حكم صلاة الجماعة - الفتاوى - دار الإفتاء المصرية - دار الإفتاء

حكم صلاة الجماعة

ما حكم صلاة الجماعة؟ وهل صحيح أن صلاة الجماعة واجبة، وأن من صلى منفردًا يكون آثمًا وتبطل صلاته؟

أصل الصلاة في اللغة الدعاء؛ لقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 103] أي: ادع لهم، ثم سميت بها هذه الأفعال المشهورة؛ لاشتمالها على الدعاء. انظر: "المصباح المنير في غريب الشرح الكبير" للعلامة الفيومي (مادة: ص ل ي، 346، ط. المكتبة العلمية، بيروت).
والمراد بصلاة الجماعة: ربط صلاة المأموم بصلاة الإمام فتتحقق باثنين فأكثر. انظر: "حاشية العلامة البيجوري على فتح القريب" (1/ 199، ط. الحلبي).
وسُمِّيَتْ صلاةَ الجماعةِ؛ لاجتماع المصلين في الفعل مكانًا وزمانًا. ينظر: "الفتاوى الكبرى" لابن تيمية (2/ 325، ط. دار الكتب العلمية).
والذي اخترناه للفتوى أن صلاة الجماعة فرضٌ على الكفاية، وهذا هو الأصح في مذهب الشافعية؛ قال الإمام النووي في "منهاج الطالبين" (ص: 118، ط. دار المنهاج): [كتاب صلاة الجماعة: هي في الفرائض غير الجمعة سنة مؤكدة، وقيل: فرض كفاية للرجال؛ فتجب بحيث يظهر الشعار في القرية، فإن امتنعوا كلهم قوتلوا. ولا يتأكد الندب للنساء تأكده للرجال في الأصح. قلت: الأصح المنصوص أنها فرض كفاية، وقيل: فرض عين، والله أعلم] اهـ.
ولا تعارض بين كونها سنة مؤكدة وكونها فرض كفاية؛ إذ السنية متجهة للفرد، والفرضية على الكفاية متجهة للجماعة.
وفرض الكفاية عند السادة الشافعية إنما هو لظهور الشعار وضابطه؛ كما قال الإمام البجيرمي: وضابط ظهور الشعار: أن لا تشق الجماعة على طالبها، ولا يحتشم، أي لا يستحي كبير ولا صغير من دخول محالّها، فإن أقيمت بمحل واحد في بلد كبير بحيث يشق على البعيد عنه حضوره أو أقيمت في البيوت بحيث يحتشم من دخولها لم يحصل ظهور الشعار فلا يسقط الفرض. راجع: "حاشية البجيرمي على شرح المنهج" (1/ 290، ط. الحلبي)، و"حاشيته على الإقناع" (2/ 123، ط. دار الفكر).
وهذا قول طائفة من العلماء؛ كما قال الإمام النووي في "المجموع شرح المهذب" (4/ 189) من غير أن يسميهم.
