سائل يقول: استأجر رجلٌ شقَّةً سكنيَّةً، فهل يجوز له أن يؤجِّرها لشخص آخر غير مالكها؟
يجوز للمستأجرِ تأجيرُ العين المستأجَرَةِ، ولا حرج عليه في ذلك شرعًا، مع مراعاة كون الإيجار الثاني لها لا ينشأُ عنه إضرارٌ بالعين المستأجَرةِ، كما يُراعَى كون العين المستأجَرَةِ مما لا يختلف الناسُ في الانتفاعِ به، كما يجوز أن تكون الإجارةُ الثانيةُ بثمنٍ أكبر من أُجرَةِ الإجَارَةِ الأُولَى، مع استحباب أن يكون المستأجِرُ قد أضاف للعين المستَأجَرَةِ زيادةً تُسوِّغ له طَلَبَ الزيادة على الإيجار الأوَّل؛ خروجًا مِن خلاف مَن اشترط ذلك مِن الفقهاء، وذلك كلُّه مشروطٌ بألَّا يكون هذا الفعلُ منه مخالفًا للاتفاق الذي بينه وبين المالك، كما يجب الالتزام بما تقرِّره القوانين المنظمة للعلاقة الإيجارية بين طرفيها في هذا الشأن، وما قد يرد فيها من استثناءات أو قيود في بعض الحالات أو العقود.
المحتويات
شَرَع اللهُ عزَّ وجلَّ الإِجارة لحاجة الناس الشديدة إليها، إذ قد لا يقدر بعض الناس على شراء كلِّ ما يريد، فيستعين على ذلك بالإِجارةِ التي تُمَكِّنُهُ من الانتفاع بالشيء دون الحاجة إلى شرائه، كما أنَّ بعض النَّاس مِن أصحاب الأملاك ليسوا في حاجةٍ إلى استخدام بعض أملاكهم، فيقومون بتأجيرها والانتفاع بالأُجرة، فأباحها الشرعُ؛ لِمَا فيها من تيسيرِ أمورِ الناسِ، وقضاءِ مصالحهم، وتبادُلِ المنافع فيما بينهم.
وقد عرَّف العلامة الخطيب الشربيني الإجارة في "مغني المحتاج" (3/ 438، ط. دار الكتب العلمية) بأنها: [عقدٌ على منفعةٍ مقصودةٍ معلومةٍ قابلةٍ للبذل والإباحة بعوضٍ معلوم] اهـ.
وعرَّفها القانون المدني في مادته رقم (558) بأنها: [عقدٌ يلتزم المؤجِّرُ بمقتضاه أن يُمَكِّنَ المستأجِرَ مِن الانتفاع بشيءٍ معيَّن، مدةً معيَّنةً، لقاءَ أجر معلوم] اهـ.
والأصلُ في جوازها ومشروعيتها قولُ الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6]، وعن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: «وَاستَأْجَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُو بَكرٍ، رَجُلًا مِن بَنِي الدِّيلِ هَادِيًا» أخرجه الإمام البخاري.
وقد انعقد إجماعُ أهلِ العلم على جوازِ عقدِ الإجارةِ في الجملة، إذا استوفى أركانَه وتوافرت شروطُه المعتبرة شرعًا.
قال الإمام ابن قُدَامة في "المغني" (5/ 321، ط. مكتبة القاهرة): [الأصلُ في جوازِ الإجارةِ الكتابُ، والسنةُ، والإجماعُ] اهـ.
كما أجمعوا على جواز إجارة المنازل إذا استُوفِيَت شروطُها، من ضبطِ الزمان، وتحديدِ الأجرة، وتعيينِ المنفعة ومستوفيها.
قال الإمام أبو بكر بن المنذر في "الإشراف" (6/ 303، ط. مكتبة مكة الثقافية): [أجمع كلُّ من نحفظ عنه من أهل العلم، على أنَّ إجارة المنازل والدواب جائزٌ إذا بُيِّن الوقت، والأجر، وكانا عالِمَين بالذي عَقَدَا عليه الإجارة، وبيَّنا من يسكن الدار، ويركب الدابة، وما يحمل عليها] اهـ.
الصورةُ المسؤولُ عنها من تأجيرِ العين المستأجَرَةِ (الشقَّة السَّكنيَّة) لغير المؤجِّر جائزةٌ شرعًا عند جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية، والحنابلة في الأصح، والقول بالجواز هو المروي كذلك عن سعيد بن المُسَيِّب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، والنخعي، والشعبي، ومجاهد، وعكرمة، وابن سيرين، والثوري.
ومحلُّ كون ذلك جائزًا هو ما إذا كانت العين المستأجَرَةِ لا يتفاوت الناس في الانتفاع بها، بمعنى أنَّ العين المستأجَرَةِ إذا كانت بحالةٍ بحيث لا يختلف استعمال الناس لها جاز للمُؤجِّر تأجيرها لغيره، وإذا لم يكن هناك ضررٌ على العين المستأجَرَةِ ينشأُ من خلال الإيجار الثاني لها.
وعلة الجواز هنا: أنَّ المستأجِر امتلك بالإجارة الأُولى منفعة العين المستأجَرَةِ، والملك كما يقع على العين فإنه يقع كذلك على المنفعة، والملك هنا واقعٌ على المنفعة، فجاز له أن يتصرَّف فيها، وتأجيرُها إنَّما هو نوعُ تصرفٍ يدخل ضمن التصرفات المأذون له فيها باعتباره مستأجِرًا مالكًا للمنفعةِ، كما أنَّه لَمَّا كان المستأجِرُ مالكًا للمنفعة، جاز له أن يستوفيها بنفسه ونائبه، ولَمَّا كانت الإجارة إنما هي لتمليك المنفعة، صحَّت الإجارة الأُولى من صاحب العين المستأجَرَةِ؛ لأنه يَملِك المنفعةَ، فجاز كذلك للمستأجِر تأجيرُ العين المستأجَرَةِ؛ لأنَّه المالكُ للمنفعة حينئذٍ، علاوةً على ذلك فإن الإجارة كالبيع، وبيعُ المبيع جائزٌ بعد قبضه، فكذلك إجارة العين المستأجَرَةِ تجوز بعد القبض، ما لم يتفق العاقدان على غير ذلك، أو يترتب على الإيجار الثاني ضررٌ بالعين المستأجَرة.
كذا أجازوا أن تكون الإجارةُ الثانيةُ بثمنٍ أقلَّ أو مساوٍ أو أكثرَ من ثمن الإجارة الأُولى، غير أنَّ الحنفية اشترطوا في حال كون ثمن الإجارة الثانية أكثرَ مِن الأُولى أن يُحدث المستأجِر الذي يؤجِّر ثانيًا بالعين المُؤَجَّرَةِ شيئًا يكون مقابِلَ الزيادة التي سيأخذها، وإلا فيتصدَّقُ بالزيادة، مع جواز الإجارة وصحتها ونفاذها.
قال الإمام علاء الدين الكَاسَانِي الحنفي في "بدائع الصنائع" (4/ 206، ط. دار الكتب العلمية): [وللمستأجر في إجارة الدار وغيرها من العقار أن ينتفع بها كيف شاء، بالسُّكنى، ووضع المتاع، وأن يسكن بنفسه، وبغيره، وأن يسكِنَ غيره بالإجارة والإعارة، إلَّا أنَّه ليس له أن يجعل فيها حدَّادًا، ولا قصَّارًا، ونحو ذلك ممَّا يوهنُ البناء؛ لما بيَّنَّا فيما تقدَّم. ولو أجَّرَها المستأجِرُ بأكثر مِن الأجرة الأُولى، فإن كانت الثانية من خلاف جنس الأولى طابت له الزيادة، وإن كانت من جنس الأولى لا تطيب له حتى يزيد في الدار زيادةً من بناءٍ أو حفرٍ أو تطيينٍ أو تجصيصٍ، فإن لم يزد فيه شيئًا فلا خير في الفضل، ويتصدَّق به، لكن تجوز الإجارة] اهـ.
وقال الإمام برهان الدين بن مَازَه الحنفي في "المحيط البرهاني" (7/ 429، ط. دار الكتب العلمية): [قال محمد رحمه الله: وللمستأجِر أن يؤاجِر البيتَ المستأجِر مِن غيره، فالأصل عندنا: أن المستأجِر يَملِكُ الإجارة فيما لا يتفاوت الناس في الانتفاع به؛ وهذا لأن الإجارة لتمليك المنفعة، والمستأجِرُ في حق المنفعة قامَ مَقامَ الآجِر، وكما صَحَّت الإجارةُ مِن الآجِر تَصِحُّ مِن المستأجِر أيضًا] اهـ.
وقال الإمام الحَطَّاب المالكي في "مواهب الجليل" (5/ 417، ط. دار الفكر): [ومن اكترى دارًا فله أن يسكُنَهَا، أو يُسكِنَها، أو يُؤَجِّرها من مؤَجِّرها، أو أجنبي مثل الآجِر، أو أقل، أو أكثر] اهـ.
