10 سبتمبر 2026 م

من استثمار المال إلى أرشفة الفتوى.. دار الإفتاء المصرية ترسخ منظومة متكاملة لفهم النص وصناعة الحكم وحفظ المعرفة

من استثمار المال إلى أرشفة الفتوى.. دار الإفتاء المصرية ترسخ منظومة متكاملة لفهم النص وصناعة الحكم وحفظ المعرفة

في إطار توجيهات فضيلة الأستاذ الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، تتواصل أعمال الدورة التدريبية «منهجية دار الإفتاء المصرية في فتاوى المعاملات المالية»، عبر برنامج علمي متنوع يجمع بين التأصيل الشرعي والفهم الاقتصادي واللغوي والتقني، ويكشف عن تكامل الأدوات اللازمة لصناعة الفتوى المعاصرة، من فهم طبيعة الاستثمار وأدواته، وإدراك خصائص المعاملات المصرفية، والتمكن من علوم اللغة لفهم النصوص الشرعية، وصولًا إلى توثيق الفتاوى وأرشفتها وحفظها واستثمارها في تطوير العمل الإفتائي، بما يعزز قدرة الدارسين على التعامل مع القضايا المستجدة وفق منهج يجمع بين دقة التصور وسلامة الفهم وحسن التكييف والاستفادة من المعرفة المتراكمة.

وفي محاضرة «الاستثمار: أدواته وأشكاله»، استعرض الأستاذ الدكتور فياض عبد المنعم، المستشار المالي لفضيلة المفتي ووزير المالية الأسبق، مفهوم الاستثمار في المنظورين الإسلامي والاقتصادي، موضحًا أن المال في التصور الإسلامي وسيلة لا غاية، وأن الشريعة حثت على تنميته واستثماره فيما يحقق الخير والنفع، مع النهي عن إضاعته أو تعطيله، كما عرض مفهوم النشاط الاقتصادي باعتباره مجموع الأنشطة التي يمارسها الإنسان لتحقيق الكسب وتلبية حاجاته، والمتمثلة في الإنتاج والاستهلاك والادخار والاستثمار، مبينًا أن قوة الاقتصاد ترتبط بقدرته على تحويل الموارد والإمكانات إلى إنتاج حقيقي، وأن الاستثمار يمثل محركًا أساسيًّا للنمو من خلال زيادة الطاقة الإنتاجية وخلق فرص العمل ودعم مسارات التنمية.

وعلى صعيد أدوات الاستثمار، أوضح المستشار المالي لفضيلة المفتي ووزير المالية الأسبق أن الاستثمار الناجح لا ينبغي أن ينحصر في تحقيق العائد المالي، وإنما يمتد إلى الإنتاج الطيب وتحقيق النفع العام، مستشهدًا بقول الله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157]، ومبينًا أهمية إسهام أفراد المجتمع في تحقيق الكفاية الاقتصادية وتنمية الموارد وتعظيم الاستثمار، مع الاستناد إلى ما ورد في التراث من الحث على تنمية أموال اليتامى، وما عرف عن سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه من تنمية ماله واستثماره. كما عرض أبرز الأدوات الاستثمارية المشروعة، ومنها: الأصول العينية كالعقارات والأراضي والذهب والسلع، والأسهم في الشركات ذات الأنشطة المباحة، والصكوك التي تمثل ملكية شائعة في أصول أو منافع أو مشروعات، إلى جانب صناديق الاستثمار والوقف، مع مراعاة الضوابط الشرعية وطبيعة الأصول ومصادر العائد، بما يؤكد أن الشريعة لم تضع قالبًا جامدًا للاستثمار، وإنما أرست قواعد وضوابط تسمح بتطوير أدوات جديدة منضبطة بأحكامها ومقاصدها.

وفي محاضرة «أثر اللغة في فهم النص الشرعي»، عرض الأستاذ الدكتور عبد الفتاح حبيب، أستاذ اللغويات بجامعة الأزهر، مكانة اللغة العربية في فهم نصوص الوحي، موضحًا أنها ليست غاية في ذاتها وإنما وسيلة لفهم كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسائر النصوص العربية، وأن علوم اللغة من علوم الآلة التي يحتاج إليها الفقيه والمفتي والباحث الشرعي، مشيرًا إلى أن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم، وهو ما يجعل الجهل باللغة سببًا محتملًا للخطأ في فهم النص ثم الخطأ في استنباط الحكم والفتوى، مؤكدًا أن التمكن من علوم العربية يعين المشتغل بالعلوم الشرعية على إدراك الدلالات والأساليب وفهم النص في سياقه الصحيح.