وبه قال العلامة الطحاوي والعلامة الكرخي من الحنفية في "حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح" (1/ 286، ط. دار الكتب العلمية)، و"رد المحتار على الدر المختار" (1/ 552، ط. دار الفكر)، والإمام ابن رشد والإمام ابن بشير من المالكية "حاشية الدسوقي على الشرح الكبير" (1/ 319، ط. دار الفكر)، و"حاشية الصاوي على الشرح الصغير" (1/ 425، ط. دار المعارف).
قال الإمام ابن عبد البر في "التمهيد" (18/ 333، ط. وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية- المغرب): [وهو -أي هذا القول- قولٌ حسنٌ صحيح؛ لإجماعهم على أنه لا يجوز أن يجتمع على تعطيل المساجد كلها من الجماعات، فإذا قامت الجماعة في المسجد فصلاة المنفرد في بيته جائزة] اهـ.
والدليل على كون صلاة الجماعة فرض كفاية ما يلي:
أولًا: احْتُجَّ على كونها فرض كفاية بما رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان في "صحيحه"، والبيهقي في "سننه"، والحاكم في "مستدركه" وصحح إسناده، ووافقه الذهبي في "التلخيص"، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ، وَلَا بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ، إِلَّا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ».
وهذا الحديث يدل على أن الجماعة فريضة، لكن لما جاء قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث بلفظ: «لَا تُقَامُ فِيهِمُ»، ولم يقل: "لا يقيمون"؛ فُهِمَ منه أن الفرضية على الكفاية لا على الأعيان؛ لأن هناك فرقًا بين اللفظين؛ فالأول يُفهم منه المجموع، والثاني يُفهم منه الجميع.
ثانيًا: اسْتُدِلَّ على كون الجماعة ليست فرضًا على الأعيان بما روي في "الصحيحين" -واللفظ للبخاري- عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»، ووجه الدلالة: أن المفاضلة إنما تكون حقيقتها بين فاضلين جائزين.
وبناءً على هذا: فإذا ثبت كون الجماعة ليست بفرض في حق الأعيان وإنما هي سنة في حق الفرد؛ حُمِلَ هذا الحديث -وبقية الأحاديث المشعرة بالوجوب- على الوجوب الكفائي؛ جمعًا بين الأدلة.
وعليه: فإن صلاة الجماعة فرضٌ على الكفاية لا على الأعيان، ومن صلى منفردًا فلا تبطل صلاته بهذا السبب، ولا إثم عليه ما دام غيرُهُ قد صلوا في جماعةٍ يتحقق بها حصول الشعار المذكور.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

