فقه تغيير المنكر - الفتاوى - دار الإفتاء المصرية - دار الإفتاء

فقه تغيير المنكر

فقه تغيير المنكر

أمرنا الشرع بتغيير المنكر، فما الضوابط التي نعرف بها أن هذا الفعل مُنْكَرٌ؟ وما الطَّرِيقَةُ والأدوات الصحيحة لتغييره؟

المحتويات

 

مفهوم المنكر وبيان حقيقته

الْمُنْكَر: على وزن مُفْعَل، اسم مفعول مِن: أُنكرِ، المبني لِمَا لَمْ يُسَمَّ فاعلُه، وهو ما جُهِل ولم يُعْرف، والجَمْعُ: مَنَاكِير.

واختلفت عبارة أهل العلم في بيان حقيقة المنكر؛ لتعدُّدِ صوره واختلافها؛ فمنهم من عرَّفه بما هو أعلى صُوَرِهِ، ومنهم من عرَّفه ببعض صُوَره؛ قال العلَّامة الراغب الأصفهاني في "المفردات" (ص: 823، ط. دار القلم، الدار الشامية، بيروت): [والمُنْكَرُ: كلُّ فِعْلٍ تَحكُمُ العقولُ الصحيحةُ بقُبْحِهِ، أو تتوقَّفُ في استقباحِهِ واستحسانه العقولُ فتحكم بقبحه الشَّريعةُ] اهـ.
وقال الإمام الجصَّاص في "أحكام القرآن" (2/ 44، ط. دار الكتب العلمية، بيروت): [وَالْمُنْكَرُ هُوَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ] اهـ.
وقال العلَّامة الألوسي في "روح المعاني" (4/ 28، ط. دار إحياء التراث العربي): [المنكر: المعاصي التي أنكرها الشرع] اهـ.
فإذا جُمِعَت هذه التعريفات قيل: المنكر: كلُّ ما تَحكُمُ العقول الصحيحة بقُبْحِه أو يُقَبِّحه الشَّرع أو يُحرِّمه أو يكرهه، وفي التنزيل العزيز يقول الله عز وجل: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النحل: 90].
وقال العلَّامة الجرجانيُّ في "التعريفات" (1/ 54، ط. دار الكتاب العربي): [الأمر بالمعروف: هو الإرشاد إلى المراشد المنجية، والنَّهي عن المنكر: الزَّجر عمَّا لا يلائم في الشَّريعة.
وقيل: الأمر بالمعروف: الدَّلالة على الخير، والنَّهي عن المنكر: المنع عن الشَّرِّ.

وقيل: الأمر بالمعروف: أمر بما يوافق الكتاب والسُّنَّة، والنَّهي عن المنكر: نهي عمَّا تميل إليه النَّفس والشَّهوة.

وقيل: الأمر بالمعروف: الإشارة إلى ما يرضي الله تعالى من أقوال العبد وأفعاله، والنَّهي عن المنكر: تقبيح ما تنفِّر عنه الشَّريعة والعفَّة، وهو ما لا يجوز في شرع الله تعالى] اهـ.
والتغيير كما قال العلَّامة الراغب الأصفهاني في "المفردات" (ص: 619): [يقال على وجهين:
- أحدهما: لتغيير صورة الشيء دون ذاته، يقال: غيَّرت داري، إذا بنيتها بناءً غير الذي كان.
- والثاني: لتبديله بغيره، نحو: غيَّرت غلامي ودابَّتي إذا أبدلتهما بغيرهما] اهـ.

فقه تغيير المنكر وبيان ضوابطه

المنكر الذي يجب على الأمة تغييرُه هو: ما خالف الشرع -كتابًا وسُنَّة- مخالفةً قاطعةً، سواء في هذا أن تكون المخالفة لما أمر به الشرع إيجابًا أو لما نهى عنه تحريمًا، وسواء كانت المخالفة تركًا بالكُلِيَّة لما أمر به الشرع، أو زيادة عليه بغير نَصٍّ، أو نقصًا منه بغير عذرٍ، أو تغييرًا فيه، أو تبديلًا في ذاته.

ويشترط أن يكون هذا المنكر مُتَّفَقًا على إنكاره؛ لثبوته بالكتاب أو السنة، بحيث لا يكون إنكارُه محلَّ خلافٍ بين أهل العلم الموثوق بهم من ذَوِي الاختصاص والتَّقوى، فإنْ كان محل اجتهاد واختلاف، فليس مما يجب على الأمة تغييرُه.

والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر فرضُ كفاية؛ إذا قام به بعض النَّاس سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم الكُلُّ ممن تمكَّن منه بلا عذرٍ ولا خوف.
ووجود المنكر في المجتمع أمر طَبَعِيٌّ، لا يخلو منه مجتمع في أيِّ حِقبة من حِقب الزمان، ولكن الذي ليس من الطبيعي أن يرى أبناء المجتمع المنكر فلا يسعون إلى تغييره بضوابطه، وفي التغيير بقاءُ الحياة على النحو الذي يحبه الله عزَّ وعَلَا.
والقرآن الكريم يوصي بضرورة التذكير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتَّواصيِ بالحقِّ والصَّبر؛ يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]، ويقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 110].

