عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه - الفتاوى - دار الإفتاء المصرية - دار الإفتاء
الرئيسية >هذا ديننا >عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه

عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه

عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه

 "لقد رأيتُني لو رفعتُ حجرًا لوجدتُ تحته فضة وذهبا" هكذا يتكلم عن نفسه مخبرًا عن فضل الله عليه؛ سيدُنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، كان من أكثر الصحابة الكرام ثراءً وبذلًا واجتهادًا، عاش مناصرًا لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محبًّا له ولدينه، لم تمنعه أمواله الكثيرة من أن يكون واحدًا من العشرة الذين بشَّرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنهم من أهل الجنَّة.
- ولادته، وأسرته:
وُلِد عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه في مكَّة بعد عام الفيل بعشر سنين، فهو أصغر سِنًّا من النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم بعشر سنين، وكان اسمه يوم مولده عبد عمرو، وقيل عبد الكعبة، وظلَّ اسمُه كذلك في الجاهليَّة، فلمَّا أسلم سمَّاه النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم عبد الرحمن، وهو من بني زهرة؛ أخوال النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم وأقاربه من جهة أمِّه السيدة آمنة عليها السلام.
- قصة إسلامه، وحياته مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
كان سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه من أوائل الذين أسلموا، وقد كان لإسلامه قصة يرويها علينا بنفسه؛ يقول: "سافرت إلى اليمن قبل المبعث بسنة، فنزلت على شيخ كبير مُدَّ له في العمر، وكنت إذا قدمت نزلت عليه، فلا يزال يسألني عن مكة وأحوالها، وهل ظهر فيها من خالف دينهم، أو لا؟ حتى قدمت المرَّة التي بُعث النبيُّ صلّى الله عليه وآله وسلَّم وأنا غائب فيها، فنزلت عليه فقال لي: اذكر نسبَك في قريش، فقلت: أنا عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة. قال: حسبُك. قال: ألا أبشِّرك ببشارة، وهي خير لك من التجارة؟ قلت: بلى، قال: إن الله قد بعث من قومك نبيًّا ارتضاه صفيًّا، وأنزل عليه كتابًا وفيًّا، ينهى عن الأصنام، ويدعو إلى الإسلام، يأمر بالحقِّ ويفعله، وينهى عن الباطل ويبطله، وهو من بني هاشم، وإنَّ قومَك لأَخْوَاله، يا عبد الرحمن، وازِرْهُ وصَدِّقه. قال عبد الرّحمن: فقدمت، فلقيت أبا بكر رضي الله عنه، وكان لي خليطًا، فأخبرته الخبر، فقال: هذا محمد بن عبد الله، قد بعثه الله إلى خلقه رسولًا؛ فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأعلن إسلامه.
ولقد نال سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ما نال الصحابة الكرام من إيذاء المشركين، فاضطُرَّ إلى الهجرة خارج وطنه مكةَ مرتين؛ مرةً إلى الحبشة، ومرةً في المدينة؛ حيث استقرَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحدَث أن آخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين المهاجرين وبين الأنصار؛ تأسيسا للمجتمع المسلم على التكافل والتناصر والمحبة والإيثار، فآخى الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بين عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وسعد بن الربيع رضي الله عنه.
ولنستمع للصَّحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه يروي لنا ما حدث: "قال سعد لعبد الرحمن: أخي، أنا أكثر أهل المدينة مالًا؛ فانظر شطر مالي فخذه!! ولي زوجتان؛ فانظر أيتهما أعجب لك حتى أطلقها، وتتزوجها..! فقال له عبد الرحمن بن عوف: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلُّوني على السُّوق.
وخرج إلى السوق، فاشترى، وباع، وربح؛ حتى صار من أكثر المسلمين مالًا. فهذا الموقف يكشف لنا عن مدى حرص الصحابي على العمل وألا يكون عالة على غيره، رغم كونه في أمس الحاجة للدعم المالي؛ ولذلك بارك الله له في ماله.
شهد سيدنا عبد الرحمن بدرًا والمشاهد كلها، وثبت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد، حتى إنه حصلت له إصابات بالغة، فقيل أنه أصيب يوم أحد بعشرين جراحة، وأن إحدى هذه الإصابات تركت عرجًا دائما في إحدى ساقيه، كما سقطت يوم أحد بعض أسنانه، فتركت خللًا واضحًا في نطقه وحديثه.
