24 أكتوبر 2025 م

خلال محاضرته بجامعة العلوم الإسلامية في ماليزيا مفتي الجمهورية يؤكد: التراث الإسلامي أساس للاجتهاد في الفتوى وصيانة لمصلحة الأمة

خلال محاضرته بجامعة العلوم الإسلامية في ماليزيا مفتي الجمهورية يؤكد: التراث الإسلامي أساس للاجتهاد في الفتوى وصيانة لمصلحة الأمة

أكد فضيلة أ.د نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أن التراث الإسلامي يشكّل أساسًا راسخًا للاجتهاد في إصدار الفتاوى، وأن الإفادة منه ضرورة لتحقيق مصالح الأمة في ظل التحديات المعاصرة، موضحًا أن التعامل مع التراث يجب أن يكون بمنهج علمي يقوم على التوازن والاعتدال دون إفراط ولا تفريط، إذ يمثل حصيلة فكرية ضخمة خلفها الأئمة والعلماء والمفكرون عبر العصور.

جاء ذلك خلال المحاضرة التي ألقاها فضيلته بكلية الشريعة والقانون، بجامعة العلوم الإسلامية في ماليزيا، تحت عنوان «التراث كأساس للاجتهاد في إصدار الفتاوى .. التحديات وأهمية الحفاظ على مصلحة الأمة».

وأوضح فضيلة مفتي الجمهورية، أن الموقف من التراث الإسلامي في زماننا قد تباين على ثلاثة اتجاهات رئيسة؛ فهناك من غلا في التمسك به حتى جعل منه مرادفًا لصحيح الدين، ودعا إلى الالتزام بكل ما ورد فيه من أقوال ومذاهب دون نظر في تغير الزمان والمكان، معتبرًا فضيلته أن هذا الموقف قاصر لا يعبر عن روح الإسلام، مؤكدًا أن السلف رحمهم الله لو عادوا مرةً أخرى للحياة لتغيرت مواقفهم وآراؤهم بما يتناسب وواقع الحياة اليوم، بينما ذهب آخرون إلى نقيض ذلك فأنكروا التراث وعدّوا الرجوع إليه تخلفًا ودعوا إلى القطيعة معه والانجرار خلف النظريات المادية حتى ولو خالفت الدين، مؤكدًا أن هذا الموقف يجانب المنهج العلمي السليم ويتجاهل القيمة الحضارية والفكرية للتراث الإسلامي، بينما الاتجاه الثالث يتمثل في الموقف الوسط بين هذا وذاك، وهو ما عليه منهج الأزهر الشريف جامعًا وجامعةً، فيأخذون منه ما يتناسب وواقع الناس اليوم، ويرفضون الأخذ بالأقوال والآراء التي قيلت في سياقات تاريخية معينة.

وبين فضيلة المفتي أن المنهجية المثلى للتعامل مع التراث تقوم على أربعة أركان أساسية هي نفي صفة العصمة عنه، لأنه جهد بشري قابل للخطأ والصواب، وأن التعامل معه ينبغي أن يكون وفق المنهجية التي أشار إليها الفيلسوف ابن رشد رحمه الله «ننظر في الذي قالوه من ذلك وما أثبتوه في كتبهم؛ فما كان منها موافقًا للحق قبلناه منهم وسُررنا به وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحق نبَّهْنَا عليه وحذرناهم منه وعذرناهم» وقد بين ابن رشد أن النظر في كتب القدماء واجب بالشرع لمن يمتلك ذكاء الفطرة والعدالة الشرعية والفضيلة العلمية والخلقية، الأمر الثاني الاستثمار، ونقصد به استثمار الصحيح من التراث في خدمة الإنسانية اليوم، وما يمكن أن يسهم في بناء الحضارة الإنسانية، الأمر الثالث، التجاوز، ونقصد به تجاوز الأقوال و الآراء الشاذة والضعيفة والتي لا تتناسب وواقع الناس اليوم، بحيث نتجاوزها إلى الاجتهاد والتجديد وصياغة الأقوال الجديدة التي تتحقق بها مصالح الناس في العاجل والآجل، الأمر الرابع، الاعتبار والدراسة والبحث وهو يتمثل في النظر ـ على سبيل المثال ـ فيما وقع من خلاف في القرن الأول فإنه يجب أن يدرس في إطار البحث العلمي والعبرة التاريخية فقط، وألا يسمح له أن يمتد إلى حاضر المسلمين ومستقبلهم، بل يجمد من الناحية العملية تجميدًا تاما، ويترك حسابه إلى الله تعالى، مصداقًا لقوله سبحانه: ﴿تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾.

