جماعة البلشفية - الفتاوى - دار الإفتاء المصرية - دار الإفتاء

جماعة البلشفية

جماعة البلشفية

سأل رجل في طريقة جماعة البلشفية التي فشت في هذا الزمان، وعم ضررها، وحاصل طريقتهم أنهم يدعون إلى الفوضى والفساد، وإنكار الديانات، وإباحة المحرمات، وعدم التقيد بعقيدة دينية، وإلى الاعتداء على مال الغير، وينكرون حق الأشخاص فيما يملكون، ويعتقدون أنه يسوغ لكل واحد أن يغتصب ما شاء ممن يشاء، ويستبيحون سفك الدماء، وينكرون حقوق الزوجية بين كل زوجين، كما ينكرون نسبة الأولاد إلى آبائهم؛ بل يجعلونهم منسوبين إلى حكومتهم، ويهدمون سياج المعيشة العائلية، ولا يفرقون بين حلال وحرام، وكل امرأة تحل لكل واحد منهم ولو لم يكن بينها وبينه عقد زواج، ويستبيحون دم كل امرأة تصون عرضها عن أي واحد منهم، وكثيرًا ما يجبرون النساء على انتهاك حرماتهن إذا كن غير متزوجات، أو على تلويث شرفهن وشرف أزواجهن وأولادهن إذا كن متزوجات وذوات أولاد. وبالجملة فهم قائلون بإباحة كل شيء حرمته الشرائع الإلهية. أفيدوا تؤجروا أثابكم الله.

طريقة جماعة البلشفية طريقة تهدم الشرائع السماوية -وعلى الأخص الشريعة الإسلامية- رأسًا على عقب، فهي تأمر بما نهى الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فهي تأمر بسفك الدماء، والاعتداء على مال الغير، والخيانة، والكذب، وهتك الأعراض، وتجعل الناس فوضى في جميع معاملاتهم في أموالهم، ونسائهم، وأولادهم، ومواريثهم حتى يصيروا كالبهائم؛ بل هم أضل سبيلًا، وقد نهى الله عن كل ما ذكر، فهم كفارٌ، طريقتهم تفضي إلى هدم كيان الاجتماع الإنساني، وإلى انحلال نظام العمران، وإنكار الأديان، وتنذر العالم أجمع، وتهددهم بالويل والثبور، وتحرض الطبقات السافلة حتى تثير حربًا عوانا على كل نظام قوامه العقل والأدب والفضيلة، فعلى كل مسلم صادق أن يَحْذَر منهم، ويتباعد كل البعد عن ضلالاتهم وعقائدهم الفاسدة، وأعمالهم الكاسدة، فإنهم بلا شك ولا ريب كفار لا يعتقدون شريعة من الشرائع الإلهية، ولا يعتقدون دينًا سماويًّا، ولا يعرفون نظامًا.

التفاصيل ....

المحتويات

 

تاريخ جماعة البلشفية وبيان مبادئهم

نقول: إن هذه الطريقة قديمة، وإنها ملة رجل منافق من الفرس من أهل فيسا يقال له: "زرادشت" ابتدعها في المجوسية، فتابعه الناس على بدعته تلك، وفاق أمره فيها.
وكان ممن دعا العامة إليها رجل من أهل مذرية يقال له: "مزدك ابن بامداز"، وكان مما أمر به الناس وزيَّنه لهم وحثهم عليه التساوي في أموالهم وأهليهم، وذكر لهم أن ذلك من البر الذي يرضاه الله، ويثيب عليه أحسن الثواب، وأنه إن لم يكن الذي أمرهم به وحثهم عليه من الدين فهو مكرمة في الفعال ورضا في التعاوض، فحض بذلك سفلة الناس على عليتهم، واختلط له أجناس اللؤماء بعناصر الكرماء، وسهل سبيل الغصب للغاصبين، والظلم للظالمين، والعهر والزنا للعهار والزناة؛ حتى يقضوا نهمتهم، ويصلوا إلى النساء الكرائم اللاتي لم يكونوا يطمعون فيهن، وشمل الناس بلاء عظيم لم يكن لهم عهد بمثله.
وكان ذلك في مدة ملك "قباز بن فيروز بن يزورج" من ملوك الفرس، ولما مضى على ملكه عشر سنين اجتمع عظماء دولته ورؤساء ديانته على إزالته عن ملكه فأزالوه عنه، وحبسوه لمتابعته "مزدك" المذكور مع أصحاب له؛ قالوا: إن الله إنما جعل الأرزاق في الأرض ليقتسمها العباد جميعًا بينهم بالسوية، ولكن الناس تظالموا فيها، وجعلوا أن منهم فقراء ومنهم أغنياء، وأنهم يأخذون من مال الأغنياء للفقراء، ويردون من المكثرين على المقلين، وأن من كان عنده فضل من الأموال والنساء والأمتعة، فليس هو بأولى به من غيره، فانتهز السفلة حينذاك هذه الفرصة واغتنموها، وكاتفوا "مزدك" المذكور وأصحابه، وشايعوهم، وعاونوهم على ذلك، فابتلي الناس بهم، وقوي أمرهم، حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره فيغلبونه على منزله ونسائه وأمواله ولا يستطيع الامتناع منهم، وحملوا "قباز" على تزيين ذلك وتحسينه، وتوعدوه بخلعه إن لم يفعل ما يريدون، فلم يلبثوا إلا قليلًا حتى صار الناس لا يعرف الرجل منهم ولده، ولا الولد أباه ولا زوجته ولا أحدًا من أقاربه، ولا يعرف له رحمًا محرمًا ولا غير محرم؛ بل صاروا كالبهائم، وصار الرجل منهم لا يملك شيئًا مما كان بيده، وجعلوا "قباز" في مكان لا يصل إليه أحد سواهم، وقالوا له: إنك قد أثمت وعصيت بسبب أعمالك فيما مضى، ولا يخلصك ويطهرك مما عملت إلا إباحة نسائك، وراودوه على أن يدفع إليهم نفسه فيذبحوه ويجعلوه قربانًا للنار، وكان من أنصار "قباز" رجل يقال له: "زرمهر"، فلما رأى "زرمهر" المذكور ما صنع أولئك القوم، خرج بمن شايعه من الأشراف باذلًا نفسه، فقتل من أصحاب "مزدك" خلقًا كثيرين، وأعاد "قباز" إلى ملكه، فأخذ أصحاب "مزدك" المذكور بعد ذلك يحرشون "قباز" على "زرمهر" حتى قتله، وكان "قباز" من خيار ملوك الفرس، حتى حمله "مزدك" المذكور على ما حمله عليه مما تقدم، فانتشرت الفوضى في أطراف البلاد وأواسطها، وفسدت الثغور، واستمر الأمر كذلك إلى أن انتقل الملك إلى كسرى "أنوشروان" ابن قباز المذكور، فنهى الناس عن أن يسيروا بشيء مما ابتدعه "زرادشت" و"مزدك"، وأبطل بدعتهما، وقتل خلقًا كثيرًا ممن ثبتوا على تلك البدعة، ولم ينتهوا عما نهاهم عنه منها حتى استأصل تلك الطائفة، وثبت للمجوسية ملتهم التي كانوا لا يزالون عليها.