التفاصيل ....

أصل الصلاة في اللغة الدعاء؛ لقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 103] أي: ادع لهم، ثم سميت بها هذه الأفعال المشهورة؛ لاشتمالها على الدعاء. انظر: "المصباح المنير في غريب الشرح الكبير" للعلامة الفيومي (مادة: ص ل ي، 346، ط. المكتبة العلمية، بيروت).
والمراد بصلاة الجماعة: ربط صلاة المأموم بصلاة الإمام فتتحقق باثنين فأكثر. انظر: "حاشية العلامة البيجوري على فتح القريب" (1/ 199، ط. الحلبي).
وسُمِّيَتْ صلاةَ الجماعةِ؛ لاجتماع المصلين في الفعل مكانًا وزمانًا. ينظر: "الفتاوى الكبرى" لابن تيمية (2/ 325، ط. دار الكتب العلمية).
والذي اخترناه للفتوى أن صلاة الجماعة فرضٌ على الكفاية، وهذا هو الأصح في مذهب الشافعية؛ قال الإمام النووي في "منهاج الطالبين" (ص: 118، ط. دار المنهاج): [كتاب صلاة الجماعة: هي في الفرائض غير الجمعة سنة مؤكدة، وقيل: فرض كفاية للرجال؛ فتجب بحيث يظهر الشعار في القرية، فإن امتنعوا كلهم قوتلوا. ولا يتأكد الندب للنساء تأكده للرجال في الأصح. قلت: الأصح المنصوص أنها فرض كفاية، وقيل: فرض عين، والله أعلم] اهـ.
ولا تعارض بين كونها سنة مؤكدة وكونها فرض كفاية؛ إذ السنية متجهة للفرد، والفرضية على الكفاية متجهة للجماعة.
وفرض الكفاية عند السادة الشافعية إنما هو لظهور الشعار وضابطه؛ كما قال الإمام البجيرمي: وضابط ظهور الشعار: أن لا تشق الجماعة على طالبها، ولا يحتشم، أي لا يستحي كبير ولا صغير من دخول محالّها، فإن أقيمت بمحل واحد في بلد كبير بحيث يشق على البعيد عنه حضوره أو أقيمت في البيوت بحيث يحتشم من دخولها لم يحصل ظهور الشعار فلا يسقط الفرض. راجع: "حاشية البجيرمي على شرح المنهج" (1/ 290، ط. الحلبي)، و"حاشيته على الإقناع" (2/ 123، ط. دار الفكر).
وهذا قول طائفة من العلماء؛ كما قال الإمام النووي في "المجموع شرح المهذب" (4/ 189) من غير أن يسميهم.
وبه قال العلامة الطحاوي والعلامة الكرخي من الحنفية في "حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح" (1/ 286، ط. دار الكتب العلمية)، و"رد المحتار على الدر المختار" (1/ 552، ط. دار الفكر)، والإمام ابن رشد والإمام ابن بشير من المالكية "حاشية الدسوقي على الشرح الكبير" (1/ 319، ط. دار الفكر)، و"حاشية الصاوي على الشرح الصغير" (1/ 425، ط. دار المعارف).
قال الإمام ابن عبد البر في "التمهيد" (18/ 333، ط. وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية- المغرب): [وهو -أي هذا القول- قولٌ حسنٌ صحيح؛ لإجماعهم على أنه لا يجوز أن يجتمع على تعطيل المساجد كلها من الجماعات، فإذا قامت الجماعة في المسجد فصلاة المنفرد في بيته جائزة] اهـ.
والدليل على كون صلاة الجماعة فرض كفاية ما يلي:
أولًا: احْتُجَّ على كونها فرض كفاية بما رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان في "صحيحه"، والبيهقي في "سننه"، والحاكم في "مستدركه" وصحح إسناده، ووافقه الذهبي في "التلخيص"، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ، وَلَا بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ، إِلَّا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ».
وهذا الحديث يدل على أن الجماعة فريضة، لكن لما جاء قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث بلفظ: «لَا تُقَامُ فِيهِمُ»، ولم يقل: "لا يقيمون"؛ فُهِمَ منه أن الفرضية على الكفاية لا على الأعيان؛ لأن هناك فرقًا بين اللفظين؛ فالأول يُفهم منه المجموع، والثاني يُفهم منه الجميع.
ثانيًا: اسْتُدِلَّ على كون الجماعة ليست فرضًا على الأعيان بما روي في "الصحيحين" -واللفظ للبخاري- عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»، ووجه الدلالة: أن المفاضلة إنما تكون حقيقتها بين فاضلين جائزين.
وبناءً على هذا: فإذا ثبت كون الجماعة ليست بفرض في حق الأعيان وإنما هي سنة في حق الفرد؛ حُمِلَ هذا الحديث -وبقية الأحاديث المشعرة بالوجوب- على الوجوب الكفائي؛ جمعًا بين الأدلة.
وعليه: فإن صلاة الجماعة فرضٌ على الكفاية لا على الأعيان، ومن صلى منفردًا فلا تبطل صلاته بهذا السبب، ولا إثم عليه ما دام غيرُهُ قد صلوا في جماعةٍ يتحقق بها حصول الشعار المذكور.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا

حكم صلاة الجماعة

ما حكم صلاة الجماعة؟ وهل صحيح أن صلاة الجماعة واجبة، وأن من صلى منفردًا يكون آثمًا وتبطل صلاته؟

أصل الصلاة في اللغة الدعاء؛ لقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 103] أي: ادع لهم، ثم سميت بها هذه الأفعال المشهورة؛ لاشتمالها على الدعاء. انظر: "المصباح المنير في غريب الشرح الكبير" للعلامة الفيومي (مادة: ص ل ي، 346، ط. المكتبة العلمية، بيروت).
والمراد بصلاة الجماعة: ربط صلاة المأموم بصلاة الإمام فتتحقق باثنين فأكثر. انظر: "حاشية العلامة البيجوري على فتح القريب" (1/ 199، ط. الحلبي).
وسُمِّيَتْ صلاةَ الجماعةِ؛ لاجتماع المصلين في الفعل مكانًا وزمانًا. ينظر: "الفتاوى الكبرى" لابن تيمية (2/ 325، ط. دار الكتب العلمية).
والذي اخترناه للفتوى أن صلاة الجماعة فرضٌ على الكفاية، وهذا هو الأصح في مذهب الشافعية؛ قال الإمام النووي في "منهاج الطالبين" (ص: 118، ط. دار المنهاج): [كتاب صلاة الجماعة: هي في الفرائض غير الجمعة سنة مؤكدة، وقيل: فرض كفاية للرجال؛ فتجب بحيث يظهر الشعار في القرية، فإن امتنعوا كلهم قوتلوا. ولا يتأكد الندب للنساء تأكده للرجال في الأصح. قلت: الأصح المنصوص أنها فرض كفاية، وقيل: فرض عين، والله أعلم] اهـ.
ولا تعارض بين كونها سنة مؤكدة وكونها فرض كفاية؛ إذ السنية متجهة للفرد، والفرضية على الكفاية متجهة للجماعة.
وفرض الكفاية عند السادة الشافعية إنما هو لظهور الشعار وضابطه؛ كما قال الإمام البجيرمي: وضابط ظهور الشعار: أن لا تشق الجماعة على طالبها، ولا يحتشم، أي لا يستحي كبير ولا صغير من دخول محالّها، فإن أقيمت بمحل واحد في بلد كبير بحيث يشق على البعيد عنه حضوره أو أقيمت في البيوت بحيث يحتشم من دخولها لم يحصل ظهور الشعار فلا يسقط الفرض. راجع: "حاشية البجيرمي على شرح المنهج" (1/ 290، ط. الحلبي)، و"حاشيته على الإقناع" (2/ 123، ط. دار الفكر).
وهذا قول طائفة من العلماء؛ كما قال الإمام النووي في "المجموع شرح المهذب" (4/ 189) من غير أن يسميهم.
وبه قال العلامة الطحاوي والعلامة الكرخي من الحنفية في "حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح" (1/ 286، ط. دار الكتب العلمية)، و"رد المحتار على الدر المختار" (1/ 552، ط. دار الفكر)، والإمام ابن رشد والإمام ابن بشير من المالكية "حاشية الدسوقي على الشرح الكبير" (1/ 319، ط. دار الفكر)، و"حاشية الصاوي على الشرح الصغير" (1/ 425، ط. دار المعارف).
قال الإمام ابن عبد البر في "التمهيد" (18/ 333، ط. وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية- المغرب): [وهو -أي هذا القول- قولٌ حسنٌ صحيح؛ لإجماعهم على أنه لا يجوز أن يجتمع على تعطيل المساجد كلها من الجماعات، فإذا قامت الجماعة في المسجد فصلاة المنفرد في بيته جائزة] اهـ.
والدليل على كون صلاة الجماعة فرض كفاية ما يلي:
أولًا: احْتُجَّ على كونها فرض كفاية بما رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان في "صحيحه"، والبيهقي في "سننه"، والحاكم في "مستدركه" وصحح إسناده، ووافقه الذهبي في "التلخيص"، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ، وَلَا بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ، إِلَّا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ».
وهذا الحديث يدل على أن الجماعة فريضة، لكن لما جاء قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث بلفظ: «لَا تُقَامُ فِيهِمُ»، ولم يقل: "لا يقيمون"؛ فُهِمَ منه أن الفرضية على الكفاية لا على الأعيان؛ لأن هناك فرقًا بين اللفظين؛ فالأول يُفهم منه المجموع، والثاني يُفهم منه الجميع.
ثانيًا: اسْتُدِلَّ على كون الجماعة ليست فرضًا على الأعيان بما روي في "الصحيحين" -واللفظ للبخاري- عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»، ووجه الدلالة: أن المفاضلة إنما تكون حقيقتها بين فاضلين جائزين.
وبناءً على هذا: فإذا ثبت كون الجماعة ليست بفرض في حق الأعيان وإنما هي سنة في حق الفرد؛ حُمِلَ هذا الحديث -وبقية الأحاديث المشعرة بالوجوب- على الوجوب الكفائي؛ جمعًا بين الأدلة.
وعليه: فإن صلاة الجماعة فرضٌ على الكفاية لا على الأعيان، ومن صلى منفردًا فلا تبطل صلاته بهذا السبب، ولا إثم عليه ما دام غيرُهُ قد صلوا في جماعةٍ يتحقق بها حصول الشعار المذكور.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

التفاصيل ....

