الإثنين, 26 أكتوبر 2026 – 15 جُمادى الأولى 1448 هـ
19 يناير 2026 م

خلال كلمة فضيلته بمؤتمر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية "المهن في الإسلام أخلاقياتها ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي" مفتي الجمهورية يؤكد: التحولات المتسارعة في سوق العمل تفرض ضرورة تأصيل أخلاقيات المهن وربط التقدم التقني بالمقاصد الإنسانية الكبرى

خلال كلمة فضيلته بمؤتمر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية "المهن في الإسلام أخلاقياتها ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي" مفتي الجمهورية يؤكد:     التحولات المتسارعة في سوق العمل تفرض ضرورة تأصيل أخلاقيات المهن وربط التقدم التقني بالمقاصد الإنسانية الكبرى

أكد فضيلة أ.د. نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أن عالمنا المعاصر يشهد تحولات عميقة ومتسارعة في بنية العمل وطبيعة المهن، في ظل الطفرة غير المسبوقة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يستدعي تأصيل الرؤية القيمية والأخلاقية للمهن، وربط التقدم التقني بالمقاصد الإنسانية الكبرى، حتى لا ينفصل التطور عن الضوابط، ولا تتحول الوسائل إلى غايات على حساب الإنسان وكرامته.

جاء ذلك خلال كلمة فضيلته بالمؤتمر الدولي السادس والثلاثين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية التابع لوزارة الأوقاف، والمنعقد برعاية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، تحت عنوان: «المهن في الإسلام أخلاقياتها ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي»، بحضور عدد من الوزراء والقيادات الدينية  والفكرية من مختلف دول العالم.

وأشار فضيلة مفتي الجمهورية إلى أن انعقاد هذا المؤتمر يأتي انطلاقًا من المسؤولية الدينية والعلمية، لفتح باب النقاش العلمي الرصين حول «المهن في الإسلام أخلاقياتها وأثرها ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي»، سعيًا إلى إبراز المنهج الإسلامي المتوازن في النظر إلى العمل بوصفه عبادة، وإلى المهنة باعتبارها أداة لعمارة الأرض وتحقيق الاستخلاف، وبناء الإنسان القادر على التفاعل الإيجابي مع معطيات العصر دون تفريط في القيم أو إخلال بالثوابت، مشددًا  على أن استشراف مستقبل المهن لا يمكن أن يكون بمعزل عن الأخلاق، ولا عن التشريع الراشد، ولا عن الضمير الإنساني الحي، مؤكدًا أن تكامل هذه العناصر هو الضامن لصيانة المهن، وتحقيق التوازن في مساراتها، وبناء مستقبل مهني يليق بالإنسان ورسـالته في هذا الوجود، موضحًا أن التطور التقني، على أهميته، لا يغني عن بناء الإنسان، ولا يعوض غياب الكفاءة الأخلاقية، ولا يبرر تجاوز الضوابط القيمية؛ إذ إن أعظم ما يملكه الإنسان في سوق العمل المتغير هو إنسانيته ووعيه وقدرته على التمييز بين ما ينفع وما يضر؛ مؤكِّدًا أن إعداد الكوادر المهنية في عصر الذكاء الاصطناعي يجب أن يقوم على الجمع بين التمكين المعرفي والتقني، والتأهيل الأخلاقي والسلوكي، حتى تظل المهن أداة للبناء والرُّقي، لا وسيلة للإضرار أو التهميش أو الإخلال بقيم العدالة والكرامة الإنسانية، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]، مبينًا أن عمارة الأرض مقصد أصيل من مقاصد الشريعة، وأن المهنة كانت سمة ثابتة في حياة الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: 20]، أي يطلبون المعايش بالتجارة والصناعة وسائر وجوه الكسب المشروع، كما قرره الإمام القرطبي في تفسيره.