وذكر مفتى الجمهورية، أن النص الذي ثبتت قطعيته وثبتت دلالته على الحكم الشرعي لا مجال للاجتهاد فيه، لأنه لا اجتهاد مع النص، أما الاجتهاد فيكون في آلية تطبيق النصوص القطعية على أرض الواقع بما يتناسب مع قدرة الإنسان واستطاعته، بينما النصوص التي ثبتت بطريق ظني أو كانت دلالتها ظنية فهي ميدان الاجتهاد في الفهم قبل التطبيق، وفيها تتعدد أنظار العلماء وآراؤهم تحقيقًا للتيسير وجلب المصالح، غير أن هذا الفهم لا يعد حكمًا شرعيًا قطعيًا بل هو اجتهاد بشري، ومن ثم فإن وصفه بحكم الشريعة فيه مبالغة لأن الأحكام القطعية لا تتعدد ولا تختلف، لقوله تعالى( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا) مبينًا أن الأمة هي التي تتحمل مسؤولية اختيار ما يناسبها من الآراء الاجتهادية عبر مؤسساتها الدستورية التي توازن بين الآراء وتنتقي ما هو أقرب إلى الصواب أو أنفع للناس، وربما تمزج بين أكثر من رأي، ولها أن تراجع ما أخذت به إذا تغيّرت الظروف، وبذلك تظل الشريعة حية قابلة للتطور بما يواكب المتغيرات ويحقق المصلحة العامة

وانتقل فضيلته إلى بيان أهمية النظر المقاصدي في الاجتهاد والفتوى، مؤكدًا أن مراعاة المقاصد أثناء تكييف الفتوى هي الضمانة الأساسية لتحقيق مصالح الأمة وصيانتها، لأن المقاصد تمثل الغايات العليا للشريعة التي توجه حركة التشريع والاجتهاد نحو ما ينفع الناس، والمقصود بالنظر المقاصدي، أن يجتهد الفقيه في استنباط هذه المقاصد من النصوص ويعمل على تحقيقها في الواقع، موضحًا أن مقاصد الشريعة تنقسم إلى ضرورية وحاجية وتحسينية، وأن حفظ الكليات الخمس، « الدين والنفس والعقل والمال والنسل» يشمل حفظها للأمة قبل الأفراد، فحفظ الدين يعني صيانة العقيدة من الفساد والانحراف، وحفظ النفس هو حماية الأرواح من التلف، وحفظ العقل وقايته من الخلل والجهل، وحفظ المال منع ضياعه واستلابه بغير حق، أما حفظ النسل فهو صيانة النوع الإنساني من الانقطاع والفساد، وكل ذلك يمثل المقاصد الكبرى التي تدور حولها أحكام الشريعة

وأشار فضيلة مفتي الجمهورية، إلى أن بلوغ رتبة الاجتهاد الكامل عند الفقيه لا يتحقق إلا بمراعاة مقاصد الشريعة فهمًا وتطبيقًا، كما قرر الإمام السبكي أن الاجتهاد الحق يقوم على إحاطة المجتهد بالقواعد العامة للشريعة وممارسته للنظر في مقاصدها حتى يدرك مراد الشرع وإن لم يصرح به النص، وبيّن الإمام الشاطبي أن درجة الاجتهاد لا تُنال إلا بفهم المقاصد فهما عميقًا مقرونًا بالقدرة على الاستنباط على ضوئها، ومن ثم فإن إغفال هذه القواعد المنهجية في التعامل مع التراث أدى إلى اضطراب في الفقه والفتوى، فظهرت اتجاهات التشدد المفرط والتساهل المخل وصدرت فتاوى شاذة من غير المؤهلين، فوقع الناس في الحيرة والبلبلة، ونشأت نزعات تكفيرية بين الجماعات المتطرفة استهدفت المسلمين ومؤسساتهم، وهي من أخطر الظواهر التي تهدد المجتمعات الإسلامية لأنها تزرع الصراع والانقسام وتعرقل وحدة الأمة

ونوه فضيلته أن من أبرز أسباب انتشار فكر التكفير الفهم الخاطئ للنصوص الدينية، سواء القرآن أو السنة، بفهمها فهمًا حرفيًا يغاير مقصودها أو بتأويلها تأويلًا غير معتبر، مثل قوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، وحديث النبي ﷺ (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، موضحًا أن التعلق بظواهر النصوص دون فهم مقاصدها ومآلاتها يؤدي إلى الغلو المنهي عنه كما نبّه الشيخ جاد الحق رحمة الله ومن الأسباب كذلك الركون إلى الأقوال الشاذة التي وردت في بعض كتب التراث وخالفت إجماع الأمة وما عليه جمهور العلماء، إذ وجد فيها المتطرفون وسيلة لتسويغ أفكارهم وإضفاء مسحة شرعية عليها، مشيرًا إلى أن الجهل هو السبب المشترك بين هذين المسلكين لأن المبادرة إلى التكفير تغلب على من غلب عليهم الجهل وقصور العلم، كما أشار فضيلته إلى أن خطورة التكفير لا تقف عند حد الفكرة بل تتجاوزها إلى آثار خطيرة تمس الدين والمجتمع، إذ يترتب عليه سقوط الحقوق، واستحلال الدماء والأموال، وتفكك الأسر، وخراب المجتمعات، وقد نبّه العلماء إلى فداحة التساهل فيه، فقال ابن الوزير« إن التسرع في التكفير يفضي إلى مفاسد عظيمة تسقط بها العبادات والحقوق وتضيع بها مقاصد الشريعة»، كما حذر النبي ﷺ من إطلاقه بغير علم بقوله( إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما)، وأكد الإمام أبو الحسن الأشعري أنه لا يكفر أحدًا من أهل القبلة لأن الجميع يشيرون إلى معبود واحد وإن اختلفت عباراتهم، وهو منهج وسطي راشد يجمع الأمة على كلمة التوحيد ويصونها من الفرقة والغلو

