قطع الطواف للصلاة المكتوبة - الفتاوى - دار الإفتاء المصرية - دار الإفتاء

قطع الطواف للصلاة المكتوبة

إذا أقيمت الصلاة وأنا في الطواف فهل يشرع لي قطعه، أو أتمه ثم أصلي؟ وإذا كان يشرع لي أن أقطعه ثم انتهت الصلاة، فهل يتم من المكان الذي قطعت فيه الطواف أو أبتدئ الشوط المقطوع من أوله؟

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد، فالطواف هو: الدوران حول البيت الحرام، قال الله تعالى:﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة: 158]، ومن الطواف ما هو واجب كطواف الإفاضة، ومنه ما هو سنة كطواف القدوم، ويشترط في الطواف الموالاة كالصلاة، فلا يقطع إلا لعذر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم والى في طوافه ولم يقطعه، وقال صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم» (أخرجه مسلم)، ولما رواه النسائي عن طاوس قال: قال رسول الله ﷺ: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلاةٌ»، ومن هذه الأعذار التي يقطع فيها الطواف إقامة الصلاة المكتوبة، لأن الطواف وإن كان واجبًا إلا أن الصلاة المكتوبة أوجب؛ لأنه متى تعارض واجبان يقدم آكدهما.

قال الزركشي في مسألة بعض الواجبات أوجب من بعض: «قال القاضي: يجوز أن يقال: بعض الواجبات أوجب من بعض، كالسنن بعضها آكد من بعض، خلافا للمعتزلة؛ لأن الوجوب ينصرف عندهم إلى صفة الذات، وقال ابن القشيري: يجوز ذلك عندنا فما كان اللوم على تركه أكثر كان أوجب، فالإيمان بالله أوجب من الوضوء» (البحر المحيط 1/244، ط. دار الكتبي).

ودليل أوجبية الصلاة، أنها من أركان الإسلام الخمس، أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان»، وما يؤكد على أهمية توقيتاتها، ما قاله الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]، وما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»، فدل ذلك على أن الصلاة المفروضة أهم من الطواف وأوجب.

وإذا تقرر مشروعية قطع الطواف للصلاة المكتوبة، فلا يخلو الأمر من احتمالات:
إما أن يبتدئ الطواف من أوله ولا يبني على ما فعل.
وإما أن يبني على ما فعل، وإذا بنى على ما فعل ففيه احتمالان: إما أن يلغي الشوط الذي قطعه في أثنائه، فيصلي ثم يعود إلى استكمال الأشواط، وإما أن يبتدئ من الموضع الذي خرج منه، وهذا مبني على أن الطواف كله عبادة واحدة لا تتجزأ، وهي كالصلاة من جميع الوجوه إلا جواز الكلام فيه كما قال رسول الله ﷺ، أم إن الطواف عبادة لها أجزاء، وأجزاؤها على سبعة أشواط، والترتيب أو الموالاة تكون في عبادة مختلفة لها أركان مختلفة، وهذه الأجزاء السبعة ليست مختلفة فيما بينها كالطهارة والصلاة، فالطهارة لها أعضاء مختلفة، والصلاة لها أركان مختلفة، ولكن الطواف بأشواطه السبعة لا اختلاف بينها، فلا ترتيب فيه، وهذا هو القول الأرجح، لما استشهد به الشيرازي في المهذب أن ابن عمر رضي الله عنهما: «كان يطوف بالبيت، فلما أقيمت الصلاة صلى مع الإمام ثم بنى على طوافه»، وقال المالكية: يستحب إكمال الشوط إن استطاع الطائف ثم الذهاب إلى الصلاة.

قال الإمام النووي: «قال المصنف والأصحاب: إذا أقيمت الصلاة المكتوبة أو عرضت له حاجة لا بد منها وهو في أثناء الطواف قطعه، فإذا فرغ بنى إن لم يطل الفصل، وكذا إن طال، وهو المذهب، وفيه الخلاف السابق، قال البغوي وآخرون: إذا كان الطواف فرضا كره قطعه لصلاة الجنازة ولسنة الضحى والوتر وغيرها من الرواتب، لأن الطواف فرض عين ولا يقطع لنفل ولا لفرض كفاية، قالوا: وكذا حكم السعي، وقد نص الشافعي رحمه الله في الأم على هذا كله، ونقله القاضي أبو الطيب في تعليقه عن الأم فقال: قال في الأم: إن كان في طواف الإفاضة فأقيمت الصلاة أحببت أن يصلي مع الناس، ثم يعود إلى طوافه ويبني عليه، وإن خشي فوات الوتر أو سنة الضحى أو حضرت جنازة فلا أحب ترك الطواف لشيء من ذلك؛ لئلا يقطع فرضا لنفل أو فرض كفاية. والله أعلم». (المجموع شرح المهذب 8/67، ط. المنيرية).

