ما حكم استبدال العين الموقوفة؟ فمثلًا المبنى الموقوف الصالح للسكن لا يسع لكثيرٍ من الناس، كما أنه لو بنى متولي الوقف غرفًا جديدة في مكان واسع أمام هذا المبنى القديم فسيبدو مظهر المبنى القديم غير جيد أمام هذه الغرف الجديدة، فبناءً على ذلك، هل يجوز أن نهدم المبنى القديم ونبني عليه الجديد على نفس الصورة والشكل الذي بناه المتولي؟ وإن كان ذلك جائزًا فإلى أي حدٍّ؟ وأيضًا بأي أوصافٍ يجوز أن يتصف الرجل الذي يتولى أمور المسجد؟ نريد تفصيلًا في هذه المسألة؟
خلاصة القول في هذه المسألة أنه يجوز استبدال العين الموقوفة بغيرها مما يكون أكثر نفعًا عند انعدام الانتفاع بالوقف أو قلته، فإذا رأى ناظر الوقف أن هذا الاستبدال أكثر تحقيقًا للمصلحة بكل وجوهها فله حينئذٍ أن يستبدل المبنى الجديدَ بالقديم بالشكل الذي يحقق الغرض المرجوَّ من الوقف. ويشترط في الناظر الذي يراد تعيينه لولاية الوقف أن يكون متصفًا بالأمانة، قادرًا على القيام بالوقف.
المحتويات
الوقف حبسٌ للموقوف على الموقوف عليه، إلا أن العين الموقوفة قد يرد عليها ما يمنع الانتفاع بها أو يقلله، وهي الحالة التي اختلف الفقهاء بصددها؛ فبعضهم وقف على حكم الأصل لم يتعده، والبعض نظر إلى مصلحة الوقف الذي خرب أو قلَّت منفعته فرأى أنه يجوز استبداله بغيره مما يكون أكثر نفعًا للوقف.
فأباح السادة الحنفية استبدال الوقف لمجرد مصلحة راجحة، ولم يقصروا جواز استبداله على خرابه، وذلك كاستبداله بآخر أكثر ريعًا منه؛ وهذا مبنيٌّ منهم على أهمية اعتبار المصلحة في الوقف، والتي لم تقتصر على الاستبدال في حالة خراب الوقف، بل تجاوزت ذلك إلى الاستبدال القائم على المصلحة الراجحة والجدوى، ثم وصلت إلى الاستبدال بالدراهم الذي هو بيعٌ يُحوِّل الموقوف إلى أموال سائلة تُصرف في مصالح الوقف؛ وتفصيل ذلك: نقل العلامة ابن عابدين في "العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية" (1/ 115، ط. دار المعرفة): [في "فتاوى قاري الهداية" سئل عن استبدال الوقف ما صورته: هل هو على قول أبي حنيفة وأصحابه؟ أجاب: الاستبدال إذا تعين بأن كان الموقوف عليه لا ينتفع فيه وثمة من يرغب فيه ويعطي بدله أرضًا أو دارًا لها ريع يعود نفعه على جهة الوقف فالاستبدال في هذه الصورة قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى وإن كان للوقف ريع ولكن يرغب شخص في استبداله إن أعطي بَدَلَهُ أَكْثَرَ رِيعًا مِنْهُ فِي صُقْعٍ أَحْسَنَ مِنْ صُقْعِ الوقف جاز عند القاضي أبي يوسف والعمل عليه وإلا فلا يجوز. اهـ. قال العلامة صاحب "النهر" في ذيل الفتوى المذكورة ما نصه: ورأيت بعض الموالي يميل إلى هذا ويعتمده، وأنت خبير بأن المستبدل إذا كان قاضي الجهة فالنفس به مطمئنة فلا يخشى الضياع معه ولو بالدراهم والدنانير. والله الموفق. اهـ. وقد أفتى بجواز الاستبدال بالنقود إذا كان فيه مصلحة للوقف جماعة من العلماء الأعلام منهم العلامة الخير الرملي وتلميذه الفهامة السيد عبد الرحيم اللطفي والمحقق الشيخ إسماعيل الحائك وغيرهم من العلماء روَّح الله تعالى روحهم بدار السلام. والله سبحانه وتعالى أعلم] اهـ.
كما نَقَلَ عن "فتاوى اللطفي" في جوابٍ آخر عن الدراهم البدل عن الوقف: [الجواب: تلك الدراهم بدل الموقوف المستبدل يُشتَرى بها ما يكون وقفًا مكانه وقد تُصرف في عمارة الوقف الضرورية بإذن قاضٍ يملك ذلك ويُستوفى من غلة الوقف بعد العمارة ليُشترى بها ما يكون وقفًا كالأول لا تكون ملكًا للموقوف عليهم ولا إرثًا، ومسألة الاستبدال بالدراهم معلومة وتحتاج إلى ديانة] اهـ. وعلق عليه العلامة ابن عابدين بقوله: [فمقتضاه جواز صرف البدل في عمارة الوقف فتأمل. والاستبدال والبيع واحد من حيث المآل، والله أعلم] اهـ.
