القطع بعدم فناء النار - الفتاوى - دار الإفتاء المصرية - دار الإفتاء

القطع بعدم فناء النار

.هل صحيح أن هناك من العلماء من قال بفناء النار، وذهب إلى عدم خلودها وخلود أهلها فيها؟ وما رأي جماهير العلماء في هذا؟

الفناء ضد البقاء، وفني الشيءُ أي: عدم، قال أبو علي القالي: الفناء نفاد الشيء. اهـ. ينظر: "تاج العروس" (39/ 255، ط. حكومة الكويت).
والمقصود به عدم بقاء النار، والقائلون بهذا القول الشيخ ابن تيمية في كتابه "الرد على من قال بفناء الجنة والنار"، وابن القيم في كتابه "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح"، خلافًا لجمهور العلماء سلفًا وخلفًا من أن الجنة والنار باقيتان أبدًا ينعم من في الجنة إلى أبد الآبدين، ويعذب من يعذب في النار إلى أبد الآبدين.
واستدل الجماهير من علماء الأمة بالمنطوق والمفهوم من الكتاب والسنة على عدم فناء النار، فمن ذلك:
1- قول الله تعالى: ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: 169] قال الإمام الشوكاني في "فتح القدير" (1/ 851، ط. دار الوفاء): [وقوله: ﴿أبدًا﴾ لدفع احتمال أن الخلود هنا يراد به المكث الطويل] اهـ.
2- وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: 65].
3- وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: 23].
ففي هذه الآيات التصريح بالبقاء في العذاب وذكر الخلود، وتأكيد هذا الخلود بالتأبيد.
وفي الآيات الآتية أخبر تبارك وتعالى بعدم خروجهم من النار، مؤكدًا ذلك بأن العذاب مقيم ودائم معهم.
4- قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: 167].
5- وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: 37].
6- وقال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ۞ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: 74-75].
7- وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: 28].
8- وقال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77].
9- وقال أيضًا: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾ [محمد: 15].
10- وقال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 6].
11- وقال: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: 48].
12- وقال: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: 8].
13- وقد ذكر الله تعالى أهل النار فقال: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: 36].
14 - وقال: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: 30].
15 - وقال: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: 21].
16 - وقال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: 56].
17- وقال سبحانه وتعالى أيضًا: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ [العنكبوت: 23].
إلى غير ذلك من الآيات القرآنية الكريمة التي تثبت صراحة خلود النار أو خلود أهلها فيها، والتي تبلغ (37) آية من القرآن الكريم، وهذا بخلاف الآيات التي في معنى الخلود أو تفيده؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ [البقرة: 86] وغيرها من الآيات الكريمة كثير في هذا المعنى جدًا، كما أن الآيات الدالة على خلود أهل الجنة بلغت نحو أربعين آية.
وإنما نؤكد على هذه الكثرة من الآيات المثبتة لبقاء النار وخلود أهلها فيها؛ لأن هذا الحد البالغ من الكثرة -كما يقول شيخ الإسلام التقي السبكي-: يمنع من احتمال التأويل، ويوجب القطع بذلك، كما أن الآيات الدالة على البعث الجسماني لكثرتها يمتنع تأويلها، ومن أولها حكمنا بكفره بمقتضى العلم جملة، وإن كنت لا أطلق لساني بتكفير أحد معين. اهـ. "الاعتبار ببقاء الجنة والنار" (ص: 46 بتصرف، طبعة خاصة بالمحقق الدكتور طه دسوقي حبيشي).
وقد ورد من السنة ما يدل على خلود الكفار في النار:
1- حديث أنس رضي الله عنه -المتفق عليه- الذي روي في شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه قال صلى الله عليه وآله وسلم: «فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ حَتَّى مَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ»، وكان قتادة يقول عند هذا: أي: وجب عليه الخلود.
فالحديث فيه دلالة على أن من أهل النار من يخلد في النار، وهم الذين قد أخبر القرآن بأنهم خالدون في النار؛ كما في قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الجن: 23].
2- ما رواه البخاري ومسلم أيضًا عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «يُدْخِلُ اللهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَيُدْخِلُ أَهْلَ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُومُ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ فَيَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ، كُلٌّ خَالِدٌ فِيمَا هُوَ فِيهِ».
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" لابن حجر العسقلاني (11/ 421، ط. دار المعرفة): [قال القرطبي: وفي هذه الأحاديث التصريح بأن خلود أهل النار فيها لا إلى غاية أمد، وإقامتهم فيها على الدوام بلا موت ولا حياة نافعة ولا راحة؛ كما قال تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: 36]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: 20]، قال: فمن زعم أنهم يخرجون منها، وأنها تبقى خالية، أو أنها تفنى وتزول فهو خارج عن مقتضى ما جاء به الرسول وأجمع عليه أهل السنة] اهـ.
3- ما أخرجه أحمد وابن ماجه -واللفظ له- وابن حبان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يُؤْتَى بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُوقَفُ عَلَى الصِّرَاطِ، فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَطَّلِعُونَ خَائِفِينَ وَجِلِينَ أَنْ يُخْرَجُوا مِنْ مَكَانِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ فَيَطَّلِعُونَ مُسْتَبْشِرِينَ فَرِحِينَ أَنْ يُخْرَجُوا مِنْ مَكَانِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ، فَيُقَالُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قَالُوا: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، قَالَ: فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ عَلَى الصِّرَاطِ، ثُمَّ يُقَالُ لِلْفَرِيقَيْنِ كِلَاهُمَا: خُلُودٌ فِيمَا تَجِدُونَ، لَا مَوْتَ فِيهَا أَبَدًا».
ففي الحديث دلالة على بطلان دعوى فناء النار؛ لأنه جعل النار كالجنة من حيث خلود أهل الجنة فيما هم فيه من النعيم، فكذلك أهل النار خالدون فيما هم فيه من العذاب إلى الأبد، فكما أن الجنة لا تفنى أبدًا فكذلك النار لا تفنى أبدًا.
4- ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ، وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ -أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ- فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا، أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ».
وجه الدلالة من الحديث أنه صرح أن الكافر لا يموت في النار ولا يحيا، فإذا قيل بأن النار تفنى، فإما أن يقال: تفنى بمن فيها كما هو المتبادر، أو تفنى وحدها دون من فيها، وكلاهما باطل مخالف لصريح قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى: 13]، فمعنى الآية كما قال ابن كثير: أن الشقي -وهو الكافر- لا يموت فيستريح ولا يحيا حياة تنفعه، بل هي مضرة عليه -راجع: "تفسير ابن كثير" (14/ 323، بتصرف، ط. مؤسسة قرطبة)-، فإن فني الكافر معها فقد مات واستراح، وإن حيي دونها فقد استراح منها أيضًا، وكل هذا باطل.
5- وقد أخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه قال: "أهل النار يدعون مالكًا فلا يجيبهم أربعين عامًا، ثم يقول: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77]، ثم يدعون ربهم فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: 107] فلا يجيبهم مثل الدنيا، ثم يقول: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 107] ثم ييأس القوم فما هو إلا الزفير والشهيق تشبه أصواتهم أصوات الحمير، أولها شهيق وآخرها زفير.
وقد نقل الإجماع على بقاء النار وعدم فنائها غير واحدٍ من العلماء:
قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في "التذكرة" (1/ 920-921، ط. دار المنهاج): [أجمع أهل السنة على أن أهل النار مخلدون فيها غير خارجين منها؛ كإبليس وفرعون وهامان وقارون، وكل من كفر وتكـبر وطغى، فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا، وقد وعدهم الله عذابًا أليمًا، فقال عز وجل: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: 56]، وأجمع أهل السنة أيضًا على أنه لا يبقى فيها ولا يخلد إلا كافر جاحد فاعلم. قلت -القائل القرطبي-: وقد زل هنا بعض من ينتمي إلى العلم والعلماء فقال: إنه يخرج من النار كل كافر ومبطل وجاحد ويدخل الجنة؛ فإنه جائز في العقل أن تنقطع صفة الغضب فيعكس عليه. فيقال: وكذلك جائز في العقل أن تنقطع صفة الرحمة فيلزم عليه أن يدخل الأنبياء والأولياء النار يعذبون فيها، وهذا فاسد مردود بوعده الحق وقوله الصدق؛ قال الله تعالى في حق أهل الجنان: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108]، أي: غير مقطوع، وقال: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: 48]، وقال: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: 8]، وقال: ﴿لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ ۞ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [التوبة: 21-22]، وقال في حق الكافرين: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: 40]، وقال: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: 35] وهذا واضح، وبالجملة فلا مدخل للمعقول فيما اقتطع أصله الإجماع والرسول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: 40] اهـ.
وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي الحنفي في "شرح العقيدة الطحاوية" للميداني (ص: 119، ط. دار الفكر): [والجنة والنار مخلوقتان، لا يفنيان أبدًا ولا يبيدان] اهـ.
وقال الإمام ابن حزم في "الفصل في الملل والأهواء والنحل" (4/ 69-70، ط. مكتبة الخانجي): [اتفقت فرق الأمة كلها على أن لا فناء للجنة ولا لنعيمها، ولا للنار ولا لعذابها، إلا الجهم بن صفوان، وأبا الهذيل العلاف، وقومًا من الروافض] اهـ.
وقال في كتابه "مراتب الإجماع" (ص: 193، ط. دار الآفاق الجديدة) في (باب من الإجماع في الاعتقادات يكفر من خالفه بإجماع): [وأن النار حق وأنها دار عذاب أبدًا لا تفنى ولا يفنى أهلها أبدًا بلا نهاية] اهـ.
وقال شيخ الإسلام تقي الدين السبكي -كما سبق أن نقلناه-: ولذلك أجمع المسلمون على اعتقاد ذلك وتلقوه خلفًا عن سلف نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم، وهو مركوز في فطرة المسلمين، معلوم من الدين بالضرورة، بل وسائر الملل غير المسلمين يعتقدون ذلك، ومن رد ذلك فهو كافر، ومن تأوله فهو كافر كمن تأول الآيات الواردة في البعث الجسماني، وهو كافر أيضًا بمقتضى العلم، وإن كنت لا أطلق لساني بذلك. راجع: "الاعتبار ببقاء الجنة والنار" (ص: 57-58).
وقال الإمام العضد الإيجي في "المواقف" (3/ 499، ط. دار الجيل): [أجمع المسلمون على أن الكفار مخلدون في النار أبدًا، لا ينقطع عذابهم] اهـ.
وقال الإمام السعد التفتازاني: لا خلاف في خلود من يدخل الجنة، ولا في خلود الكافر عنادًا أو اعتقادًا في النار، وإن بالغ في الاجتهاد؛ لدخوله في العمومات، ولا عبرة بخلاف الجاحظ والعنبري... أجمع المسلمون على خلود أهل الجنة في الجنة وخلود الكفار في النار. انظر: "شرح المقاصد" للتفتازاني (5/ 131، ط. عالم الكتب).
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (11/ 421): [قال القرطبي: من زعم أنهم يخرجون منها، أو أنها تبقى خالية أو تفنى فهو خارج عما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأجمع عليه أهل السنة] اهـ.
وقال الإمام السفاريني الحنبلي في "لوامع الأنوار البهية" (2/ 234، ط. مؤسسة ومكتبة الخافقين): [فثبت بما ذكرنا من الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة خلود أهل الدارين خلودًا مؤبدًا، كل بما هو فيه من نعيم وعذاب أليم، وعلى هذا إجماع أهل السنة والجماعة، فأجمعوا على أن عذاب الكفار لا ينقطع، كما أن نعيم أهل الجنة لا ينقطع] اهـ.
وقال العلامة الآلوسي في "روح المعاني" (12/ 164، ط. دار إحياء التراث العربي): [وأنت تعلم أن خلود الكفار مما أجمع عليه المسلمون، ولا عبرة بالمخالف، والقواطع أكثر من أن تحصى] اهـ.
وأما قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ﴾ [الأنعام: 128] وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ۞ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: 106-107]، فليس المراد بالاستثناء في الآيتين الإخراج، وإنما هو استثناء معلق بالمشيئة، فكأن الله سبحانه وتعالى يقول: (خالدين فيها خلودًا أبديًّا إن شاء ربك ذلك)؛ إذ كل شيء خاضع لمشيئة الله وإرادته، وكان من الجائز العقلي في مشيئته ألا يعذبهم، ولو عذبهم لا يخلدهم.
فالمقصود من هذا الاستثناء في الآيتين: إرشاد العباد إلى وجوب تفويض الأمور إليه سبحانه، وكذلك إعلامهم بأن كل شيء خاضع لإرادته ومشيئته، فهو الفاعل المختار الذي لا يجب عليه شيء ولا حق لأحد عليه، فليس هناك أمر واجب عليه وإنما هو مقتضى مشيئته وإرادته عز وجل.
وليس المراد من هذا الاستثناء وأمثاله نفي خلودهم في النار؛ فإنه قد أخبرنا سبحانه في كتابه بخلود الكافرين خلودًا أبديًا في النار.
وقد أشار لهذا ابن كثير في "تفسيره" (7/ 474) بقوله: [يعني أن دوامهم ليس أمرًا واجبًا بذاته، بل موكول إلى مشيئته تعالى] اهـ.
والمراد من قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: 107] التأبيد ونفي الانقطاع على منهاج قول العرب: (لا أفعل كذا ما لاح كوكب) أو (وما أضاء الفجر) أو (وما اختلف الليل والنهار) إلى غير ذلك من كلمات التأبيد عندهم، فإن العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدًا قالت: (هذا دائم دوام السماوات والأرض)، فخاطبهم سبحانه وتعالى بما يتعارفون به بينهم، وليس المقصود منه تعليق قرارهم فيها بدوام هذه السماوات والأرض، فإن النصوص القاطعة دالة على تأبيد قرارهم فيها.
وأما قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: 23] متعلق بما بعده، وهو قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ۞ إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: 24-25]، أي: لابثين فيها أحقابًا في حال كونهم لا يذوقون فيها بردًا ولا شرابًا إلا حميمًا وغساقًا، فإذا انقضت تلك الأحقاب عذبوا بأنواع أخر من أنواع العذاب غير الحميم والغساق، ويدل لهذا تصريحه تعالى بأنهم يعذبون بأنواع أخر من أنواع العذاب غير الحميم والغساق في سورة ص: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ۞ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [57-58]. راجع: "تفسير الطبري" (24/ 26-27).
ومن الآثار التي استدلوا بها: ما أخرجه الطبراني عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى جَهَنَّمَ يَوْمٌ كَأَنَّهَا زَرْعٌ هَاجَ وَآخَرُ تَخْفِقُ أَبْوَابُهَا»، ويجاب عليهم بأن الحديث موضوع فلا يصح الاستدلال به، قال ابن الجوزي في كتابه "الموضوعات" (3/ 268، ط. أضواء السلف والمكتبة التدمرية): [هذا حديث موضوع محال، وجعفر هو ابن الزبير، قال شعبة: كان يكذب، وقال يحيى: ليس بثقة، وقال السعدي: نبذوا حديثه، وقال البخاري والنسائي والدارقطني: متروك] اهـ.
ومنها أيضًا ما رواه عبد بن حميد في "تفسيره" عن الحسن قال: قال عمر رضي الله عنه: لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالجٍ لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه. انتهى، فهو أثر منقطع؛ لأن الحسن لم يسمع من عمر، والمنقطع عند أهل الحديث من قبيل الحديث الضعيف، والضعيف لا يحتج به في هذه المسائل.
وخلاصة القول في الإجابة عن الآثار التي وردت عن الصحابة هو ما قاله الشيخ الصنعاني في "رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار" (ص: 77، ط. المكتب الإسلامي) -بعد أن أوردها جميعًا، وناقش وجه الدلالة فيها، وبين المراد الصحيح منها-: [وبهذا تعرف أنه لا يصح نسبة القول بفناء النار وذهابها إلى ابن مسعود وأبي هريرة كما نسب هذا القول الذي نقل عنهما إلى عمر رضوان الله عليهم، بل هو الدليل على بقاء النار بعد خروج من يخرج منها من أهل التوحيد، فكيف يقول شيخ الإسلام في صدر المسألة: إن القول بفناء النار نقل عن ابن مسعود وأبي هريرة وإنما مستنده في نسبة ذلك إليهما هذان الأثران اللذان هما بمراحل عن الدلالة على فناء النار وذهابها بعد صحتهما، فعرفت بطلان نسبة هذا القول إلى ابن مسعود وأبي هريرة كما عرفت بطلان نسبته إلى عمر...، وبعد تحقيقك لما أسلفناه وإحاطتك علما بما سقناه تعلم أن هؤلاء الأربعة من الصحابة -الذين هم عمر وابن مسعود وأبو هريرة وأبو سعيد رضي الله عنهم- الذين عين شيخ الإسلام أسماءهم من الصحابة في صدر المسألة، وذكر أنه نقل عنهم القول بفناء النار وذهابها وتلاشيها؛ هم بريئون من هذا القول ومن نسبته فناء النار إليهم براءة الذئب من دم ابن يعقوب، واستدل لهم بما ادعاه منسوبًا إليهم بما لا مساس له بالدعوى كما عرفت، وحينئذ يعلم أنه ليس معه في دعواه فناء النار أحد من الصحابة الذين عينهم] اهـ.