وقال البهوتي الحنبلي: «وإن قطع الطواف بفصل يسير، بنى من الحجر لعدم فوات الموالاة بذلك، أو أقيمت صلاة مكتوبة، صلى وبنى؛ لحديث: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»، والطواف صلاة فتدخل في العموم، ويكون البناء من الحجر الأسود، ولو كان القطع من أثناء الشوط؛ لأنه لا يعتد ببعض شوط قطع فيه وحكم السعي في ذلك كطواف» (كشاف القناع عن متن الإقناع 2/448، ط. دار الكتب العلمية)

وقال الخرشي المالكي: «وقطع الطواف وجوبا -فرضا أو نفلا- لصلاة الفريضة، أي لإقامتها، ويبني، لكن يندب له قبل خروجه كمال الشوط بأن يخرج من عند الحَجَر، وإن خرج من غيره فقال ابن حبيب: يدخل من موضع خرج، قال في توضيحه: وهو ظاهر المدونة والموازية، واستحب ابن حبيب أن يبتدئ ذلك الشوط، قال بعض: وينبغي حمله على الوفاق كما هو ظاهر الطراز. اهـ. ويبني قبل تنفله قاله في الموازية ابن الحاجب، فإن تنفل قبل أن يتم طوافه ابتدأه، قال بعض: وكذلك إن جلس بعد الصلاة طويلا لذكر أو حديث؛ لترك الموالاة» (شرح الخرشي على مختصر خليل 2/316، ط. دار الفكر).

وعليه: فإذا أقيمت الصلاة المكتوبة على من يطوف طوافًا مفروضًا أو مندوبًا، فله أن يقطع الطواف ويصلي ثم يبني على ما قطعه من أشواط الطواف ويستكملها، وإذا قطع الطواف في أثناء الأشواط فإنه يعيد هذا الشوط الذي قطع في أثنائه، ويبني على الأشواط السابقة. والله تعالى أعلم.
 

التفاصيل ....

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد، فالطواف هو: الدوران حول البيت الحرام، قال الله تعالى:﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة: 158]، ومن الطواف ما هو واجب كطواف الإفاضة، ومنه ما هو سنة كطواف القدوم، ويشترط في الطواف الموالاة كالصلاة، فلا يقطع إلا لعذر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم والى في طوافه ولم يقطعه، وقال صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم» (أخرجه مسلم)، ولما رواه النسائي عن طاوس قال: قال رسول الله ﷺ: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلاةٌ»، ومن هذه الأعذار التي يقطع فيها الطواف إقامة الصلاة المكتوبة، لأن الطواف وإن كان واجبًا إلا أن الصلاة المكتوبة أوجب؛ لأنه متى تعارض واجبان يقدم آكدهما.

قال الزركشي في مسألة بعض الواجبات أوجب من بعض: «قال القاضي: يجوز أن يقال: بعض الواجبات أوجب من بعض، كالسنن بعضها آكد من بعض، خلافا للمعتزلة؛ لأن الوجوب ينصرف عندهم إلى صفة الذات، وقال ابن القشيري: يجوز ذلك عندنا فما كان اللوم على تركه أكثر كان أوجب، فالإيمان بالله أوجب من الوضوء» (البحر المحيط 1/244، ط. دار الكتبي).

ودليل أوجبية الصلاة، أنها من أركان الإسلام الخمس، أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان»، وما يؤكد على أهمية توقيتاتها، ما قاله الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]، وما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»، فدل ذلك على أن الصلاة المفروضة أهم من الطواف وأوجب.