وأباح بعض علماء المالكية في قولٍ لهم استبدال الوقف للمصلحة الراجحة في العقار، فقد أشار إلى ذلك العلامة السجلماسي في "شرح العمل المطلق" بقوله: [(إن العقار إذا خرب وصار لا ينتفع به الانتفاع التام أنه يباع)، كما ذكروا جواز بيعه لصالح المحبس عليه إذا خيف عليه الهلاك بالجوع أفتى به القاضي أبو الحسن علي بن محسود ونقله ابن رحال عن اللخمي وعبد الحميد] اهـ.
وقال بالاستبدال والمناقلة في الوقف للمصلحة أيضًا بعض علماء الحنابلة ومتأخريهم: فقد نقل عن صالح جواز نقل المسجد لمصلحة الناس وصنف صاحب الفائق مصنفًا في جواز المناقلة سماه "المناقلة في الأوقاف وما في ذلك من النزاع والخلاف".
ووافقه على جوازها الشيخ برهان الدين بن القيم والشيخ عز الدين حمزة وصنف فيه مصنفًا سماه "رفع المثاقلة في منع المناقلة".
ووافقه أيضا جماعةٌ في عصره، وقد نبَّه العلامة المرداوي الحنبلي على أنهم تبعٌ للعلامة تقي الدين بن تيمية في ذلك "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" (7/ 101، ط. دار إحياء التراث العربي).
ونصُّ الشيخِ ابنِ تيمية في "فتاواه" (4/ 360، ط. دار الكتب العلمية) عن الإبدال للمصلحة الراجحة هو: [وأما ما وقف للغلة إذا أبدل بخير منه مثل أن يقف دارًا أو حانوتًا أو بستانًا أو قرية يكون مَغَلُّها قليلًا فيبدلها بما هو أنفع للوقف؛ فقد أجاز ذلك أبو ثور وغيره من العلماء مثل أبي عبيد بن حربويه قاضي مصر وحكم بذلك، وهو قياس قول أحمد في تبديل المسجد من عرصة إلى عرصة للمصلحة] اهـ.
وبعد أن ذكر منع الإبدال عن الشافعي وغيره قال: [لكن النصوص، والآثار والقياس تقتضي جواز الإبدال للمصلحة. والله سبحانه وتعالى أعلم] اهـ.
يشترط في ناظر الوقف الأمانة والقدرة على القيام به؛ قال العلامة ابن عابدين في "رد المحتار على الدر المختار" (4/ 380): [قال في "الإسعاف": ولا يولى إلا أمين قادر بنفسه أو بنائبه؛ لأن الولاية مقيدة بشرط النظر، وليس من النظر تولية الخائن؛ لأنه يخل بالمقصود، وكذا تولية العاجز؛ لأن المقصود لا يحصل به، ويستوي فيه الذكر والأنثى وكذا الأعمى والبصير وكذا المحدود في قذفٍ إذا تاب؛ لأنه أمين] اهـ.
وقال الإمام النووي في "المجموع شرح المهذب" (15/ 363، ط. دار الفكر): [شرط الناظر العدالة الباطنة مطلقًا كما رجحه الأذرعي، خلافًا لاكتفاء السبكي بالعدالة الظاهرة ... كما تشترط الكفاية لما تولاه من نظرٍ عامٍّ أو خاصٍّ؛ وهي الاهتداء إلى التصرف الذي فُوِّض له؛ قياسًا على الوصيِّ والقيم؛ لأنها ولايةٌ على غيره، ولو كان له النظر على مواضع فأثبت أهليته في مكان ثبتت في بقية الأماكن من حيث الأمانة لا من حيث الكفاية، إلا أن يُثبِت أهليته في سائر الأوقاف كما قرره ابن الصلاح] اهـ.
والعدالة عند الشافعية تقتضي الأمانة المشروطة عند الحنفية، كما أن ما عبَّروا عنه بالكفاية لما تولاه من نظرٍ عامٍّ أو خاصٍّ بمعنى الاهتداء إلى التصرف الذي فُوِّض له يساوي القدرةَ عند الحنفية.