وعليه: فإن القول بفناء النار الذي قال به الإمامان ابن تيمية وابن القيم، مخالفٌ لما عليه معتقد أهل السنة والجماعة، ولا يجوز اعتقاد مثل هذا المذهب.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

التفاصيل ....

الفناء ضد البقاء، وفني الشيءُ أي: عدم، قال أبو علي القالي: الفناء نفاد الشيء. اهـ. ينظر: "تاج العروس" (39/ 255، ط. حكومة الكويت).
والمقصود به عدم بقاء النار، والقائلون بهذا القول الشيخ ابن تيمية في كتابه "الرد على من قال بفناء الجنة والنار"، وابن القيم في كتابه "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح"، خلافًا لجمهور العلماء سلفًا وخلفًا من أن الجنة والنار باقيتان أبدًا ينعم من في الجنة إلى أبد الآبدين، ويعذب من يعذب في النار إلى أبد الآبدين.
واستدل الجماهير من علماء الأمة بالمنطوق والمفهوم من الكتاب والسنة على عدم فناء النار، فمن ذلك:
1- قول الله تعالى: ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: 169] قال الإمام الشوكاني في "فتح القدير" (1/ 851، ط. دار الوفاء): [وقوله: ﴿أبدًا﴾ لدفع احتمال أن الخلود هنا يراد به المكث الطويل] اهـ.
2- وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: 65].
3- وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: 23].
ففي هذه الآيات التصريح بالبقاء في العذاب وذكر الخلود، وتأكيد هذا الخلود بالتأبيد.
وفي الآيات الآتية أخبر تبارك وتعالى بعدم خروجهم من النار، مؤكدًا ذلك بأن العذاب مقيم ودائم معهم.
4- قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: 167].
5- وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: 37].
6- وقال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ۞ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: 74-75].
7- وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: 28].
8- وقال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77].
9- وقال أيضًا: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾ [محمد: 15].
10- وقال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 6].
11- وقال: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: 48].
12- وقال: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: 8].
13- وقد ذكر الله تعالى أهل النار فقال: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: 36].
14 - وقال: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: 30].
15 - وقال: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: 21].
16 - وقال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: 56].
17- وقال سبحانه وتعالى أيضًا: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ [العنكبوت: 23].
إلى غير ذلك من الآيات القرآنية الكريمة التي تثبت صراحة خلود النار أو خلود أهلها فيها، والتي تبلغ (37) آية من القرآن الكريم، وهذا بخلاف الآيات التي في معنى الخلود أو تفيده؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ [البقرة: 86] وغيرها من الآيات الكريمة كثير في هذا المعنى جدًا، كما أن الآيات الدالة على خلود أهل الجنة بلغت نحو أربعين آية.
وإنما نؤكد على هذه الكثرة من الآيات المثبتة لبقاء النار وخلود أهلها فيها؛ لأن هذا الحد البالغ من الكثرة -كما يقول شيخ الإسلام التقي السبكي-: يمنع من احتمال التأويل، ويوجب القطع بذلك، كما أن الآيات الدالة على البعث الجسماني لكثرتها يمتنع تأويلها، ومن أولها حكمنا بكفره بمقتضى العلم جملة، وإن كنت لا أطلق لساني بتكفير أحد معين. اهـ. "الاعتبار ببقاء الجنة والنار" (ص: 46 بتصرف، طبعة خاصة بالمحقق الدكتور طه دسوقي حبيشي).
وقد ورد من السنة ما يدل على خلود الكفار في النار:
1- حديث أنس رضي الله عنه -المتفق عليه- الذي روي في شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه قال صلى الله عليه وآله وسلم: «فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ حَتَّى مَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ»، وكان قتادة يقول عند هذا: أي: وجب عليه الخلود.
فالحديث فيه دلالة على أن من أهل النار من يخلد في النار، وهم الذين قد أخبر القرآن بأنهم خالدون في النار؛ كما في قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الجن: 23].
2- ما رواه البخاري ومسلم أيضًا عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «يُدْخِلُ اللهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَيُدْخِلُ أَهْلَ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُومُ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ فَيَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ، كُلٌّ خَالِدٌ فِيمَا هُوَ فِيهِ».
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" لابن حجر العسقلاني (11/ 421، ط. دار المعرفة): [قال القرطبي: وفي هذه الأحاديث التصريح بأن خلود أهل النار فيها لا إلى غاية أمد، وإقامتهم فيها على الدوام بلا موت ولا حياة نافعة ولا راحة؛ كما قال تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: 36]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: 20]، قال: فمن زعم أنهم يخرجون منها، وأنها تبقى خالية، أو أنها تفنى وتزول فهو خارج عن مقتضى ما جاء به الرسول وأجمع عليه أهل السنة] اهـ.
3- ما أخرجه أحمد وابن ماجه -واللفظ له- وابن حبان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يُؤْتَى بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُوقَفُ عَلَى الصِّرَاطِ، فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَطَّلِعُونَ خَائِفِينَ وَجِلِينَ أَنْ يُخْرَجُوا مِنْ مَكَانِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ فَيَطَّلِعُونَ مُسْتَبْشِرِينَ فَرِحِينَ أَنْ يُخْرَجُوا مِنْ مَكَانِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ، فَيُقَالُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قَالُوا: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، قَالَ: فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ عَلَى الصِّرَاطِ، ثُمَّ يُقَالُ لِلْفَرِيقَيْنِ كِلَاهُمَا: خُلُودٌ فِيمَا تَجِدُونَ، لَا مَوْتَ فِيهَا أَبَدًا».
ففي الحديث دلالة على بطلان دعوى فناء النار؛ لأنه جعل النار كالجنة من حيث خلود أهل الجنة فيما هم فيه من النعيم، فكذلك أهل النار خالدون فيما هم فيه من العذاب إلى الأبد، فكما أن الجنة لا تفنى أبدًا فكذلك النار لا تفنى أبدًا.
4- ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ، وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ -أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ- فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا، أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ».
وجه الدلالة من الحديث أنه صرح أن الكافر لا يموت في النار ولا يحيا، فإذا قيل بأن النار تفنى، فإما أن يقال: تفنى بمن فيها كما هو المتبادر، أو تفنى وحدها دون من فيها، وكلاهما باطل مخالف لصريح قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى: 13]، فمعنى الآية كما قال ابن كثير: أن الشقي -وهو الكافر- لا يموت فيستريح ولا يحيا حياة تنفعه، بل هي مضرة عليه -راجع: "تفسير ابن كثير" (14/ 323، بتصرف، ط. مؤسسة قرطبة)-، فإن فني الكافر معها فقد مات واستراح، وإن حيي دونها فقد استراح منها أيضًا، وكل هذا باطل.
5- وقد أخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه قال: "أهل النار يدعون مالكًا فلا يجيبهم أربعين عامًا، ثم يقول: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77]، ثم يدعون ربهم فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: 107] فلا يجيبهم مثل الدنيا، ثم يقول: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 107] ثم ييأس القوم فما هو إلا الزفير والشهيق تشبه أصواتهم أصوات الحمير، أولها شهيق وآخرها زفير.
وقد نقل الإجماع على بقاء النار وعدم فنائها غير واحدٍ من العلماء:
قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في "التذكرة" (1/ 920-921، ط. دار المنهاج): [أجمع أهل السنة على أن أهل النار مخلدون فيها غير خارجين منها؛ كإبليس وفرعون وهامان وقارون، وكل من كفر وتكـبر وطغى، فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا، وقد وعدهم الله عذابًا أليمًا، فقال عز وجل: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: 56]، وأجمع أهل السنة أيضًا على أنه لا يبقى فيها ولا يخلد إلا كافر جاحد فاعلم. قلت -القائل القرطبي-: وقد زل هنا بعض من ينتمي إلى العلم والعلماء فقال: إنه يخرج من النار كل كافر ومبطل وجاحد ويدخل الجنة؛ فإنه جائز في العقل أن تنقطع صفة الغضب فيعكس عليه. فيقال: وكذلك جائز في العقل أن تنقطع صفة الرحمة فيلزم عليه أن يدخل الأنبياء والأولياء النار يعذبون فيها، وهذا فاسد مردود بوعده الحق وقوله الصدق؛ قال الله تعالى في حق أهل الجنان: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108]، أي: غير مقطوع، وقال: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: 48]، وقال: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: 8]، وقال: ﴿لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ ۞ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [التوبة: 21-22]، وقال في حق الكافرين: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: 40]، وقال: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: 35] وهذا واضح، وبالجملة فلا مدخل للمعقول فيما اقتطع أصله الإجماع والرسول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: 40] اهـ.
وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي الحنفي في "شرح العقيدة الطحاوية" للميداني (ص: 119، ط. دار الفكر): [والجنة والنار مخلوقتان، لا يفنيان أبدًا ولا يبيدان] اهـ.