بيان أن الإسلام قد جاء للقضاء على المبادئ الفاسدة

قد جاء الإسلام فقضى على تلك الطريقة الفاسدة، وأنزل كتابه العزيز على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فأمر فيه الناس كافة بكل خير، ونهاهم عن كل شر، وأمرهم بالاعتقاد بالعقائد الصحيحة في حقه تعالى بوصفه بكل كمال يليق بشأن الألوهية، وتنزيهه عن كل نقص يتعالى عنه صفة الربوبية.
وكذلك في حق الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام؛ فأمر باعتقاد عصمتهم عن المعاصي، وتنزيههم عن كل نقص يخل بمنصب الرسالة، وشرع العقود الناقلة للملك من بيع وهبة ووصية وغير ذلك، وبيَّن المواريث ونصيب كل وارث فيما يرث عن مورثه، وبيَّن في كتابه العزيز أنه هو سبحانه الذي تولى بنفسه قسمة المعيشة بين الخلائق؛ فقال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ﴾ [الزخرف: 32]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [سبأ: 36]، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.
وقد خطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع التي انتقل بعدها بيسير من دار الفناء إلى دار البقاء؛ فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الحمد لله، نحمده، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحثكم على طاعة الله، وأستفتح بالذي هو خير. أما بعد: أيها الناس اسمعوا مني أبين لكم، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا.
أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى الذي ائتمنه عليها.
وإن ربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب.
وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية.
والعَمْدُ قَوَدٌ، وشبه العمد ما قتل بالعصا أو الحجر وفيه مائة بعير فمن زاد فهو من أهل الجاهلية. أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم.
أيها الناس، ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ﴾ [التوبة: 37]، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، و﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: 36]؛ ثلاثة متواليات، وواحد فرد: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب الذي بين جمادى وشعبان، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد.
أيها الناس، إن لنسائكم عليكم حقًا، ولكم عليهن حقًا، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم غيركم، ولا يدخلن أحدًا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، ولا يأتين بفاحشة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضلوهن، وتهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإنما النساء عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئًا أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بهن خيرًا، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد.
أيها الناس، إنما المؤمنون إخوة فلا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفس منه، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم أعناق بعض، وإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده: كتاب الله وأهل بيتي، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد.
أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد». قالوا: نعم، قال: «فليبلغ الشاهد منكم الغائب.
أيها الناس، إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، ولا يجوز لوارث وصية في أكثر من الثلث، والولد للفراش، وللعاهر الحجر، ومن ادعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين؛ لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».

الخلاصة

من ذلك كله يُعلم: أن طريقة جماعة البلشفية طريقة تهدم الشرائع السماوية -وعلى الأخص الشريعة الإسلامية- رأسًا على عقب، فهي تأمر بما نهى الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فهي تأمر بسفك الدماء، والاعتداء على مال الغير، والخيانة، والكذب، وهتك الأعراض، وتجعل الناس فوضى في جميع معاملاتهم في أموالهم، ونسائهم، وأولادهم، ومواريثهم حتى يصيروا كالبهائم؛ بل هم أضل سبيلًا، وقد نهى الله عن كل ما ذكر، فهم كفار طريقتهم تفضي إلى هدم كيان الاجتماع الإنساني، وإلى انحلال نظام العمران، وإنكار الأديان، وتنذر العالم أجمع، وتهددهم بالويل والثبور، وتحرض الطبقات السافلة حتى تثير حربًا عوانا على كل نظام قوامه العقل والأدب والفضيلة، فعلى كل مسلم صادق أن يَحْذَر منهم، ويتباعد كل البعد عن ضلالاتهم وعقائدهم الفاسدة، وأعمالهم الكاسدة، فإنهم بلا شك ولا ريب كفار لا يعتقدون شريعة من الشرائع الإلهية، ولا يعتقدون دينًا سماويًّا، ولا يعرفون نظامًا.

وبالجملة: فكسرى "أنوشروان" الذي هو مجوسي يعبد النار لم يرض طريقة هؤلاء الجماعة؛ لأنها مضادة للعدل والنظام، فكيف بأهل الإسلام الذين أمرهم الله على لسان نبيه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].
والله سبحانه وتعالى أعلم.

اقرأ أيضا