وإذا تقرر مشروعية قطع الطواف للصلاة المكتوبة، فلا يخلو الأمر من احتمالات:
إما أن يبتدئ الطواف من أوله ولا يبني على ما فعل.
وإما أن يبني على ما فعل، وإذا بنى على ما فعل ففيه احتمالان: إما أن يلغي الشوط الذي قطعه في أثنائه، فيصلي ثم يعود إلى استكمال الأشواط، وإما أن يبتدئ من الموضع الذي خرج منه، وهذا مبني على أن الطواف كله عبادة واحدة لا تتجزأ، وهي كالصلاة من جميع الوجوه إلا جواز الكلام فيه كما قال رسول الله ﷺ، أم إن الطواف عبادة لها أجزاء، وأجزاؤها على سبعة أشواط، والترتيب أو الموالاة تكون في عبادة مختلفة لها أركان مختلفة، وهذه الأجزاء السبعة ليست مختلفة فيما بينها كالطهارة والصلاة، فالطهارة لها أعضاء مختلفة، والصلاة لها أركان مختلفة، ولكن الطواف بأشواطه السبعة لا اختلاف بينها، فلا ترتيب فيه، وهذا هو القول الأرجح، لما استشهد به الشيرازي في المهذب أن ابن عمر رضي الله عنهما: «كان يطوف بالبيت، فلما أقيمت الصلاة صلى مع الإمام ثم بنى على طوافه»، وقال المالكية: يستحب إكمال الشوط إن استطاع الطائف ثم الذهاب إلى الصلاة.

قال الإمام النووي: «قال المصنف والأصحاب: إذا أقيمت الصلاة المكتوبة أو عرضت له حاجة لا بد منها وهو في أثناء الطواف قطعه، فإذا فرغ بنى إن لم يطل الفصل، وكذا إن طال، وهو المذهب، وفيه الخلاف السابق، قال البغوي وآخرون: إذا كان الطواف فرضا كره قطعه لصلاة الجنازة ولسنة الضحى والوتر وغيرها من الرواتب، لأن الطواف فرض عين ولا يقطع لنفل ولا لفرض كفاية، قالوا: وكذا حكم السعي، وقد نص الشافعي رحمه الله في الأم على هذا كله، ونقله القاضي أبو الطيب في تعليقه عن الأم فقال: قال في الأم: إن كان في طواف الإفاضة فأقيمت الصلاة أحببت أن يصلي مع الناس، ثم يعود إلى طوافه ويبني عليه، وإن خشي فوات الوتر أو سنة الضحى أو حضرت جنازة فلا أحب ترك الطواف لشيء من ذلك؛ لئلا يقطع فرضا لنفل أو فرض كفاية. والله أعلم». (المجموع شرح المهذب 8/67، ط. المنيرية).

وقال البهوتي الحنبلي: «وإن قطع الطواف بفصل يسير، بنى من الحجر لعدم فوات الموالاة بذلك، أو أقيمت صلاة مكتوبة، صلى وبنى؛ لحديث: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»، والطواف صلاة فتدخل في العموم، ويكون البناء من الحجر الأسود، ولو كان القطع من أثناء الشوط؛ لأنه لا يعتد ببعض شوط قطع فيه وحكم السعي في ذلك كطواف» (كشاف القناع عن متن الإقناع 2/448، ط. دار الكتب العلمية)

وقال الخرشي المالكي: «وقطع الطواف وجوبا -فرضا أو نفلا- لصلاة الفريضة، أي لإقامتها، ويبني، لكن يندب له قبل خروجه كمال الشوط بأن يخرج من عند الحَجَر، وإن خرج من غيره فقال ابن حبيب: يدخل من موضع خرج، قال في توضيحه: وهو ظاهر المدونة والموازية، واستحب ابن حبيب أن يبتدئ ذلك الشوط، قال بعض: وينبغي حمله على الوفاق كما هو ظاهر الطراز. اهـ. ويبني قبل تنفله قاله في الموازية ابن الحاجب، فإن تنفل قبل أن يتم طوافه ابتدأه، قال بعض: وكذلك إن جلس بعد الصلاة طويلا لذكر أو حديث؛ لترك الموالاة» (شرح الخرشي على مختصر خليل 2/316، ط. دار الفكر).

وعليه: فإذا أقيمت الصلاة المكتوبة على من يطوف طوافًا مفروضًا أو مندوبًا، فله أن يقطع الطواف ويصلي ثم يبني على ما قطعه من أشواط الطواف ويستكملها، وإذا قطع الطواف في أثناء الأشواط فإنه يعيد هذا الشوط الذي قطع في أثنائه، ويبني على الأشواط السابقة. والله تعالى أعلم.
 