وقال الإمام ابن حزم في "الفصل في الملل والأهواء والنحل" (4/ 69-70، ط. مكتبة الخانجي): [اتفقت فرق الأمة كلها على أن لا فناء للجنة ولا لنعيمها، ولا للنار ولا لعذابها، إلا الجهم بن صفوان، وأبا الهذيل العلاف، وقومًا من الروافض] اهـ.
وقال في كتابه "مراتب الإجماع" (ص: 193، ط. دار الآفاق الجديدة) في (باب من الإجماع في الاعتقادات يكفر من خالفه بإجماع): [وأن النار حق وأنها دار عذاب أبدًا لا تفنى ولا يفنى أهلها أبدًا بلا نهاية] اهـ.
وقال شيخ الإسلام تقي الدين السبكي -كما سبق أن نقلناه-: ولذلك أجمع المسلمون على اعتقاد ذلك وتلقوه خلفًا عن سلف نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم، وهو مركوز في فطرة المسلمين، معلوم من الدين بالضرورة، بل وسائر الملل غير المسلمين يعتقدون ذلك، ومن رد ذلك فهو كافر، ومن تأوله فهو كافر كمن تأول الآيات الواردة في البعث الجسماني، وهو كافر أيضًا بمقتضى العلم، وإن كنت لا أطلق لساني بذلك. راجع: "الاعتبار ببقاء الجنة والنار" (ص: 57-58).
وقال الإمام العضد الإيجي في "المواقف" (3/ 499، ط. دار الجيل): [أجمع المسلمون على أن الكفار مخلدون في النار أبدًا، لا ينقطع عذابهم] اهـ.
وقال الإمام السعد التفتازاني: لا خلاف في خلود من يدخل الجنة، ولا في خلود الكافر عنادًا أو اعتقادًا في النار، وإن بالغ في الاجتهاد؛ لدخوله في العمومات، ولا عبرة بخلاف الجاحظ والعنبري... أجمع المسلمون على خلود أهل الجنة في الجنة وخلود الكفار في النار. انظر: "شرح المقاصد" للتفتازاني (5/ 131، ط. عالم الكتب).
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (11/ 421): [قال القرطبي: من زعم أنهم يخرجون منها، أو أنها تبقى خالية أو تفنى فهو خارج عما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأجمع عليه أهل السنة] اهـ.
وقال الإمام السفاريني الحنبلي في "لوامع الأنوار البهية" (2/ 234، ط. مؤسسة ومكتبة الخافقين): [فثبت بما ذكرنا من الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة خلود أهل الدارين خلودًا مؤبدًا، كل بما هو فيه من نعيم وعذاب أليم، وعلى هذا إجماع أهل السنة والجماعة، فأجمعوا على أن عذاب الكفار لا ينقطع، كما أن نعيم أهل الجنة لا ينقطع] اهـ.
وقال العلامة الآلوسي في "روح المعاني" (12/ 164، ط. دار إحياء التراث العربي): [وأنت تعلم أن خلود الكفار مما أجمع عليه المسلمون، ولا عبرة بالمخالف، والقواطع أكثر من أن تحصى] اهـ.
وأما قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ﴾ [الأنعام: 128] وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ۞ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: 106-107]، فليس المراد بالاستثناء في الآيتين الإخراج، وإنما هو استثناء معلق بالمشيئة، فكأن الله سبحانه وتعالى يقول: (خالدين فيها خلودًا أبديًّا إن شاء ربك ذلك)؛ إذ كل شيء خاضع لمشيئة الله وإرادته، وكان من الجائز العقلي في مشيئته ألا يعذبهم، ولو عذبهم لا يخلدهم.
فالمقصود من هذا الاستثناء في الآيتين: إرشاد العباد إلى وجوب تفويض الأمور إليه سبحانه، وكذلك إعلامهم بأن كل شيء خاضع لإرادته ومشيئته، فهو الفاعل المختار الذي لا يجب عليه شيء ولا حق لأحد عليه، فليس هناك أمر واجب عليه وإنما هو مقتضى مشيئته وإرادته عز وجل.
وليس المراد من هذا الاستثناء وأمثاله نفي خلودهم في النار؛ فإنه قد أخبرنا سبحانه في كتابه بخلود الكافرين خلودًا أبديًا في النار.
وقد أشار لهذا ابن كثير في "تفسيره" (7/ 474) بقوله: [يعني أن دوامهم ليس أمرًا واجبًا بذاته، بل موكول إلى مشيئته تعالى] اهـ.
والمراد من قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: 107] التأبيد ونفي الانقطاع على منهاج قول العرب: (لا أفعل كذا ما لاح كوكب) أو (وما أضاء الفجر) أو (وما اختلف الليل والنهار) إلى غير ذلك من كلمات التأبيد عندهم، فإن العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدًا قالت: (هذا دائم دوام السماوات والأرض)، فخاطبهم سبحانه وتعالى بما يتعارفون به بينهم، وليس المقصود منه تعليق قرارهم فيها بدوام هذه السماوات والأرض، فإن النصوص القاطعة دالة على تأبيد قرارهم فيها.
وأما قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: 23] متعلق بما بعده، وهو قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ۞ إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: 24-25]، أي: لابثين فيها أحقابًا في حال كونهم لا يذوقون فيها بردًا ولا شرابًا إلا حميمًا وغساقًا، فإذا انقضت تلك الأحقاب عذبوا بأنواع أخر من أنواع العذاب غير الحميم والغساق، ويدل لهذا تصريحه تعالى بأنهم يعذبون بأنواع أخر من أنواع العذاب غير الحميم والغساق في سورة ص: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ۞ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [57-58]. راجع: "تفسير الطبري" (24/ 26-27).
ومن الآثار التي استدلوا بها: ما أخرجه الطبراني عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى جَهَنَّمَ يَوْمٌ كَأَنَّهَا زَرْعٌ هَاجَ وَآخَرُ تَخْفِقُ أَبْوَابُهَا»، ويجاب عليهم بأن الحديث موضوع فلا يصح الاستدلال به، قال ابن الجوزي في كتابه "الموضوعات" (3/ 268، ط. أضواء السلف والمكتبة التدمرية): [هذا حديث موضوع محال، وجعفر هو ابن الزبير، قال شعبة: كان يكذب، وقال يحيى: ليس بثقة، وقال السعدي: نبذوا حديثه، وقال البخاري والنسائي والدارقطني: متروك] اهـ.
ومنها أيضًا ما رواه عبد بن حميد في "تفسيره" عن الحسن قال: قال عمر رضي الله عنه: لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالجٍ لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه. انتهى، فهو أثر منقطع؛ لأن الحسن لم يسمع من عمر، والمنقطع عند أهل الحديث من قبيل الحديث الضعيف، والضعيف لا يحتج به في هذه المسائل.
وخلاصة القول في الإجابة عن الآثار التي وردت عن الصحابة هو ما قاله الشيخ الصنعاني في "رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار" (ص: 77، ط. المكتب الإسلامي) -بعد أن أوردها جميعًا، وناقش وجه الدلالة فيها، وبين المراد الصحيح منها-: [وبهذا تعرف أنه لا يصح نسبة القول بفناء النار وذهابها إلى ابن مسعود وأبي هريرة كما نسب هذا القول الذي نقل عنهما إلى عمر رضوان الله عليهم، بل هو الدليل على بقاء النار بعد خروج من يخرج منها من أهل التوحيد، فكيف يقول شيخ الإسلام في صدر المسألة: إن القول بفناء النار نقل عن ابن مسعود وأبي هريرة وإنما مستنده في نسبة ذلك إليهما هذان الأثران اللذان هما بمراحل عن الدلالة على فناء النار وذهابها بعد صحتهما، فعرفت بطلان نسبة هذا القول إلى ابن مسعود وأبي هريرة كما عرفت بطلان نسبته إلى عمر...، وبعد تحقيقك لما أسلفناه وإحاطتك علما بما سقناه تعلم أن هؤلاء الأربعة من الصحابة -الذين هم عمر وابن مسعود وأبو هريرة وأبو سعيد رضي الله عنهم- الذين عين شيخ الإسلام أسماءهم من الصحابة في صدر المسألة، وذكر أنه نقل عنهم القول بفناء النار وذهابها وتلاشيها؛ هم بريئون من هذا القول ومن نسبته فناء النار إليهم براءة الذئب من دم ابن يعقوب، واستدل لهم بما ادعاه منسوبًا إليهم بما لا مساس له بالدعوى كما عرفت، وحينئذ يعلم أنه ليس معه في دعواه فناء النار أحد من الصحابة الذين عينهم] اهـ.
