالصلاة على الجنائزِ في الشوارع أو في الأماكنِ الواسعة، والكثير منهم يصلي على الجنازة دون أن يخلع نعليه، بدعوى أن هذا ليس مسجدًا، فهل صلاتهم بالنعال على هذا النحو صحيحة؟
ما حكم إلقاء موعظة على القبر بعد دفن الميت؟ حيث تُوفّي قريب من أقاربي، وشيَّعنا جنازته إلى أن وصلنا للقبور ودفنَّا الميت، فقام الشيخ بإلقاء موعظة بعد الدفن، فاختلف أحد المشيعين ورفع صوته، وقال: هذه بدعة. فما حكم الخطبة والموعظة على المقابر بعد الدفن وقبل الدعاء للميت؟
ما حكم جمع الجنازات للصلاة عليها جملة واحدة؟ حيث إنه نظرًا لتزايد عدد الوفيات في مستشفيات العزل ونحوها؛ بما قد تزيدُ في بعض الأيام عن العشرة في مكانٍ واحد، ووضع كل جنازة على حدتها وتقديمها للصلاة عليها يسبِّب الكثير من التعب والمشقَّة للقائمين على ذلك، فهل يمكن الصلاة عليها مجتمعة؟ وهل هذا هو الأفضل من الناحية الشرعية، أم الأفضل الصلاة على كل جنازة على حدتها؟ ولفضيلتكم جزيل الشكر والتقدير.
ما حكم رفع الصوت بالتهليل أثناء السير بالجنازة؟ فبعض الناس ينقرون الطبول أمام الجنازة، وبعضهم يقول: "لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله" بصوت مرتفع أثناء سير الجنازة. ويطلب بيان الحكم الشرعي.
هل هناك دعاء معين أو قول معين يُقال عند دفن الميت، أو يُدفَن ويُترَك وينصرف الناس؟