وأوضح مفتي الجمهورية أن المهن شكَّلت لبنةً أساسية في تشييد العمارة الإسلامية على مر العصور، إذ استخدمها المسلمون وسيلةً للتعبير عن هويتهم المتميزة بين الأمم، باعتبارها وعاءً حضاريًّا يعكس الهُوية البصرية، والمستوى الجمالي، والقدرة الإبداعية للإنسان؛ إذ إن المهن كانت -ولا تزال- ركيزةً حيوية للتنمية المستدامة، انتقلت عبر الأجيال جيلًا بعد جيل دون أن تفقد قيمتها أو ينال منها نقصان، معبرةً عن توازن دقيق بين العمارة المادية والحضارة المعنوية في آنٍ واحد، مبيِّنًا فضيلته أن المسلمين استخدموا هذه المهن في تشييد منجزاتهم الحضارية والعمرانية، من تخطيط المدن وبنائها، وإقامة المساجد والمدارس والقصور ودور السكنى، إلى بناء القلاع والحصون والمعسكرات، وإنشاء الأسواق التجارية المظللة المحفوظة بالأبواب والحراسة، وتعبيد الطرق ورصفها، وبناء الجسور والقناطر، وإنشاء الأبراج للمراقبة والمنارات البحرية للسفن، فضلًا عن مد قنوات المياه والقساطل التي أوصلت المياه إلى المنازل والمساجد. وهذه المنجزات جعلت المدن التي طال حكم المسلمين فيها، في مشارق الأرض ومغاربها، مقصدًا لمتتبعي الآثار العمرانية العظيمة، الذين يقصدونها للتصوير والتعريف بعظمتها، وبيان تفوق مهندسيها في الإتقان الهندسي، وجودة البناء العمراني، ودراسة الفنون المعمارية التي تميزت بها. مضيفًا أن متتبِّعي الآثار والسياح لا يزالون حتى اليوم ينبهرون بما تحمله العمارة الإسلامية من نقوش وزخارف وجماليات بديعة رائقة، مؤكدًا أن هذا الإرث الحضاري إنما تحقق، بعد توفيق الله، بجهود أصحاب المهن المتنوعة الذين أسهموا في صناعة هذا الجمال والإبداع. ومن أراد الشاهد والدليل، فما عليه إلا أن يطوف في مصر الحبيبة، حيث يجد من الآثار والمعالم العمرانية ما تقر به العين، وما يدهش له العقل، ويجسد عظمة الحضارة الإسلامية وعمقها المهني والإنساني. وقد برع المسلمون عامة في مهن متنوعة عكست ذوقهم الرفيع وقدرتهم الإبداعية، وفي مقدمتها: الخط العربي، وفنون الزخرفة، والصناعات الزجاجية، وصناعة النسيج، وغيرها من الصناعات المهنية التي أسهمت في تشكيل الهُوية الحضارية والجمالية للأمة.

و بيَّن فضيلة المفتي أن مهنًا أخرى ذات طابع علمي وخدمي كان لها دور محوري في ترسيخ دعائم الحضارة الإسلامية، وعلى رأسها مهن الطب والصيدلة والتمريض والهندسة والحساب والفلك، مؤكدًا أن هذه المهن لم تكن مجرد أنشطة تقنية منفصلة، بل شكَّلت منظومة معرفية متكاملة ارتبطت بخدمة الإنسان، وحفظ نفسه وعقله، وأسهمت في قيام المستشفيات ودُور العلاج، ومراصد الفلك، ومراكز الترجمة والعلم، التي غدت منارات حضارية يقصدها طلاب العلم من شتى بقاع الأرض، وأسهمت بدَور فاعل في نقل المعرفة الإنسانية وتطويرها، حتى أصبحت الحضارة الإسلامية مرجعًا علميًا عالميًا لقرون متطاولة.