وعليه: فإن القول بفناء النار الذي قال به الإمامان ابن تيمية وابن القيم، مخالفٌ لما عليه معتقد أهل السنة والجماعة، ولا يجوز اعتقاد مثل هذا المذهب.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

القطع بعدم فناء النار

.هل صحيح أن هناك من العلماء من قال بفناء النار، وذهب إلى عدم خلودها وخلود أهلها فيها؟ وما رأي جماهير العلماء في هذا؟

الفناء ضد البقاء، وفني الشيءُ أي: عدم، قال أبو علي القالي: الفناء نفاد الشيء. اهـ. ينظر: "تاج العروس" (39/ 255، ط. حكومة الكويت).
والمقصود به عدم بقاء النار، والقائلون بهذا القول الشيخ ابن تيمية في كتابه "الرد على من قال بفناء الجنة والنار"، وابن القيم في كتابه "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح"، خلافًا لجمهور العلماء سلفًا وخلفًا من أن الجنة والنار باقيتان أبدًا ينعم من في الجنة إلى أبد الآبدين، ويعذب من يعذب في النار إلى أبد الآبدين.
واستدل الجماهير من علماء الأمة بالمنطوق والمفهوم من الكتاب والسنة على عدم فناء النار، فمن ذلك:
1- قول الله تعالى: ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: 169] قال الإمام الشوكاني في "فتح القدير" (1/ 851، ط. دار الوفاء): [وقوله: ﴿أبدًا﴾ لدفع احتمال أن الخلود هنا يراد به المكث الطويل] اهـ.
2- وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: 65].
3- وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: 23].
ففي هذه الآيات التصريح بالبقاء في العذاب وذكر الخلود، وتأكيد هذا الخلود بالتأبيد.
وفي الآيات الآتية أخبر تبارك وتعالى بعدم خروجهم من النار، مؤكدًا ذلك بأن العذاب مقيم ودائم معهم.
4- قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: 167].
5- وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: 37].
6- وقال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ۞ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: 74-75].
7- وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: 28].
8- وقال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77].
9- وقال أيضًا: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾ [محمد: 15].
10- وقال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 6].
11- وقال: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: 48].
12- وقال: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: 8].
13- وقد ذكر الله تعالى أهل النار فقال: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: 36].
14 - وقال: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: 30].
15 - وقال: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: 21].
16 - وقال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: 56].
17- وقال سبحانه وتعالى أيضًا: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ [العنكبوت: 23].
إلى غير ذلك من الآيات القرآنية الكريمة التي تثبت صراحة خلود النار أو خلود أهلها فيها، والتي تبلغ (37) آية من القرآن الكريم، وهذا بخلاف الآيات التي في معنى الخلود أو تفيده؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ [البقرة: 86] وغيرها من الآيات الكريمة كثير في هذا المعنى جدًا، كما أن الآيات الدالة على خلود أهل الجنة بلغت نحو أربعين آية.
وإنما نؤكد على هذه الكثرة من الآيات المثبتة لبقاء النار وخلود أهلها فيها؛ لأن هذا الحد البالغ من الكثرة -كما يقول شيخ الإسلام التقي السبكي-: يمنع من احتمال التأويل، ويوجب القطع بذلك، كما أن الآيات الدالة على البعث الجسماني لكثرتها يمتنع تأويلها، ومن أولها حكمنا بكفره بمقتضى العلم جملة، وإن كنت لا أطلق لساني بتكفير أحد معين. اهـ. "الاعتبار ببقاء الجنة والنار" (ص: 46 بتصرف، طبعة خاصة بالمحقق الدكتور طه دسوقي حبيشي).
وقد ورد من السنة ما يدل على خلود الكفار في النار:
1- حديث أنس رضي الله عنه -المتفق عليه- الذي روي في شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه قال صلى الله عليه وآله وسلم: «فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ حَتَّى مَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ»، وكان قتادة يقول عند هذا: أي: وجب عليه الخلود.
فالحديث فيه دلالة على أن من أهل النار من يخلد في النار، وهم الذين قد أخبر القرآن بأنهم خالدون في النار؛ كما في قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الجن: 23].
2- ما رواه البخاري ومسلم أيضًا عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «يُدْخِلُ اللهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَيُدْخِلُ أَهْلَ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُومُ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ فَيَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ، كُلٌّ خَالِدٌ فِيمَا هُوَ فِيهِ».
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" لابن حجر العسقلاني (11/ 421، ط. دار المعرفة): [قال القرطبي: وفي هذه الأحاديث التصريح بأن خلود أهل النار فيها لا إلى غاية أمد، وإقامتهم فيها على الدوام بلا موت ولا حياة نافعة ولا راحة؛ كما قال تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: 36]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: 20]، قال: فمن زعم أنهم يخرجون منها، وأنها تبقى خالية، أو أنها تفنى وتزول فهو خارج عن مقتضى ما جاء به الرسول وأجمع عليه أهل السنة] اهـ.
3- ما أخرجه أحمد وابن ماجه -واللفظ له- وابن حبان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يُؤْتَى بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُوقَفُ عَلَى الصِّرَاطِ، فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَطَّلِعُونَ خَائِفِينَ وَجِلِينَ أَنْ يُخْرَجُوا مِنْ مَكَانِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ فَيَطَّلِعُونَ مُسْتَبْشِرِينَ فَرِحِينَ أَنْ يُخْرَجُوا مِنْ مَكَانِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ، فَيُقَالُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قَالُوا: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، قَالَ: فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ عَلَى الصِّرَاطِ، ثُمَّ يُقَالُ لِلْفَرِيقَيْنِ كِلَاهُمَا: خُلُودٌ فِيمَا تَجِدُونَ، لَا مَوْتَ فِيهَا أَبَدًا».
ففي الحديث دلالة على بطلان دعوى فناء النار؛ لأنه جعل النار كالجنة من حيث خلود أهل الجنة فيما هم فيه من النعيم، فكذلك أهل النار خالدون فيما هم فيه من العذاب إلى الأبد، فكما أن الجنة لا تفنى أبدًا فكذلك النار لا تفنى أبدًا.
4- ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ، وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ -أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ- فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا، أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ».
وجه الدلالة من الحديث أنه صرح أن الكافر لا يموت في النار ولا يحيا، فإذا قيل بأن النار تفنى، فإما أن يقال: تفنى بمن فيها كما هو المتبادر، أو تفنى وحدها دون من فيها، وكلاهما باطل مخالف لصريح قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى: 13]، فمعنى الآية كما قال ابن كثير: أن الشقي -وهو الكافر- لا يموت فيستريح ولا يحيا حياة تنفعه، بل هي مضرة عليه -راجع: "تفسير ابن كثير" (14/ 323، بتصرف، ط. مؤسسة قرطبة)-، فإن فني الكافر معها فقد مات واستراح، وإن حيي دونها فقد استراح منها أيضًا، وكل هذا باطل.
5- وقد أخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه قال: "أهل النار يدعون مالكًا فلا يجيبهم أربعين عامًا، ثم يقول: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77]، ثم يدعون ربهم فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: 107] فلا يجيبهم مثل الدنيا، ثم يقول: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 107] ثم ييأس القوم فما هو إلا الزفير والشهيق تشبه أصواتهم أصوات الحمير، أولها شهيق وآخرها زفير.
وقد نقل الإجماع على بقاء النار وعدم فنائها غير واحدٍ من العلماء:
قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في "التذكرة" (1/ 920-921، ط. دار المنهاج): [أجمع أهل السنة على أن أهل النار مخلدون فيها غير خارجين منها؛ كإبليس وفرعون وهامان وقارون، وكل من كفر وتكـبر وطغى، فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا، وقد وعدهم الله عذابًا أليمًا، فقال عز وجل: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: 56]، وأجمع أهل السنة أيضًا على أنه لا يبقى فيها ولا يخلد إلا كافر جاحد فاعلم. قلت -القائل القرطبي-: وقد زل هنا بعض من ينتمي إلى العلم والعلماء فقال: إنه يخرج من النار كل كافر ومبطل وجاحد ويدخل الجنة؛ فإنه جائز في العقل أن تنقطع صفة الغضب فيعكس عليه. فيقال: وكذلك جائز في العقل أن تنقطع صفة الرحمة فيلزم عليه أن يدخل الأنبياء والأولياء النار يعذبون فيها، وهذا فاسد مردود بوعده الحق وقوله الصدق؛ قال الله تعالى في حق أهل الجنان: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108]، أي: غير مقطوع، وقال: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: 48]، وقال: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: 8]، وقال: ﴿لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ ۞ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [التوبة: 21-22]، وقال في حق الكافرين: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: 40]، وقال: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: 35] وهذا واضح، وبالجملة فلا مدخل للمعقول فيما اقتطع أصله الإجماع والرسول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: 40] اهـ.
وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي الحنفي في "شرح العقيدة الطحاوية" للميداني (ص: 119، ط. دار الفكر): [والجنة والنار مخلوقتان، لا يفنيان أبدًا ولا يبيدان] اهـ.