وكذلك ورد في السنة المطهرة الحثُّ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مواضعَ كثيرةٍ؛ منها قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، ونهي عن مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ» رواه مسلم في "صحيحه" واللفظ له، وأبو داود في "سننه".
قال الإمام النَّوويُّ رحمه الله في "المنهاج شرح صحيح مسلم" (2/ 24، ط. دار إحياء التراث العربي، بيروت) : [اعلم أنَّ الأَمْرَ بالمعروف والنَّهيَ عن المنكر قد ضُيِّع أكثره من أَزْمَانٍ متطاولة، ولم يَبْقَ منه في هذه الأزمان إلا رسومٌ قليلةٌ جدًّا، وهو بابٌ عظيمٌ، به قوام الأمر وملاكه، وإذا كثر الخبث عمَّ العقابُ الصَّالحَ والطَّالحَ، وإذا لم يأخذوا على يَدِ الظَّالِم أَوْشَكَ أَنْ يعمَّهُم الله تعالى بعقابه؛ قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63].
فينبغي لطالب الآخرة والسَّاعي في تحصيل رضا الله عزَّ وجلَّ أن يعتني بهذا الباب؛ فإنَّ نَفْعَهُ عَظِيمٌ، لا سيما وقد ذهب معظمه.
وعلى الآمر بالمعروف أن يخلص نيَّته ولا يَهَابَنَّ من ينكر عليه؛ لارتفاع مرتبته؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: 40]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: 101]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: 69]، وقال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ۞ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 2-3].

واعلم أنَّ الأجر على قدر النَّصَبِ، ولا يتركه أيضًا لصداقته ومودَّته ومداهنته، وطلب الوجاهة عنده، ودوام المنزلة لديه، فإنَّ صداقتَه ومودَّته تُوجِبُ له حرمة وحقًّا، ومن حقِّه أن ينصحه ويهديه إلى مصالح آخرته، وينقذه من مضارِّها، وصديق الإنسان ومحبه هو من سعى في عمارة آخرته، وإن أدَّى ذلك إلى نقصٍ في دنياه، وعدوه من يسعى في ذهاب أو نقص آخرته، وإن حصل بسبب ذلك صورة نفع في دنياه، وإنَّما كان إبليس عدوًّا لنا لهذا، وكانت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أولياء للمؤمنين لسعيهم في مصالح آخرتهم وهدايتهم إليها، ونسأل الله الكريم توفيقنا وتوفيق أحبابنا وسائر المسلمين لمرضاته.
وينبغي للآمر بالمعروف والنَّاهي عن المنكر أن يرفق ليكون أقرب إلى تحصيل المطلوب؛ فقد قال الإمام الشَّافعيُّ رضي الله عنه: "مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ سِرًّا فَقَدْ نَصَحَهُ وَزَانَهُ وَمَنْ وَعَظَهُ عَلَانِيَةً فَقَدْ فَضَحَهُ وَشَانَهُ"] اهـ.

ولما كانت غاية تغيير المنكر عظيمة، وكان فريضةً وضرورة حياة، فإنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد بيَّن منهاج التغيير وآلياته ووسائله، والضوابط والآداب، حتى لا تضل الأمة في قيامها بتلك الفريضة، فتسلك بها غير السبيل القويم، أو تتخذ وسيلة غير التي تكون لها.
روى الإمام مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيده، فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لم يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» رواه الإمام مسلم في "صحيحه"، وأبو داود في "سننه"، وابن ماجه في "سننه"، والنسائي.
وذكر الإمام النووي في كتاب "شرح النووي على صحيح مسلم" (2/ 25) في شرح الحديث: أن القاضي عياضًا رحمه الله قال: [هذا الحديث أصل في صفة التغيير، فحقُّ المغير أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به، قولًا كان أو فِعْلًا، فيكسر آلات الباطل، ويريق المسكر بنفسه أو يأمر مَنْ يفعله، وينزع الغصوب ويردها إلى أصحابها بنفسه، أو بأمره إذا أمكنه، ويرفق في التغيير جهده بالجاهل وبذي العِزَّة الظالم المخُوف شرُّه؛ إذ ذلك أدعى إلى قبول قوله، كما يستحب أن يكون متولِّي ذلك من أهل الصلاح والفضل لهذا المعنى، ويغلظ على المتمادي في غيه والمسرف في بطالته، إذا أمن أن يؤثر إغلاظه منكرًا أشد مما غيَّره؛ لكون جانبه محميًّا عن سطوة الظالم، فإن غلب على ظنه أن تغييره بيده يسبب مُنْكَرًا أشد منه من قتله أو قتل غيره بسببه كفَّ يده واقتصر على القول باللسان والوعظ والتخويف، فإن خاف أن يسبب قوله مثل ذلك غيَّر بقلبه وكان في سعة، وهذا هو المراد بالحديث إن شاء الله تعالى.
وإن وجد مَنْ يستعين به على ذلك استعان، ما لم يؤدِّ ذلك إلى إظهار سلاح وحرب، وليرفع ذلك إلى مَنْ له الأمر إن كان المنكر من غيره، أو يقتصر على تغييره بقلبه، هذا هو فقه المسألة، وصواب العمل فيها عند العلماء والمحققين، خلافًا لمن رأى الإنكار بالتصريح بكل حالٍ وإن قتل ونيل منه كل أذى. هذا آخر كلام القاضي رحمه الله] اهـ.
وقال أبو بكر بن العربي في تفسيره "أحكام القرآن لابن العربي" (1/ 383-384، ط. دار الكتب العلمية، بيروت) عند تعرضه لشرح الحديث السابق: [وفي هذا الحديث من غريب الفقه أن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم بدأ في البيان بالأخير في الفعل، وهو تغيير المنكر باليد، وإنما يُبْدَأُ باللسان والبيان فإن لم يكن فباليد؛ يعني أن يحول بين المنكر وبين متعاطيه بنزعه وبجذبه منه، فإن لم يقدر إلا بمقاتلةٍ وسلاحٍ فليتركْه، وذلك إنما هو إلى السلطان؛ لأن شهر السلاح بين الناس قد يكون مخرجًا إلى الفتنة وآيلًا إلى فساد أكثر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا أن يقوى المنكر؛ مثل أن يرى عدوًّا يقتل عدوًّا، فينزعه عنه ولا يستطيع ألا يدفعه، ويتحقق أنه لو تركه قتله، وهو قادر على نزعه، ولا يسلمه بحال، وليخرج السلاح] اهـ.