ثم قال: [وقال في كتاب الدُّور مِن "المدونة": ومَن اكترى دارًا فله أن يكريها من مثله بأكثر من الكراء أو بأقل، ومن اكترى حانوتًا للقصارة فله كراؤه مِن حدادٍ أو طحانٍ أو غيره، إلا أن يكون ذلك أكثر ضررًا بالبنيان فيمنع، وله ذلك في المُسَاوِي] اهـ.
وقال الإمام الشِّيرَازِي الشافعي في "المهذب" (2/ 258، ط. دار الكتب العلمية): [وللمستأجر أن يؤجر العين المستأجَرَةِ إذا قبضها؛ لأن الإجارة كالبيع، وبيع المبيع يجوز بعد القبض، فكذلك إجارة المستأجر] اهـ.
ثمَّ قال: [ويجوز أن يؤجِّرها برأس المال وبأقل منه وبأكثر؛ لأنَّا بيَّنَّا أنَّ الإجارة بيع وبيع المبيع يجوز برأس المال وبأقل منه وبأكثر منه، فكذلك الإجارة] اهـ.
وقال الإمام البُهُوتِي الحنبلي في "كشاف القناع" (3/ 565، ط. عالم الكتب): [(وتصح إجارةُ مستأجِر) العين المؤجَّرة (لمن يَقوم مَقامَه) في استيفاء النَّفع (أو) لمن (دُونَه في الضرر)؛ لأن المنفعة لَمَّا كانت مملوكةً له جاز له أن يستوفيها بنَفسه ونائبه] اهـ.
ومعلومٌ أن الشُّقق السكنية لا يختلف الناس في استعمالها غالبًا، ولا يترتب على التأجير الثاني لها أيُّ ضررٍ خارج عن المألوف في استعمالها، فكان الأصل جواز ذلك، إلَّا أن يؤجِّرها لمن يستخدمها لغير السُّكنَى، كمن يستخدمها لممارسة حِرفَةٍ ما، أو لعمل تجاريٍّ، لاختلاف الاستخدام لهذه الأغراض عن الاستخدام للسكنى.
وعلى ذلك جرى القانون المدني المصري الصادر برقم (131) لسَنَة 1948م، حيث نصَّ في مادته رقم (593) على أنَّ: [للمستأجِر حق التنازل عن الإيجار، أو الإيجار مِن الباطن، وذلك عن كلِّ ما استأجَرَه أو بعضِه، ما لم يَقضِ الاتفاقُ بغير ذلك] اهـ.
على أنَّه يجب على المستأجِر الالتزام بما تقرِّره القوانين المنظمة للعلاقة الإيجارية بين طرفيها في هذا الشأن، وما قد يرد فيها من استثناءات أو قيود في بعض الحالات أو العقود، ومن ذلك: ما قرره القانون رقم (136) لسنة 1981م من إتاحة حق طلب الإخلاء لمالك العقار المؤجَّر وفق نظام المشاهرة القديم (الإيجار القديم)، إذا ثبت قيام المستأجِر بتأجير العين المؤجَّرة من الباطن دون إذنٍ كتابِيٍّ صريحٍ منه، حيث نصَّت المادة (18) من القانون المشار إليه على أنَّه:
[لا يجوز للمؤجِّر أن يطلب إخلاء المكان ولو انتهت المدة المتفق عليها في العقد إلا لأحد الأسباب الآتية:
(أ) الهدم الكُلِّي أو الجزئي للمنشآت الآيلة للسقوط، والإخلاء المؤقَّت لمقتضيات الترميم والصيانة، وفقًا للأحكام المنظمة لذلك بالقوانين السارية.
(ب) إذا لم يقم المستأجر بالوفاء بالأجرة المستحقَّة خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ تكليفه بذلك، بكتابٍ موصى عليه مصحوب بعلم الوصول دون مظروف، أو بإعلان على يد محضر، ولا يحكم بالإخلاء إذا قام المستأجر قبل إقفال باب المرافعة في الدعوى بأداء الأجرة وكافة ما تكبده المؤجر من مصاريف ونفقات فعلية.
ولا ينفذ حكم القضاء المستعجل بطرد المستأجر من العين بسبب التأخير في سداد الأجرة إعمالًا للشرط الفاسخ الصريح إذا ما سدَّد المستأجر الأجرة والمصاريف والأتعاب عند تنفيذ الحكم، وبشرط أن يتم التنفيذ في مواجهة المستأجر.
فإذا تكرَّر امتناع المستأجِر أو تأخره في الوفاء بالأجرة المستحقة دون مبررات تقدرها المحكمة حكم عليه بالإخلاء أو الطرد بحسب الأحوال.