وذكر مفتي الجمهورية أن مهن الإدارة والقضاء والكتابة والوراقة والترجمة والنسخ والدواوين كان لها أثر بالغ في تنظيم شؤون الدولة الإسلامية، وضبط معاملاتها، وحفظ حقوق الناس، وتدوين العلوم والمعارف، ونقلها عبر الأجيال؛ موضحًا أن الكتَّاب والورَّاقين أسهموا في حفظ التراث العلمي والفقهي والفكري، في حين أسهم القضاة وأهل الفتوى في إرساء العدل وترسيخ سيادة النظام، وربط السلطة بالقيم، وهو ما أرسى توازنًا حضاريًّا فريدًا جمع بين القوة والتنظيم من جهة، والعدل والأخلاق من جهة أخرى، فكانت الحضارة الإسلامية حضارة بناء وعمران، وحضارة إنسان وقيم في آنٍ واحد. وانعكاسًا لهذا التكامل بين العِلم والتنظيم والقيم -بحسْب مفتي الجمهورية- تجد المعالم والآثار والمساجد التاريخية لا تزال شاهدة على إبداع المهن وجمالها، بما تحمله من بساطة ونظافة، وما تتجلى فيه من فنون الزخرفة على المنابر والمحاريب، ومن أعمدة وأقواس وقباب ومآذن بأشكال جمالية متنوعة مضيفًا أن  المهن تمثل رافدًا أساسيًّا من أهم الروافد المالية والاقتصادية التي اعتمدت عليها الدول والحضارات عبر التاريخ، وأسهمت في تحقيق الاستقرار والنماء، لافتًا إلى أن المهن كانت العامل الرئيس في نقل الإنسان من حياة الكهوف والبداوة إلى حياة القصور والتحضر، وأسهمت في إثراء التنوع الحضاري والعمراني في الأرض، من خلال ما قدمته من فنون وزخارف وصناعات أسهمت في الارتقاء بالذوق الإنساني وصناعة الجمال. ولذلك، فقد اهتم الفكر الإسلامي، عبر تاريخه، بتدوين أخلاقيات المهن بوصفها قيمة حضارية أصيلة، وجزءًا لا يتجزأ من منظومة البناء الإنساني، وهو ما تجلَّى في عدد من المؤلفات التراثية التي أرست قواعد الممارسة المهنية المنضبطة، وربطت بين الإتقان والمسؤولية، وبين العمل والقيم، من بينها كتاب الملوك لأبي منصور الثعالبي، وتذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم لابن جماعة، وأخلاق الطبيب لمحمد بن زكريا الرازي، وغيرها من المصنفات التي عكست وعيًا مبكرًا بأهمية البعد الأخلاقي في مختلف المهن.

وفي هذا السياق، أكد فضيلة المفتي أن التطور السريع والمتلاحق في مجال الذكاء الاصطناعي، وما أحدثه من تحولات جذرية في طبيعة العمل ومعالم المهن والحرف، أفرز مخاوف لدى بعض العاملين من تراجع أدوارهم أو اندثار مهنهم، في ظل تصنيف متداول للمهن بين يدوية مهارية، وإبداعية قائمة على الحكم واتخاذ القرار، وتقنية مرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، مشددًا على أن القيم الأخلاقية تظل عنصرًا حاكمًا في جميع هذه الأنماط، وأن القيم الدينية تمثل مرجعية أساسية في توجيه الممارسة المهنية والحفاظ على بعدها الإنساني، وأن التحدي الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يتمثل في التقنية ذاتها، وإنما في كيفية إدارتها والإطار القيمي والأخلاقي الذي يحكم توظيفها، وأنَّ التقنيات مهما بلغت من التطور تظل مجرد أدوات، بينما يظل الإنسان هو الغاية والمقصد، والمسؤول الأول عن توجيهها بما يحقق النفع ويدرأ الضرر ويحفظ الكرامة الإنسانية.

وفي ختام كلمة فضيلته، شدَّد مفتي الجمهورية على أن الخطاب الديني والإفتائي مطالب اليوم بمزيد من الوعي والتجديد المنضبط، القائم على الفهم العميق للواقع وتحولاته، مع الثبات على الأصول والمقاصد، بما يسهم في ترسيخ أخلاقيات المهن وتوجيه مسارها لخدمة الإنسان والمجتمع، وتحقيق مقاصد الشريعة في العمران والإصلاح سائلًا المولى تبارك وتعالى أن يبارك أعمال هذا المؤتمر، وأن تسهم مخرجاته في بناء وعي مهني أخلاقي رشيد، يواكب متطلبات العصر، ويصون القيم، ويدعم صناعة مستقبل أكثر عدلًا وإنسانية.

