إصدارات الدار - دار الإفتاء المصرية
الرئيسية >الإصدارات

ضوابط الاختيار الفقهي عند النوازل

ضوابط الاختيار الفقهي عند النوازل

 بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.. وبعد:

فإن الفقه الإسلامي يُعَدُّ من أعظم ما أنتج المسلمون من تراث فكري، وهو يمثِّل كنزًا ثريًّا وموردًا عذبًا للأمة الإسلامية عبر عصورها المختلفة؛ إذ عَمِلَ فقهاء الإسلام على تخريج الأحكام الشرعية لما يقع بالناس من حوادث ومستجدات من مصدري التشريع (الكتاب والسنة)، قيامًا منهم بالدور الذي شرَّفهم الله تعالى به بقوله مخاطبًا عموم المسلمين: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: 43].

وكان من نتاج ذلك أن تركوا لنا هذا الزخم الوافر من الثروة الفقهية الفكرية، وهي مشتملة على أحكام قطعية لا يجوز لأحد من المسلمين أن يخالفها، وأخرى ظنية اختلفت فيها الآراء.

ويلاحظ أن دائرة المسائل الظنية واسعة جدًا، وهي تمثل سعة الإسلام ومرونته على استيعاب كل ما يستجد على ساحة الناس إلى يوم الدين.
وقد تعامل المسلمون مع هذه المسائل الظنية الخلافية على أساسين: أولهما: أدلى كل مجتهد بما أدَّاهُ إليه اجتهاده مع قبوله لما يراه غيره. وثانيهما: عدم اكتفائهم بقبول الرأي الآخر في المسائل الخلافية، وإنما تَعَدَّاه إلى اعتقاد أن كلًّا منهما على صواب فيما ذهب إليه، وأن كليهما غير آثم، وألَّف بعضهم في ذلك كالتقي العثماني (من علماء القرن الثامن الهجري) في كتابه "رحمة الأمة في اختلاف الأئمة"، والإمام الشعراني (ت:975هـ) في كتابيه: "الميزان الكبرى"، و"الميزان الخضرية".

ومن المقرر عند المسلمين أن العامي لا مذهب له، وعليه أن يقلِّد من أفتاه ممن يثق في علمه وديانته، كما أن المفتي الذي لم يصل إلى مرتبة الاجتهاد عليه أن يراعي في فتواه أن تكون محقِّقةً للمقاصد الشرعية المرعية بحيث يباح له أن يقلِّد مذهبًا ويترك آخر من المذاهب الفقهية والرؤى الاجتهادية الكثيرة، وهو ما يطلق عليه مصطلح "الاختيار الفقهي" الذي أثيرت حوله أسئلة كثيرة منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، حيث يجد الباحث جملًا من الكلام عن ذلك في كتب أئمة هذا القرن كالإمام الباجوري، والإمام الشمس الإنبابي، والإمام الحلواني الدمياطي، وكذلك في كتب علماء أوائل القرن العشرين الميلادي كالشيخ محمد منصور، والشيخ عبد الفتاح الشنواني.. وغيرهم.

هذا الجدل الفقهي الأصولي الذي حدث في أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، كانت نهايته أن استقرَّ الحال على مشروعية الاختيار الفقهي، وأنه ينبغي أن يتصل اتصالًا وثيقًا بالمقاصد، لكنه لا بد أن يصدر عن الراسخين في العلم وليس عن كل أحد، وأن الاختيار الفقهي يتغير في مسلكه من عصر إلى عصر باعتبار تغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وباعتبار تغير المصالح أيضًا.

وهو ما اعتمدته مؤسسة ذات خبرة كبيرة متراكمة في مجال الإفتاء فيما يصدر عنها من فتاوى؛ حيث سرى هذا الاستقرار على مشروعية الاختيار الفقهي إلى مؤسسة دار الإفتاء المصرية؛ فقد كانت في بادئ أمرها تلتزم بالمذهب الحنفي في كل شيء، وتفتي بالراجح منه، وبعد أن تولى الإمام محمد عبده منصب الإفتاء اقترح أن يُؤخذ من المذهب المالكي ما يَحُل مشكلة الناس.

ثم بعد ذلك بدأ الاتساع في الأخذ من المذاهب الأخرى، حتى جاء الشيخ محمد فرج السنهوري وهو ينشئ الموسوعة الفقهية في سنة ألف وتسعمائة ونيف وستين، فإذا به يجعلها على المذاهب الثمانية.

وبعد عام1380هـ الموافق 1960م بدأت الدائرة تتسع حتى غدا الأمر بحاجة ماسة إلى وضع أسس منضبطة من أجل عملية الاختيار الفقهي، بحيث تشمل قضايا كثيرة متعلقة بها، مثل: تغيير المسلك، والتلفيق، والتقليد، والأخذ بالأحوط.

في هذا المنحى تأتي محاولة إدارة الأبحاث الشرعية بدار الإفتاء المصرية إسهامًا جادًّا في توضيح معالم وضوابط الاختيار الفقهي خاصة عند الحكم على النازلة؛ وهي تُعَدُّ استجابة لما قد ناديت به منذ سنين من ضرورة البحث والعناية بقضية الاختيار الفقهي؛ فكان هذا البحث "ضوابط الاختيار الفقهي عند النوازل"، وقد تضمن مباحث تُعَدُّ جديدة في شكلها وطرحها، وهو مساهمة جيدة في ترشيد الجهد لبناء معالم هادية، قصد إعادة تشكل العقل الفقهي الفَتَوي الحديث، والتعامل معه استفادة وإفادة، تسديدًا ونقدًا، بما يدعم مسيرة إثراء النتاج الفقهي، ويرفد حياة الناس بفتاوى سديدة، تناسب زمانهم ومكانهم وأشخاصهم وأحوالهم.

ومما أعطى هذا البحث نكهة طيبة غناؤه بالنماذج التطبيقية المنتقاة، والتي تضمنت اجتهادات الفقهاء وآراءهم، تدليلًا وتمثيلًا.

نفع الله بهذا العمل الباحثين ومريدي تحقيق التيسير على الخلق وفق منهج العلماء المعتبرين، وسدد عقول المسلمين وخطواتهم لنافع العلم وصالح العمل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


أ.د/ علي جمعة
مفتي الديار المصرية

اقرأ أيضا
;