أصل الصلاة في اللغة الدعاء؛ لقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 103] أي: ادع لهم، ثم سميت بها هذه الأفعال المشهورة؛ لاشتمالها على الدعاء. انظر: "المصباح المنير في غريب الشرح الكبير" للعلامة الفيومي (مادة: ص ل ي، 346، ط. المكتبة العلمية، بيروت).
والمراد بصلاة الجماعة: ربط صلاة المأموم بصلاة الإمام فتتحقق باثنين فأكثر. انظر: "حاشية العلامة البيجوري على فتح القريب" (1/ 199، ط. الحلبي).
وسُمِّيَتْ صلاةَ الجماعةِ؛ لاجتماع المصلين في الفعل مكانًا وزمانًا. ينظر: "الفتاوى الكبرى" لابن تيمية (2/ 325، ط. دار الكتب العلمية).
والذي اخترناه للفتوى أن صلاة الجماعة فرضٌ على الكفاية، وهذا هو الأصح في مذهب الشافعية؛ قال الإمام النووي في "منهاج الطالبين" (ص: 118، ط. دار المنهاج): [كتاب صلاة الجماعة: هي في الفرائض غير الجمعة سنة مؤكدة، وقيل: فرض كفاية للرجال؛ فتجب بحيث يظهر الشعار في القرية، فإن امتنعوا كلهم قوتلوا. ولا يتأكد الندب للنساء تأكده للرجال في الأصح. قلت: الأصح المنصوص أنها فرض كفاية، وقيل: فرض عين، والله أعلم] اهـ.
ولا تعارض بين كونها سنة مؤكدة وكونها فرض كفاية؛ إذ السنية متجهة للفرد، والفرضية على الكفاية متجهة للجماعة.
وفرض الكفاية عند السادة الشافعية إنما هو لظهور الشعار وضابطه؛ كما قال الإمام البجيرمي: وضابط ظهور الشعار: أن لا تشق الجماعة على طالبها، ولا يحتشم، أي لا يستحي كبير ولا صغير من دخول محالّها، فإن أقيمت بمحل واحد في بلد كبير بحيث يشق على البعيد عنه حضوره أو أقيمت في البيوت بحيث يحتشم من دخولها لم يحصل ظهور الشعار فلا يسقط الفرض. راجع: "حاشية البجيرمي على شرح المنهج" (1/ 290، ط. الحلبي)، و"حاشيته على الإقناع" (2/ 123، ط. دار الفكر).
وهذا قول طائفة من العلماء؛ كما قال الإمام النووي في "المجموع شرح المهذب" (4/ 189) من غير أن يسميهم.
وبه قال العلامة الطحاوي والعلامة الكرخي من الحنفية في "حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح" (1/ 286، ط. دار الكتب العلمية)، و"رد المحتار على الدر المختار" (1/ 552، ط. دار الفكر)، والإمام ابن رشد والإمام ابن بشير من المالكية "حاشية الدسوقي على الشرح الكبير" (1/ 319، ط. دار الفكر)، و"حاشية الصاوي على الشرح الصغير" (1/ 425، ط. دار المعارف).
قال الإمام ابن عبد البر في "التمهيد" (18/ 333، ط. وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية- المغرب): [وهو -أي هذا القول- قولٌ حسنٌ صحيح؛ لإجماعهم على أنه لا يجوز أن يجتمع على تعطيل المساجد كلها من الجماعات، فإذا قامت الجماعة في المسجد فصلاة المنفرد في بيته جائزة] اهـ.
والدليل على كون صلاة الجماعة فرض كفاية ما يلي:
أولًا: احْتُجَّ على كونها فرض كفاية بما رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان في "صحيحه"، والبيهقي في "سننه"، والحاكم في "مستدركه" وصحح إسناده، ووافقه الذهبي في "التلخيص"، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ، وَلَا بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ، إِلَّا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ».
وهذا الحديث يدل على أن الجماعة فريضة، لكن لما جاء قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث بلفظ: «لَا تُقَامُ فِيهِمُ»، ولم يقل: "لا يقيمون"؛ فُهِمَ منه أن الفرضية على الكفاية لا على الأعيان؛ لأن هناك فرقًا بين اللفظين؛ فالأول يُفهم منه المجموع، والثاني يُفهم منه الجميع.
ثانيًا: اسْتُدِلَّ على كون الجماعة ليست فرضًا على الأعيان بما روي في "الصحيحين" -واللفظ للبخاري- عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»، ووجه الدلالة: أن المفاضلة إنما تكون حقيقتها بين فاضلين جائزين.
وبناءً على هذا: فإذا ثبت كون الجماعة ليست بفرض في حق الأعيان وإنما هي سنة في حق الفرد؛ حُمِلَ هذا الحديث -وبقية الأحاديث المشعرة بالوجوب- على الوجوب الكفائي؛ جمعًا بين الأدلة.
وعليه: فإن صلاة الجماعة فرضٌ على الكفاية لا على الأعيان، ومن صلى منفردًا فلا تبطل صلاته بهذا السبب، ولا إثم عليه ما دام غيرُهُ قد صلوا في جماعةٍ يتحقق بها حصول الشعار المذكور.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا
;