وقال الإمام ابن حزم في "الفصل في الملل والأهواء والنحل" (4/ 69-70، ط. مكتبة الخانجي): [اتفقت فرق الأمة كلها على أن لا فناء للجنة ولا لنعيمها، ولا للنار ولا لعذابها، إلا الجهم بن صفوان، وأبا الهذيل العلاف، وقومًا من الروافض] اهـ.
وقال في كتابه "مراتب الإجماع" (ص: 193، ط. دار الآفاق الجديدة) في (باب من الإجماع في الاعتقادات يكفر من خالفه بإجماع): [وأن النار حق وأنها دار عذاب أبدًا لا تفنى ولا يفنى أهلها أبدًا بلا نهاية] اهـ.
وقال شيخ الإسلام تقي الدين السبكي -كما سبق أن نقلناه-: ولذلك أجمع المسلمون على اعتقاد ذلك وتلقوه خلفًا عن سلف نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم، وهو مركوز في فطرة المسلمين، معلوم من الدين بالضرورة، بل وسائر الملل غير المسلمين يعتقدون ذلك، ومن رد ذلك فهو كافر، ومن تأوله فهو كافر كمن تأول الآيات الواردة في البعث الجسماني، وهو كافر أيضًا بمقتضى العلم، وإن كنت لا أطلق لساني بذلك. راجع: "الاعتبار ببقاء الجنة والنار" (ص: 57-58).
وقال الإمام العضد الإيجي في "المواقف" (3/ 499، ط. دار الجيل): [أجمع المسلمون على أن الكفار مخلدون في النار أبدًا، لا ينقطع عذابهم] اهـ.
وقال الإمام السعد التفتازاني: لا خلاف في خلود من يدخل الجنة، ولا في خلود الكافر عنادًا أو اعتقادًا في النار، وإن بالغ في الاجتهاد؛ لدخوله في العمومات، ولا عبرة بخلاف الجاحظ والعنبري... أجمع المسلمون على خلود أهل الجنة في الجنة وخلود الكفار في النار. انظر: "شرح المقاصد" للتفتازاني (5/ 131، ط. عالم الكتب).
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (11/ 421): [قال القرطبي: من زعم أنهم يخرجون منها، أو أنها تبقى خالية أو تفنى فهو خارج عما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأجمع عليه أهل السنة] اهـ.
وقال الإمام السفاريني الحنبلي في "لوامع الأنوار البهية" (2/ 234، ط. مؤسسة ومكتبة الخافقين): [فثبت بما ذكرنا من الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة خلود أهل الدارين خلودًا مؤبدًا، كل بما هو فيه من نعيم وعذاب أليم، وعلى هذا إجماع أهل السنة والجماعة، فأجمعوا على أن عذاب الكفار لا ينقطع، كما أن نعيم أهل الجنة لا ينقطع] اهـ.
وقال العلامة الآلوسي في "روح المعاني" (12/ 164، ط. دار إحياء التراث العربي): [وأنت تعلم أن خلود الكفار مما أجمع عليه المسلمون، ولا عبرة بالمخالف، والقواطع أكثر من أن تحصى] اهـ.
وأما قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ﴾ [الأنعام: 128] وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ۞ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: 106-107]، فليس المراد بالاستثناء في الآيتين الإخراج، وإنما هو استثناء معلق بالمشيئة، فكأن الله سبحانه وتعالى يقول: (خالدين فيها خلودًا أبديًّا إن شاء ربك ذلك)؛ إذ كل شيء خاضع لمشيئة الله وإرادته، وكان من الجائز العقلي في مشيئته ألا يعذبهم، ولو عذبهم لا يخلدهم.
فالمقصود من هذا الاستثناء في الآيتين: إرشاد العباد إلى وجوب تفويض الأمور إليه سبحانه، وكذلك إعلامهم بأن كل شيء خاضع لإرادته ومشيئته، فهو الفاعل المختار الذي لا يجب عليه شيء ولا حق لأحد عليه، فليس هناك أمر واجب عليه وإنما هو مقتضى مشيئته وإرادته عز وجل.
وليس المراد من هذا الاستثناء وأمثاله نفي خلودهم في النار؛ فإنه قد أخبرنا سبحانه في كتابه بخلود الكافرين خلودًا أبديًا في النار.
وقد أشار لهذا ابن كثير في "تفسيره" (7/ 474) بقوله: [يعني أن دوامهم ليس أمرًا واجبًا بذاته، بل موكول إلى مشيئته تعالى] اهـ.
والمراد من قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: 107] التأبيد ونفي الانقطاع على منهاج قول العرب: (لا أفعل كذا ما لاح كوكب) أو (وما أضاء الفجر) أو (وما اختلف الليل والنهار) إلى غير ذلك من كلمات التأبيد عندهم، فإن العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدًا قالت: (هذا دائم دوام السماوات والأرض)، فخاطبهم سبحانه وتعالى بما يتعارفون به بينهم، وليس المقصود منه تعليق قرارهم فيها بدوام هذه السماوات والأرض، فإن النصوص القاطعة دالة على تأبيد قرارهم فيها.
وأما قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: 23] متعلق بما بعده، وهو قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ۞ إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: 24-25]، أي: لابثين فيها أحقابًا في حال كونهم لا يذوقون فيها بردًا ولا شرابًا إلا حميمًا وغساقًا، فإذا انقضت تلك الأحقاب عذبوا بأنواع أخر من أنواع العذاب غير الحميم والغساق، ويدل لهذا تصريحه تعالى بأنهم يعذبون بأنواع أخر من أنواع العذاب غير الحميم والغساق في سورة ص: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ۞ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [57-58]. راجع: "تفسير الطبري" (24/ 26-27).
ومن الآثار التي استدلوا بها: ما أخرجه الطبراني عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى جَهَنَّمَ يَوْمٌ كَأَنَّهَا زَرْعٌ هَاجَ وَآخَرُ تَخْفِقُ أَبْوَابُهَا»، ويجاب عليهم بأن الحديث موضوع فلا يصح الاستدلال به، قال ابن الجوزي في كتابه "الموضوعات" (3/ 268، ط. أضواء السلف والمكتبة التدمرية): [هذا حديث موضوع محال، وجعفر هو ابن الزبير، قال شعبة: كان يكذب، وقال يحيى: ليس بثقة، وقال السعدي: نبذوا حديثه، وقال البخاري والنسائي والدارقطني: متروك] اهـ.
ومنها أيضًا ما رواه عبد بن حميد في "تفسيره" عن الحسن قال: قال عمر رضي الله عنه: لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالجٍ لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه. انتهى، فهو أثر منقطع؛ لأن الحسن لم يسمع من عمر، والمنقطع عند أهل الحديث من قبيل الحديث الضعيف، والضعيف لا يحتج به في هذه المسائل.
وخلاصة القول في الإجابة عن الآثار التي وردت عن الصحابة هو ما قاله الشيخ الصنعاني في "رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار" (ص: 77، ط. المكتب الإسلامي) -بعد أن أوردها جميعًا، وناقش وجه الدلالة فيها، وبين المراد الصحيح منها-: [وبهذا تعرف أنه لا يصح نسبة القول بفناء النار وذهابها إلى ابن مسعود وأبي هريرة كما نسب هذا القول الذي نقل عنهما إلى عمر رضوان الله عليهم، بل هو الدليل على بقاء النار بعد خروج من يخرج منها من أهل التوحيد، فكيف يقول شيخ الإسلام في صدر المسألة: إن القول بفناء النار نقل عن ابن مسعود وأبي هريرة وإنما مستنده في نسبة ذلك إليهما هذان الأثران اللذان هما بمراحل عن الدلالة على فناء النار وذهابها بعد صحتهما، فعرفت بطلان نسبة هذا القول إلى ابن مسعود وأبي هريرة كما عرفت بطلان نسبته إلى عمر...، وبعد تحقيقك لما أسلفناه وإحاطتك علما بما سقناه تعلم أن هؤلاء الأربعة من الصحابة -الذين هم عمر وابن مسعود وأبو هريرة وأبو سعيد رضي الله عنهم- الذين عين شيخ الإسلام أسماءهم من الصحابة في صدر المسألة، وذكر أنه نقل عنهم القول بفناء النار وذهابها وتلاشيها؛ هم بريئون من هذا القول ومن نسبته فناء النار إليهم براءة الذئب من دم ابن يعقوب، واستدل لهم بما ادعاه منسوبًا إليهم بما لا مساس له بالدعوى كما عرفت، وحينئذ يعلم أنه ليس معه في دعواه فناء النار أحد من الصحابة الذين عينهم] اهـ.
