الأربعاء, 28 أكتوبر 2026 – 17 جُمادى الأولى 1448 هـ
01 يناير 2017 م

المكافأة

المكافأة


يقدِّرُ الإسلام نوازع النفس البشرية التوَّاقة إلى تحصيل الخير والمحتاجة إلى تقويم الانحراف في آنٍ واحد، لذا فإن الإسلام يقدِّر أهمية الجزاء أو المكافأة على العمل، ويوليها ما تستحق من اهتمام؛ تحفيزًا للنفس البشرية على فعل الخيرات واجتناب المنكرات.

لقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى أن ما نفعله من عمل في هذه الدنيا سنحاسب عليه ونُجازى عنه، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر؛ قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ۞ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [يونس: 26-27].

وبيَّن سبحانه وتعالى أنه لا بد من التمييز والتفريق في المجازاة بين من يعمل الصالحات ومن يعمل السيئات؛ فقال جل شأنه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ ۞ أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ۞ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: 18-20].

يوضح القرآن كذلك أخلاق الأنبياء في المكافأة حين يشير إلى موقف مكافأة سيدنا موسى من سيدنا شعيب عليهما السلام، حين جاءته ابنته تمشي على استحياء، وقالت لسيدنا موسى: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص: 25]، ومكافأةِ الله تعالى لسيدنا يوسف بعد ما تعرَّضَ له من إيذاء إخوته، ثم سعي سيدنا يوسف لاستبقاء أخيه، ثم دعوته إلى أبيه سيدنا يعقوب، وأهله أجمعين إلى مصر.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم -فيما رواه الإمام البخاري- يقبل الهدية ويُثيب عليها، أي: يُعطِي الذي يُهدِي له بدلَها، والمراد بالثواب المجازاة، وأقله ما يساوي قيمة الهدية، ووجهنا إلى مكافأة من يُحسن إلينا، فقال: «مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَ بِاللهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ». رواه أبو داود.

ومن رحمة الله بنا أن جعل التوبة سبيلاً للخروج من السيئات، وأن قدَّر للأعمال الصالحة حسنات حتى نعملها، وللخبيثة سيئات حتى نجتنبها، وفي التشريعات العملية في الحياة قدَّر الشرعُ عقوبات لعدد من الجرائم التي تُرتكب من العبد؛ كالقصاص في القتل، وتقرير الحدود كجزاءاتٍ عقابية لجرائم الزنا والسرقة والقذف، والتعزير الذي تتفاوت درجته وهيئته بحسب تقدير المجتمع للعقوبة الرادعة لجرائم كثيرة أخرى، حتى إنها تصل إلى مستوى القتل؛ كما في حد الحرابة للمخربين المفسدين في الأرض؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33].

كما فرض كفارات لمخالفة الأيمان والظِّهار والتقصير في بعض العبادات كصوم رمضان... إلخ.

إن تقرير العقوبات الدنيوية وسيلة من وسائل تكفير الذنوب، خاصة إذا كانت آثارُها قاصرةً على الشخص نفسه، في حين تظل الآثام المتعلقة بحق الغير باقية حتى يتم العفو، أو رد الحقوق لأصحابها، وإن في هذه النظرة الإسلامية للعقوبة على المعاصي والذنوب وانتهاك حقوق الغير مكافأةً من جانب آخر للمجتمع الذي رفض الانحراف وحافظ على تمسُّكه بالتشريع أو القانون الذي تراضى على إقراره.

إن إدراك المسلم لهذا التصور الإسلامي لفكرة الجزاء والمكافأة وأهميتها تجعله حريصًا على تطبيقها في حياته وممارساته المختلفة؛ فيكافئ الوالدُ ابنَه عند قيامه بعمل حسن أو عندما يحفظ القرآن ويجتهد في تحصيل العلم، ويكافئ الابنُ والديه ببرهما ورعايتهما عند الكبر؛ لأنه يَذْكُرُ بالإضافة لواجبِ البر لهما أنهما بذلا في سبيل رعايته وتنشئته أكثر مما يجب عليهما من العناية والاهتمام والعطاء، وكذلك الزوج يُكافئ زوجتَه على ما تقدِّمه له من حسن معاملة، والزوجةُ تكافئ زوجَها على اهتمامه بها وببيتها، وصاحب العمل يكافئ عمَّالَه على إخلاصهم في العمل وإتقانهم له، وكذلك العمَّال يبذلون جهدهم من أجل مكافأة صاحب العمل على اهتمامه بشئونهم، والمعلمُ يكافئُ تلاميذَه على اجتهادهم في تحصيل دروسهم، والتلاميذُ يقابلون إخلاصَ معلميهم بإكبارِهم وتوقيرِهم والاحتفاءِ بهم..، وهذا مما يخلق مناخًا من الألفة والمودة يسود المجتمع، فيترسخ فيه السلام الاجتماعي وتنمو فيه مظاهر التعاون والبذل والعطاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
- "فتح الباري" لابن حجر (5/ 210).
- "دستور الأخلاق في القرآن" للدكتور محمد عبد الله دراز (ص: 245، وما بعدها).
- "الجزاء" للدكتور طه حبيشي ضمن "موسوعة الأخلاق" (ص: 215-223، ط. المجلس الأعلى للشئون الإسلامية).