اقرأ أيضا

قطع الطواف للصلاة المكتوبة

إذا أقيمت الصلاة وأنا في الطواف فهل يشرع لي قطعه، أو أتمه ثم أصلي؟ وإذا كان يشرع لي أن أقطعه ثم انتهت الصلاة، فهل يتم من المكان الذي قطعت فيه الطواف أو أبتدئ الشوط المقطوع من أوله؟

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد، فالطواف هو: الدوران حول البيت الحرام، قال الله تعالى:﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة: 158]، ومن الطواف ما هو واجب كطواف الإفاضة، ومنه ما هو سنة كطواف القدوم، ويشترط في الطواف الموالاة كالصلاة، فلا يقطع إلا لعذر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم والى في طوافه ولم يقطعه، وقال صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم» (أخرجه مسلم)، ولما رواه النسائي عن طاوس قال: قال رسول الله ﷺ: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلاةٌ»، ومن هذه الأعذار التي يقطع فيها الطواف إقامة الصلاة المكتوبة، لأن الطواف وإن كان واجبًا إلا أن الصلاة المكتوبة أوجب؛ لأنه متى تعارض واجبان يقدم آكدهما.

قال الزركشي في مسألة بعض الواجبات أوجب من بعض: «قال القاضي: يجوز أن يقال: بعض الواجبات أوجب من بعض، كالسنن بعضها آكد من بعض، خلافا للمعتزلة؛ لأن الوجوب ينصرف عندهم إلى صفة الذات، وقال ابن القشيري: يجوز ذلك عندنا فما كان اللوم على تركه أكثر كان أوجب، فالإيمان بالله أوجب من الوضوء» (البحر المحيط 1/244، ط. دار الكتبي).

ودليل أوجبية الصلاة، أنها من أركان الإسلام الخمس، أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان»، وما يؤكد على أهمية توقيتاتها، ما قاله الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]، وما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»، فدل ذلك على أن الصلاة المفروضة أهم من الطواف وأوجب.

وإذا تقرر مشروعية قطع الطواف للصلاة المكتوبة، فلا يخلو الأمر من احتمالات:
إما أن يبتدئ الطواف من أوله ولا يبني على ما فعل.
وإما أن يبني على ما فعل، وإذا بنى على ما فعل ففيه احتمالان: إما أن يلغي الشوط الذي قطعه في أثنائه، فيصلي ثم يعود إلى استكمال الأشواط، وإما أن يبتدئ من الموضع الذي خرج منه، وهذا مبني على أن الطواف كله عبادة واحدة لا تتجزأ، وهي كالصلاة من جميع الوجوه إلا جواز الكلام فيه كما قال رسول الله ﷺ، أم إن الطواف عبادة لها أجزاء، وأجزاؤها على سبعة أشواط، والترتيب أو الموالاة تكون في عبادة مختلفة لها أركان مختلفة، وهذه الأجزاء السبعة ليست مختلفة فيما بينها كالطهارة والصلاة، فالطهارة لها أعضاء مختلفة، والصلاة لها أركان مختلفة، ولكن الطواف بأشواطه السبعة لا اختلاف بينها، فلا ترتيب فيه، وهذا هو القول الأرجح، لما استشهد به الشيرازي في المهذب أن ابن عمر رضي الله عنهما: «كان يطوف بالبيت، فلما أقيمت الصلاة صلى مع الإمام ثم بنى على طوافه»، وقال المالكية: يستحب إكمال الشوط إن استطاع الطائف ثم الذهاب إلى الصلاة.

قال الإمام النووي: «قال المصنف والأصحاب: إذا أقيمت الصلاة المكتوبة أو عرضت له حاجة لا بد منها وهو في أثناء الطواف قطعه، فإذا فرغ بنى إن لم يطل الفصل، وكذا إن طال، وهو المذهب، وفيه الخلاف السابق، قال البغوي وآخرون: إذا كان الطواف فرضا كره قطعه لصلاة الجنازة ولسنة الضحى والوتر وغيرها من الرواتب، لأن الطواف فرض عين ولا يقطع لنفل ولا لفرض كفاية، قالوا: وكذا حكم السعي، وقد نص الشافعي رحمه الله في الأم على هذا كله، ونقله القاضي أبو الطيب في تعليقه عن الأم فقال: قال في الأم: إن كان في طواف الإفاضة فأقيمت الصلاة أحببت أن يصلي مع الناس، ثم يعود إلى طوافه ويبني عليه، وإن خشي فوات الوتر أو سنة الضحى أو حضرت جنازة فلا أحب ترك الطواف لشيء من ذلك؛ لئلا يقطع فرضا لنفل أو فرض كفاية. والله أعلم». (المجموع شرح المهذب 8/67، ط. المنيرية).