د. على محمد الأزهري:-السيولة العقدية الرقمية.. تحدٍّ جديد أمام منظومة القيم الأسرية-تحصين الأسرة يبدأ من الداخل.. والخطاب الديني داعم لا بديل- د. أحمد عبد الغفار:-«عولمة القيم».. صراع بين القيم العالمية الوافدة والثوابت الوطنية-تحديات التكنولوجيا والمصطلحات الدخيلة تهدد جوهر الكيان الأسري د. أحمد عبيد موسى:-الخطاب الإعلامي الداعم للأسرة.. ضرورة في مواجهة التحديات المعاصرة-العولمة تعيد تشكيل الأسرة.. والهوية الإسلامية في مواجهة التحديد. حكيمة شامي:- الإلحاد في البيئة الرقمية.. تهديد للتماسك الأسري-التحصين الحقيقي للناشئة يبدأ من الداخل


• د. عمرو الورداني: الأسرة لم تفقد تماسكها فقط.. بل فقدت معناها وانتقلت مصادر المعرفة من البيت إلى السوشيال ميديا• د. أمل مختار: الجيل الجديد لا يبحث عن إجابات جاهزة.. بل يريد أن يصوغ معرفته بنفسه ويعيد قراءة التاريخ من روايات مختلفة•د. سارة عزيز: الفجوة بين لغة الآباء والأبناء وبين التدين والحياة اليومية تفرض تطوير أدوات جديدة للحوار والتربية• د. فاطمة عنتر: الأبناء يبتعدون عن البيت نفسيًّا قبل أن يبتعدوا عنه جسديًّا.. والآباء هم الأكثر احتياجًا إلى التدريب على التعامل مع اختلاف الأجيال•د. رضوان السيد: الأجهزة الرقمية لا تقدم المعلومات فقط.. وإنما تعيد تشكيل طريقة التفكير ورؤية العالم• د. ميشيل جرجس: غياب الأب داخل الأسرة ينتج أزمات خطيرة.. وإعادة تفعيل دوره تبدأ بإدراك الرجل لحقيقته ووظيفته الأسرية


د. عبد الناصر موسى أبو البصل:- التحولات التقنية اخترقت الأمن الأسري.. والفتوى مطالَبة بدور إرشادي متكامل-د. ياسر السعداوي:-التأهيل المهني التطبيقي للمفتي ضرورة لإتقان الفتوى في القضايا الأسرية-د. إسلام عبد العاطي عُلَيَّان:- إدراج مادة «المدارس النفسية والاجتماعية» ضمن برامج تأهيل المفتين والمفتيات أمر ضروري-د. مصطفى الأقفهصي:- الفتوى المؤسسية لم تعد تقتصر على معالجة النوازل الفردية.. وتمتد إلى صناعة سياسات أسرية داعمة للاستقرار والتماسك


أستاذ أصول الفقه بجامعة الأزهر:الشريعة جعلت حفظ العقل مقصدًا أصيلًا من مقاصدها ..والوقاية من المخدرات تبدأ ببناء الوعي المعرفي والروحي-مواجهة المخدرات حرب مجتمعية تستلزم تكامل الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والعلمية والمتخصصين-خبير السموم والإدمان بمصلحة الطب الشرعي: المخدرات تهدد العقل والصحة وتفتح الطريق أمام اضطراب السلوك وارتكاب الجرائم-عضو الهيئة الاستشارية العليا لفضيلة المفتي:الأحكام الشرعية المتعلقة بمرضى الإدمان تراعي الفارق بين فقدان العقل بسبب مباح أو محرم.. وتستند إلى قواعد التداوي ورفع الضرر- حماية المتعافي تقتضي صيانة سِرِّه وخصوصيته واحتواءه ومساعدته على استعادة حياته الطبيعية بعيدًا عن الوصمة والإقصاء


التقى فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، الدكتورة شريفة نعمان العمادي، المدير التنفيذي لمعهد الدوحة الدولي للأسرة، في لقاء ثنائي عُقِد على هامش فعاليات المؤتمر العالمي الحادي عشر للإفتاء بالقاهرة.


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 26 أكتوبر 2026 م
الفجر
5 :37
الشروق
7 :4
الظهر
12 : 39
العصر
3:49
المغرب
6 : 13
العشاء
7 :31