بناءً على ذلك: فإنه إذا رأى ناظر الوقف أن المبنى الجديد الذي سيتم استبدال الوقف به سوف تتحقق فيه شروط الاستبدال؛ بأن يكون أكثر تحقيقًا للمصلحة بكل وجوهها من المبنى القديم هيئةً ومساحةً، فله حينئذٍ أن يستبدل الجديدَ بالقديم؛ عملًا بما هو الأصلح للوقف، وشروط الناظر الذي يراد تعيينه لولاية الوقف هي أن يكون متصفًا بالأمانة والقدرة على القيام به.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
تُوفي رجل عن: زوجة، وأخ وأخت شقيقين، وأولاد أخت شقيقة، وأخت لأم، وكان قد نقل كل أمواله السائلة دون الأصول باسم بنت أخته، وكان يدفع منها مرتبات لبعض الأشخاص، وأوصاها بدفع شهريات لبعض الأشخاص من عائد هذه الأموال بعد موته. فما حكم الشرع في فعله هذا؟ وهل عليه إثم؟
أنا مسلم ياباني في مدينة ميازاكي -جزيرة كيوشو اليابانية- ونحن كمسلمين هنا أسَّسنا رابطةً تسمى "رابطة مسلمي ميازاكي"، وعلى مدار ما يقرب من عشر سنوات نجمع الصدقات من بعضنا ومن الآخرين لبناء مسجد في مدينتنا، وأسمينا المشروع "مشروع مسجد ميازاكي".
وفي يوم 30 من يونيو عام 2009م كان شخص ما يعيش هنا ورحل إلى أحد البلاد العربية، ومن هناك أرسل تبرعًا قيمته مليون ين -ما يعادل 12.5 ألف دولار أمريكي- وقال: هذا للمسجد.
ومنذ أسبوعين تقريبًا أرسل نفسُ الشخص بريدًا يقول فيه إنه يريد استرجاع المبلغ؛ لأن شخصًا من عائلته يواجه مشكلة مالية.
وعلى هذا اجتمع المسلمون هنا للرد: هل نرد الصدقة أم لا؟ واحتكمنا لرأي الدين والشرع في هذا الموضوع. فهل له حق المطالبة بردِّ الصدقة؟ وهل علينا أن نردَّ له الصدقة أم لا؟ وهل نتحمَّل وزر إرجاع صدقة لأي شخص تبرع بها للمسجد؟ علمًا بأننا ما زلنا نجمع الصدقات والتبرعات لبناء المسجد.
هل يجوز صرف ما تبقى من تبرعات تبرع بها أصحابها لغرض بناء مسجد في بناء مستشفى بجانبه بدلًا من المِئذنة؟ حيث لم يتم بناء مِئذنة له حتى الآن، علمًا بأن الأرض المراد بناء المستشفى عليها كانت قد سوِّرت لتجعل مسجدًا.
حكم وقف الأسهم وتسبيل عوائدها ؟ فرجل يملك أسهمًا في عدة شركات وبنوك، ويرغب في حبس أصول هذه الأسهم وتسبيل منفعتها للجهات التي ستصرف إليها من وارث وجهات خيرية من أرحام وفقراء وعمارة مساجد ونحو ذلك من أعمال البر وفقًا للشريعة الإسلامية وحفاظًا على الأصول وانتفاعًا مستمرًّا بعوائد الأسهم لمستحقيها؟
ما حكم التصرف في التبرع على خلاف ما حدّده المتبرع دون إذن منه؟ فإنه يوجد مسجد أهالي يحتاج إلى خزان مياه، ويوجد متبرعان كل منهما يريد التبرع بقدر من الإسمنت، طلب القائمون على المسجد التبرع بالخزان فرفضا، وقالا لو لم تأخذوا الإسمنت فلن نتبرع، فهل يجوز للقائمين على المسجد أخذ الإسمنت ثم بيعه وشراء خزان المياه؟
ما حكم الإيجار المستحق قبل وفاة صاحب الوقف؟ فقد سأل شخصان في رجل وقف أطيانًا زراعية على نفسه أيام حياته، ثم من بعده على أُناسٍ اختارهم بمقتضى كتاب وقف سجل بالمحاكم الشرعية، ثم بعد ذلك أجرها لأناس مزارعين بمقتضى عقود إيجارات موقع عليها منه بختمه لمدة سنتين، ابتداؤهما أول نوفمبر سنة 1908، لغاية شهر أكتوبر سنة 1910 إفرنكية، واشترط على المستأجرين أن يكون دفع الإيجار على قِسطين؛ أحدهما يستحق في شهر يناير، والثاني يستحق في شهر أكتوبر من كل سنة، ولم يتحصل الواقف حال حياته على القسط الأول المشترط سداده في شهر يناير سنة 1910م، وما زال بطرف المستأجرين حتى توفي الواقف إلى رحمة الله تعالى في يوم 19 إبريل سنة 1910م.
فهل مبلغ القسط المذكور -والحال ما ذكر- تركة للواقف تورث عنه لورثته الشرعيين، أو يكون للمستحقين في وقفه المذكور؟ أفيدوا الجواب، ولكم الثواب. أفندم.