واختتم فضيلة المفتي كلمته بالتأكيد على أن تكفير المسلمين خطر داهم يهدد وحدة الأمة واستقرارها، وأن الواجب على العلماء أن يتصدوا له بالعلم والحكمة، وأن يعملوا على ترسيخ منهج الوسطية والاعتدال، موضحًا أن التسرع في التكفير يفتح أبواب الفتن ويهدم مقاصد الشريعة التي جاءت لحفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل، داعيًا إلى ضرورة التمسك بروح الإسلام السمحة التي تدعو إلى الرحمة والتآلف لا إلى العنف والتناحر، سائلاً الله تعالى أن يوفق العلماء والمفتين لما فيه الخير والرشاد، وأن يجعل الفتوى سبيلًا للهداية ونورًا يبدد ظلمات الجهل والتطرف، وأن يجمع الأمة على كلمة الحق ويؤلف بين قلوب أبنائها، وينشر في العالم قيم السلام والرحمة والعدل.

حضر المحاضرة كل من فضيلة الشيخ أحمد بن فواز علي فاضل، مفتي ماليزيا، و سعادة السفير المصري لدى ماليزيا كريم السادات، وفضيلة الأستاذ الدكتور شريف فودين محمد، رئيس جامعة العلوم الإسلامية، وسعادة الأستاذ الدكتور مشداد حسب الله، نائب رئيس الجامعة، وسعادة الأستاذ محمد عز الدين، مدير مركز معرفة التراث الإسلامي بالجامعة، إضافة إلى عدد من القيادات الدينية والعلمية الماليزية وفي ختام اللقاء، تم تكريم فضيلة مفتي الجمهورية ومنحه لقب “أستاذ زائر” بجامعة العلوم الإسلامية الماليزية، تقديرًا لجهوده المخلصة في نشر الفكر الوسطي، وتعزيز الحوار الحضاري، ودعم العلاقات العلمية والدينية بين مصر وماليزيا.

استمرارًا للفعاليات الثقافية والنقاشات الفكرية، نظَّم جناح دار الإفتاء المصرية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب ندوة بعنوان: "تحديات النشء في عصر السوشيال ميديا" لمناقشة التحديات الفكرية والتربوية والاجتماعية التي يواجهها النشء في ظل الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، وتأثيرها على منظومة القيم والهُوية والوعي، وسُبل التعامل الرشيد مع هذه الوسائل بما يحقق الاستخدام الإيجابي لها، ويحد من آثارها السلبية، في إطار من المسؤولية الأُسرية والمجتمعية والمؤسسية.


أكد فضيلة أ.د. نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أن الحديث عن الوعي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بواقع الناس، وأن المجتمعات المعاصرة تعيش واقعًا شديد التعقيد في ظل تجاوز الحدود الزمانية والمكانية نتيجة السيولة الأخلاقية المصاحبة للتطور التكنولوجي، وهو ما يستدعي إنتاج خطاب منضبط ينفتح على الأدوات التقنية، ويحقق نوعًا من الانضباط الرشيد الذي يحمي الإنسان وهويته ويصون كرامته ويحافظ على الأوطان.


ينعي فضيلة أ.د. نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، فضيلة أ.د. موسى فرحات الزين، أستاذ الحديث وعلومه بكلية أصول الدين والدعوة جامعة الأزهر بالمنصورة، الذي رحل إلى جوار رب كريم بعد مسيرة علمية حافلة بالعطاء وخدمة العلم وطلابه.


وقَّع فضيلة أ.د. نظير محمد عيَّاد -مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم- اليوم الإثنين، بروتوكول تعاون مع أ.د حسان حمدي نعمان، رئيس جامعة سوهاج الأهلية، وذلك في إطار دعم أوجه التعاون المؤسسي بين الجانبين في مجالات التعليم والبحث العلمي وبناء الوعي.


في سياق البرنامج العلمي لدورة المواريث المتقدمة بدار الإفتاء المصرية عُقدت محاضرة متخصصة للأستاذة الدكتوره، نهلة الصعيدي، مستشار شيخ الأزهر لشئون الوافدين بعنوان الجوانب البيانية والبلاغية لنصوص المواريث، حيث قدّمت طرحًا علميًّا انتقل من الإطار الفقهي الحسابي إلى فضاء التحليل البياني والبلاغي، مؤكدة أن نصوص المواريث تمثل خطابًا تشريعيًّا محكمًا يجمع بين العقيدة واللغة والتربية، ويجسد مفهوم العدل في صورته المتكاملة، بما يعكس دقة البناء القرآني في تنظيم الحقوق المالية والأسرية.


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 21 فبراير 2026 م
الفجر
5 :2
الشروق
6 :29
الظهر
12 : 8
العصر
3:22
المغرب
5 : 48
العشاء
7 :6