وعليه: فإن القول بفناء النار الذي قال به الإمامان ابن تيمية وابن القيم، مخالفٌ لما عليه معتقد أهل السنة والجماعة، ولا يجوز اعتقاد مثل هذا المذهب.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

التفاصيل ....

الفناء ضد البقاء، وفني الشيءُ أي: عدم، قال أبو علي القالي: الفناء نفاد الشيء. اهـ. ينظر: "تاج العروس" (39/ 255، ط. حكومة الكويت).
والمقصود به عدم بقاء النار، والقائلون بهذا القول الشيخ ابن تيمية في كتابه "الرد على من قال بفناء الجنة والنار"، وابن القيم في كتابه "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح"، خلافًا لجمهور العلماء سلفًا وخلفًا من أن الجنة والنار باقيتان أبدًا ينعم من في الجنة إلى أبد الآبدين، ويعذب من يعذب في النار إلى أبد الآبدين.
واستدل الجماهير من علماء الأمة بالمنطوق والمفهوم من الكتاب والسنة على عدم فناء النار، فمن ذلك:
1- قول الله تعالى: ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: 169] قال الإمام الشوكاني في "فتح القدير" (1/ 851، ط. دار الوفاء): [وقوله: ﴿أبدًا﴾ لدفع احتمال أن الخلود هنا يراد به المكث الطويل] اهـ.
2- وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: 65].
3- وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: 23].
ففي هذه الآيات التصريح بالبقاء في العذاب وذكر الخلود، وتأكيد هذا الخلود بالتأبيد.
وفي الآيات الآتية أخبر تبارك وتعالى بعدم خروجهم من النار، مؤكدًا ذلك بأن العذاب مقيم ودائم معهم.
4- قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: 167].
5- وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: 37].
6- وقال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ۞ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: 74-75].
7- وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: 28].
8- وقال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77].
9- وقال أيضًا: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾ [محمد: 15].
10- وقال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 6].
11- وقال: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: 48].
12- وقال: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: 8].
13- وقد ذكر الله تعالى أهل النار فقال: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: 36].
14 - وقال: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: 30].
15 - وقال: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: 21].
16 - وقال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: 56].
17- وقال سبحانه وتعالى أيضًا: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ [العنكبوت: 23].
إلى غير ذلك من الآيات القرآنية الكريمة التي تثبت صراحة خلود النار أو خلود أهلها فيها، والتي تبلغ (37) آية من القرآن الكريم، وهذا بخلاف الآيات التي في معنى الخلود أو تفيده؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ [البقرة: 86] وغيرها من الآيات الكريمة كثير في هذا المعنى جدًا، كما أن الآيات الدالة على خلود أهل الجنة بلغت نحو أربعين آية.
وإنما نؤكد على هذه الكثرة من الآيات المثبتة لبقاء النار وخلود أهلها فيها؛ لأن هذا الحد البالغ من الكثرة -كما يقول شيخ الإسلام التقي السبكي-: يمنع من احتمال التأويل، ويوجب القطع بذلك، كما أن الآيات الدالة على البعث الجسماني لكثرتها يمتنع تأويلها، ومن أولها حكمنا بكفره بمقتضى العلم جملة، وإن كنت لا أطلق لساني بتكفير أحد معين. اهـ. "الاعتبار ببقاء الجنة والنار" (ص: 46 بتصرف، طبعة خاصة بالمحقق الدكتور طه دسوقي حبيشي).
وقد ورد من السنة ما يدل على خلود الكفار في النار:
1- حديث أنس رضي الله عنه -المتفق عليه- الذي روي في شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه قال صلى الله عليه وآله وسلم: «فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ حَتَّى مَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ»، وكان قتادة يقول عند هذا: أي: وجب عليه الخلود.
فالحديث فيه دلالة على أن من أهل النار من يخلد في النار، وهم الذين قد أخبر القرآن بأنهم خالدون في النار؛ كما في قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الجن: 23].
2- ما رواه البخاري ومسلم أيضًا عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «يُدْخِلُ اللهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَيُدْخِلُ أَهْلَ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُومُ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ فَيَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ، كُلٌّ خَالِدٌ فِيمَا هُوَ فِيهِ».
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" لابن حجر العسقلاني (11/ 421، ط. دار المعرفة): [قال القرطبي: وفي هذه الأحاديث التصريح بأن خلود أهل النار فيها لا إلى غاية أمد، وإقامتهم فيها على الدوام بلا موت ولا حياة نافعة ولا راحة؛ كما قال تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: 36]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: 20]، قال: فمن زعم أنهم يخرجون منها، وأنها تبقى خالية، أو أنها تفنى وتزول فهو خارج عن مقتضى ما جاء به الرسول وأجمع عليه أهل السنة] اهـ.
3- ما أخرجه أحمد وابن ماجه -واللفظ له- وابن حبان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يُؤْتَى بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُوقَفُ عَلَى الصِّرَاطِ، فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَطَّلِعُونَ خَائِفِينَ وَجِلِينَ أَنْ يُخْرَجُوا مِنْ مَكَانِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ فَيَطَّلِعُونَ مُسْتَبْشِرِينَ فَرِحِينَ أَنْ يُخْرَجُوا مِنْ مَكَانِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ، فَيُقَالُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قَالُوا: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، قَالَ: فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ عَلَى الصِّرَاطِ، ثُمَّ يُقَالُ لِلْفَرِيقَيْنِ كِلَاهُمَا: خُلُودٌ فِيمَا تَجِدُونَ، لَا مَوْتَ فِيهَا أَبَدًا».
ففي الحديث دلالة على بطلان دعوى فناء النار؛ لأنه جعل النار كالجنة من حيث خلود أهل الجنة فيما هم فيه من النعيم، فكذلك أهل النار خالدون فيما هم فيه من العذاب إلى الأبد، فكما أن الجنة لا تفنى أبدًا فكذلك النار لا تفنى أبدًا.
4- ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ، وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ -أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ- فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا، أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ».
وجه الدلالة من الحديث أنه صرح أن الكافر لا يموت في النار ولا يحيا، فإذا قيل بأن النار تفنى، فإما أن يقال: تفنى بمن فيها كما هو المتبادر، أو تفنى وحدها دون من فيها، وكلاهما باطل مخالف لصريح قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى: 13]، فمعنى الآية كما قال ابن كثير: أن الشقي -وهو الكافر- لا يموت فيستريح ولا يحيا حياة تنفعه، بل هي مضرة عليه -راجع: "تفسير ابن كثير" (14/ 323، بتصرف، ط. مؤسسة قرطبة)-، فإن فني الكافر معها فقد مات واستراح، وإن حيي دونها فقد استراح منها أيضًا، وكل هذا باطل.
5- وقد أخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه قال: "أهل النار يدعون مالكًا فلا يجيبهم أربعين عامًا، ثم يقول: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77]، ثم يدعون ربهم فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: 107] فلا يجيبهم مثل الدنيا، ثم يقول: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 107] ثم ييأس القوم فما هو إلا الزفير والشهيق تشبه أصواتهم أصوات الحمير، أولها شهيق وآخرها زفير.
وقد نقل الإجماع على بقاء النار وعدم فنائها غير واحدٍ من العلماء:
قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في "التذكرة" (1/ 920-921، ط. دار المنهاج): [أجمع أهل السنة على أن أهل النار مخلدون فيها غير خارجين منها؛ كإبليس وفرعون وهامان وقارون، وكل من كفر وتكـبر وطغى، فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا، وقد وعدهم الله عذابًا أليمًا، فقال عز وجل: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: 56]، وأجمع أهل السنة أيضًا على أنه لا يبقى فيها ولا يخلد إلا كافر جاحد فاعلم. قلت -القائل القرطبي-: وقد زل هنا بعض من ينتمي إلى العلم والعلماء فقال: إنه يخرج من النار كل كافر ومبطل وجاحد ويدخل الجنة؛ فإنه جائز في العقل أن تنقطع صفة الغضب فيعكس عليه. فيقال: وكذلك جائز في العقل أن تنقطع صفة الرحمة فيلزم عليه أن يدخل الأنبياء والأولياء النار يعذبون فيها، وهذا فاسد مردود بوعده الحق وقوله الصدق؛ قال الله تعالى في حق أهل الجنان: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108]، أي: غير مقطوع، وقال: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: 48]، وقال: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: 8]، وقال: ﴿لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ ۞ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [التوبة: 21-22]، وقال في حق الكافرين: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: 40]، وقال: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: 35] وهذا واضح، وبالجملة فلا مدخل للمعقول فيما اقتطع أصله الإجماع والرسول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: 40] اهـ.
وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي الحنفي في "شرح العقيدة الطحاوية" للميداني (ص: 119، ط. دار الفكر): [والجنة والنار مخلوقتان، لا يفنيان أبدًا ولا يبيدان] اهـ.