- مواقف وبطولات:
كان سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه آية في الجود والكرم؛ فقد روت الأخبار أنه تصدَّق بشطر ماله على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل الله، وخمسمائة راحلة، وقد باع يومًا أرضًا بأربعين ألف دينار فرّقها جميعًا على أهله من بني زُهرة، وأمهات المسلمين، وفقراء المسلمين، ورُوي أنه أعتق ثلاثين ألف بيتٍ فكان طلحة بن عبد الله بن عوف رضي الله عنه يقول: "كان أهل المدينة عيالًا على عبد الرحمن بن عوف؛ ثلث يقرضهم ماله، وثلث يقضي دينهم، ويصل ثلثًا. وحين وفاته أوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله، فكان الرجل يعطى منها ألف دينار، وأَوصى لمن بقي من أهل غزوة بدر، لكل رجل أَربعمائة دينار، وكانوا مائة، فأَخذوها، وأَخذها عثمان فيمن أَخذ، وأَوصى بأَلف فرس في سبيل الله"!
ومع ذلك، ورغم ما أنفقه ذلك الصحابي الجليل في سبيل الله، فقد كان دائم الوجل من هذا الثَّراء؛ فقد جيء له يومًا بطعام الإفطار، وكان صائمًا، فلما وقعت عيناه عليه فقد شهيته وبكى، وقال: استشهد مصعب بن عمير وهو خير منِّي، فكُفِّن في بردةٍ، إن غطَّت رأسَه بدت رِجلاه، وإن غطَّت رِجلاه بدا رأسُه، واستشهد حمزة وهو خير منِّي، فلم يوجد له ما يدفن فيه إلا بردة، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، وأُعطينا منها ما أُعطينا، وإني لأخشى أن نكون قد عُجِّلَت لنا حسناتُنا.
واجتمع يومًا مع بعض أصحابه على طعامٍ عنده، وما كاد الطعام يوضع أمامهم حتى بكى، وسألوه ما يبكيك يا أبا محمد؟ قال: لقد مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما شبع هو وأهل بيته من خبزِ الشَّعير.
فهذا الصَّحابي الذي كان معروفًا بالثَّراء، لم يُنسِهِ الثَّراءُ حقوقَ الفقراء، ولا أن يتذكَّر حال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته الكرام، فلم تشغلْه الدنيا، ولم تُلْهِهِ الأموالُ رضي الله عنه.
- إقبالُه على الآخرةِ، وإعراضُه عن الدُّنيا:
مضت الحياة بسيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مشاركًا في أحداث المسلمين الكبرى، كما كان في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، غير أنَّ ذلك لم يغيِّر مسلكَ سيدنا عبد الرحمن من حرصه على أن يكون بعيدًا عن التَّكالب على الدنيا، وأنَّه يبذلها ولا يطلبها؛ طمعًا فيما عند الله، ورغم أنَّ قيادَةَ الأمَّة الإسلاميَّة مهمةٌ جليلةٌ خاصة أن من تولاها في صدر الإسلام كانوا أكابر الصحابة، الذين سطَّروا أروع سطور التاريخ الإسلامي وكتبوا أنصح صفحاته؛ لكن بطلنا سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه آثر أن يكون ضمن المعاونين للخلفاء وليس هو واحدًا منهم؛ وقد أتته الفرصة سانحة حينما اختاره الفاروق عمر بن الخطاب ليكون واحدًا ضمن المرشحين السِّتة لتولي أمر الخلافة من بعده، لكنه بادر رضي الله عنه في خلع نفسه من الترشُّح، واختار أن يسهم في الاختيار دون أن يكون هو مرشَّحًا! وبذل جهدًا في استطلاع رغبة المرشَّحين الآخرين وأهل المدينة بعدهم، فوجد كفَّة سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه قدر رجحت، فبايعه على الخلافة، وكان سندًا له، وفي آخر خلافة سيدنا عثمان بن عفان كان قد وجد نفسه متعبًا فأرسل إلى سيدنا عبد الرحمن بن عوف ليعرض عليه أمر الخلافة من بعده، وذهب بالفعل لسيدنا عبد الرحمن بن عوف ليبشِّره بالأمر، لكن من ترك طلب الخلافة مرةً لم يكن ليطلبها مرةً أخرى، فوقف سيدنا عبد الرحمن بن عوف في روضة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودعا ألَّا تأتيه الخلافة، فكانت وفاتُه بعد ستة أشهر!
رضي الله عن ذلك الصحابي الجليل، الذي كان نعم المقبل على الله، ولم يكن زهده عن احتياج، بل إن الدنيا جاءت له راغبة طيِّعةً فأبى أن يشغله شيءٌ عن مسلكه في خدمة المسلمين لوجه الله تعالى، فلذلك لا نعجب أن يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ»، صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورضي الله عن سيدنا عبد الرحمن بن عوف.

اقرأ أيضا
;