وقال البهوتي الحنبلي: «وإن قطع الطواف بفصل يسير، بنى من الحجر لعدم فوات الموالاة بذلك، أو أقيمت صلاة مكتوبة، صلى وبنى؛ لحديث: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»، والطواف صلاة فتدخل في العموم، ويكون البناء من الحجر الأسود، ولو كان القطع من أثناء الشوط؛ لأنه لا يعتد ببعض شوط قطع فيه وحكم السعي في ذلك كطواف» (كشاف القناع عن متن الإقناع 2/448، ط. دار الكتب العلمية)

وقال الخرشي المالكي: «وقطع الطواف وجوبا -فرضا أو نفلا- لصلاة الفريضة، أي لإقامتها، ويبني، لكن يندب له قبل خروجه كمال الشوط بأن يخرج من عند الحَجَر، وإن خرج من غيره فقال ابن حبيب: يدخل من موضع خرج، قال في توضيحه: وهو ظاهر المدونة والموازية، واستحب ابن حبيب أن يبتدئ ذلك الشوط، قال بعض: وينبغي حمله على الوفاق كما هو ظاهر الطراز. اهـ. ويبني قبل تنفله قاله في الموازية ابن الحاجب، فإن تنفل قبل أن يتم طوافه ابتدأه، قال بعض: وكذلك إن جلس بعد الصلاة طويلا لذكر أو حديث؛ لترك الموالاة» (شرح الخرشي على مختصر خليل 2/316، ط. دار الفكر).

وعليه: فإذا أقيمت الصلاة المكتوبة على من يطوف طوافًا مفروضًا أو مندوبًا، فله أن يقطع الطواف ويصلي ثم يبني على ما قطعه من أشواط الطواف ويستكملها، وإذا قطع الطواف في أثناء الأشواط فإنه يعيد هذا الشوط الذي قطع في أثنائه، ويبني على الأشواط السابقة. والله تعالى أعلم.
 

التفاصيل ....

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد، فالطواف هو: الدوران حول البيت الحرام، قال الله تعالى:﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة: 158]، ومن الطواف ما هو واجب كطواف الإفاضة، ومنه ما هو سنة كطواف القدوم، ويشترط في الطواف الموالاة كالصلاة، فلا يقطع إلا لعذر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم والى في طوافه ولم يقطعه، وقال صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم» (أخرجه مسلم)، ولما رواه النسائي عن طاوس قال: قال رسول الله ﷺ: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلاةٌ»، ومن هذه الأعذار التي يقطع فيها الطواف إقامة الصلاة المكتوبة، لأن الطواف وإن كان واجبًا إلا أن الصلاة المكتوبة أوجب؛ لأنه متى تعارض واجبان يقدم آكدهما.

قال الزركشي في مسألة بعض الواجبات أوجب من بعض: «قال القاضي: يجوز أن يقال: بعض الواجبات أوجب من بعض، كالسنن بعضها آكد من بعض، خلافا للمعتزلة؛ لأن الوجوب ينصرف عندهم إلى صفة الذات، وقال ابن القشيري: يجوز ذلك عندنا فما كان اللوم على تركه أكثر كان أوجب، فالإيمان بالله أوجب من الوضوء» (البحر المحيط 1/244، ط. دار الكتبي).

ودليل أوجبية الصلاة، أنها من أركان الإسلام الخمس، أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان»، وما يؤكد على أهمية توقيتاتها، ما قاله الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]، وما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»، فدل ذلك على أن الصلاة المفروضة أهم من الطواف وأوجب.