(ج) إذا ثبت أن المستأجِر قد تنازل عن المكان المؤجر، أو أجَّره من الباطن بغير إذن كتابي صريح من المالك للمستأجر الأصلي، أو تركه للغير بقصد الاستغناء عنه نهائيًّا، وذلك دون إخلال بالحالات التي يجيز فيها القانون للمستأجر تأجير المكان مفروشًا أو التنازل عنه أو تأجيره من الباطن أو تركه لذوي القربى وفقًا لأحكام المادة 29 من القانون 49 لسنة 1977] اهـ.
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فيجوز للمستأجرِ تأجيرُ العين المستأجَرَةِ، ولا حرج عليه في ذلك شرعًا، مع مراعاة كون الإيجار الثاني لها لا ينشأُ عنه إضرارٌ بالعين المستأجَرةِ، كما يُراعَى كون العين المستأجَرَةِ مما لا يختلف الناسُ في الانتفاعِ به، كما يجوز أن تكون الإجارةُ الثانيةُ بثمنٍ أكبر من أُجرَةِ الإجَارَةِ الأُولَى، مع استحباب أن يكون المستأجِرُ قد أضاف للعين المستَأجَرَةِ زيادةً تُسوِّغ له طَلَبَ الزيادة على الإيجار الأوَّل؛ خروجًا مِن خلاف مَن اشترط ذلك مِن الفقهاء، وذلك كلُّه مشروطٌ بألَّا يكون هذا الفعلُ منه مخالفًا للاتفاق الذي بينه وبين المالك، كما يجب الالتزام بما تقرِّره القوانين المنظمة للعلاقة الإيجارية بين طرفيها في هذا الشأن، وما قد يرد فيها من استثناءات أو قيود في بعض الحالات أو العقود. ومن ثمَّ فللرجل المذكور أن يقوم بتأجير الشَّقَّة السَّكنِيَّة التي استأجرها لغير مالكها، وذلك مع مراعاة الضوابط والقيود الشرعية والقانونية المقرَّرة في ذلك الشأن.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
يقول السائل: يقوم بعض التجار الجشعين ببيع المواد بأسعار مرتفعة فادحة تزيد على الأسعار المقررة، وبعضهم يختزنون أقوات الناس وأهم ما يلزمهم من احتياجات معاشهم ويحتكرونها من ذوي الأطماع ومنتهزي الفرص؛ فما حكم إبلاغ الجهات المسؤولة عن هؤلاء؟
ما حكم شراء السلع المدعومة من السوق السوداء؟ وهل من يشتري منهم يكون معاونًا ومشاركًا في الإثم؟
ما حكم دفع الرشوة لقضاء المصالح؟ فحينما نتوجه لمصلحة حكومية لعمل مستند ما، فيتكاسل المسؤول عن العمل ويتبع عبارة تقول: فوت علينا بكره يا سيد وأمثالها، حتى يضطر المواطن لدفع الرشوة لإنهاء حاجته؟ فبماذا تفسرون ذلك؟
ما حكم قيام العامل أو الموظف بإثبات حضور زميله من دون أن يأتي للعمل؟
ما حكم الكسب من عمل مشكوك في حرمته؟ فأنا أعمل مهندسًا بشركة مقاولات أ، وأُشرِف على تنفيذ محطة معالجة صرف صحي بالإسكندرية، ونظام الشركة التي أعمل بها هو أن يتم تنفيذ هذه الأعمال بواسطة مقاولين من الباطن، وتم التعاقد مع شركة من القاهرة "ب"، وهذه الشركة أعطت بعض الأعمال إلى مقاول آخر من الباطن "ج". وعند مرحلة معينة من العمل طلب مني الاستشاري الذي يشرف علينا أن يستبعد هذا المقاول الآخر ج من دون أسباب، وتم استبعاده. وكان يوجد مهندس بالشركة "ب" التي تم التعاقد معها صديق للاستشاري، تم استبعاده هو الآخر ولا أعرف السبب. وبعد مرحلة معينة طلب مني الاستشاري أن نستكمل أنا وهو باقي الأعمال التي استُبعد فيها المقاول الآخر "ج"، على أن نتقاسم الربح معًا، مع العلم أن تَسلُّم هذه الأعمال جميعًا يتم من قِبَل الاستشاري الذي يدرجها في المستخلصات بعد أن يتم تنفيذها طبقًا للمواصفات المطلوبة، مع العلم بأن الاستشاري الذي يتسلَّم هذه الأعمال هو الذي يشاركني في هذا الأمر. فهل هذا الأمر جائز؟
ما حكم الشرع في إقامة مصنع لتصنيع المعادن الخاصة بالأرجيلة (الشيشة)؟