العفة في الجوارح هي إمساكها عن الحرام، وكفها عن كل ما لا يحلُّ وكل ما لا يَجْمُل من خوارم المروءة، وقد ذكرنا في مقال سابق أن الإسلام يأخذ بيد الإنسان لتحصيل الفضائل والوقوف على منطقة الكمال من قواه الإنسانية، وأن المجتمعات التي تتمسك بالعفة مجتمعات مثالية.


الإخلاص من القيم والأخلاق المهمة التي يؤدي افتقادها إلى بطلان العمل أو قلة بركته وضياع ثوابه، وفي خِضَمِّ مشاغل الحياة والرغبة في تأمين المعايش وموارد الرزق ينسى كثيرٌ من الناس صدق التوجه إلى الله، الخالق الرزاق القادر على كل شيء، فيعمل بعض الناس العمل من أجل إرضاء شخص له جاهٌ ويُنتظر منه جزاءً على العمل له، أو يلتزمون بشيء خوفًا من عقوبة تطالهم من سلطة أعلى منهم، لا خوفًا من الله ولا إخلاصًا في التوجه له وقصده بالعمل، وهذا شعور دقيق يتعلَّق بالنية، ويخفى على كثير


مَنَحَ الله الإنسانَ نعمًا شتى لا تحصى، ومِنْ شُكْرِ الله على نِعَمِه استخدامها فيما أمر به، وإمساكها عن ما نهى عنه، واللسان من هذه النعم العظيمة، التي يعبر بها الإنسان عن نفسه وأفكاره وأحواله المختلفة، فبه ينطق بكلمة الإيمان


النفس الإنسانية جُبِلَتْ على الأَثَرَةِ والشعور بالكمال، والميل إلى اللَّذائذ والشَّهوات، وسبيلُ نجاة الإنسان أن يقاومَ ما بها من نوازع للشر، ويهذِّبها حتى يستغلَّ ما فيها من إمكانات من أجل دفعها لفعل الخير. والطباع التي جُبِلَتْ عليها النفس من الأَثَرَةِ والميل إلى تحصيل الشهوات وغيرها؛ تدفعها كثيرًا إلى الغضب والحرص والاندفاع بالقول والعمل للإساءة للغير، ما لم يكن هناك حاجزٌ لها من تربيةٍ أو دينٍ أو ظروفٍ تمنع أو تقلِّل من هذا الاندفاع.


لا يستغني الإنسان عن العلاقة بغيره، فهو كائنٌ اجتماعيٌ، وخلق الله الناس في حاجةٍ بعضِهم لبعض، ومَنْ مَنَحَهُ الله ميزةً وقدرةً على القيام بأمور معينة مَنَعَهُ القدرة على القيام بأمور أخرى. وإذا كان الإنسان ينشأ في البداية بين أهله وأقربائه عادةً؛ فإنه -بمرور الوقت والاحتكاك بالآخرين- تنشأ له دوائر علاقات أخرى أكثر تنوُّعًا وتشعُّبًا؛ فيحب ويَكره، ويثق ويشك، ويأمِّن ويخوِّن، فيزداد من البعض دُنوًّا وقربًا، ومن آخرين نفورًا وبعدًا، وقد نَبَّهَ القرآن إلى هذه الحقيقة الاجتماعية في التنوُّع والتَّعارف في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].


مَواقِيتُ الصَّـــلاة

القاهرة · 28 أكتوبر 2026 م
الفجر
5 :38
الشروق
7 :6
الظهر
12 : 39
العصر
3:47
المغرب
6 : 11
العشاء
7 :30