وإذا تقرر مشروعية قطع الطواف للصلاة المكتوبة، فلا يخلو الأمر من احتمالات:
إما أن يبتدئ الطواف من أوله ولا يبني على ما فعل.
وإما أن يبني على ما فعل، وإذا بنى على ما فعل ففيه احتمالان: إما أن يلغي الشوط الذي قطعه في أثنائه، فيصلي ثم يعود إلى استكمال الأشواط، وإما أن يبتدئ من الموضع الذي خرج منه، وهذا مبني على أن الطواف كله عبادة واحدة لا تتجزأ، وهي كالصلاة من جميع الوجوه إلا جواز الكلام فيه كما قال رسول الله ﷺ، أم إن الطواف عبادة لها أجزاء، وأجزاؤها على سبعة أشواط، والترتيب أو الموالاة تكون في عبادة مختلفة لها أركان مختلفة، وهذه الأجزاء السبعة ليست مختلفة فيما بينها كالطهارة والصلاة، فالطهارة لها أعضاء مختلفة، والصلاة لها أركان مختلفة، ولكن الطواف بأشواطه السبعة لا اختلاف بينها، فلا ترتيب فيه، وهذا هو القول الأرجح، لما استشهد به الشيرازي في المهذب أن ابن عمر رضي الله عنهما: «كان يطوف بالبيت، فلما أقيمت الصلاة صلى مع الإمام ثم بنى على طوافه»، وقال المالكية: يستحب إكمال الشوط إن استطاع الطائف ثم الذهاب إلى الصلاة.

قال الإمام النووي: «قال المصنف والأصحاب: إذا أقيمت الصلاة المكتوبة أو عرضت له حاجة لا بد منها وهو في أثناء الطواف قطعه، فإذا فرغ بنى إن لم يطل الفصل، وكذا إن طال، وهو المذهب، وفيه الخلاف السابق، قال البغوي وآخرون: إذا كان الطواف فرضا كره قطعه لصلاة الجنازة ولسنة الضحى والوتر وغيرها من الرواتب، لأن الطواف فرض عين ولا يقطع لنفل ولا لفرض كفاية، قالوا: وكذا حكم السعي، وقد نص الشافعي رحمه الله في الأم على هذا كله، ونقله القاضي أبو الطيب في تعليقه عن الأم فقال: قال في الأم: إن كان في طواف الإفاضة فأقيمت الصلاة أحببت أن يصلي مع الناس، ثم يعود إلى طوافه ويبني عليه، وإن خشي فوات الوتر أو سنة الضحى أو حضرت جنازة فلا أحب ترك الطواف لشيء من ذلك؛ لئلا يقطع فرضا لنفل أو فرض كفاية. والله أعلم». (المجموع شرح المهذب 8/67، ط. المنيرية).

وقال البهوتي الحنبلي: «وإن قطع الطواف بفصل يسير، بنى من الحجر لعدم فوات الموالاة بذلك، أو أقيمت صلاة مكتوبة، صلى وبنى؛ لحديث: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»، والطواف صلاة فتدخل في العموم، ويكون البناء من الحجر الأسود، ولو كان القطع من أثناء الشوط؛ لأنه لا يعتد ببعض شوط قطع فيه وحكم السعي في ذلك كطواف» (كشاف القناع عن متن الإقناع 2/448، ط. دار الكتب العلمية)

وقال الخرشي المالكي: «وقطع الطواف وجوبا -فرضا أو نفلا- لصلاة الفريضة، أي لإقامتها، ويبني، لكن يندب له قبل خروجه كمال الشوط بأن يخرج من عند الحَجَر، وإن خرج من غيره فقال ابن حبيب: يدخل من موضع خرج، قال في توضيحه: وهو ظاهر المدونة والموازية، واستحب ابن حبيب أن يبتدئ ذلك الشوط، قال بعض: وينبغي حمله على الوفاق كما هو ظاهر الطراز. اهـ. ويبني قبل تنفله قاله في الموازية ابن الحاجب، فإن تنفل قبل أن يتم طوافه ابتدأه، قال بعض: وكذلك إن جلس بعد الصلاة طويلا لذكر أو حديث؛ لترك الموالاة» (شرح الخرشي على مختصر خليل 2/316، ط. دار الفكر).

وعليه: فإذا أقيمت الصلاة المكتوبة على من يطوف طوافًا مفروضًا أو مندوبًا، فله أن يقطع الطواف ويصلي ثم يبني على ما قطعه من أشواط الطواف ويستكملها، وإذا قطع الطواف في أثناء الأشواط فإنه يعيد هذا الشوط الذي قطع في أثنائه، ويبني على الأشواط السابقة. والله تعالى أعلم.
 

اقرأ أيضا
;