وقال الإمام ابن حزم في "الفصل في الملل والأهواء والنحل" (4/ 69-70، ط. مكتبة الخانجي): [اتفقت فرق الأمة كلها على أن لا فناء للجنة ولا لنعيمها، ولا للنار ولا لعذابها، إلا الجهم بن صفوان، وأبا الهذيل العلاف، وقومًا من الروافض] اهـ.
وقال في كتابه "مراتب الإجماع" (ص: 193، ط. دار الآفاق الجديدة) في (باب من الإجماع في الاعتقادات يكفر من خالفه بإجماع): [وأن النار حق وأنها دار عذاب أبدًا لا تفنى ولا يفنى أهلها أبدًا بلا نهاية] اهـ.
وقال شيخ الإسلام تقي الدين السبكي -كما سبق أن نقلناه-: ولذلك أجمع المسلمون على اعتقاد ذلك وتلقوه خلفًا عن سلف نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم، وهو مركوز في فطرة المسلمين، معلوم من الدين بالضرورة، بل وسائر الملل غير المسلمين يعتقدون ذلك، ومن رد ذلك فهو كافر، ومن تأوله فهو كافر كمن تأول الآيات الواردة في البعث الجسماني، وهو كافر أيضًا بمقتضى العلم، وإن كنت لا أطلق لساني بذلك. راجع: "الاعتبار ببقاء الجنة والنار" (ص: 57-58).
وقال الإمام العضد الإيجي في "المواقف" (3/ 499، ط. دار الجيل): [أجمع المسلمون على أن الكفار مخلدون في النار أبدًا، لا ينقطع عذابهم] اهـ.
وقال الإمام السعد التفتازاني: لا خلاف في خلود من يدخل الجنة، ولا في خلود الكافر عنادًا أو اعتقادًا في النار، وإن بالغ في الاجتهاد؛ لدخوله في العمومات، ولا عبرة بخلاف الجاحظ والعنبري... أجمع المسلمون على خلود أهل الجنة في الجنة وخلود الكفار في النار. انظر: "شرح المقاصد" للتفتازاني (5/ 131، ط. عالم الكتب).
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (11/ 421): [قال القرطبي: من زعم أنهم يخرجون منها، أو أنها تبقى خالية أو تفنى فهو خارج عما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأجمع عليه أهل السنة] اهـ.
وقال الإمام السفاريني الحنبلي في "لوامع الأنوار البهية" (2/ 234، ط. مؤسسة ومكتبة الخافقين): [فثبت بما ذكرنا من الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة خلود أهل الدارين خلودًا مؤبدًا، كل بما هو فيه من نعيم وعذاب أليم، وعلى هذا إجماع أهل السنة والجماعة، فأجمعوا على أن عذاب الكفار لا ينقطع، كما أن نعيم أهل الجنة لا ينقطع] اهـ.
وقال العلامة الآلوسي في "روح المعاني" (12/ 164، ط. دار إحياء التراث العربي): [وأنت تعلم أن خلود الكفار مما أجمع عليه المسلمون، ولا عبرة بالمخالف، والقواطع أكثر من أن تحصى] اهـ.
وأما قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ﴾ [الأنعام: 128] وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ۞ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: 106-107]، فليس المراد بالاستثناء في الآيتين الإخراج، وإنما هو استثناء معلق بالمشيئة، فكأن الله سبحانه وتعالى يقول: (خالدين فيها خلودًا أبديًّا إن شاء ربك ذلك)؛ إذ كل شيء خاضع لمشيئة الله وإرادته، وكان من الجائز العقلي في مشيئته ألا يعذبهم، ولو عذبهم لا يخلدهم.
فالمقصود من هذا الاستثناء في الآيتين: إرشاد العباد إلى وجوب تفويض الأمور إليه سبحانه، وكذلك إعلامهم بأن كل شيء خاضع لإرادته ومشيئته، فهو الفاعل المختار الذي لا يجب عليه شيء ولا حق لأحد عليه، فليس هناك أمر واجب عليه وإنما هو مقتضى مشيئته وإرادته عز وجل.
وليس المراد من هذا الاستثناء وأمثاله نفي خلودهم في النار؛ فإنه قد أخبرنا سبحانه في كتابه بخلود الكافرين خلودًا أبديًا في النار.
وقد أشار لهذا ابن كثير في "تفسيره" (7/ 474) بقوله: [يعني أن دوامهم ليس أمرًا واجبًا بذاته، بل موكول إلى مشيئته تعالى] اهـ.
والمراد من قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: 107] التأبيد ونفي الانقطاع على منهاج قول العرب: (لا أفعل كذا ما لاح كوكب) أو (وما أضاء الفجر) أو (وما اختلف الليل والنهار) إلى غير ذلك من كلمات التأبيد عندهم، فإن العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدًا قالت: (هذا دائم دوام السماوات والأرض)، فخاطبهم سبحانه وتعالى بما يتعارفون به بينهم، وليس المقصود منه تعليق قرارهم فيها بدوام هذه السماوات والأرض، فإن النصوص القاطعة دالة على تأبيد قرارهم فيها.
وأما قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: 23] متعلق بما بعده، وهو قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ۞ إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: 24-25]، أي: لابثين فيها أحقابًا في حال كونهم لا يذوقون فيها بردًا ولا شرابًا إلا حميمًا وغساقًا، فإذا انقضت تلك الأحقاب عذبوا بأنواع أخر من أنواع العذاب غير الحميم والغساق، ويدل لهذا تصريحه تعالى بأنهم يعذبون بأنواع أخر من أنواع العذاب غير الحميم والغساق في سورة ص: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ۞ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [57-58]. راجع: "تفسير الطبري" (24/ 26-27).
ومن الآثار التي استدلوا بها: ما أخرجه الطبراني عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى جَهَنَّمَ يَوْمٌ كَأَنَّهَا زَرْعٌ هَاجَ وَآخَرُ تَخْفِقُ أَبْوَابُهَا»، ويجاب عليهم بأن الحديث موضوع فلا يصح الاستدلال به، قال ابن الجوزي في كتابه "الموضوعات" (3/ 268، ط. أضواء السلف والمكتبة التدمرية): [هذا حديث موضوع محال، وجعفر هو ابن الزبير، قال شعبة: كان يكذب، وقال يحيى: ليس بثقة، وقال السعدي: نبذوا حديثه، وقال البخاري والنسائي والدارقطني: متروك] اهـ.
ومنها أيضًا ما رواه عبد بن حميد في "تفسيره" عن الحسن قال: قال عمر رضي الله عنه: لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالجٍ لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه. انتهى، فهو أثر منقطع؛ لأن الحسن لم يسمع من عمر، والمنقطع عند أهل الحديث من قبيل الحديث الضعيف، والضعيف لا يحتج به في هذه المسائل.
وخلاصة القول في الإجابة عن الآثار التي وردت عن الصحابة هو ما قاله الشيخ الصنعاني في "رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار" (ص: 77، ط. المكتب الإسلامي) -بعد أن أوردها جميعًا، وناقش وجه الدلالة فيها، وبين المراد الصحيح منها-: [وبهذا تعرف أنه لا يصح نسبة القول بفناء النار وذهابها إلى ابن مسعود وأبي هريرة كما نسب هذا القول الذي نقل عنهما إلى عمر رضوان الله عليهم، بل هو الدليل على بقاء النار بعد خروج من يخرج منها من أهل التوحيد، فكيف يقول شيخ الإسلام في صدر المسألة: إن القول بفناء النار نقل عن ابن مسعود وأبي هريرة وإنما مستنده في نسبة ذلك إليهما هذان الأثران اللذان هما بمراحل عن الدلالة على فناء النار وذهابها بعد صحتهما، فعرفت بطلان نسبة هذا القول إلى ابن مسعود وأبي هريرة كما عرفت بطلان نسبته إلى عمر...، وبعد تحقيقك لما أسلفناه وإحاطتك علما بما سقناه تعلم أن هؤلاء الأربعة من الصحابة -الذين هم عمر وابن مسعود وأبو هريرة وأبو سعيد رضي الله عنهم- الذين عين شيخ الإسلام أسماءهم من الصحابة في صدر المسألة، وذكر أنه نقل عنهم القول بفناء النار وذهابها وتلاشيها؛ هم بريئون من هذا القول ومن نسبته فناء النار إليهم براءة الذئب من دم ابن يعقوب، واستدل لهم بما ادعاه منسوبًا إليهم بما لا مساس له بالدعوى كما عرفت، وحينئذ يعلم أنه ليس معه في دعواه فناء النار أحد من الصحابة الذين عينهم] اهـ.
وعليه: فإن القول بفناء النار الذي قال به الإمامان ابن تيمية وابن القيم، مخالفٌ لما عليه معتقد أهل السنة والجماعة، ولا يجوز اعتقاد مثل هذا المذهب.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا
;