وفي الجانب التطبيقي لدَور اللغة في الاستنباط، أوضح أستاذ اللغويات بجامعة الأزهر أن مفهوم النص تتعدد استعمالاته اللغوية والاصطلاحية، مبينًا عناية الفقهاء والمفسرين المتقدمين بلغة العرب وأساليبهم، مستشهدًا بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما بشأن الاستعانة بالشعر في فهم غريب القرآن، ثم أبرز مجالات تأثير اللغة في الاستنباط، ومنها دلالة الألفاظ والتمييز بين الأمر والنهي والإباحة، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، إلى جانب الحقيقة والمجاز والإعراب والأساليب البلاغية كالتقديم والتأخير والحذف والكناية، مبينًا أن العناية باللغة لا تقف عند معرفة المفردات والقواعد النحوية والصرفية، وإنما تشمل فهم طرائق العرب في التعبير واستعمال الألفاظ والتراكيب، بما يجعل امتلاك أدوات العربية ركنًا أساسيًّا في تكوين المفتي والباحث وصيانة الحكم الشرعي من الخطأ في الفهم والاستنباط.

وعلى مستوى المعاملات المصرفية، تناول الدكتور محمد إبراهيم البلتاجي، خبير الاقتصاد المالي والمصارف الإسلامية، موضوع «المعاملات المالية والاستثمارية في القطاع المصرفي - المعاملات البنكية»، مستعرضًا طبيعة العمل المصرفي وأبرز المنتجات والخدمات البنكية، ومبينًا أن البنوك مؤسسات مالية تضطلع بوظائف تتصل بحفظ الأموال وإدارتها وتوظيفها واستثمارها، وأن التعامل معها أصبح من مقتضيات الحياة الاقتصادية المعاصرة، لافتًا إلى أن الحكم الشرعي لا ينصبُّ على البنك باعتباره كيانًا واحدًا، وإنما يتعلق بطبيعة كل معاملة وعقد على حدة، وهو ما يستلزم دراسة المنتج المصرفي وفهم حقيقته وتكييفه فقهيًّا قبل إصدار الحكم، كما أشار إلى ما كشفته الأزمات المالية العالمية من أهمية دراسة النظام المصرفي وأدواته وآليات عمله، مع إبراز خصوصية التجربة المصرفية الإسلامية وأهمية دراسة منتجاتها وصيغها.

وفي بيان الفروق بين الأنماط المصرفية والمنتجات البنكية، بيَّن خبير الاقتصاد المالي والمصارف الإسلامية أن كثيرًا من الخدمات التي تقدمها البنوك التقليدية يمكن تقديمها في المصارف الإسلامية من خلال صيغ وعقود وآليات تراعي الضوابط الشرعية، وأن العبرة بحقيقة العقد وطبيعة المعاملة وآلية تنفيذها لا بمجرد المسميات، مؤكدًا أن الأصل في المعاملات الإباحة وأن دائرة المباح أوسع من دائرة المحرم. ثم استعرض عددًا من المنتجات التي تحتاج إلى دراسة فقهية، ومنها: حسابات التوفير والودائع وشهادات الاستثمار والتمويل والقروض وبطاقات الائتمان والتحويلات والاعتمادات المستندية، إلى جانب الفروق المتعلقة بمصدر العائد وطبيعة العلاقة التعاقدية والرقابة الشرعية، بما يؤكد ضرورة دراسة كل منتج مصرفي بصورة مستقلة والنظر في أركانه وشروطه وآلية تنفيذه وآثاره قبل إصدار الحكم الشرعي بشأنه.

وفي محاضرة «آليات وطرق أرشفة الفتاوى»، أكد الشيخ حازم داود، مدير إدارة التدقيق اللغوي بدار الإفتاء المصرية، على أهمية التوثيق والأرشفة في العمل الإفتائي، موضحًا أن الأرشفة تمثل ذاكرة المؤسسة، وأن الفتوى لا تكتمل قيمتها المؤسسية بمجرد صدورها، وإنما تتعاظم فائدتها من خلال توثيقها وحفظها وإتاحتها للاستفادة منها في المسائل اللاحقة، بما يحقق تراكم الخبرة والمعرفة. كما عرض المراحل التاريخية التي مرت بها عملية توثيق الفتاوى في دار الإفتاء المصرية، مبينًا أن الفتاوى كانت تحفظ في صورتها الورقية منذ عام 1895م وحتى عام 2002م، ثم بدأت جهود تنظيم هذا التراث وأرشفته، حيث يضم الأرشيف ما يقارب 120 ألف فتوى موثقة حتى الآن، إلى جانب جهود نشر التراث الإفتائي، ومن بينها طباعة فتاوى الشيخ محمد المهدي العباسي في عشرين مجلدًا، وما أتاحه هذا التراث من مادة علمية للباحثين والدارسين.

وفي امتداد لهذا المسار، أشار مدير إدارة التدقيق اللغوي بدار الإفتاء المصرية إلى أن الأرشفة لا تقتصر على حفظ الوثائق، وإنما تستهدف بناء قاعدة معرفية مؤسسية تخدم المفتي والباحث وطلاب الدراسات العليا، من خلال الرجوع إلى الفتاوى السابقة والاستفادة منها مع مراعاة اختلاف الوقائع والظروف، وتتبع تطور الخطاب الإفتائي ومناهج التعامل مع النوازل، وأن دار الإفتاء أشرفت على نحو 120 رسالة ماجستير ودكتوراه في هذا المجال. كما أبرز أهمية الانتقال من الأرشيف الورقي إلى الرقمي بما يوفره من سرعة في البحث والاسترجاع وإمكانات أكبر في التصنيف والفهرسة والربط بين الفتاوى والموضوعات والمصادر، مؤكدًا أن التطور المتسارع في تقنيات المعلومات والذكاء الاصطناعي يفتح المجال أمام الأرشفة الذكية التي تتجاوز التخزين إلى التنظيم والتحليل والاسترجاع بكفاءة أعلى، بما يحافظ على التراث الإفتائي ويجعله أكثر قابلية للاستثمار العلمي في الحاضر والمستقبل.

هذا، وتتكامل محاور اليوم التدريبي في تقديم تصور موسع لمنظومة صناعة الفتوى، لا تقف عند حدود الحكم الشرعي، وإنما تبدأ بفهم الواقع الاقتصادي والاستثماري، وتمر بإدراك طبيعة المعاملات المصرفية وتكييفها، وتستند إلى سلامة التعامل مع النص الشرعي وأدوات اللغة العربية، ثم تستفيد من التوثيق والأرشفة وتراكم الخبرة المؤسسية، بما يعزز بناء مُفْتٍ وباحث قادر على الجمع بين التأصيل الشرعي وفهم الواقع والاستفادة من العلوم المتخصصة والتقنيات الحديثة، ويرسخ منهجية مؤسسية تحفظ المعرفة الإفتائية وتطور أدوات التعامل مع النوازل وتستجيب لمتغيرات الحياة الاقتصادية والعلمية والتقنية مع صيانة الثوابت وتحقيق مصالح الناس.

في ضوء توجيهات فضيلة مفتي الجمهورية، تواصل دورة «منهجية الفتوى» فعالياتها التدريبية، في إطار اهتمام دار الإفتاء المصرية بتأهيل المفتين وإكسابهم الأدوات العلمية والمنهجية اللازمة لممارسة العمل الإفتائي، بما يجمع بين سلامة الاستدلال، ودقة التصور، وفهم الواقع، والقدرة على التعامل مع النصوص الشرعية والقضايا الفكرية، فضلًا عن إتقان مراحل تحرير الفتوى ومراجعتها ونقدها، بما يحقق قدرًا أكبر من الانضباط في الأداء الإفتائي.


في ضوء توجيهات فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، واصلت دورة «منهجية الفتوى المعاصرة» فعالياتها لتدريب مجموعة من الدارسين الوافدين من دولة ماليزيا على العمل الإفتائي ومناهج ممارسته، وينظمها مركز التدريب بدار الإفتاء المصرية، في إطار جهود الدار الرامية إلى تأهيل الكوادر الإفتائية وإكسابها الأدوات العلمية والمنهجية اللازمة لممارسة الفتوى وفق ضوابطها الشرعية ومتطلبات الواقع المعاصر.


وصل إلى القاهرة، اليوم الثلاثاء، وفود من العلماء والمفتين للمشاركة في أعمال المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، المنعقد تحت عنوان: "التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى .. مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهُوية".


اجتمع فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، بأعضاء اللجنة المكلفة بالإعداد للمؤتمر الدولي حول «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى»، لمتابعة الاستعدادات العلمية والتنظيمية للمؤتمر، ومناقشة التصورات الخاصة بمحاوره وفعالياته، بما يضمن خروجه بصورة تليق بمكانة دار الإفتاء المصرية، والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم.


قام فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، بزيارة فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، على رأس وفد علمي وديني رفيع المستوى، ضم نخبة من كبار العلماء والمفتين والوزراء ورؤساء المجامع الفقهية والقيادات الدينية الإسلامية من 80 دولة، والمشاركين في أعمال المؤتمر الدولي الحادي عشر للإفتاء، الذي ينعقد هذا العام تحت عنوان: «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى.. مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهُوية».


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 10 سبتمبر 2026 م
الفجر
5 :8
الشروق
6 :37
الظهر
12 : 52
العصر
4:23
المغرب
7 : 7
العشاء
8 :25