وضَّح لنا هذا الحديث مراتب تغيير المنكر، بأن الإنسان إذا عجز عن إحداها استعمل الأخرى، كما وضح لنا آلات التغيير وسبله، ناظمًا لها نظمًا أوَّليًّا، فلا يتخلى المرء عن سبيل إلى الذي بعده إلا إذا أعذر نفسه، وأيقن أن ليس في طوقه القيام بالتغيير من خلال السبيل الذي ترك.
فالتغيير باليد يكون لمن له سلطان على مرتكب المنكر؛ كالوالد مع ولده، والزوج مع زوجته، والرَّاعي في رعيته، والوالد والزوج يغيران المنكر في حدود سلطتهما التي لو تجاوزاها ارتكبا مُنكرًا، أو أدَّى إلى ضَررٍ بالغٍ أو مُنكرٍ أكبر، أمَّا الراعي فله السلطان الكامل؛ قال القرطبي في تفسيره "الجامع لأحكام القرآن" (4/ 49، ط. دار الكتب المصرية): [قال العلماء: الأمر بالمعروف باليد على الأمراء، وباللسان على العلماء، وبالقلب على الضعفاء؛ يعني: عوام الناس] اهـ.

والتغيير في أيَّةِ مرتبة من مراتبه لا بد أن يكون بالحكمة، حتى لا يكون فيه ضررٌ على الشخص المنكِر ولا يؤدي إلى منكَر أشد أو فتنة تزيد بها المنكرات ولا تزول.
ومن ثمَّ فإن تغيير المنكر المترتب على تغييره آثار فردية أو جماعية، لا يستقيم القيام به إلا من بعد مراجعة ملابساته وسياقاته، والموازنة بينه وبين آثاره، وهذا يقتضي استشارة أهل العلم والحكمة، فكثيرًا ما يتوقف الطبيب عن معالجة داءٍ ما خشية ما سوف يترتب على معالجته دوائيًّا أو جراحيًّا من أدواء وآثار أشد ضررًا، إلى أن تتهيأ الظروف والملابسات لمعالجته دونما آثار ضارة، وكذلك مُغيِّر المنكر يحتاج إلى الحكمة في هذا أكثر من احتياج الطبيب، فإنَّ ما يترتب على غفلة الطبيب في هذا أقل ضررًا مما قد يترتب على غفلة المغيِّر للمنكر، ولا أحسب أن أحدًا يتهم مثل ذلك الطبيب بالتقصير أو الخيانة أو الإفراط في القيام بواجبه حينئذٍ.
وكذلك ينبغي ألا يتهم العامةُ علماءَ الأمَّة حين يوصون بالصَّبرِ على ذلك المنكر حتى تتهيَّأ له الظروف ومناخات وملابسات وسياقات أفضل يؤتَي التغيير فيها ثمرًا أطيب وأعظم؛ وهذا وجهٌ من وجوه المعنى القرآني في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل: 125]، وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: 108].
فالحكمة والبصيرة دعامتا النجاح في القيام بتغيير المنكر قيامًا يرضي الله عزَّ وعلا، ويحقق الغايَة من التَّكليفِ به.

الخلاصة

بناءً على ما سبق: يتبين أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضٌ على الكِفاية؛ إذا قام به بعض المكلفين سقط عن الباقين، وأن تغيير المنكر له مراتب؛ فالتغييرُ باليد وظيفةُ الأمراء وولاة الأمور، والتغييرُ باللِّسان وظيفةُ العلماء، والتغييرُ بالقلب إنما هو لعوام النَّاس، كل هذا مع مراعاة الحِكْمَةِ وإعمال فقه الموازنات عند القيام بهذه الوظيفة الجليلة.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا